موسوعة التفسير

سورةُ الحَجِّ
الآية (18)

ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ

غريب الكلمات:


حَقَّ: أي: وجَب ولَزِمَ، والحَقُّ في أصلِه: المطابقةُ والموافقةُ، وأصلُ (حَقق): يَدُلُّ على إحكامِ الشَّيءِ وصِحَّتِه [290]     يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/15)، ((المفردات)) (ص: 246، 247)، ((تحفة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 107)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 390)، ((تفسير السعدي)) (ص: 536). .

المعنى الإجمالي:


يقول الله تعالى: ألم تعلَمْ أنَّ اللهَ سُبحانَه يَسجُدُ له خاضِعًا مُنقادًا مَن في السَّمَواتِ مِنَ الملائكةِ، ومَنْ في الأرضِ مِن المَخلوقاتِ، والشَّمسُ والقَمَرُ، والنُّجومُ والجِبالُ، والشَّجَرُ والدوابُّ؟ ويَسجُدُ له طاعةً واختيارًا كثيرٌ مِن النَّاسِ، وهم المؤمِنونَ، وكثيرٌ مِن النَّاسِ حَقَّ عليه العذابُ فهو مَهِينٌ، وأيُّ إنسانٍ يُهِنْه اللهُ، فليس له أحَدٌ يُكرِمُه؛ إنَّ اللهَ يَفعَلُ في خَلْقِه ما يشاءُ وَفْقَ حِكمَتِه.

تفسير الآية:


أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
بعد أن أبان اللهُ عزَّ وجلَّ فيما سلف أنَّه يَقضي بين أربابِ الفِرَقِ السَّالفةِ يومَ القيامةِ، وهو شهيدٌ على أقوالِهم وأفعالِهم- أردَفَ هذا ببيانِ أنَّه ما كان ينبغي لهم أن يختَلِفوا، ألَا يَرَوْنَ أنَّ جميعَ العوالمِ العُلويَّةِ والسُّفليَّةِ: كبيرَها وصغيرَها، شَمسَها وقمَرَها ونجومَها، وجبالَها وحيوانَها ونباتَها- خاضِعةٌ لجَبَروتِه، مُسخَّرةٌ لقُدرتِه [291]     يُنظر: ((تفسير المراغي)) (17/100). ؟!
وأيضًا فهي مرتبطةٌ بمعنى قَولِه: يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ إلى قوله: لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج: 12-13] ارتباطَ الدَّليلِ بالمطلوبِ؛ فإنَّ دلائلَ أحوالِ المخلوقاتِ كُلِّها -عاقِلِها وجمادِها- شاهدةٌ بتفرُّدِ اللهِ بالإلهيَّةِ، وفي تلك الدَّلالةِ شَهادةٌ على بطلانِ دعوةِ مَن يدعو مِن دونِ اللهِ ما لا يضُرُّه وما لا ينفَعُه [292]     يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/225، 226). .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ.
أي: ألم تعلَمْ [293]     قيل: الخِطابُ لكُلِّ مَن يصلُحُ له، وهو مَن تتأتَّى منه الرؤيةُ. وممن قال بذلك: أبو السعود، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/100)، ((تفسير الشوكاني)) (3/524)، ((تفسير الألوسي)) (13/27)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/226). وقيل: الخطابُ للنبيِّ مُحمَّد عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. وممَّن قال بذلك: ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/487). أنَّ اللهَ يَسجُدُ له مَن في السَّمَواتِ مِن الملائكةِ، ومَن في الأرضِ مِن الخلقِ مِن الجنِّ وغيرِهم [294]     يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/487). ، والشَّمسُ والقَمَرُ والنُّجومُ في السَّماءِ، والجِبالُ والشَّجَرُ والدوابُّ في الأرضِ [295]     يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/487)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/418، 419)، ((الوسيط)) للواحدي (3/262)، ((تفسير البغوي)) (3/328)، ((تفسير ابن عطية)) (4/113)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/127، 128)، ((تفسير ابن كثير)) (5/403). قيل: سجودُ كلِّ شيءٍ بحسَبِه وما يختصُّ به. وممن قال بذلك: ابن تيميَّة، وابن كثير. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (21/284)، ((تفسير ابن كثير)) (5/403). وقيل: سُجودُ ذلك ظِلالُه حين تَطلُعُ عليه الشَّمسُ وحين تَزولُ، فإذا تحوَّل ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ فهو سُجودُه. وممن قال بذلك: ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/487). وقيل: المرادُ بسُجودِها: خُضوعُها وذِلَّتُها وانقيادُها لخالِقِها فيما يريدُ منها. وممَّن قال بذلك في الجُملةِ: الزجَّاج، والواحدي، وابن عطية، وابن القيم، والشوكاني. يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/418)، ((الوسيط)) للواحدي (3/262)، ((تفسير ابن عطية)) (4/113)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/127، 128)، ((تفسير الشوكاني)) (3/524). قال السمعاني: (قال الزَّجاج: السجودُ هاهنا بمعنَى الطاعةِ؛ أي: يُطيعُه، واستَحسَنوا هذا القولَ؛ لأنَّه موافِقٌ للكِتابِ، وهو قولُه تعالى: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، وأيضًا فإنَّ مِن اعتِقادِ أهلِ السُّنَّةِ أنَّ الحيوانَ والمواتَ مُطِيعٌ كُلُّه لله تعالى). ((تفسير السمعاني)) (3/427). ؟
كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ [الرعد: 15] .
وقال سُبحانَه: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [النحل: 48-49] .
وقال عزَّ وجَلَّ: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [الرحمن: 6].
وعن أبي ذَرٍّ رَضِيَ الله عنه، قال: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأبي ذَرٍّ حينَ غَرَبتِ الشَّمسُ: ((أتدري أين تذهَبُ؟ قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّها تذهَبُ حتى تسجُدَ تحتَ العَرشِ، فتَستَأذِنُ، فيُؤْذَنُ لها، ويُوشِكُ أن تَسجُدَ فلا يُقبَلُ منها، وتَستأذِنُ فلا يُؤْذَنُ لها، يُقالُ لها: ارجِعي مِن حَيثُ جِئْتِ، فتَطلُعُ مِن مَغرِبِها، فذلك قَولُه تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس: 38] )) [296]     رواه البخاري (3199) واللفظ له، ومسلم (159). .
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.
أي: وكثيرٌ مِن النَّاسِ -وهم المُؤمِنونَ- يَسجُدونَ لله طَوعًا مُختارينَ عابدِينَ [297]     يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/487)، ((الوسيط)) للواحدي (3/262)، ((تفسير ابن كثير)) (5/403). .
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ.
أي: وكثيرٌ مِن النَّاسِ -وهم الكافِرونَ- وَجَب عليهم عذابُ اللهِ؛ لامتِناعِهم عن السُّجودِ للهِ عن طواعِيَةٍ واختيارٍ [298]     يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/488)، ((تفسير السمرقندي)) (2/453)، ((الوسيط)) للواحدي (3/262، 263)، ((تفسير ابن كثير)) (5/404)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/227). .
وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ .
أي: ومَن يُهِنْهُ اللهُ فلا يَقدِرُ أحَدٌ أن يُكرِمَه [299]     يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/488)، ((الوسيط)) للواحدي (3/263)، ((تفسير البغوي)) (3/328)، ((تفسير القرطبي)) (12/24)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/227). .
إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
أي: وذلك لأنَّ اللهَ يَفعَلُ في خَلْقِه ما يَشاءُ، فيُسعِدُ ويُكرِمُ مَن يشاءُ، ويُشقي ويُهينُ مَن يَشاءُ؛ فالخَلقُ خَلقُه، والأمرُ أمرُه [300]     يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/489)، ((الوسيط)) للواحدي (3/263)، ((تفسير البغوي)) (3/328)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/27). .

الفوائد التربوية :


1- قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ فإذا كانت المخلوقاتُ كُلُّها ساجِدةً لِرَبِّها، خاضِعةً لِعَظَمتِه، مُستكينةً لعِزَّتِه، عانيةً لِسُلطانِه؛ دَلَّ على أنَّه وَحْدَه الرَّبُّ المعبودُ، والمَلِكُ المَحمودُ، وأنَّ مَن عَدَل عنه إلى عبادةِ سِواه، فقد ضَلَّ ضَلالًا بعيدًا، وخَسِرَ خُسرانًا مُبِينًا [301]     يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 536). .
2- قال ابن الجوزي: (نظرتُ في قولِ الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، ثم قال: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ... فرأيتُ الجماداتِ كُلَّها قد وُصِفَت بالسجودِ، واستثنى مِن العقلاءِ، فذكرتُ قَولَ بَعضِهم:
ما جحَد الصامتُ [302]     جَحَد: أي: كَفَر وأنكَرَ. والصَّامِتُ: الجَمادُ. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 53)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 711). مَن أنشَأه ... ومِن ذَوي النُّطقِ أتَى الجُحودُ
فقلتُ: إنَّ هذه لقدرةٌ عظيمةٌ؛ يوهَبُ عَقلٌ للشَّخصِ، ثمَّ تُسلَبُ فائدتُه! وإنَّ هذا لأقوى دليلٍ على قادرٍ قاهرٍ، وإلَّا فكيف يَحسُنُ من عاقلٍ ألَّا يعرِفَ بوجودِه وجودَ مَن أوجدَه؟! وكيف يَنحِتُ صنمًا بيدِه ثم يَعبُدُه؟! غيرَ أنَّ الحقَّ سُبحانَه وتعالى وهَب لأقوامٍ مِن العقلِ ما يُثبِتُ عليهم الحُجَّةَ، وأعمَى قلوبَهم كما شاء عن المحجَّةِ) [303]     يُنظر: ((صيد الخاطر)) لابن الجوزي (ص: 424). .
3- قاعِدةٌ شَريفةٌ: النَّاسُ قِسمانِ: عِليَةٌ وسَفِلةٌ؛ فالعِلْيةُ: مَن عرَفَ الطَّريقَ إلى رَبِّه وسَلَكها قاصِدًا الوُصولَ إليه، وهذا هو الكريمُ على رَبِّه. والسَّفِلَةُ: مَن لم يَعرِفِ الطَّريقَ إلى رَبِّه، ولم يتعَرَّفْها، فهذا هو اللَّئيمُ الذى قال الله تعالى فيه: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [304]     يُنظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 177). .
4- المعصيةُ سَبَبٌ لِهَوانِ العَبدِ على رَبِّه، وسُقوطِه مِن عَينِه؛ قال الحَسَنُ البَصريُّ: (هانُوا عليه فعَصَوه، ولو عَزُّوا عليه لعَصَمَهم!)، وإذا هان العبدُ على اللهِ لم يُكرِمْه أحدٌ، كما قال الله تعالى: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ، وإنْ عَظَّمَهم النَّاسُ في الظَّاهِرِ؛ لحاجَتِهم إليهم، أو خوفًا مِن شَرِّهم، فهم في قُلوبِهم أحقَرُ شَيءٍ وأهوَنُه [305]     يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 58). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ فيه سؤالٌ: أنَّ قَولَه: أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ لَفظُه لَفظُ العُمومِ، فيَدخُلُ فيه النَّاسُ، فلِمَ قال مرَّةً أُخرى: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؟
الجوابُ: أنَّه لو اقتَصَر على ما تقَدَّمَ، لأوهَمَ أنَّ كُلَّ النَّاسِ يَسجُدونَ، كما أنَّ كُلَّ الملائكةِ يَسجُدونَ، فبيَّنَ أنَّ كثيرًا منهم يَسجُدونَ طَوعًا دُونَ كثيرٍ منهم، فإنَّه يمتَنِعُ عن ذلك، وهم الذين حَقَّ عليهم العَذابُ [306]     يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/213، 214). .
2- لا يجوزُ تَسميةُ بعضِ الزُّهورِ بـ «عَبَّادِ الشَّمسِ»؛ لأنَّ الأشجارَ لا تَعبُدُ الشَّمسَ، إنَّما تَعبُدُ اللهَ عزَّ وجَلَّ، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ، وإنما يُقال عبارةٌ أُخرى ليس فيها ذِكْرُ العبوديَّةِ، كمُراقِبةِ الشَّمسِ، ونحو ذلك مِن العباراتِ [307]     يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (3/118). ومِن ذلك تسميةُ بعضُ الناسِ لها: دوَّار الشَّمسِ. .
3- قال الله تعالى: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ الإهانةُ إذلالٌ وتَحقيرٌ وخِزيٌ، وذلك قَدْرٌ زائِدٌ على ألَمِ العَذابِ؛ فقد يُعَذَّبُ الرَّجُلُ الكريمُ ولا يُهانُ [308]     ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/367). .

بلاغة الآية:


قولُه تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ بَيانٌ لِمَا يُوجِبُ الفصْلَ المذكورَ مِنْ أعمالِ الفِرَقِ المذكورةِ، مع الإشارةِ إلى كَيفيَّتِه وكَونِه بطَريقِ التَّعذيبِ والإثابةِ، والإكرامِ والإهانةِ [309]     يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/100). . أو هي جُملةٌ مُستأنَفةٌ لابتداءِ استِدلالٍ على انفرادِ اللهِ تعالى بالإلهيَّةِ. وما وقَعَ بين هاتينِ الجُملتينِ استِطرادٌ واعتراضٌ [310]     يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/225، 226). .
- والاستفهامُ في قولِه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ استفهامٌ إنكاريٌّ، والخِطابُ لغيرِ مُعيَّنٍ. ويَجوزُ أنْ يكونَ الخِطابُ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والاستفهامُ تَقريريًّا [311]     يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/226). . والمُرادُ بالرُّؤيةِ العِلْمُ؛ عبَّرَ عنه بها إشعارًا بظُهورِ المعلومِ [312]     يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/100). .
- قولُه: أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ (مَن) يجوزُ أنْ يعُمَّ أُولي العَقْلِ وغيرَهم على التَّغليبِ؛ فيكونُ قولُه: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ إفرادًا لها بالذِّكْرِ؛ لشُهرتِها، واستبعادِ ذلك منها. أو جُعِلَتْ خاصَّةً بالعُقلاءِ؛ لعدَمِ شُمولِ سُجودِ الطَّاعةِ لكُلِّهم [313]     يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/67)، ((تفسير أبي السعود)) (6/100). . وقيل: إنَّما ذكَر هذه على التنصيصِ؛ لأنَّها قد عُبِدت مِن دونِ الله، فبيَّن أنَّها تسجُدُ لخالقِها، وأنَّها مربوبةٌ مسخَّرةٌ [314]     يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/403). .
- قولُه: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِن بابِ عطْفِ الخاصِّ على العامِّ مِن حيثُ الفِعْلُ والفاعلُ؛ تَشريفًا لعبادِهِ الصَّالحينَ [315] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/494)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/458). .
- قولُه: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ جُملةُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ مُكنًّى بها عن تَرْكِ السُّجودِ للهِ، أي: حَقَّ عليهمُ العذابُ؛ لأنَّهم لم يَسْجُدوا للهِ [316] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/227). .
- والآيةُ مِن الاحتباكِ [317]     الاحْتِبَاك: هو الحذفُ من الأوائلِ لدَلالةِ الأواخِرِ، والحذفُ مِن الأواخرِ لدَلالةِ الأوائلِ، إذا اجتمَع الحذفان معًا، وله في القرآن نظائرُ، وهو من إبداعاتِ القرآن وعناصر إعجازِه، وهو مِن ألطفِ الأنواعِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/204)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/347). : فإثباتُ السُّجودِ في الأوَّلِ دليلٌ على انتفائِه في الثاني، وذِكرُ العذابِ في الثاني دليلٌ على حذفِ الثَّوابِ في الأوَّلِ [318]     يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/27). .
- وقولُه: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ تَذييلٌ لقولِه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ [319]     يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/460). . والتَّعبيرُ بالفِعْلِ المُضارِعِ مُؤذِنٌ بأنَّ إيثارَ المُضارِعِ في الآيةِ للاستمرارِ، لا لِمُطلَقِ الإخبارِ [320]     يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/460). .
- ولَمَّا عُلِمَ بقولِه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ ... أنَّ الكُلَّ جارُونَ معَ الإرادةِ، مُنقادُونَ أتمَّ انقيادٍ تحتَ طوعِ المشيئةِ، وأنَّه إنَّما جُعِلَ الأمرُ والنهيُ للمُكلَّفينَ سببًا لإسعادِ السَّعيدِ منهم، وإشقاءِ الشقيِّ؛ لإقامةِ الحُجَّةِ عليهم على ما يَتعارفونَه مِن أحوالِهم فيما بينهم؛ كان المعنى: فمَن يُكرِمِ اللهُ بتوفيقِه لامتِثالِ أمْرِه فما له مِن مُهينٍ؛ فعُطِفَ عليه: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ، ولعلَّه إنَّما ذَكَره وطوَى الأوَّلَ؛ لأنَّ السِّياقَ لإظهارِ القُدرةِ، وإظهارُها في الإهانةِ أتمُّ، مع أنَّ أصلَ السِّياقِ للتَّهديدِ [321]     يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/27). .
- قولُه: إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ في مَحلِّ العِلَّةِ للجُملتينِ المُعترضتينِ؛ لأنَّ وُجودَ حَرْفِ التَّوكيدِ في أوَّلِ الجُملةِ معَ عدَمِ المُنكِرِ يُمحِّضُ حَرْفَ التَّوكيدِ إلى إفادةِ الاهتمامِ، فنشَأَ مِن ذلك معنى السَّببيَّةِ والتَّعليلِ، فتُغْني (إنَّ) غَناءَ حَرْفِ التَّعليلِ أو السَّببيَّةِ [322]     يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/227). .