الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الثَّاني: الاستغاثةُ بغيرِ اللهِ تعالى

الاستغاثةُ: عِبادةٌ لا تكونُ إلَّا باللهِ وَحْدَه؛ قال اللهُ تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: 9] .
قال البَغَوي: (قَولُه تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ تَستجيرون به من عَدُوِّكم وتَطلُبون منه الغَوْثَ والنَّصرَ. ورُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ قال: قال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه: لَمَّا كان يومُ بَدرٍ نَظَر رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المُشْرِكين، وهم ألفٌ وأصحابُه ثلاثُمائةٍ وبِضعةَ عَشَرَ رَجُلًا، فدخل العريشَ هو وأبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنه، واستقبلَ القِبلةَ ومَدَّ يَدَه، فجَعَل يَهتِفُ برَبِّه عَزَّ وجَلَّ: ((اللَّهُمَّ أنجِزْ لي ما وعَدْتَني، اللَّهُمَّ إنَّك إن تُهلِكْ هذه العصابةَ مِن أهلِ الإسلامِ لا تُعبَدُ في الأرضِ))، فما زال يَهتِفُ برَبِّه عَزَّ وجَلَّ مادًّا يَدَيه حتى سَقَط رداؤُه عن مَنكِبَيه، فأخذ أبو بكرٍ رداءَه، فألقاه على مَنكِبَيه، ثم التَزَمه من ورائِه وقال: يا نبيَّ اللهِ كفاك مناشَدَتُك رَبَّك؛ فإنَّه سيُنجِزُ لك ما وعدك، فأنزل اللهُ عَزَّ وجَلَّ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [1948] أخرجه مسلم (1763) باختلافٍ يسير. [1949] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/ 272). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (لا يجوزُ لأحَدٍ أن يستغيثَ بأحَدٍ من المشايخِ الغائبينَ ولا الميِّتين، مثلُ أن يقولَ: يا سَيِّدي فلانًا، أغِثْني وانصُرْني وادفَعْ عنِّي، أو أنا في حَسْبِك. ونحو ذلك. بل كُلُّ هذا من الشِّركِ الذي حَرَّم اللهُ ورسولُه، وتحريمُه ممَّا يُعلَمُ بالاضطرارِ مِن دينِ الإسلامِ، وهؤلاء المستغيثون بالغائبينَ والميِّتين عند قبورِهم وغيرِ قبورِهم -لَمَّا كانوا من جنسِ عُبَّاد الأوثان- صار الشَّيطانُ يُضِلُّهم ويُغْويهم، كما يُضِلُّ عُبَّادَ الأصنامِ ويُغْويهم، فتتصَوَّرُ الشياطينُ في صورةِ ذلك المستغاثِ به، وتخاطِبُهم بأشياءَ على سبَيلِ المكاشَفةِ، كما تخاطِبُ الشَّياطينُ الكُهَّانَ، وبعضُ ذلك صِدْقٌ، لكِنْ لا بُدَّ أن يكونَ في ذلك ما هو كَذِبٌ، بل الكَذِبُ أغلَبُ عليه من الصِّدقِ. وقد تَقْضي الشَّياطينُ بَعضَ حاجاتِهم، وتَدفَعُ عنهم بَعْضَ ما يكرهونَه، فيَظُنُّ أحَدُهم أنَّ الشَّيخَ هو الذي جاء من الغَيبِ حتى فعل ذلك، أو يظُنُّ أنَّ اللهَ تعالى صَوَّرَ مَلَكًا على صورتِه فَعَل ذلك، ويقولُ أحَدُهم: هذا سِرُّ الشَّيخِ وحالُه! وإنما هو الشَّيطانُ تَمَثَّلَ على صورتِه ليُضِلَّ المُشْرِكَ به المستغيثَ به، كما تدخُلُ الشَّياطينُ في الأصنامِ وتُكَلِّمُ عابديها وتَقْضي بعضَ حوائِجِهم، كما كان ذلك في أصنامِ مُشْرِكي العَرَبِ، وهو اليومَ موجودٌ في المُشْرِكينَ مِن التُّرْكِ والهِندِ وغَيرِهم.
وأعرِفُ من ذلك وقائِعَ كثيرةً في أقوامٍ استغاثوا بي وبغيري في حالِ غَيبتِنا عنهم، فرَأَوني أو ذاك الآخَرَ الذي استغاثوا به قد جِئْنا في الهواءِ ورَفَعْنا عنهم، ولَمَّا حَدَّثوني بذلك بَيَّنْتُ لهم أنَّ ذلك إنما هو شيطانٌ تصَوَّر بصورتي وصورةِ غيري من الشُّيوخِ الذين استغاثوا بهم؛ ليظُنُّوا أنَّ ذلك كراماتٌ للشَّيخِ، فتقوى عزائِمُهم في الاستغاثةِ بالشُّيوخِ الغائِبين والميِّتين.
وهذا من أكبَرِ الأسبابِ التي بها أشرَكَ المُشْرِكون وعَبَدةُ الأوثان، وكذلك المستَغِيثون من النَّصارى بشُيوخِهم الذين يُسَمُّونَهم العلَّاسَ، يرون أيضًا من يأتي على صورةِ ذلك الشَّيخِ النَّصرانيِّ الذي استغاثوا به، فيقضي بَعْضَ حوائِجِهم. وهؤلاء الذين يستغيثون بالأمواتِ مِن الأنبياءِ والصَّالحين والشُّيوخِ وأهلِ بيتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، غايةُ أحَدِهم أن يجريَ له بعضُ هذه الأمورِ، أو يحكي لهم بعضَ هذه الأمورِ، فيُظَنُّ أنَّ ذلك كرامةٌ وخَرقُ عادةٍ بسَبَبِ هذا العَمَلِ.
ومن هؤلاء من يأتي إلى قبرِ الشَّيخِ الذي يُشرِكُ به ويستغيثُ به، فيَنزِلُ عليه من الهواءِ طَعامٌ أو نَفَقةٌ أو سلاحٌ أو غيرُ ذلك ممَّا يَطْلُبُه، فيظُنُّ ذلك كرامةً لشَيْخِه، وإنما ذلك كُلُّه من الشَّياطينِ.
وهذا من أعظَمِ الأسبابِ التي عُبِدَت بها الأوثانُ، وقد قال الخليلُ عليه السَّلامُ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ [إبراهيم: 35-36] . كما قال نوحٌ عليه السَّلامُ، ومعلومٌ أنَّ الحَجَر لا يُضِلُّ كثيرًا من النَّاسِ إلَّا بسَبَبٍ اقتضى ضلالَهم، ولم يكُنْ أحدٌ من عُبَّادِ الأصنامِ يعتَقِدُ أنَّها خَلَقَت السَّمَواتِ والأرضَ، بل إنَّما كانوا يتَّخِذونها شُفَعاءَ ووَسائِطَ؛ لأسبابٍ:
منهم من صَوَّرها على صُوَرِ الأنبياءِ والصَّالحين، ومنهم من جعلها تماثيلَ وطلاسِمَ للكواكِبِ والشَّمسِ والقَمَرِ، ومنهم من جعلها لأجْلِ الِجِّن، ومنهم من جعلها لأجْلِ الملائكةِ.
فالمعبودُ لهم في قَصْدِهم إنما هو للملائكةِ والأنبياءِ والصَّالحين، أو الشَّمسِ أو القَمَرِ، وهم في نفسِ الأمرِ يَعبُدون الشَّياطينَ، فهي التي تَقصِدُ من الإنسِ أن يَعبُدَها وتُظهِرُ لهم ما يدعوهم إلى ذلك، كما قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ:40-41] .
وإذا كان العابِدُ ممَّن لا يستحِلُّ عِبادةَ الشَّياطينِ، أوهموه أنَّه إنَّما يدعو الأنبياءَ والصَّالحين والملائكةَ وغَيرَهم ممَّن يحسِنُ العابِدُ ظَنَّه به، وأمَّا إن كان ممَّن لا يُحَرِّمُ عبادةَ الجِنِّ، عَرَّفوه أنَّهم الجِنُّ.
وقد يطلُبُ الشَّيطانُ الممَثل له في صورةِ الإنسانِ أن يَسجُدَ له، أو أن يَفعَلَ به الفاحشةَ، أو أن يأكُلَ الميتةَ ويَشرَبَ الخَمْرَ، أو أن يقرِّبَ لهم الميتةَ، وأكثَرُهم لا يَعرِفون ذلك، بل يظُنُّون أنَّ من يخاطِبُهم إمَّا ملائكةٌ، وإمَّا رِجالٌ مِنَ الجِنِّ يُسَمُّونَهم رِجالَ الغَيبِ، ويظنُّونَ أنَّ رِجالَ الغَيبِ أولياءُ الله غائبون عن أبصارِ النَّاسِ.
وأولئك جِنٌّ تمَثَّلَت بصُوَرِ الإنسِ أو رُئِيَت في غيرِ صُوَرِ الإنسِ؛ قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: 6].
كان الإنسُ إذا نزل أحَدُهم بوادٍ يخافُ أهْلَه قال: أعوذُ بعَظيمِ هذا الوادي من سُفَهائِه، وكانت الإنسُ تستعيذُ بالجِنِّ؛ فصار ذلك سببًا لطغيانِ الجِنِّ، وقالت: الإنسُ تَستعيذُ بنا!
وكذلك الرُّقَى والعزائِمُ الأعجميَّةُ هي تتضَمَّنُ أسماءَ رِجالٍ مِنَ الجِنِّ يُدعَونَ ويُستغاثُ بهم ويُقسَمُ عليهم بمن يُعَظِّمونَه، فتُطيعهم الشَّياطينُ بسَبَبِ ذلك في بعضِ الأمورِ.
وهذا من جِنسِ السِّحرِ والشِّركِ؛ قال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة: 102] .
وكثيرٌ من هؤلاءِ يطيرُ في الهواءِ، وتكونُ الشَّياطينُ قد حمَلَتْه وتذهَبُ به إلى مكَّةَ وغَيرِها، ويكونُ مع ذلك زِنديقًا يجحَدُ الصَّلاةَ وغَيرَها مما فَرَض اللهُ ورَسولُه، ويستَحِلُّ المحارِمَ التي حَرَّمها اللهُ ورَسولُه!
وإنَّما يَقتَرِنُ به أولئك الشَّياطينُ لِما فيه من الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصيانِ، حتى إذا آمَنَ باللهِ ورَسولِه وتاب والتزم طاعةَ اللهِ ورَسولِه، فارقَتْه تلك الشَّياطينُ، وذهبت تلك الأحوالُ الشَّيطانيَّةُ مِن الإخباراتِ والتأثيراتِ.
وأنا أعرِفُ من هؤلاء عَدَدًا كثيرًا بالشَّامِ ومِصرَ والحِجازِ واليَمَنِ، وأمَّا الجزيرةُ والعراقُ وخُراسان والرُّوم ففيها من هذا الجِنسِ أكثَرُ ممَّا بالشَّامِ وغيرِها، وبلادُ الكُفَّارِ من المُشْرِكين وأهلِ الكِتابِ أعظَمُ.
وإنَّما ظهرت هذه الأحوالُ الشَّيطانيَّة التي أسبابُها الكُفْرُ والفُسوقُ والعِصيانُ بحَسَبِ ظهورِ أسبابِها؛ فحيث قَوِيَ الإيمانُ والتَّوحيدُ ونورُ الفرقانِ والإيمانِ، وظَهَرت آثارُ النبُوَّةِ والرِّسالةِ، ضَعُفَت هذه الأحوالُ الشَّيطانيَّةُ.
وحيثُ ظهر الكُفْرُ والفُسوقُ والعِصيانُ قَوِيَت هذه الأحوالُ الشَّيطانيَّة، والشَّخصُ الواحِدُ الذي يجتَمِعُ فيه هذا وهذا، الذي تكونُ فيه مادَّةٌ تَمُدُّه بالإيمانِ، ومادَّةٌ تمُدُّه بالنِّفاقِ؛ يكونُ فيه من هذا الحالِ وهذا الحالِ.
والمُشْرِكون الذين لم يَدخُلوا في الإسلامِ، مِثلُ البَخشيَّة والطونيَّة والبُدَّى ونحو ذلك من عُلَماء المُشْرِكين وشيوخِهم، الذين يكونون للكُفَّارِ مِن التُّرك والِهْند والخطا وغيرِهم، تكونُ الأحوالُ الشَّيطانيَّة فيهم أكثَرَ، ويصعَدُ أحَدُهم في الهواءِ ويحَدِّثُهم بأمورٍ غائبةٍ، ويبقى الدُّفُّ الذي يُغَنِّي لهم به يمشي في الهواءِ، ويَضرِبُ رأسَ أحَدِهم إذا خرج عن طريقِهم، ولا يَرَونَ أحدًا يضرِبُ له، ويطوفُ الإناءُ الذي يَشرَبون منه عليهم ولا يَرَونَ من يَحمِلُه، ويكونُ أحَدُهم في مكانٍ، فمن نزل منهم عنده ضَيَّفَه طعامًا يَكْفيهم، ويأتيهم بألوانٍ مختلفةٍ. وذلك من الشيَّاطينِ تأتيه من تلك المدينةِ القريبةِ منه أو من غيرِها تَسرِقُه وتأتي به.
وهذه الأمورُ كثيرةٌ عند من يكونُ مُشْرِكًا أو ناقِصَ الإيمانِ مِن التُّركِ وغيرِهم، وعند التَّتارِ من هذا أنواعٌ كثيرةٌ.
وأمَّا الدَّاخلون في الإسلامِ إذا لم يحقِّقوا التَّوحيدَ واتِّباعَ الرَّسولِ، بل دَعَوا الشُّيوخَ الغائبين واستغاثوا بهم، فلهم من الأحوالِ الشَّيطانيَّةِ نصيبٌ بحَسَبِ ما فيهم ممَّا يُرضي الشَّيطانَ.
ومن هؤلاء قومٌ فيهم عبادةٌ ودينٌ مع نوعِ جَهلٍ، يُحمَلُ أحَدُهم فيُوقَفُ بعَرَفاتٍ مع الحُجَّاجِ من غير أن يُحرِمَ إذا حاذى المواقيتَ، ولا يُبِيتُ بمُزدَلِفةَ، ولا يطوفُ طوافَ الإفاضةِ، ويظُنُّ أنَّه حَصَل له بذلك عَمَلٌ صالحٌ، وكرامةٌ عظيمةٌ من كراماتِ الأولياءِ! ولا يعلَمُ أنَّ هذا من تلاعُبِ الشَّيطانِ به، فإنَّ مِثلَ هذا الحَجَّ ليس مشروعًا ولا يجوزُ باتِّفاقِ عُلَماء المُسلِمين، ومن ظَنَّ أنَّ هذا عبادةٌ وكرامةٌ لأولياءِ اللهِ، فهو ضالٌّ جاهِلٌ.
ولهذا لم يكُنْ أحَدٌ من الأنبياءِ والصَّحابةِ يُفعَلُ بهم مِثلُ هذا؛ فإنَّهم أجَلُّ قَدْرًا من ذلك.
وقد جرت هذه القضيةُ لبَعضِ مَن حُمِلَ وطائفةٍ معه من الإسكندريةِ إلى عَرَفةَ، فرأى ملائكةً تَنزِلُ وتكتُبُ أسماءَ الحُجَّاجَ، فقال: هل كتَبْتُموني؟ قالوا: أنت لم تحُجَّ كما حَجَّ النَّاسُ، أنت لم تتعَبْ ولم تُحرِمْ ولم يحصُلْ لك من الحَجِّ الذي يُثابُ النَّاسُ عليه ما حصل للحُجَّاجِ!
وكان بعضُ الشُّيوخِ قد طلب منه بعضُ هؤلاء أن يحُجَّ معهم في الهواءِ، فقال لهم: هذا الحَجُّ لا يَسقُطُ به الفَرْضُ عنكم؛ لأنَّكم لم تحُجُّوا كما أمَرَ اللهُ ورَسولُه) [1950] يُنظر: ((قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)) (ص: 326 - 332). .
وقال البركوي الحنفي: (دعاءُ أصحابِ القُبورِ، والاستعانةُ بهم، وسؤالُهم النَّصرَ والرِّزقَ، والعافيةَ، والوَلَدَ، وقضاءَ الدُّيونِ، وتفريجَ الكُرُباتِ، وإغاثةَ اللَّهَفاتِ، وغيرَ ذلك من الحاجاتِ التي كان عُبَّادُ الأوثانِ يسألونَها من أوثانِهم؛ فليس شيءٌ من ذلك مشروعًا باتِّفاقِ أئمَّةِ المُسلِمين؛ إذ لم يفعَلْه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا أحدٌ من الصَّحابةِ والتابعين وسائِرِ أئِمَّةِ الدِّينِ) [1951] يُنظر: ((زيارة القبور الشرعية والشركية)) (ص: 33). .
وقال سليمانُ بنُ عبدِ اللهِ آل الشَّيخِ: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: 117] ، والآيةُ نَصٌّ في أنَّ دُعاءَ غيرِ اللهِ والاستغاثةَ به شِركٌ أكبَرُ) [1952] يُنظر: ((تيسير العزيز الحميد)) (ص: 195). .
وقال السويدي الشَّافعيُّ: (اعلَمْ أنَّ الاستغاثةَ بالشَّيءِ: طَلَبُ الإغاثةِ والغَوثِ منه، كما أنَّ الاستعانةَ: طَلَبُ العَونِ منه، فإذا كانت بنداءٍ مِن المستغيثِ للمُستغاثِ، كان ذلك سؤالًا منه... فهذه الاستغاثةُ وتوجُّهُ القَلبِ إلى المسؤولِ بالسُّؤالِ والإنابةِ: محظورةٌ على المسلِمينَ، لم يَشرَعْها لأحَدٍ مِن أمَّتِه رَسولُ رَبِّ العالَمين، وهل سَمِعتُم أنَّ أحدًا في زمانِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو ممَّن بَعْدَه في القُرونِ المشهودِ لأهلِها بالنَّجاةِ والصِّدقِ -وهم أعلَمُ مِنَّا بهذه المطالِبِ، وأحرَصُ على نَيلِ مِثلِ تِيكَ الرَّغائِبِ- استغاث بمن يُزيلُ كُرْبتَه التي لا يَقدِرُ على إزالتِها إلا اللهُ؟ أم كانوا يَقصُرون الاستغاثةَ على مالِكِ الأُمورِ، ولم يَعبُدوا إلَّا إيَّاه؟ ولقد جرت عليهم أمورٌ مُهِمَّةٌ، وشدائِدُ مُدْلَهِمَّةٌ في حياتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وبعد وفاتِه، فهل سَمِعتَ عن أحَدٍ منهم أنَّه استغاث بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ أو قالوا: إنَّا مستغيثون بك يا رسولَ اللهِ؟ أم بلَغَك أنَّهم لاذوا بقَبْرِه الشَّريفِ، وهو سَيِّدُ القبورِ، حين ضاقت منهم الصُّدورُ؟ كَلَّا، لا يمكِنُ لهم ذلك.
وإنَّ الذي كان بعَكسِ ما هنالك؛ فلقد أثنى اللهُ عليهم ورَضِيَ عنهم، فقال عزَّ مِن قائلٍ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [الأنفال: 9] ، مُبَيِّنًا لنا أنَّ هذه الاستغاثةَ أخَصُّ الدُّعاءِ، وأجلى أحوالِ الالتجاءِ، وهي من لوازمِ السَّائِلِ المُضطَرِّ الذي يُضطَرُّ إلى طَلَبِ الغَوثِ مِن غَيرِه، فيَخُصُّ نِداءَه لدى استغاثتِه بمزيدِ الإحسانِ في سِرِّه وجَهْرِه؛ ففي استغاثتِه بغيرِه تعالى عند كُربتِه تعطيلٌ لتوحيدِ مُعامَلتِه) [1953] يُنظر: ((العقد الثمين)) (ص: 282-284). .
وقال محمود الألوسي: (النَّاسُ قد أفرَطوا اليومَ في الإقسامِ على اللهِ تعالى، فأقسَموا عليه عَزَّ شأنُه بمن ليس في العِيرِ ولا النَّفيرِ، وليس عنده من الجاهِ قَدرُ قطميرٍ، وأعظَمُ من ذلك أنَّهم يَطلُبون من أصحابِ القُبورِ نحوَ إشفاءِ المريضِ، وإغناءِ الفقيرِ، ورَدِّ الضَّالَّةِ، وتيسيرِ كُلِّ عسيرٍ، وتوحي إليهم شياطينُهم خَبَرَ: «إذا أعيَتْكم الأمورُ فعليكم بأصحابِ القُبورِ»! وهو حديثٌ مُفتَرًى على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بإجماعِ العارفينَ بحَديثِه، لم يَرْوِه أحدٌ من العُلَماءِ، ولا يُوجَدُ في شيءٍ مِن كُتُبِ الحديثِ المعتَمَدةِ، وقد نهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن اتخاذِ القُبورِ مساجِدَ، ولَعَن على ذلك، فكيف يُتصَوَّرُ منه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الأمرُ بالاستغاثةِ مِن أصحابِها؟!) [1954] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (3/ 297). .
وقال نُعمانُ خير الدين الألوسي: (من نظر بعينِ الإنصافِ، وتجنَّبَ سَبيلَ الاعتسافِ، ونظر إلى ما كان عليه الأوَّلون، وعرف كيف كان شِرْكُهم، وعرف بماذا أُرسِلَ إليهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكيف التوحيدُ، وما معنى الإلهِ والتألُّهِ، وتبَصَّرَ في العباداتِ وأنواعِها- تحقَّقَ أنَّ هذا الالتجاءَ والتوكُّلَ والرَّجاءَ بمثلِ طَلَبِ الشَّفاعةِ: هو الذي نُهِيَ عنه الأوَّلون، وأُرسِلَ لأجْلِ قَمْعِه المُرسَلون، وبذلك نطق الكِتابُ، وبَيَّنَه لنا خيرُ من أُوتيَ الحِكمةَ وفَصْلَ الخِطابِ) [1955] يُنظر: ((جلاء العينين)) (ص: 510). .
وقال عبدُ الحميد بنُ باديس: (الاستغاثةُ قِسمانِ: استغاثةٌ بما هو في طَوقِ البَشَرِ ودائرةِ الأسبابِ، وهذه تكونُ للمخلوقِ؛ لأنَّها عادةٌ، واستغاثةٌ فيما هو خارجٌ عن طَوقِ البشَرِ ودائرةِ الأسبابِ، وهذه لا تكونُ إلَّا للخالِقِ؛ لأنَّها عبادةٌ...
ثمَّ هذا التقسيمُ الذي ذكَرْنا في الاستغاثةِ هو بنَفْسِه يجري في الدُّعاءِ، وما الاستغاثةُ إلَّا نوعٌ منه، فما كان منه لشَيءٍ مُعَظَّمٍ لِيَطلُبَ منه ما هو وراءَ الأسبابِ العاديَّةِ وفَوقَ الطَّاقةِ البَشريَّةِ، فهو عبادةٌ، ولا يكونُ من المخلوقِ إلَّا لخالِقِه، وإذا لم يكُنْ كذلك فهو عادةٌ، وهو دعاءُ المخلوقين بعضِهم لبعضٍ، لغَرَضٍ مِن الأغراضِ) [1956] يُنظر: ((مجالس التذكير)) (ص: 249-251). .
وقال المعصومي الخجندي: (من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وهو مع ذلك يفعَلُ الشِّركَ الأكبَرَ، كدُعاءِ الموتى والغائبين، وسؤالِهم قضاءَ الحاجاتِ، وتفريجَ الكُرُباتِ، والتقَرُّبِ إليهم بالنَّذرِ والذَّبائحِ؛ فهذا مُشرِكٌ شاء أم أبى) [1957] يُنظر: ((مفتاح الجنة لا إله إلا الله)) (ص: 68). .
وقال أيضًا: (من الشِّركِ أن يستغيثَ بغيرِ اللهِ أو يدعوَ غَيرَه، والاستغاثةُ هي طَلَبُ الغَوثِ، وهو إزالةُ الشِّدَّةِ، كالاستنصارِ: طَلَبُ النَّصرِ، والاستِعانةِ: طَلَبُ العَونِ، فكُلُّ ما قُصِد به غيرُ الله مما لا يقدِرُ عليه إلَّا اللهُ، كدَعَواتِ الأمواتِ والغائبينَ، فهو من الشِّركِ الذي لا يغفِرُه اللهُ؛ قال الله تعالىوَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [الأنعام: 17] وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ* وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: 5-6]، فأخبَرَ اللهُ تعالى أنَّه لا أضَلَّ ممَّن يدعو أحدًا دونَه كائنًا من كان، فليس لِمن دعا غيرَ اللهِ إلَّا الخَيبةُ والخُسرانُ، فلا يحصُلُ للمُشرِكِ يومَ القيامةِ إلَّا نقيضُ قَصْدِه، وصار المدعوُّ للدَّاعي عدوًّا، فالدَّاعي للغيرِ في غايةِ الضَّلالِ) [1958] يُنظر: ((مفتاح الجنة لا إله إلا الله)) (ص: 53). .
وقال محمَّدُ بنُ إبراهيمَ آل الشَّيخ: (الاستِغاثةُ الشِّركيَّةُ التي أنكَرْناها... هي الاستغاثةُ بالغائِبِ أو الميِّتِ، أو الحَيِّ الحاضِرِ الذي لا يقدِرُ، وأمَّا الجائزةُ فهي طَلَبُ الحَيِّ الحاضِرِ) [1959] يُنظر: ((شرح كشف الشبهات)) (ص: 119). .
وقال ابنُ قاسمٍ: (كُلُّ استغاثةٍ دُعاءٌ، وليس كُلُّ دُعاءٍ استغاثةً، والمرادُ بيانُ تحريمِ الاستغاثةِ بغَيرِ اللهِ، أو دعاءِ غيرِه من الأمواتِ والغائبينَ، وأنَّه مِنَ الشِّركِ الأكبَرِ) [1960] يُنظر: ((حاشية كتاب التوحيد)) (ص: 113). .
وقال ابنُ عثيمين في شَرحِ قَولِ الشَّيخ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ في (كتاب التَّوحيد): (مِنَ الشِّركِ أن يستغيثَ بغيرِ اللهِ أو يدعوَ غَيرَه) (قَولُه: «من الشِّركِ»، من: للتبعيضِ، فيَدُلُّ على أنَّ الشِّركَ ليس مختصًّا بهذا الأمرِ.
والاستغاثةُ: طَلَبُ الغَوثِ، وهو إزالةُ الشِّدَّةِ.
وكلامُ المؤلِّفِ -رحمه اللهُ- ليس على إطلاقِه، بل يُقَيَّدُ بما لا يَقدِرُ عليه المستغاثُ به؛ إمَّا لكونه مَيِّتًا، أو غائبًا، أو يكونُ الشَّيءُ ممَّا لا يقدِرُ على إزالته إلَّا اللهُ تعالى، فلو استغاث بميِّتٍ ليدافِعَ عنه أو بغائبٍ أو بحيٍّ حاضرٍ لِيُنزِلَ المطَرَ، فهذا كُلُّه من الشِّركِ، ولو استغاث بحيٍّ حاضرٍ فيما يقدِرُ عليه كان جائزًا؛ قال اللهُ تعالى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص: 15] .
وإذا طَلَبْتَ مِن أحدٍ الغَوْثَ وهو قادِرٌ عليه، فإنَّه يجِبُ عليك تصحيحًا لتوحيدِك أن تعتَقِدَ أنَّه مجرَّدُ سَبَبٍ، وأنَّه لا تأثيرَ له بذاتِه في إزالةِ الشِّدَّةِ؛ لأنَّك ربَّما تعتَمِدُ عليه وتنسى خالِقَ السَّبَبِ، وهذا قادِحٌ في كمالِ التَّوحيدِ) [1961] يُنظر: ((القول المفيد)) (1/ 260). .

انظر أيضا: