موسوعة التفسير

سورةُ العَنكَبوتِ
الآيات (19-23)

ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ

غَريبُ الكَلِماتِ:


يُبْدِئُ: أي: يُنشئُ ويَخترِعُ ويَستأنِفُ، وأصلُ (بدأ): مِنِ افتِتاحِ الشَّيءِ [234] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/376)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/212)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 30). .
تُقْلَبُونَ: أي: تُرجَعونَ وتُرَدُّونَ، وأصلُ (قلب): يدُلُّ على رَدِّ شَيءٍ مِن جهةٍ إلى جهةٍ [235] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 337)، ((تفسير ابن جرير)) (18/378)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 164)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/17)، ((المفردات)) للراغب (ص: 681). .

المعنى الإجماليُّ:


يَذكُرُ اللهُ تعالى ما يدُلُّ على أنَّ البعثَ حقٌّ، وأنَّه تعالى لا شيءَ يُعجِزُه، فيقولُ: أوَلَمْ يَرَ أولئك المُشرِكونَ المُنكِرونَ للبَعثِ كيف يَبتدِئُ اللهُ الخَلْقَ، ثمَّ يُعيدُه مِن بعدِ فنائِه؟ إنَّ ذلك على اللهِ تعالى أمرٌ سَهلٌ.
ويأمُرُ رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يَلفِتَ أنظارَ قَومِه إلى النَّظرِ والتَّأمُّلِ، قائلًا له: قُلْ لهم -يا محمَّدُ-: سيروا في الأرضِ، فانظُروا كيف بدَأ اللهُ الخَلْقَ مِن العَدَمِ، ثمَّ هو سُبحانَه يُنشِئُ الخَلقَ نَشأةً ثانيةً بعدَ فَنائِه، إنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قديرٌ.
يُعذِّبُ سُبحانَه مَن يَشاءُ، ويَرحَمُ مَن يشاءُ، وإليه وَحْدَه تُرَدُّونَ يومَ القيامةِ، وما أنتم بمُفلِتينَ مِن عذابِ اللهِ، سواءٌ أكُنتُم في الأرضِ أم في السَّماءِ، وليس لكم مِن دونِ اللهِ وليٌّ ولا نصيرٌ.
ثمَّ يبيِّنُ مصيرَ الكافرينَ، فيقولُ: والَّذين كفَروا بآياتِ اللهِ وأنكَروا البَعثَ أولئك يَئِسوا مِن رحمتي، وأولئك لهم عذابٌ مؤلِمٌ.

تَفسيرُ الآياتِ:


أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى الأصلَ الأوَّلَ، وهو: التَّوحيدُ، وأشار إلى الأصلِ الثَّاني، وهو: الرِّسالةُ، بقَولِه: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ؛ شرَع في بيانِ الأصلِ الثَّالثِ، وهو: الحَشرُ. وهذه الأصولُ الثَّلاثةُ لا يَكادُ يَنفَصِلُ بَعضُها عن بعضٍ في الذِّكرِ الإلهيِّ؛ فأينَما يَذكُرِ اللهُ تعالى منها اثنَينِ يَذكُرِ الثَّالِثَ [236] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/39). .
أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.
أي: أوَلَمْ يَرَ [237] قال ابنُ عاشور: (الرُّؤيةُ يجوزُ أن تكونَ بَصَريَّةً، والاستِدلالُ بما هو مُشاهَدٌ مِن تجدُّدِ المخلوقاتِ في كُلِّ حينٍ بالولادةِ وبُروزِ النَّباتِ دليلٌ واضِحٌ لكُلِّ ذي بصَرٍ... ويجوزُ أن تكونَ الرُّؤيةُ عِلميَّةً مُتعَدِّيةً إلى مفعولَينِ، أنكَر عليهم تركَهم النَّظرَ والاستِدلالَ الموصِلَ إلى عِلمِ كيف يُبدئُ الله الخلْقَ ثم يُعيدُه؛ لأنَّ أدلَّةَ بَدءِ الخلقِ تُفضي بالنَّاظِرِ إلى العِلمِ بأنَّ الله يعيدُ الخلْقَ). ((تفسير ابن عاشور)) (20/228، 229). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 78، 79). المُشِركونَ المُنكِرونَ للبَعثِ كيف يَبتَدِئُ اللهُ الخَلْقَ بعدَ العدَمِ، ثمَّ يُعيدُه مِن بَعدِ فَنائِه وبَلائِه مرَّةً أُخرَى [238] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/376)، ((تفسير ابن كثير)) (6/270)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/414، 415). ممَّن اختار أنَّ المرادَ: الخَلْقُ والبعثُ، أي: خَلْقُ الإنسانِ نُطْفةً ثمَّ عَلَقةً ثمَّ مُضْغةً حتَّى يَتكامَلَ خَلْقُه، ثُمَّ إعادتُه حيًّا في الآخرةِ عندَ البعثِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، ويحيى بنُ سلام، وابنُ جرير، ومكِّي، وابن الجوزي، والرَّسْعَني، والقرطبي، والخازن، وابن كثير، والعليمي، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/378)، ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/623)، ((تفسير ابن جرير)) (18/376)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/5612)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/403)، ((تفسير الرسعني)) (5/600)، ((تفسير القرطبي)) (13/336)، ((تفسير الخازن)) (3/378)، ((تفسير ابن كثير)) (6/270)، ((تفسير العليمي)) (5/238)، ((تفسير القاسمي)) (7/550). وقال القرطبي: (وقيل: المعنى: أوَلَمْ يَرَوْا كيف يُبْدِئُ اللهُ الثِّمارَ فتَحْيا، ثُمَّ تَفنى، ثمَّ يعيدُها أبدًا. وكذلك يَبدأُ خلْقَ الإنسانِ، ثُمَّ يُهْلِكُه بعدَ أنْ خَلَق منه وَلَدًا، وخَلَقَ مِنَ الولدِ وَلَدًا. وكذلك سائِرُ الحيوانِ. أي: فإذا رأيْتُم قُدرَتَه على الإبداءِ والإيجادِ، فهو القادِرُ على الإعادةِ). ((تفسير القرطبي)) (13/336). وقال ابنُ القَيِّمِ: (فالحيوانُ والنَّباتُ في مَبدأٍ ومَعَادٍ، وزمانُ العالَمِ في مبدأٍ ومَعَادٍ، أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ). ((التبيان في أيمان القرآن)) (1/179). تنبيه: قال الرَّسْعَنيُّ: (قَولُه تعالى: ثُمَّ يُعِيدُهُ ليس بمَعطوفٍ على يُبْدِئُ، وليست الرُّؤيةُ واقعةً عليه، وإنَّما هو إخبارٌ مُستأنَفٌ بالإعادةِ بعدَ الموتِ، ونحوُه قوله تعالى: فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ [العنكبوت: 20] ؛ فإنَّ النَّظَرَ وقَعَ على الابتِداءِ، دونَ الإنشاءِ). ((تفسير الرسعني)) (5/600). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/448)، ((تفسير العثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 78). ؟
كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: 27] .
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.
أي: إنَّ ذلك [239] قيل: المشارُ إليه هنا: الإبداءُ والإعادةُ. وممَّن قال بذلك: البِقاعي، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/415)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 79). وقيل: المرادُ بها: الإعادةُ. وممَّن قال بذلك: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جرير. يُنظر: تفسير ((مقاتل بن سليمان)) (3/378)، ((تفسير ابن جرير)) (18/377). أمرٌ سَهلٌ على اللهِ تعالى، والَّذي قَدَر على الإبداءِ قادِرٌ على الإعادةِ، وهو إذا أراد شَيئًا قال له: كُنْ؛ فيَكونُ [240] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/377)، ((تفسير القرطبي)) (13/336)، ((تفسير ابن كثير)) (6/270)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/415)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 79). .
كما قال تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ *قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 78 - 82] .
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
بعدَ أنْ ساق الدَّليلَ المشاهَدَ فى الأنفُسِ؛ أرشَد إلى الاعتِبارِ بما فى الآفاقِ مِنَ الآياتِ المُشاهَدةِ، فقال [241] يُنظر: ((تفسير المراغي)) (20/127). :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ.
أي: قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكينَ المُنكِرينَ للبَعثِ بعدَ الموتِ: سافِروا في الأرضِ؛ لِتَنظُروا كيف بدأ اللهُ الخَلْقَ مِنَ العَدَمِ [242] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/377)، ((تفسير السمرقندي)) (2/629)، ((تفسير القرطبي)) (13/337)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/114)، ((تفسير ابن كثير)) (6/270). قال السعدي: (فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ فإنَّكم ستَجِدون أُمَمًا مِنَ الآدميِّينَ والحيواناتِ لا تَزالُ تُوجَدُ شيئًا فشيئًا، وتَجِدون النَّباتَ والأشجارَ كيف تَحدُثُ وَقتًا بعدَ وقتٍ، وتَجِدونَ السَّحابَ والرِّياحَ ونحوَها مُستمِرَّةً في تَجدُّدِها، بل الخَلْقَ دائمًا في بَدءٍ وإعادةٍ). ((تفسير السعدي)) (ص: 628). .
كما قال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46] .
وقال سُبحانَه: سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: 53] .
ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ.
أي: ثمَّ اللهُ الَّذي بَدأ الخَلقَ مِنَ العَدَمِ، يُنْشِئُه نَشْأةً ثانيةً بعدَ فَنائِه [243] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/377)، ((الوسيط)) للواحدي (3/416)، ((تفسير ابن كثير)) (6/270)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 83). .
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أي: إنَّ اللهَ لا يُعجِزُه فِعلُ شَيءٍ، ومِن ذلك بَعْثُ خَلقِه كما كانوا قبْلَ مَوتِهم [244] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/378)، ((الوسيط)) للواحدي (3/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 629)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/231). .
كما قال تعالى: أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: 15] .
يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى النَّشْأةَ الآخِرةَ؛ ذكَرَ ما يَكونُ فيها، وهو: تعذيبُ أهلِ التَّكذيبِ عَدلًا وحِكمةً، وإثابةُ أهلِ الإنابةِ فَضْلًا ورَحمةً [245] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/42). ، فقال:
يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ.
أي: يُعذِّبُ اللهُ مَن يَشاءُ تَعذيبَه على ذُنوبِه بعَدلِه، ويَرحَمُ مَن يشاءُ رَحمتَه مِنَ المؤمِنينَ بفَضلِه [246] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/378)، ((تفسير القرطبي)) (13/337)، ((تفسير ابن كثير)) (6/270، 271)، ((تفسير السعدي)) (ص: 629). .
وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ.
أي: وإلى اللهِ تُرَدُّونَ يومَ القيامةِ فيَبعثُكم بعدَ مَوتِكم للحِسابِ والجَزاءِ [247] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/378)، ((تفسير القرطبي)) (13/337)، ((تفسير ابن كثير)) (6/271)، ((تفسير السعدي)) (ص: 629)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/232). .
وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا لم يُبقِ اللهُ تعالى للقُدرةِ على إعادتِهم مانِعًا يُدَّعَى إلَّا مُمانعَتَهم منها؛ أبطَلَها على تقديرِ ادِّعائِهم لها، فقال [248] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/418). :
وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
أي: وما أنتم [249] قال ابن عثيمين: (الخِطابُ إمَّا أن يكونَ للكافرين، وإمَّا أن يكونَ لعُمومِ النَّاسِ، وكَوْنُه لعُمومِ النَّاسِ أَوْلى). ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 93). بمُفلِتينَ مِن عذابِ اللهِ، سواءُ أكنتُم في الأرضِ أمْ في السَّماءِ؛ فالله قادِرٌ على أن يُعَذِّبَكم أينَما كُنتُم [250] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/379)، ((تفسير القرطبي)) (13/337)، ((تفسير السعدي)) (ص: 629)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/232)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 95). .
كما قال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: 33].
وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا آيَسَهم اللهُ تعالى مِن الانفِلاتِ بأنفُسِهم في جميعِ الأمكِنةِ؛ أعْقَبَه بتأييسِهم مِن الانفِلاتِ مِنَ الوعيدِ بسَعْيِ غَيرِهم لهم؛ مِنَ أولياءَ يَتَوسَّطونَ في دَفعِ العَذابِ عنهم بنَحوِ السِّعايةِ أو الشَّفاعةِ، أو مِن نُصَراءَ يُدافِعونَ عنهم بالمُغالَبةِ والقُوَّةِ [251] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/233). .
وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
أي: وليس لكم مِن دونِ اللهِ وليٌّ يَتَولَّاكم، ولا نصيرٌ يَنصُرُكم، ويدفَعُ عَذابَ اللهِ عنكم [252] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/379)، ((الوسيط)) للواحدي (3/417)، ((تفسير الشوكاني)) (4/228)، ((تفسير السعدي)) (ص: 629)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 96، 97). .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23).
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي.
أي: والَّذين كَفَروا بآياتِ اللهِ [253] قيل: المرادُ بها هنا: القرآنُ. وممَّن قال بذلك: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/378)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/233). ويُنظر أيضًا: ((تفسير القرطبي)) (13/337). وقيل: المرادُ: عُمومُ الدَّلائِلِ والحُجَجِ؛ فتَشملُ الآياتِ الكَونيَّةَ والشَّرعيَّةَ. وممَّن قال بذلك في الجملةِ: ابنُ جرير، والبِقاعي، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/380)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/419)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 99، 100). وأنكَروا البَعثَ بعدَ الموتِ: أولئك يَئِسوا مِن رحمةِ اللهِ، ولن يُدخِلَهم جنَّتَه [254] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/380)، ((تفسير القرطبي)) (13/337)، ((تفسير ابن كثير)) (6/271)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/419)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/233، 234)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 99-102). قيل: المرادُ أنَّ يأسَهم يَقَعُ في الآخرةِ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، ومكِّي، والعُلَيمي، والألوسي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/380)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/5615)، ((تفسير العليمي)) (5/240)، ((تفسير الألوسي)) (10/353). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (20/234). وقيل: المرادُ يأسُهم في الدُّنيا، فهم لا يَطمَعونَ في رحمةِ الله في الآخرةِ؛ ولذلك لم يَعمَلوا ما يُقَرِّبُهم إلى الله. وممَّن قال بذلك في الجملةِ: الشوكانيُّ، والسعديُّ. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/229)، ((تفسير السعدي)) (ص: 629). ويُنظر أيضًا: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/419، 420). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف: 40] .
وقال سُبحانَه: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة: 72] .
وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
أي: وأولئك الكُفَّارُ لهم عَذابٌ [255] قيل: المرادُ به: عذابُ جهنَّمَ في الآخرةِ. وممَّن قال بذلك في الجملةِ: يحيى بنُ سلام، والسمرقنديُّ. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/624)، ((تفسير السمرقندي)) (2/629). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: السُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/624). وقيل: المرادُ به العذابُ في الدُّنيا وفي الآخرةِ. وممَّن قال بذلك: ابنُ كثير، والبِقاعي. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/271)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/420). مُؤلِمٌ مُوجِعٌ [256] يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/624)، ((تفسير ابن جرير)) (18/380)، ((تفسير ابن كثير)) (6/271)، ((تفسير السعدي)) (ص: 629). قال السعدي: (وكأنَّ هذه الآياتِ مُعتَرِضاتٌ بيْنَ كلامِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ لِقَومِه، وردِّهم عليه. واللهُ أعلَمُ بذلك). ((تفسير السعدي)) (ص: 629). .

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- في قَولِه تعالى: وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ التَّحذيرُ مِن المُخالَفةِ؛ لأنَّه إذا كان المرجِعُ إلى اللهِ فاحذَرْ مِن مُخالَفتِه؛ فإنَّ هذا يُشبِهُ التَّهديدَ والوعيدَ مِن المخالَفةِ [257] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 92). .
2- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ لا ينبغي للمُؤمِنِ أن يَيأسَ مِن رَوحِ اللهِ، ولا مِن رحمتِه، ولا أنْ يأمَنَ عذابَه وعِقابَه؛ فصِفةُ المؤمِنِ أن يكونَ راجيًا لله خائِفًا [258] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/133). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- قَولُ الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ فيه سُؤالٌ: علَّقَ تعالى الرُّؤيةَ بالكيفيَّةِ، لا بالخَلقِ، وما قال: (أولمْ يَرَوا أنَّ الله خلَقَ)، (أو بَدأ الخَلْقَ)، والكيفيَّةُ غيرُ مَعلومةٍ؟
الجوابُ: أنَّ هذا القَدْرَ مِن الكيفيَّةِ مَعلومٌ، وهو أنَّه خلَقَه ولم يكُنْ شَيئًا مَذكورًا، وأنَّه خلَقَه مِن نُطفةٍ هي مِن غذاءٍ هو مِن ماءٍ وتُرابٍ، وهذا القَدْرُ كافٍ في حُصولِ العِلمِ بإمكانِ الإعادةِ؛ فإنَّ الإعادةَ مِثلُه [259] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/40). .
2- في قَولِه تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ هذه الآيةُ مع الَّتي قبْلَها رُبمَّا يَظهَرُ فيهما إشكالٌ؛ لأنَّ الأُولى: أَوَلَمْ يَرَوْا تقريرٌ لهم بأنَّهم يَرونَ كيف يُبدِئُ اللهُ الخَلْقَ ثمَّ يُعيدُه، وهنا يقولُ: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ فيقتضي أنَّهم حتَّى الآنَ لم يَعلَموا كيف بدَأ اللهُ الخَلقَ؟!
والجوابُ على ذلك: أنَّهم وإنْ كانوا يَرَوْنَ كيف بَدأ اللهُ الخَلْقَ، لكنَّهم قد يُنكِرونَه؛ فأمَرَ اللهُ تعالى نبيَّه أنْ يأمُرَهم بالسَّيرِ في الأرضِ: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ امشُوا في الأرضِ، وانظُروا مَثَلًا إلى الوُحوشِ، وانظُروا إلى الحَشَراتِ، وانظُروا إلى مخلوقاتِ اللهِ سُبحانَه وتعالى كيف تَنْشَأُ هذه الأشياءُ بدونِ أنْ نرى لها خالقًا سِوى اللهِ سُبحانه وتعالى، فهذا مِن بابِ إلزامِهم، ولا سيَّما إذا قُلْنا: إنَّ الرُّؤيةَ الأُولى عِلْميَّةٌ، فهي مِن بابِ إلزامِهم بما يُشاهِدونَه في الأرضِ بعدَ أنْ يَسيروا فيها [260] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 81). .
3- قال الله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا فأمَرَ بالسَّيرِ في الأرضِ؛ لأنَّ السَّيرَ يُدْني إلى الرَّائي مُشاهَداتٍ جَمَّةً مِن مُختلِفِ الأرَضينَ بجِبالِها وأنهارِها ومَحْويَّاتِها، ويمُرُّ به على مَنازلِ الأُمَمِ حاضِرِها وبائدِها، فيَرى كثيرًا مِن أشياءَ وأحوالٍ لم يَعْتَدْ رُؤيةَ أمثالِها، فإذا شاهَدَ ذلك جالَ نظَرُ فِكْرِه في تَكوينِها بعْدَ العدَم جَوَلانًا لم يكُنْ يَخطُرُ له ببالٍ حينَما كان يُشاهِدُ أمثالَ تلك المخلوقاتِ في دِيارِ قَومِه؛ لأنَّه لَمَّا نشَأَ فيها مِن زمَنِ الطُّفولةِ فما بعْدَه قبْلَ حُدوثِ التَّفكيرِ في عقْلِه، اعتادَ أنْ يَمُرَّ ببَصرِه عليها دونَ استِنتاجٍ مِن دَلائلِها، حتَّى إذا شاهَدَ أمْثالَها ممَّا كان غائبًا عن بصَرِه، جالتْ في نفْسِه فِكرةُ الاستِدلالِ؛ فالسَّيرُ في الأرضِ وسيلةٌ جامعةٌ لمُختلِفِ الدَّلائلِ؛ فلذلك كان الأمرُ به لهذا الغرَضِ مِن جَوامِعِ الحِكمةِ [261] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/230). .
4- في قَولِه تعالى: كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ الاستِدلالُ بالمَبدَأِ على المَعادِ [262] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 87). .
5- في قَولِه تعالى: كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إثباتُ الأفعالِ الاختياريَّةِ للهِ عزَّ وجلَّ؛ فإنَّها مِن تمامِ قُدرتِه جلَّ وعلا؛ كالمجيءِ، والنُّزولِ، والاستواءِ على العَرشِ، والضَّحِكِ، والعَجَبِ، وما أشْبَهَ ذلك [263] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 87). .
6- في قَولِه تعالى: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ سؤالٌ: كيف نُسَمِّيها نشأةً وهي إعادةٌ؟
الجوابُ: أنَّ هذه الإعادةَ تختلِفُ عن سابقتِها اختِلافًا كثيرًا، فهي بالنِّسبةِ إليها نَشْأةٌ؛ لأنَّ حياةَ الآخِرةِ ليست مِثلَ حياةِ الدُّنيا؛ فحَياةُ الآخرةِ حياةٌ أبَديَّةٌ، وحَياةُ الدُّنيا حياةُ فَناءٍ؛ ولذلك تَجِدُها ناقِصةً، يُخلَقُ الإنسانُ مِن ضَعْفٍ إلى قوَّةٍ إلى ضَعفٍ، أمَّا في الإعادةِ فإنَّه يُخلَقُ للأبدِ؛ فلذلك سُمِّيَتْ نَشأةً وإنْ كانت هي إعادةً؛ لاختلافِ الحالَينِ [264] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 83). .
وأيضًا فالتَّعبيرُ عن الإعادةِ الَّتي هي مَحَلُّ النِّزاعِ بالنَّشأةِ الآخِرةِ المُشعِرةِ بكَونِ البَدْءِ نَشأةً أُولى؛ للتَّنبيهِ على أنَّهما شأْنٌ واحدٌ مِن شُؤونِ اللهِ تعالى حَقيقةً واسمًا، مِن حيثُ إنَّ كلًّا منهما اختراعٌ وإخراجٌ مِن العدمِ إلى الوجودِ، ولا فرْقَ بيْنَهما إلَّا بالأوَّليَّةِ والآخِريَّةِ [265] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/448)، ((تفسير البيضاوي)) (4/191)، ((تفسير أبي السعود)) (7/35). .
7- في قَولِه تعالى: كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ أنَّه ينبغي للمُستَدِلِّ أنْ يَستَدِلَّ بالمُشاهَدِ على الغائبِ؛ لِيَقتَنِعَ الخَصمُ بذلك [266] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 87). .
8- في قَولِه تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ أنَّ الرَّحمةَ لا تُطلَبُ إلَّا مِن اللهِ؛ لِقَولِه: وَيَرْحَمُ، وهذا في مقامِ التَّقسيمِ يدُلُّ على الاختِصاصِ، يُعَذِّبُ وَيَرْحَمُ، فلا تُطلَبُ الرَّحمةُ إلَّا مِنَ اللهِ، حتَّى الَّذين يَرحمون مِن الخَلْقِ ينبغي عندَما تَطلُبُ رحمتَهم أنْ تَجعلَ ذلك مُتعلِّقًا باللهِ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لو شاء ألَّا يَرحَموك لم يَرحَموك [267] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 92). .
9- في قَولِه تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ دَليلٌ على المعتَزِلةِ والقَدَريَّةِ -أي: في مذهبِهم في الوعدِ والوعيدِ بوُجوبِ إثابةِ المُطيعِ وتعذيبِ العاصي-؛ لأنَّه ذَكَر بَدْءَ الخَلْقِ وإنشاءَهم عامَّةً، ولم يَذْكُرْهم بعَمَلٍ صالحٍ ولا طالحٍ، بل ذَكَر مَشيئتَه في رحمةِ بعضِهم وعذابِ بعضِهم -كما ترى- فهل يكونُ الكافرُ على هذا إلَّا مُرَادًا بالعَذابِ، والمؤمنُ إلَّا مُرَادًا بالرَّحمةِ [268] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/578). ؟! أي: على سبيلِ الحكمةِ والفضلِ، وليس على سبيلِ الإيجابِ كما تزعمُ المعتزِلةُ!
10- الرَّحمةُ صِفةٌ مِن صِفاتِ اللهِ سُبحانَه وتعالى الذَّاتيَّةِ الفِعليَّةِ؛ فهي باعتبارِ أصلِ ثُبوتِها للهِ صِفةٌ ذاتيَّةٌ، وباعتبارِ تَجَدُّدِ مَن يَرحَمُه اللهُ صِفةٌ فِعليَّةٌ؛ ولهذا علَّقَها اللهُ سبحانه وتعالى بالمشيئةِ في قولِه تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [269] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- الفاتحة والبقرة)) (2/252). .
11- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وُجوبُ الإيمانِ بلِقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى عاقَبَ الَّذين لا يؤمِنون بذلك باليأسِ مِن رحمتِه [270] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 105). .
12- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي في قَولِه: وَلِقَائِهِ إثباتُ رؤيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فإنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ استدَلُّوا بذلك على إثباتِ الرُّؤيةِ، لأنَّ المُلاقاةَ إذا لم يكُنْ مانعٌ فلا بُدَّ حينَئذٍ مِن الرُّؤيةِ؛ ولا مانعَ يَمنَعُ [271] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 103). قال ابنُ القيِّمِ: (وأجمَع أهلُ اللِّسانِ على أنَّ اللِّقاءَ متى نُسِب إلى الحَيِّ السَّليمِ مِن العمَى والمانعِ، اقتضَى المُعايَنةَ والرُّؤيةَ). ((حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح)) (ص: 288). .
13- قَولُ الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ عندَ ذِكرِ الرَّحمةِ أضافها إلى نفْسِه، فقال: رَحْمَتِي، وعندَ العذابِ لم يُضِفْه؛ لِسَبْقِ رحمتِه، وإعلامًا لعِبادِه بعُمومِها لهم، ولُزومِها له [272] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/43). .
14- في قَولِه تعالى: أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أنَّ الكُفَّارَ لا يَدخُلونَ الجَنَّةَ [273] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 102). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
- قولُه: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ كلامٌ مُستأنَفٌ، مَسوقٌ مِن جِهتِه تعالَى؛ للإنكارِ على تَكذيبِهم بالبعثِ مع وُضوحِ دَليلِه، وسُنوحِ سَبيلِه [274] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/34). . وعلى وجْهِ أنْ يكونَ قولُه: وَإِنْ تُكَذِّبُوا ... [العنكبوت: 18] خارجًا عن مَقالةِ إبراهيمَ؛ يكونُ ضميرُ الغائبِ في أَوَلَمْ يَرَوْا الْتِفاتًا. والالتِفاتُ مِن الخِطابِ إلى الغَيبةِ؛ لنُكتةِ إبعادِهم عن شرَفِ الحضورِ بعدَ الإخبارِ عنهم بأنَّهم مُكَذِّبون [275] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/227). .
- قولُه: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ الهمزةُ للاستِفهامِ الإنكاريِّ عن عدَمِ الرُّؤيةِ، نُزِّلوا مَنزِلةَ مَن لم يَرَ؛ فأُنكِرَ عليهم [276] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/34)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/228). . والاستِفهامُ بـ (كيف) مُستعمَلٌ في التَّنبيهِ ولَفْتِ النَّظرِ، لا في طلَبِ الإخبارِ [277] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/229). .
- وجِيءَ يُبْدِئُ بصِيغةِ المضارِعِ؛ لإفادةِ تَجدُّدِ بَدْءِ الخلْقِ كلَّما وجَّهَ النَّاظرُ بصَرَه في المخلوقاتِ [278] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/228). .
- وجُملةُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ مُبيِّنةٌ لِمَا تَضمَّنَه الاستِفهامُ مِن إنكارِ عدَمِ الرُّؤيةِ المُؤدِّيةِ إلى العِلْمِ بوُقوعِ الإعادةِ؛ إذ أحالُوها مع أنَّ إعادةَ الخلْقِ إنْ لم تكُنْ أيسَرَ مِن الإعادةِ في العُرْفِ، فلا أقَلَّ مِن كَونِها مُساويةً لها. ووجْهُ توكيدِ الجُملةِ بـ (إنَّ) ردُّ دَعْواهم أنَّه مُستحيلٌ [279] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/229). .
2- قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
- قولُه: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... اعتِراضٌ انتِقاليٌّ مِن الإنكارِ عليهم ترْكَ الاستِدلالِ بما هو بمَرْأًى منهم، إلى إرشادِهم للاستِدلالِ بما هو بعيدٌ عنهم مِن أحوالِ إيجادِ المخلوقاتِ، وتعاقُبِ الأُمَمِ؛ فإنَّ تَعَوُّدَ النَّاسِ بما بيْنَ أيدِيهم يَصرِفُ عُقولَهم عن التَّأمُّلِ فيما وراءَ ذلك مِن دَلائلِ دقائقِها على ما تدُلُّ عليه؛ فلذلك أمَرَ اللهُ رسولَه أنْ يَدْعُوَهم إلى السَّيرِ في الأرضِ؛ لِيُشاهِدوا آثارَ خلْقِ اللهِ الأشياءَ مِن عدَمٍ، فيُوقِنوا أنَّ إعادتَها بعدَ زَوالِها ليس بأعجَبَ مِنِ ابتداءِ صُنْعِها [280] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/230). .
- وجِيءَ في جانِبِ بَدْءِ الخلْقِ بالفِعلِ الماضي بَدَأَ الْخَلْقَ؛ لأنَّ السَّائرَ ليس له مِن قَرارٍ في طَريقِه؛ فنَدَرَ أنْ يَشهَدَ حُدوثَ بَدْءِ مخلوقاتٍ، ولكنَّه يَشهَدُ مخلوقاتٍ مَبدوءةً مِن قبْلُ، فيَفْطِنُ إلى أنَّ الَّذي أوجَدَها إنَّما أوجَدَها بعدَ أنْ لم تكُنْ، وأنَّه قادرٌ على إيجادِ أمثالِها، فهو بالأحْرى قادرٌ على إعادتِها بعدَ عدَمِها، والاستِدلالُ بالأفعالِ الَّتي مَضَتْ أمكَنُ؛ لأنَّ للشَّيءِ المُتقرِّرِ تحقُّقًا مَحسوسًا. وأيضًا جِيءَ في هذا الاستِدلالِ بفِعلِ النَّظرِ فَانْظُرُوا؛ لأنَّ إدراكَ ما خلَقَه اللهُ حاصلٌ بطريقِ البصَرِ، وهو بفِعلِ النَّظرِ أَولَى وأشهَرُ؛ لِيَنتقِلَ منه إلى إدراكِ أنَّه يُنشِئُ النَّشْأةَ الآخِرةَ [281] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/230). .
- قولُه تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ، فيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال في الآيةِ الأُولى بلفْظِ الرُّؤيةِ، وفي الثَّانيةِ بلفْظِ النَّظرِ؛ وذلك لأنَّ العِلْمَ الحَدسِيَّ (الحاصل مِن غيرِ طلبٍ) أتَمُّ مِن العِلْمِ الفِكْريِّ، والرُّؤيةَ أتَمُّ مِن النَّظرِ؛ لأنَّ النَّظرَ يُفْضي إلى الرُّؤيةِ، يُقال: نظرْتُ فرأيتُ، والمُفْضي إلى الشَّيءِ دونَ ذلك الشَّيءِ؛ فقال في الأوَّلِ: أمَا حصَلَتْ لكم الرُّؤيةُ، فانْظُروا في الأرضِ؛ لِتَحصُلَ لكم الرُّؤيةُ [282] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/40، 41). .
- وفي الآيةِ الأُولى صرَّحَ باسْمِه تعالى في قولِه: كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ، ثمَّ أضمَرَ في قولِه: ثُمَّ يُعِيدُهُ، وهنا عكَسَ؛ حيثُ أضمَرَ في بَدَأَ، ثمَّ أبْرَزَه في قولِه: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ؛ حتَّى لا تَخْلُوَ الجُملتانِ مِن صَريحِ اسْمِه تعالى [283] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/349). . والإفصاحُ باسْمِه مع إيقاعِه مُبتدأً في قولِه: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ بعدَ إضْمارِه في قولِه: كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ -وكان القِياسُ أنْ يُقالَ: كيف بدَأَ اللهُ الخلْقَ، ثمَّ يُنشِئُ النَّشأةَ الآخرةَ-؛ لأنَّ الكلامَ معهم كان واقعًا في الإعادةِ، فلمَّا قرَّرَهم في الإبداءِ بأنَّه مِن اللهِ، احتجَّ عليهم بأنَّ الإعادةَ إنشاءٌ مِثلُ الإبداءِ، فإذا كان اللهُ الَّذي لا يُعجِزُه شَيءٌ هو الَّذي لم يُعجِزْه الإبداءُ، فهو الَّذي وجَبَ ألَّا تُعجِزَه الإعادةُ؛ فكأنَّه قال: ثمَّ ذاك الَّذي أنشَأَ النَّشْأةَ الأُولى هو الَّذي يُنشِئُ النَّشْأةَ الآخِرةَ؛ فلِلدَّلالةِ والتَّنبيهِ على هذا المعنى أبرَزَ اسْمَه وأوقَعَهُ مُبتدأً [284] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/449)، ((تفسير البيضاوي)) (4/191)، ((تفسير أبي حيان)) (8/349)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 437)، ((تفسير أبي السعود)) (7/35)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (20/323)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/231)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/417). .
- قولُه: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ النَّشْأةُ بوَزْنِ (فَعْلَةٍ): المرَّةُ مِن النَّشْءِ، وهو الإيجادُ، عبَّرَ عنها بصِيغةِ المَرَّةِ؛ لأنَّها نَشْأةٌ دَفعيَّةٌ تُخالِفُ النَّشْءَ الأوَّلَ [285] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/231). .
- وفي وصْفِها بـ الْآَخِرَةَ إيماءٌ بأنَّها مُساوِيةٌ للنَّشْأةِ الأُولى؛ فلا شُبْهةَ لهم في إحالةِ وُقوعِها. وأمَّا قولُه تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى [الواقعة: 62] ، فذلك على سَبيلِ المُشاكَلةِ التَّقديريَّةِ؛ لأنَّ قولَه قبْلَه: وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ [الواقعة: 61] يَتضمَّنُ النَّشْأةَ الآخرةَ، فعبَّرَ عن مُقابلتِها بالنَّشأةِ [286] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/231). .
- قولُه: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَعليلٌ لِمَا قبْلَه بطريقِ التَّحقيقِ؛ فإنَّ مَن عَلِمَ قُدرتَه تعالى على جَميعِ الأشياءِ الَّتي مِن جُملتِها الإعادةُ، لا يُتَصوَّرُ أنْ يَتردَّدَ في قُدرتِه عليها ولا في وُقوعِها بعدَما أخبَرَ به [287] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/35). .
- قولُه: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَذييلٌ، أي: قديرٌ على البعثِ، وعلى كلِّ شَيءٍ إذا أرادهُ. وإظهارُ اسمِ الجلالةِ؛ لِتَكونَ جُملةُ التَّذييلِ مُستقِلَّةً بنفْسِها، فتَجْري مَجرى الأمثالِ [288] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/231). .
3- قولُه: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ابتُدِئَ بذِكْرِ العِقابِ؛ لأنَّ الخِطابَ جارٍ مع مُنْكري البعثِ الَّذين حظُّهم فيه هو التَّعذيبُ [289] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/349)، ((تفسير أبي السعود)) (7/35)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/232). .
- قولُه: وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ تقديمُ المجرورِ على عامِلِه للاهتِمامِ والتَّأكيدِ؛ إذ ليس المَقامُ للحصْرِ؛ إذ ليس ثمَّةَ اعتقادٌ مَردودٌ. وفي هذا إعادةُ إثباتِ وُقوعِ البعثِ، وتعريضٌ بالوعيدِ [290] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/232). .
4- قوله تعالى: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
- قولُه: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ لم يَقُل: (لا تُعجِزون) بصيغةِ الفِعلِ؛ وذلك لأنَّ نَفْيَ الفِعلِ لا يدُلُّ على نفْيِ الصَّلاحيَّةِ؛ فإنَّ مَن قال: (إنَّ فُلانًا لا يَخيطُ) لا يدُلُّ على ما يدُلُّ عليه قَولُه: (إنَّه ليس بخيَّاطٍ) [291] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/43). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال هنا: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، واقتصَرَ في (الشُّورى) على فِي الْأَرْضِ [الشورى: 31] ؛ وذلك لأنَّه لَمَّا تقدَّمَ في سُورةِ (العنكبوتِ) قولُه تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [العنكبوت: 4] ، وهذا مِن أشَدِّ الوعيدِ؛ إذ حاصِلُه أنَّه لا يَفوتُه سُبحانه أحدٌ، ولا مَهرَبَ منه تعالى إلَّا إليه؛ ناسَبَ هذا قولُه تعالى: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، كما قال: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا [البقرة: 148] ، إلى ما ورَدَ مِن هذا، وذلك تناسُبٌ بَيِّنٌ، ولَمَّا لم يَرِدْ في سُورةِ الشُّورى مِن أوَّلِها إلى الآيةِ مِثلُ هذا الوعيدِ الشَّديدِ، ولا كان فيها ما يَسْتدعي هذا التَّعميمَ والاستيفاءَ الوعيديَّ، ورَدَتِ الآيةُ مُناسِبةً لذلك؛ فقال تعالى: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ [الشورى: 31] ، ولم يكُنِ التَّعميمُ هنا لِيُناسِبَ؛ فورَدَ كلٌّ على ما يجِبُ [292] يُنظر: ((ملاك التأويل)) للغرناطي (2/389). . وقيل غيرُ ذلك [293] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 1005-1009)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 198)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/361، 362)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 437)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/233). .
- قوله: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ فيه حذْفُ مَفعولِ (مُعجِزين)؛ للعِلْمِ به، أي: بمُعجِزين اللهَ [294] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/232). .
- وقدَّم الأرضَ على السَّماءِ، والوليَّ على النَّصيرِ؛ لأنَّ هَرَبَهم المُمكِنَ: في الأرضِ، فإنْ كان يقَعُ منهم هَرَبٌ يكونُ في الأرضِ، ثمَّ إنْ فَرَضْنا لهم قُدرةً غيرَ ذلك، فيكونُ لهم صعودٌ في السَّماءِ، وأمَّا الدَّفعُ فإنَّ العاقِلَ ما أمْكَنَه الدَّفعُ بأجمَلِ الطُّرُقِ فلا يرتقي إلى غيرِه، والشَّفاعةُ أجمَلُ، ولأنَّ ما مِن أحدٍ في الشَّاهِدِ إلَّا ويكونُ له شَفيعٌ يَتكَلَّمُ في حَقِّه عندَ مَلِكٍ، ولا يكونُ كُلُّ أحدٍ له ناصرٌ يُعادي المَلِكَ لأجْلِه [295] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/43). .
- وعطْفُ وَلَا فِي السَّمَاءِ على فِي الْأَرْضِ احتِراسٌ وتأْييسٌ مِن الطَّمعِ في النَّجاةِ، وإنْ كانوا لا مَطمَعَ لهم في الالتِحاقِ بالسَّماءِ [296] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/232). .
5- قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بَيانٌ لِمَا في قولِه: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: 21] ؛ وإنَّما عُطِفَ لِمَا فيه مِن زِيادةِ الإخبارِ بأنَّهم لا يَنالُهم اللهُ برَحمةٍ، وأنَّه يُصِيبُهم بعذابٍ أليمٍ [297] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/233). .
- والتَّعبيرُ بالاسمِ الظَّاهرِ في قولِه: بِآَيَاتِ اللَّهِ دونَ ضَميرِ التَّكلُّمِ؛ للتَّنويهِ بشأْنِ الآياتِ حيثُ أُضِيفَت إلى الاسمِ الجليلِ؛ لِمَا في الاسمِ الجَليلِ مِن التَّذكيرِ بأنَّه حقيقٌ بألَّا يُكفَرَ بآياتِه [298] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/234). .
- قولُه: أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي التَّعبيرُ باسمِ الإشارةِ أُولَئِكَ يُفِيدُ أنَّ ما سيُذكَرُ بعْدَه نالَهم مِن أجْلِ ما ذُكِرَ قبْلَ اسمِ الإشارةِ مِن أوصافٍ [299] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/233). .
- وأخبَرَ عن يأْسِهم مِن رَحمةِ اللهِ بالفِعلِ الماضي يَئِسُوا؛ تَنبيهًا على تَحقيقِ وُقوعِه، والمعنى: أولئك سيَيْئَسُون مِن رحمةِ اللهِ لا مَحالةَ [300] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/192)، ((تفسير أبي السعود)) (7/36)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/234). ، وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
- والعُدولُ إلى التَّكلُّمِ في قولِه: رَحْمَتِي الْتِفاتٌ، عاد به أُسلوبُ الكلامِ إلى مُقْتضَى الظَّاهرِ [301] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/234). .
- وإعادةُ اسمِ الإشارةِ في قولِه: وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ لتأْكيدِ التَّنبيهِ على استحقاقِهم ذلك [302] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/234). . وأيضًا في تَكريرِ اسمِ الإشارةِ، وتَكريرِ الإسنادِ، وتَنكيرِ العذابِ، ووَصْفِه بالأليمِ: مِن الدَّلالةِ على كَمالِ فَظاعةِ حالِهم ما لا يَخْفَى [303] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/36). .