الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثاني: عدمُ جوازِ نِسبةِ الشَّرِّ إلى اللهِ تعالى

القَدَرُ لا شرَّ فيه بوَجهٍ مِن الوجوهِ؛ فإنَّه عِلمُ اللهِ وقُدرتُه وكتابتُه ومشيئتُه، وذلك خيرٌ مَحْضٌ وكمالٌ من كُلِّ وَجهٍ.
فالشرُّ ليس إلى الرَّبِّ تعالى مطلقًا لا في ذاتِه ولا في أسمائِه ولا في صفاتِه ولا في أفعالِه، وإنما يدخُلُ الشَّرُّ الجزئيُّ في الشَّيءِ المقدَّرِ، ويكونُ شَرًّا مِن وَجهٍ وخَيرًا مِن وَجهٍ آخَرَ، فليس شرًّا محضًا.
ومن الأمثلةِ على ذلك: القِصاصُ، وإقامةُ الحُدودِ، وقَتلُ الكُفَّارِ؛ فإنَّه شَرٌّ بالنسبةِ إليهم وليس من كُلِّ وَجهٍ، وهو خيرٌ بالنسبةِ إلى غَيرِهم لِما فيه من مصلحةِ الزَّجرِ والنَّكالِ، ودَفعِ النَّاسِ بعضِهم ببَعضٍ.
ومن الأمثلةِ أيضًا: الآلامُ والأمراضُ، فهي وإن كانت شرورًا من جهةٍ، فهي خيرٌ كثيرٌ من جِهاتٍ أُخرى متعَدِّدةٍ.
قال ابنُ القَيِّمِ: (فالخيرُ والشَّرُّ مِن جِنسِ اللذَّةِ والألمِ والنَّفعِ والضَّرَرِ، وذلك في المقضيِّ المقدَّرِ لا في نَفْسِ صِفةِ الرَّبِّ وفِعلِه القائِمِ به؛ فإنَّ قطعَ يد السَّارقِ شَرٌّ مؤلمٌ ضارٌّ له، وأمَّا قضاءُ الرَّبِّ ذلك وتقديرُه عليه فعَدلٌ وخيرٌ وحِكْمةٌ ومصلحةٌ... فإن قيل: فما الفرقُ بين كونِ القَدَرِ خيرًا وشرًّا وكونِه حُلوًا ومُرًّا؟ قيل: الحلاوةُ والمرارةُ تعود إلى مباشرةِ الأسبابِ في العاجِلِ، والخيرُ والشرُّ يرجِعُ إلى حُسنِ العاقبةِ وسُوئِها، فهو حُلوٌ ومُرٌّ في مَبدَئِه وأوَّلِه، وخَيرٌ وشَرٌّ في منتهاه وعاقِبَتِه.
وقد أجرى اللهُ سُبحانَه سُنَّتَه وعادتَه أنَّ حلاوةَ الأسبابِ في العاجِلِ تُعقِبُ المرارةَ في الآجِلِ، ومرارتَها تُعقِبُ الحلاوةَ؛ فحُلوُ الدُّنيا مُرُّ الآخرةِ، ومُرُّ الدُّنيا حُلوُ الآخِرةِ.
وقد اقتضت حِكْمَتُه سُبحانَه أنْ جَعَل اللَّذَّاتِ تُثمِرُ الآلامَ، والآلامَ تُثمِرُ اللَّذَّاتِ، والقَضاءُ والقَدَرُ مُنتَظِمٌ لذلك انتِظامًا لا يخرُجُ عنه شيءٌ البتَّةَ)( يُنظر: ((شفاء العليل)) (ص: 663). .
عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يقولُ في دعائِه: ((وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ))( أخرجه مسلم (771) مُطَوَّلًا. .
قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (قَولُه: ((والشَّرُّ ليس إليك))، أي: لا يُضافُ إليك مخاطَبةً ونِسبةً؛ تأدُّبًا، مع أنَّه بقضاءِ اللهِ تعالى وقَدَرِه، وخَلْقِه واختراعِه؛ كالخيرِ، كما قال اللهُ تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وكما قال: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام: 17] )( يُنظر: ((المفهم)) (2/ 401). .
وقال النووي: (أمَّا قَولُه: ((والشَّرُّ ليس إليك)) فمِمَّا يجِبُ تأويلُه؛ لأن مَذهَبَ أهلِ الحَقِّ أنَّ كُلَّ المُحْدَثاتِ فِعْلُ اللهِ تعالى وخَلْقُه، سواءٌ خَيرُها وشَرُّها، وحينئذٍ يجِبُ تأويلُه، وفيه خمسةُ أقوالٍ:
أحدُها: معناه: لا يُتقَرَّبُ به إليك. قاله الخليلُ بنُ أحمَدَ، والنَّضرُ بنُ شُمَيلٍ، وإسحاقُ بنُ راهَوَيهِ، ويحيى بنُ مَعِينٍ، وأبو بكرِ بنُ خُزَيمةَ، والأزهريُّ، وغَيرُهم.
والثاني: حكاه الشيخُ أبو حامدٍ عن المُزَنيِّ، وقاله غيرُه أيضًا، معناه: لا يُضافُ إليك على انفرادِه، لا يُقالُ: يا خالِقَ القِرَدةِ والخنازيرِ، ويا رَبَّ الشَّرِّ، ونحوُ هذا، وإن كان خالِقَ كُلِّ شيءٍ، ورَبَّ كُلِّ شيءٍ، وحينئذ يدخُلُ الشَّرُّ في العمومِ.
والثالِثُ: معناه: والشَّرُّ لا يصعَدُ إليك، إنما يصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصَّالحُ.
والرَّابعُ: معناه: والشَّرُّ ليس شَرًّا بالنسبةِ إليك؛ فإنَّك خلَقْتَه بحِكْمةٍ بالغةٍ، وإنما هو شرٌّ بالنِّسبةِ إلى المخلوقين.
والخامِسُ: حكاه الخطَّابيُّ؛ أنَّه كقولِك: فلانٌ إلى بني فلانِ، إذا كان عِدادُه فيهم، أو صَفْوُه إليهم)( يُنظر: ((شرح مسلم)) (6/ 59). .
وقال المظهري: ( ((والشَّرُّ ليس إليك))، يعني: والشَّرُّ ليس مما يُتقَرَّبُ به إليك.
وقيل: معناه: والشَّرُّ لا يضافُ إليك؛ لحُسنِ الأدَبِ، ألا ترى أنَّه لا يقالُ للهِ: يا خالِقَ الخنازيرِ، وإن كان خالِقَها؟! لأنَّه ليس في هذا اللفظِ تعظيمٌ، بل يقالُ: يا خالِقَ البَرِيَّاتِ، فكذلك هو خالِقُ الخَيرِ والشَّرِّ جميعًا، ولكِنْ لا يقالُ: يا خالِقَ الشَّرِّ، كما قال إبراهيمُ خليلُ الرَّحمنِ عليه السَّلامُ: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء: 78، 79]، أضاف الخَلْقَ والإطعامَ والسَّقْيَ إلى اللهِ تعالى؛ لِما فيها من التعظيمِ، وقال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 80]، أضاف المرَضَ إلى نَفْسِه؛ لِما ليس فيه من التعظيمِ.
وقيل: معناه: والشَّرُّ لا يُنسَبُ إلى أفعالك، يعني: ليس في أفعالكِ شَرٌّ؛ لأنك إذا خَلَقْتَ الشَّرَّ وبيَّنْتَه لعبادِك ونهَيتَهم عن فِعلِه، فلم يَكُ فِعْلُك شَرًّا)( يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (2/ 120). .
وقال القرطبي: (تأدَّب إبراهيمُ عليه السَّلامُ في قَولِه: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، فأسند الفِعلَ قَبلُ وبَعدُ إلى اللهِ تعالى، وأسند إلى نَفسِه المرَضَ؛ إذ هو معنى نَقصٍ ومصيبةٍ، فلا يضافُ إليه سُبحانَه وتعالى من الألفاظِ إلَّا ما يُستحسَنُ منها دون ما يُستقبَحُ، وهذا كما قال تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ [آل عمران: 26] واقتصر عليه فلم يَنسُبِ الشَّرَّ إليه، وإن كان بيَدِه الخَيرُ والشَّرُّ والضُّرُّ والنَّفعُ؛ إذ هو على كُلِّ شَيءٍ قديرٌ، وهو بكُلِّ شيءٍ خبيرٌ)( يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/ 39). .
وقال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ قَولِ الجِنِّ: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: 10]: (أي: ما ندري هذا الأمرَ الذي قد حدث في السَّماءِ، لا ندري أشَرٌّ أُريدَ بمن في الأرضِ، أم أراد بهم ربُّهم رَشَدًا؟ وهذا من أدبِهم في العبارةِ؛ حيث أسندوا الشَّرَّ إلى غيرِ فاعلٍ، والخيرَ أضافوه إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ. وقد ورد في الصحيحِ: ((والشَّرُّ ليس إليك))( أخرجه مسلم (771) مُطَوَّلًا من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه. )( يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 240). .
وقال السَّعديُّ في فوائِدِ قِصَّةِ موسى والخَضِرِ عليهما السَّلامُ: (ومنها: استعمالُ الأدَبِ مع اللهِ تعالى في الألفاظِ، فإنَّ الخَضِرَ أضاف عَيبَ السَّفينةِ إلى نَفْسِه بقَولِه: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وأمَّا الخيرُ فأضافه إلى اللهِ تعالى لقَولِه: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، كما قال إبراهيمُ عليه السَّلامُ: وَإِذَا مَرِضْتَ فَهُوَ يَشْفِينِ، وقالت الجِنُّ: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: 10]، مع أنَّ الكُلَّ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه)( يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 485). .
وقال حافِظٌ الحَكَميُّ: (س: ما معنى قولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((والخيرُ كُلُّه في يديك، والشَّرُّ ليس إليك ))، مع أنَّ اللهَ سُبحانَه خالِقُ كُلِّ شَيءٍ؟
جـ: معنى ذلك أنَّ أفعالَ اللهِ عزَّ وجَلَّ كُلَّها خيرٌ مَحضٌ من حيث اتصافُه بها وصدورُها عنه، ليس فيها شَرٌّ بوجهٍ، فإنه تعالى حَكَمٌ عَدلٌ، وجميعُ أفعالِه حِكْمةٌ وعَدلٌ يَضَعُ الأشياءَ مَواضِعَها اللائِقةَ بها، كما هي معلومةٌ عنده سُبحانَه وتعالى، وما كان في نَفْسِ المقدورِ مِن شَرٍّ فمن جهةِ إضافتِه إلى العبدِ لِما يلحَقُه من المهالِكِ، وذلك بما كسَبَت يداه جزاءً وِفاقًا، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30]، وقال تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف: 76]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: 44] )( يُنظر: ((أعلام السنة المنشورة)) (ص: 89). .
وسُئِل ابنُ عُثيمين: هل في قَدَرِ اللهِ تعالى شَرٌّ؟
فأجاب: (ليس في القَدَرِ شَرٌّ، وإنما الشَّرُّ في المقدورِ، فمن المعروفِ أنَّ النَّاسَ تصيبُهم المصائِبُ وتنالهم الخيراتُ، فالخيراتُ خيرٌ، والمصائِبُ شَرٌّ، لكِنَّ الشَّرَّ ليس في فعلِ اللهِ تعالى، يعني: ليس فعلُ اللهِ وتقديرُه شرًّا، الشَّرُّ في مفعولاتِ اللهِ لا في فِعْلِه، واللهُ تعالى لم يُقَدِّرْ هذا الشَّرَّ إلَّا لخيرٍ، كما قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، هذا بيانُ سَبَبِ الفَسادِ، وأمَّا الحِكْمةُ فقال: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إذًا هذه مصائِبُ مآلها الخيرُ، فصار الشَّرُّ لا يضافُ إلى الرَّبِّ، ولكِنْ يضافُ إلى المفعولاتِ والمخلوقاتِ، مع أنَّ هذه المفعولاتِ والمخلوقاتِ شَرٌّ مِن وجهٍ، وخيرٌ من وجهٍ آخَرَ، فتكونُ شَرًّا بالنَّظَرِ إلى ما يحصُلُ منها من الأَذِيَّةِ، ولكِنَّها خيرٌ بما يحصُلُ فيها من العاقبةِ الحميدةِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)( يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (2/ 108). .
وسُئِل ابنُ عُثيمين أيضًا عن حُكمِ ثناءِ الإنسانِ على اللهِ تعالى بهذه العبارةِ: «بيَدِه الخَيرُ والشَّرُّ»؟
فأجاب: (أفضَلُ ما يُثني به العبدُ على رَبِّه هو ما أثنى به سُبحانَه على نَفْسِه، أو أثنى به عليه أعلَمُ النَّاسِ به نبيُّه محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واللهُ عزَّ وجَلَّ لم يُثْنِ على نَفْسِه -وهو يتحدَّثُ عن عمومِ مُلكِه، وتمامِ سُلطانِه وتصَرُّفِه- أنَّ بيَدِه الشَّرَّ، كما في قَولِه تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 26] ، فأثنى سُبحانَه على نَفْسِه بأنَّ بيَدِه الخيرَ في هذا المقامِ الذي قد يكونُ شَرًّا بالنسبةِ لمحَلِّه، وهو الإنسانُ المقَدَّرُ عليه الذُّلُّ، ولكنه خيرٌ بالنسبةِ إلى فِعلِ اللهِ؛ لصُدورِه عن حِكْمةٍ بالغةٍ؛ ولذلك أعقبه بقَوله: بِيَدِكَ الْخَيْرُ، وهكذا كُلُّ ما يُقَدِّرُه اللهُ من شُرورٍ في مخلوقاتِه، هي شرورٌ بالنسبةِ لمحالِّها، أما بالنِّسبةِ لفِعلِ اللهِ تعالى لها وإيجادِه، فهي خيرٌ لصُدورِها عن حِكْمةٍ بالغةٍ، فهناك فَرقٌ بين فِعلِ اللهِ تعالى، الذي هو فِعلُه كُلُّه خيرٌ، وبين مفعولاتِه ومخلوقاتِه البائنةِ عنه، ففيها الخيرُ والشَّرُّ، ويزيدُ الأمرَ وُضوحًا أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أثنى على رَبِّه تبارك وتعالى بأنَّ الخيرَ بيَدِه، ونفى نِسبةَ الشَّرِّ إليه، كما في حديثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، الذي رواه مسلِمٌ وغيرُه مُطَوَّلًا، وفيه أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يقولُ إذا قام إلى الصَّلاةِ: ((وجَّهتُ وجهي للذي فطَرَ السَّمَواتِ والأرضَ ))، إلى أن قال: ((لبَّيك وسَعْدَيك، والخيرُ كُلُّه في يديك، والشَّرُّ ليس إليك ))( أخرجه مسلم (771) مُطَوَّلًا من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ، فنفى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يكونَ الشَّرُّ إلى اللهِ تعالى؛ لأنَّ أفعالَه وإن كانت شَرًّا بالنسبةِ إلى محالِّها ومن قامت به، فليست شَرًّا بالنسبةِ إليه تعالى؛ لصُدورِها عن حِكْمةٍ بالغةٍ تتضَمَّنُ الخيرَ، وبهذا تبَيَّن أنَّ الأَولى بل الأوجَبُ في الثَّناءِ على اللهِ أن نقتَصِرَ على ما أثنى به على نَفْسِه، وأثنى به عليه رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّه تعالى أعلَمُ بنَفْسِه، ورسولُه محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعلَمُ الخَلْقِ به؛ فنقولُ: بيَدِه الخيرُ، ونقتَصِرُ على ذلك، كما هو في القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ)( يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (3/ 90). .
وقال ابنُ عثيمين أيضًا: (إنَّ القَدَرَ ليس فيه شَرٌّ، وإنما الشَّرُّ في المقدورِ، وتوضيحُ ذلك بأنَّ القَدَرَ بالنسبةِ لفِعلِ اللهِ كُلُّه خيرٌ، ويدُلُّ لهذا: قولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((والشَّرُّ ليس إليك)) أي: لا يُنسَبُ إليك، فنَفسُ قَضاءِ اللهِ تعالى ليس فيه شَرٌّ أبدًا؛ لأنَّه صادِرٌ عن رحمةٍ وحِكْمةٍ؛ لأنَّ الشَّرَّ المحْضَ لا يَقَعُ إلَّا من الشِّريرِ، واللهُ تعالى خيرٌ وأبقى.
إذًا كيف نوَجِّهُ: ((وتؤمِنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه))؟
الجوابُ: أن نقولَ: المفعولاتُ والمخلوقاتُ هي التي فيها الخيرُ والشَّرُّ، أمَّا أصلُ فِعلِ اللهِ تعالى وهو القَدَرُ، فلا شَرَّ فيه، مثالُ ذلك: قَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: 41] ، هذا بيانُ سَبَبِ فَسادِ الأرضِ، وأمَّا الحِكْمةُ فقال: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41] إذَنْ هذه مصائِبُ مِن جَدْبٍ في الأرضِ ومَرَضٍ أو فَقرٍ، ولكِنْ مآلُها إلى خيرٍ؛ فصار الشَّرُّ لايضافُ إلى الربِّ، لكِنْ يُضافُ إلى المفعولاتِ والمخلوقاتِ، مع أنها شَرٌّ من وجهٍ وخيرٌ مِن وَجهٍ آخرَ، فتكونُ شَرًّا بالنظَرِ إلى ما يحصُلُ منها من الأذِيَّةِ، ولكِنَّها خيرٌ بما يحصُلُ منها من العاقبةِ الحميدةِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41] .
ومن الحِكْمةِ أن يكونَ في المخلوقِ خيرٌ وشرٌّ؛ لأنَّه لولا الشَّرُّ ما عُرِف الخيرُ، كما قيل: (وبضِدِّها تتبيَّنُ الأشياءُ)، فلو كان النَّاسُ كُلُّهم على خيرٍ ما عرَفْنا الشَّرَّ، ولو كانوا كلُّهم على شَرٍّ ما عرَفْنا الخيرَ، كما أنَّه لا يُعرَفُ الجمالُ إلَّا بوجودِ القبيحِ، فلو كانت الأشياءُ كُلُّها جمالًا ما عرفنا القبيحَ.
إذًا إيجادُ الشَّرِّ لنعرِفَ به الخيرَ، لكِنْ كَونُ اللهِ تعالى يوجِدُ هذا الشَّرَّ ليس شَرًّا، فهنا فَرقٌ بين الفِعلِ والمفعولِ؛ ففِعلُ اللهِ الذي هو تقديرُه لا شَرَّ فيه، ومفعولُه الذي هو مَقدَّرُه ينقسِمُ إلى خيرٍ وشرٍّ، وهذا الشَّرُّ الموجودُ في المخلوقِ لحِكْمةٍ عظيمةٍ.
فإذا قال قائِلٌ: لماذا قَدَّرَ اللهُ الشَّرَّ؟
فالجواب: أوَّلًا: ليُعرَفَ به الخيرُ.
ثانيًا: من أجْلِ أن يلجَأَ النَّاسُ إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ.
ثالثًا: مِن أجْلِ أن يتوبوا إلى اللهِ.
فكم من إنسانٍ لا يحمِلُه على الوِرْدِ ليلًا أو نهارًا إلَّا مخافةُ شُرورِ الخَلْقِ، فتجِدُه يحافِظُ على الأورادِ لتَحفَظَه من الشرورِ، فهذه الشرورُ في المخلوقاتِ لِتَحمِلَ الإنسانَ على الأذكارِ والأورادِ وما أشبَهَها، فهي خيرٌ.
ولنضرِبْ مثلًا في رجلٍ له ابنٌ مُشفِقٌ عليه تمامًا، وأصيب الابنُ بمرضٍ، وكان من المقَرَّرِ أن يُكوى هذا الابنُ بالنَّارِ، ولا شَكَّ أنَّ النَّارَ مُؤلِمةٌ للابنِ، لكِنَّ الأبَ يَكويه لِما يرجو من المصلحةِ بهذا الكَيِّ، مع أنَّ الكَيَّ في نَفْسِه شَرٌّ، لكن نتيجتُه خيرٌ... فالمهِمُّ أنَّ الشَّرَّ لا يُنسَبُ إلى اللهِ تعالى، لأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((والشَّرُّ ليس إليك)). وإنما يُنسَبُ الشَّرُّ إلى المخلوقاتِ، قال اللهُ تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ* مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق: 1-2] فالشَّرُّ يُنسَبُ إلى المخلوقاتِ.
وهنا مسألةٌ: هل في تقديرِ المخلوقاتِ الشِّريرةِ حِكْمةٌ؟
والجوابُ: نعم، حِكْمةٌ عظيمةٌ، ولولا هذه المخلوقاتُ الشِّريرةُ ما عرَفْنا قَدْرَ المخلوقاتِ الخيِّرةِ، فالذِّئبُ مثلًا صغيرُ الجِسمِ بالنسبةِ للبعيرِ، ومع ذلك الذِّئبُ يأكُل الإنسانَ، كما قال اللهُ تعالى في سورة يُوسُفَ على لسانِ يَعقوبَ عليه السَّلامُ: وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ [يوسف: 13] ، ومعلومٌ أنَّ البعيرَ لا يأكُلُ الإنسانَ، بل إنَّ البعيرَ القويَّ الكبيرَ الجِسمِ ينقادُ للصَّبيِّ الصغيرِ؛ قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: 71، 72]، فتأمَّلِ الحِكْمةَ البالغةَ أنَّ اللهَ تعالى خلق الإبِلَ، وهي أجسامٌ كبيرةٌ، وأمرَنا اللهُ تعالى أن نتدبَّرَ؛ حيث قال: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: 17].
وخلَق الذِّئابَ وأشباهَها ممَّا يؤذي بني آدَمَ حتى يَعلَمَ النَّاسُ بذلك قدرةَ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وأنَّ الأمورَ كُلَّها بيَدِه)( يُنظر: ((شرح الأربعين النووية)) (ص: 73-76). .
وينبغي التنبُّهُ إلى تَرْكِ العباراتِ التي تنسُبُ السُّوءَ إلى تقديرِ اللهِ تعالى؛ مِثلُ عِبارةِ: (سُخرِية القَدَرِ) ونحوِها.
قال ابنُ باز: (قَولُ الإنسانِ: «مِن سُخْرِية القَدَرِ» أو: «من سَذاجةِ القَدَرِ» مُنكَرٌ مِنَ القَولِ، بل كُفرٌ وضَلالٌ واستِهزاءٌ بقَدَرِ اللهِ سُبحانَه وتعالى)( يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (28/ 373). .
وسُئِل ابنُ عثيمين: بَعضُ الكُتَّابِ يقولون: مِن سُخْرِيةِ القَدَرِ كذا وكذا، فهل يجوزُ هذا القولُ؟
فأجاب: (لا يجوزُ للإنسانِ أن يقولَ هذا القولَ؛ لأنَّ القَدَرَ تقديرُ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وتقديرُ اللهِ كُلُّه حِكْمةٌ، نعم. يَسخَرُ اللهُ مِن بَعضِ النَّاسِ، كقَولِه تعالى: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة: 79] ، لكِنَّ القَدَرَ من حيثُ هو قَدَرٌ ليس سُخْريةً، كُلُّه حِكْمةٌ، وكُلُّه موافِقٌ للصَّوابِ، وكُلُّه جِدٌّ)( يُنظر: ((لقاء الباب المفتوح)) (رقم اللقاء: 31). .

انظر أيضا: