الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الثَّالِثُ: من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بمشيئةِ اللهِ النَّافِذةِ

فما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فلا حركةَ ولا سكونَ في السَّمَواتِ والأرضِ إلَّا بمشيئته سُبحانَه، ولا يكونُ في مُلكِه إلَّا ما يشاءُ، لا يخرُجُ عن ذلك شيءٌ.
وقد وردت أدِلَّةٌ كثيرةٌ لهذه المرتبةِ من الكِتابِ والسُّنَّةِ.
أوَّلًا: الأدِلَّةُ مِنَ الكِتابِ:
1- ورد في القُرآنِ الكريمِ تعليقُ الأنبياءِ الأمورَ بمشيئةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى.
فلمعرفةِ الأنبياءِ يقينًا بأنَّ مشيئةَ اللهِ عزَّ وجَلَّ نافذةٌ، كانوا يُرجِعون الأمرَ إلى مشيئتِه سُبحانَه.
ومن ذلك قَولُ اللهِ تعالى إخبارًا عن نبيِّه شُعَيبٍ عليه السَّلامُ أنَّه قال لقَومِه: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّنَا [الأعراف: 89] .
قال السَّعديُّ: (إنَّ عَودَهم فيها -بعد ما هداهم اللهُ- من المحالاتِ بالنَّظَرِ إلى حالتِهم الرَّاهنةِ، وما في قلوبهم من تعظيمِ اللهِ تعالى والاعترافِ له بالعبوديَّةِ، وأنَّه الإلهُ وَحْدَه الذي لا تنبغي العبادةُ إلَّا له وَحْدَه لا شريكَ له، وأنَّ آلهةَ المُشرِكين أبطَلُ الباطِلِ، وأمحَلُ المحُالِ. وحيث إنَّ اللهَ مَنَّ عليهم بعُقولٍ يعرفون بها الحَقَّ والباطِلَ، والهُدى والضَّلالَ.
وأمَّا من حيث النَّظَرُ إلى مشيئةِ اللهِ وإرادتِه النَّافذةِ في خَلْقِه، التي لا خروجَ لأحَدٍ عنها، ولو تواترت الأسبابُ وتوافقت القُوى، فإنهم لا يَحكُمون على أنفُسِهم أنهم سيفعلون شيئًا أو يتركونه؛ ولهذا استثنى وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا أي: فلا يمكِنُنا ولا غيرَنا الخروجُ عن مشيئتِه التابعةِ لعِلْمِه وحِكمتِه، وقد وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا فيعلَمُ ما يصلُحُ للعبادِ وما يُدَبِّرُهم عليه)( يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 297). .
ومن الأمثلةِ على ذلك أيضًا قولُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ لقَومِه: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [الأنعام: 80] .
قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ: ولكِنْ خوفي من اللهِ الذي خلقَني وخلق السَّمَواتِ والأرضَ؛ فإنَّه إن شاء أن ينالَني في نفسي أو مالي بما شاء من فَناءٍ أو بقاءٍ أو زيادةٍ أو نقصانٍ أو غيرِ ذلك، نالني به؛ لأنَّه القادِرُ على ذلك)( يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/364). .
وقال ابنُ عاشور: (وجملةُ: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا استئنافٌ بيانيٌّ؛ لأنَّه قد يختلِجُ في نفوسِهم: كيف يَشاءُ ربُّك شيئًا تخافُه وأنت تزعُمُ أنَّك قائِمٌ بمرضاتِه ومُؤَيِّدٌ لدينِه؟! فما هذا إلَّا شكٌّ في أمرِك؛ فلذلك فُصِلَت، أي: إنما لم آمَنْ إرادةَ اللهِ بي ضُرًّا وإن كنتُ عبدَه وناصِرَ دينِه؛ لأنَّه أعلَمُ بحِكمةِ إلحاقِ الضُّرِّ أو النَّفعِ بمن يشاءُ من عبادِه. وهذا مقامُ أدَبٍ مع اللهِ تعالى، فلا يأمَنُ مَكْرَ اللهِ إلَّا القومُ الخاسِرونَ)( يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/329). .
وقد أمر اللهُ عزَّ وجَلَّ رسولَه محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن لا يقولَ لشَيءٍ إنَّه فاعِلُه في المستقبَلِ حتى يستثنيَ بمشيئةِ اللهِ؛ فإنَّه إن شاء اللهُ فعَلَه، وإن شاء لم يفعَلْه. قال اللهُ تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف: 23] ( يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 176). .
قال ابنُ القَيِّمِ: (الذي أجمع عليه المفسِّرون: أنَّ أهلَ مكَّةَ سألوا النبيَّ عن الرُّوحِ، وعن أصحابِ الكَهفِ، وعن ذي القَرنَينِ، فقال: أُخبِرُكم غدًا. ولم يقُلْ: إن شاء اللهُ. فتلبَّثَ الوحيُ أيَّامًا، ثم نزَلت هذه الآيةُ)( يُنظر: ((مدارج السالكين)) (2/403). .
2- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 26] .
3- قال اللهُ سُبحانَه: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * آل عمران: 6*.
4- قال اللهُ تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29].
5- قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 36] .
6- قال اللهُ سُبحانَه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأنعام: 39] .
7- قال اللهُ تعالى: وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: 253] .
8- قال اللهُ سُبحانَه: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [يونس: 99] .
9- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان: 45] .
ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ:
1- عن أبي موسى الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: كان رسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا جاءه السَّائِلُ أو طُلِبَت إليه حاجةٌ، قال: ((اشفعوا تؤجَروا، ويقضي اللهُ على لسانِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما شاء ))( أخرجه البخاري (1432) واللَّفظُ له، ومسلم (2627). .
2- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه سمع رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ قُلوبَ بني آدَمَ كُلَّها بين أُصبُعَينِ من أصابعِ الرَّحمنِ، كقَلبٍ واحدٍ يُصَرِّفُه حيث يشاءُ، ثم قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلوبِ صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعتِك ))( رواه مسلم (2654). .
وأمَّا ما جاء عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا يَقُلْ أحَدُكم: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إن شِئتَ، ارحمني إن شِئتَ، ارزقني إن شِئتَ، ولْيَعْزِمْ مسألتَه؛ إنَّه يفعَلُ ما يشاءُ لا مُكرِهَ له ))( رواه البخاري (7477) واللَّفظُ له، ومسلم (2679). .
فقال النوويُّ: (معنى الحديثِ: استحبابُ الجَزمِ في الطَّلَبِ، وكراهةُ التعليقِ على المشيئةِ، قال العُلَماءُ: سَبَبُ كراهتِه أنَّه لا يتحقَّقُ استعمالُ المشيئةِ إلَّا في حَقِّ من يتوجَّهُ عليه الإكراهُ، واللهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن ذلك، وهو معنى قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في آخِرِ الحديثِ: فإنَّه لا مُستكرِهَ له. وقيل: سَبَبُ الكراهةِ أنَّ في هذا اللَّفظِ صُورةَ الاستغناءِ عن المطلوبِ والمطلوبِ منه)( يُنظر: ((شرح مسلم)) (17/ 7). .
وقال ابنُ حَجَر: (المرادُ: أنَّ الذي يحتاجُ إلى التعليقِ بالمشيئةِ ما إذا كان المطلوبُ منه يتأتى إكراهُه على الشَّيءِ، فيُخفَّفُ الأمرُ عليه ويُعلَمُ بأنَّه لا يُطلَبُ منه ذلك الشَّيءُ إلَّا برضاه، وأمَّا اللهُ سُبحانَه فهو مُنَزَّهٌ عن ذلك؛ فليس للتعليقِ فائدةٌ. وقيل: المعنى أنَّ فيه صورةَ الاستغناءِ عن المطلوبِ والمطلوبِ منه. والأوَّلُ أَولى)( يُنظر: ((فتح الباري)) (11/ 140). .
ومِن أقوالِ أهلِ العِلْمِ في مرتبةِ المَشيئةِ الإلهيَّةِ:
1- قال مالِكٌ: (ما من شيءٍ أبيَنُ في الرَّدِّ على أهلِ القَدَرِ مِن قَولِ اللهِ عزَّ وجَلَّ: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: 30، 31]، وقال عزَّ وجَلَّ: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [الأعراف: 155]، وقال: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 27] )( يُنظر: ((أصول السنة)) لابن أبي زمنين (ص: 206). .
وقال ابنُ وَهبٍ: (سَمِعتُ مالِكًا يقولُ لرَجُلٍ: سألْتَني أمسِ عن القَدَرِ؟ قال: نعم، قال: إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13] ، فلا بُدَّ من أن يكونَ ما قال اللهُ تعالى)( يُنظر: ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (6/326). .
2- قال الشَّافعيُّ: (وأنَّ للهِ إرادةً، وأنَّه لا يكونُ إلَّا ما أراده عزَّ وجَلَّ، وقضاه وقدَّره، وأنَّ المشيئةَ له دونَ عبادِه بقَولِه تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: 30]، فأعلمَ خلْقَه أنَّ المشيئةَ له، وأنشد:
ما شِئتَ كان وإنْ لم أشَأْ           وما شِئتُ إن لم تشَأْ لم يَكُنْ
خَلَقْتَ العِبادَ على ما عَلِمْتَ               ففي العِلمِ يجري الفتى والمُسِنّْ)( يُنظر: ((عقيدة الشافعي)) للبرزنجي (ص: 91).
3- قال ابنُ قُتَيبةَ: (أصحابُ الحديثِ كُلُّهم مُجمِعون على أنَّ ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لا يكونُ)( يُنظر: ((تأويل مختلف الحديث)) (ص: 64). .
4- قال حربٌ الكرماني: (من زعم أنَّ اللهَ تبارك وتعالى شاء لعبادِه الذين عَصَوه الخيرَ والطَّاعةَ، وأنَّ العبادَ شاؤُوا لأنفُسِهم الشَّرَّ والمعصيةَ، فعَمِلوا على مشيئتِهم، فقد زعم أنَّ مشيئةَ العِبادِ أغلَبُ من مشيئةِ اللهِ تبارك وتعالى ذِكْرُه، فأيُّ افتراءٍ على اللهِ أكثَرُ مِن هذا؟!)( يُنظر: ((إجماع السلف في الاعتقاد)) (ص: 41). .
5- قال ابنُ بطة: (وعليه اتَّفق أهلُ التوحيدِ ممَّن أقرَّ للهِ بالربوبيَّةِ وعلى نَفْسِه بالعبوديَّةِ مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ونبيٍّ مرسَلٍ منذ كان الخَلْقُ إلى انقضائِه؛ مجمِعون على أنَّه ليس شيءٌ كان ولا شيءٌ يكونُ في السَّمَواتِ ولا في الأرضِ إلَّا ما أراده اللهُ عزَّ وجَلَّ وشاءه وقضاه)( يُنظر: ((الشرح والإبانة)) (ص: 215). .
وقال أيضًا: (اعلموا -رحمكم اللهُ- أنَّ هذه طريقةُ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، وبذلك تعَبَّدهم اللهُ، وأخبَرَ به عنهم في كتابِه أنَّ المشيئةَ للهِ عزَّ وجَلَّ وَحْدَه ليس أحدٌ يشاءُ لنَفسِه شيئًا من خيرٍ وشرٍّ ونَفعٍ وضُرٍّ وطاعةٍ ومعصيةٍ، إلَّا أن يشاءها اللهُ، وبالتبَرِّي إليه من مشيئتِهم ومِن حَولِهم وقوَّتِهم ومِن استطاعتِهم، بذلك أخبر عن نوحٍ عليه السَّلامُ حين قال له قَومُه: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [هود: 32] ، فقال نوحٌ عليه السَّلامُ مجيبًا لهم: إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود: 33، 34]، فلو كان الأمرُ كما تزعُمُ القَدَريَّةُ كانت الحُجَّةُ قد ظهرت على نوحٍ مِن قَومِه، ولقالوا له: إن كان اللهُ هو الذي يريدُ أن يُغوِيَنا فلِمَ أرسَلَك إلينا؟ ولمَ تَدعُونا إلى خلافِ مُرادِ اللهِ لنا؟ ولو كان الأمرُ كما تزعُمُ هذه الطائفةُ بقَدَرِ اللهِ ومشيئتِه في خَلقِه، وتزعمُ أنَّه يكونُ ما يريدُه العبدُ الضَّعيفُ الذَّليلُ لنَفسِه، ولا يكونُ ما يريدُه الرَّبُّ القَويُّ الجليلُ لعبادِه، فلِمَ حكى اللهُ عزَّ وجَلَّ ما قاله نوحٌ لِقَومِه مُثنيًا عليه وراضِيًا بذلك من قَولِه؟!)( يُنظر: ((الإبانة الكبرى)) (3/ 287). .
6- قال أبو منصورٍ البغداديُّ: (أجمع أصحابُنا على نفوذِ مشيئةِ اللهِ تعالى في مراداتِه على حَسَبِ عِلْمِه بها، فما عَلِمَ منه حدوثَه أراد حدوثَه، خيرًا كان أو شرًّا، وما عَلِم أنَّه لا يكونُ أراد ألَّا يكونَ، وكُلُّ ما أراد كونَه فهو كائِنٌ في الوقتِ الذي أراد حدوثَه فيه على الوَجهِ الذي أراد كونَه عليه، وكُلُّ ما لم يُرِدْ كَونَه فلا يكونُ، سواءٌ أمر به، أو لم يأمُرْ به)( يُنظر: ((أصول الإيمان)) (ص: 118). .
7- قال ابنُ أبي العِزِّ بعد أن أورد نصوصًا كثيرةً في إثباتِ مشيئةِ اللهِ تعالى: (إلى غيرِ ذلك من الأدِلَّةِ على أنَّه ما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ. وكيف يكونُ في مُلكِه ما لا يشاءُ؟ ومَن أضَلُّ سبيلًا وأكفَرُ ممَّن يزعُمُ أنَّ اللهَ شاء الإيمانَ من الكافِرِ، والكافِرَ شاء الكُفرَ، فغلبت مشيئةُ الكافِرِ مَشيئةَ اللهِ؟! تعالى اللهُ عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا)( يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (1/ 133). .
8- قال ابنُ الهُمامِ في تقريرِ أنَّ مشيئةَ اللهِ تعالى عامَّةٌ وشاملةٌ لكُلِّ الحوادثِ: (ولنا إطباقُ الأُمَّةِ من عَهدِ النبُوَّةِ على هذه الكَلِمةِ: (ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ) فانعقد إجماعُ السَّلَفِ على قولِنا؛ ولنا قَولُ اللهِ تعالى: أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: 31]، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة: 13] ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29])( يُنظر: ((المسايرة في علم الكلام والعقائد التوحيدية المنجية في الآخرة)) (ص: 64). .
9- قال الشنقيطيُّ: (قَولُه تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا الآية.
صرَّح تعالى في هذه الآيةِ الكريمةِ أنَّه لو شاء إيمانَ جميعِ أهلِ الأرضِ لآمنوا كُلُّهم جميعًا، وهو دليلٌ واضِحٌ على أنَّ كُفْرَهم واقِعٌ بمشيئتِه الكَونيَّةِ القَدَريَّةِ، وبَيَّن ذلك أيضًا في آياتٍ كثيرةٍ، كقَولِه تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا الآية، وقَولِه: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وقَولِه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى إلى غيرِ ذلك من الآياتِ)( يُنظر: ((أضواء البيان)) (2/162). .
وينبغي التنَبُّهُ إلى تَركِ الإتيانِ بعِباراتٍ تَنسُبُ المشيئةَ للقَدَرِ والإرادةِ ونَحوِها.
قال ابنُ باز: (قَولُ بَعضِ النَّاسِ: «شاءت الأقدارُ» أو: «شاء القَدَرُ» أو: «شاءت إرادةُ اللهِ» أو: «عنايةُ اللهِ» فكلامٌ لا يجوزُ، وفيه سوءُ تعبيرٍ، والصَّوابُ أن يقالَ: «شاء اللهُ سُبحانَه» أو: «شاء ربُّنا سُبحانَه» أو نحو ذلك من العباراتِ التي فيها إسنادُ المشيئةِ للهِ لا إلى صفاتِه)( يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (28/ 373). .
وقال ابنُ عثيمين: (قول: «شاءت الأقدارُ»، و«شاءت الظُّروفُ» ألفاظٌ مُنكَرةٌ؛ لأنَّ الظروفَ جمعُ ظرفٍ، وهو الزمَنُ، والزَّمَنُ لا مشيئةَ له، وكذلك الأقدارُ جمعُ قَدَرٍ، والقَدَرُ لا مشيئةَ له، وإنما الذي يشاءُ هو اللهُ عزَّ وجَلَّ. نعم لو قال الإنسانُ: «اقتضى قَدَرُ اللهِ كذا وكذا». فلا بأسَ به. أمَّا المشيئةُ فلا يجوزُ أن تضافَ للأقدارِ؛ لأنَّ المشيئةَ هي الإرادةُ، ولا إرادةَ للوَصفِ، إنما الإرادةُ للموصوفِ)( يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (3/113). .
وقال أيضًا: (لا يصِحُّ أن نقولَ: «شاءت قُدرةُ اللهِ» لأنَّ المشيئةَ إرادةٌ، والقُدْرةَ معنًى، والمعنى لا إرادةَ له، وإنما الإرادةُ للمُريدِ، والمشيئةُ لِمن يشاءُ، ولكِنَّنا نقولُ: اقتضت حِكمةُ اللهِ كذا وكذا، أو نقولُ عن الشَّيءِ إذا وقع: هذه قدرةُ اللهِ، أي: مَقدورُه، كما تقولُ: هذا خَلقُ اللهِ، أي: مخلوقُه. وأمَّا أن نضيفَ أمرًا يقتضي الفِعلَ الاختياريَّ إلى القُدْرةِ، فإنَّ هذا لا يجوزُ.
ومِثلُ ذلك قَولُهم: «شاء القَدَرُ كذا وكذا»، وهذا لا يجوزُ؛ لأنَّ القَدَرَ والقُدْرةَ أمرانِ معنويَّانِ ولا مشيئةَ لهما، وإنما المشيئةُ لمن هو قادِرٌ ولِمن هو مُقَدِّرٌ. واللهُ أعلَمُ)( يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (3/114). .
وسُئلت اللجنةُ الدائمةُ عن قصيدةٍ بعنوانٍ: «هي الأقدارُ» جاء فيها:
هي الأقدارُ تَطعَنُ من تشــاءُ                 برُمحِ الدَّهرِ يُرسِلُه البَــــــــــــــــــــــــــلاءُ
يصيبُ المرءَ في الأوداجِ حِينًا                 فيَصرَعُه تُضَرِّجُه الدِّمــــــــــــــــــــــــــــــــاءُ
هي الأقدارُ نَعرِفُها جميـــــــــــــــعًــا                  تُدمدِمُها على الأرضِ السماءُ
لها وَقعٌ على القَلبِ المُعنَّــــــــــى                  فيَجثو المرءُ حِيلَتُه البُـــــــــــــــــــــــكاءُ
هي الأقدارُ إن رَضِيَت علينا                 سقَتْنا العَذْبَ وانتَفَضَ النَّمـــاءُ
وإن غَضِبَت علينا لا تُبالــــــي                  إذا جَفَّت وأجدَبَت السَّمــــــــاءُ
فأجابت اللجنةُ: (هذا الكلامُ المذكورُ في هذه القصيدةِ لا يجوزُ؛ لأنَّه يُسنِدُ أفعالَ اللهِ إلى القَدَرِ، والواجِبُ إسنادُ الأمورِ إلى اللهِ مُقَدِّرِ الأقدارِ مع الرِّضا بقضائِه وقَدَرِه، ومحاسبةِ النَّفسِ، والتوبةِ مِنَ الذُّنوبِ؛ لأنها هي التي تُسَبِّبُ العقوباتِ، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)( يُنظر: ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية)) (1/ 14). .

انظر أيضا: