الموسوعة العقدية

الفَصْلُ الثَّاني: طريقُ إعلامِ اللهِ أنبياءَه ورُسُلَه عليهم السَّلامُ

سمى اللهُ الطَّريقَ الذي يُعلِمُ اللهُ به أنبياءَه ورُسُلَه وحيًا.
قال اللهُ تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [النساء: 163] .
والوَحيُ يَكونُ بالإلهامِ.
وذلك كوَحيِ اللهِ إلى الحواريِّين: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي [المائدة: 111] ، وكوَحيِ اللهِ لأمِّ موسى عليه السَّلامُ: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: 7] .
قال ابنُ تَيمِيَّةَ: (هؤلاء لم يَكونُوا أنبياءَ، بل ذلك إلهامٌ) [699] يُنظر: ((الرد على المنطقيين)) (ص: 507). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (التحديثُ أخَصُّ من الإلهامِ؛ فإنَّ الإلهامَ عامٌّ للمُؤمِنين بحسَبِ إيمانِهم، فكُلُّ مُؤمِنٍ فقد ألهمه اللهُ رُشدَه الذي حصل له به الإيمانُ؛ فأمَّا التحديثُ فالنَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال فيه: ((إن يَكُنْ في هذه الأُمَّةِ أحدٌ فعُمَرُ )) [700] أخرجه البخاري (3689) مِن حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. يعني: مِنَ المحَدَّثينَ، فالتحديثُ إلهامٌ خاصٌّ، وهو الوَحيُ إلى غيرِ الأنبياءِ، إمَّا من المُكَلَّفينَ، كقَولِه تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: 7] ، وقَولِه: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي [المائدة: 111] ، وإمَّا من غير المُكَلَّفينَ، كقَولِه تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل: 68] ، فهذا كُلُّه وَحيُ إلهامٍ) [701] يُنظر: ((مدارج السالكين)) (1/ 68). .
وجاء في فتاوى اللجَنَّةِ الدَّائِمةِ: (لا نعلَمُ أنَّ اللهَ أوحى إلى أحدٍ غيرِ الأنبياءِ والرُّسُلِ -صَلَواتُ اللهِ وسلامُه عليهم أجمعينَ- وَحيَ تَشريعٍ. أمَّا وَحيُ الإلهامِ فقد أوحى الله إلى أمِّ موسى وإلى النَّحلِ، قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 7] ، وقال: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل: 68] ) [702] يُنظر: ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى)) (3/ 276). .
والوَحيُ يأتي أيضًا بمعنى الإيماءِ والإشارةِ.
وقد سمَّى القُرآنُ إشارةَ زكريَّا إلى قَومِه وَحيًا، فقال اللهُ تعالى عنه: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: 11] .
قال الشنقيطيُّ: (قَولُه تعالى في هذه الآيةِ: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ، يعني إلَّا بالإشارةِ أو الكِتابةِ، كما دلَّ عليه قَولُه هنا: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا، وقَولُه في «آل عمران»: قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا؛ لأنَّ الرَّمزَ: الإشارةُ والإيماءُ بالشَّفَتينِ والحاجِبِ، والإيحاءُ في قَولِه: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا الآية، قال بعضُ العُلَماء: هو الإشارةُ، وهو الأظهَرُ بدَليلِ قَولِه: إِلَّا رَمْزًا كما تقدَّم آنِفًا، وممَّن قال بأنَّ الوَحيَ في الآيةِ الإشارةُ: قتادةُ، والكلبُّي، وابنُ مُنَبِّهٍ، والقُتَيبيُّ، كما نقله عنهم القُرطبيُّ وغَيرُه.
وعن مجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أي: كتب لهم في الأرضِ. وعن عِكرِمةَ: كتب لهم في كِتابٍ.
والوَحيُ في لغةِ العَرَبِ يُطلَقُ على كُلِّ إلقاءٍ في سُرعةٍ وخَفاءٍ؛ ولذلك أُطلِقَ على الإلهامِ، كما في قَولِه تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ الآية، وعلى الإشارةِ، كما هو الظَّاهِرُ في قَولِه تعالى: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا الآية، ويُطلَقُ على الكِتابةِ، كما هو القَولُ الآخَرُ في هذه الآيةِ الكريمةِ) [703] يُنظر: ((أضواء البيان)) (3/ 371). ويُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/ 185). .
وأكثَرُ ما وردت كَلِمةُ (وحي) في القُرآنِ الكريمِ بمعنى إخبارِ وإعلامِ اللهِ من اصطفاه من عبادِه كُلَّ ما أراد إطلاعَه عليه من أصنافِ الهِدايةِ والعِلْمِ، بطريقةٍ سِرِّيةٍ خَفِيَّةٍ، غيرِ مُعتادةٍ للبَشَرِ [704] يُنظر: ((الرسل والرسالات)) لعمر الأشقر (ص: 61). ويُنظر: ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب الأصفهاني (ص: 858)، ((النهاية)) لابن الأثير (5/163). .
قال السمعاني: (الوَحيُ في اللُّغةِ: إلقاءُ الشَّيءِ إلى النَّفسِ خُفيةً، وهو في عُرفِ أهلِ الإسلامِ عبارةٌ عَمَّا يُنزِلُه اللهُ تعالى على الأنبياءِ) [705] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (5/ 284). .
وقال ابنُ عبد البرِّ: (الوَحيُ: ما يُوحي اللهُ إلى النَّبِيِّ من أنبيائِه، فيُثبِتُ اللهُ ما أراد من الوَحيِ في قَلبِ النَّبِيِّ، فيتكَلَّمُ به النَّبِيُّ، فيَكتُبُه؛ فهو كلامُ اللهِ ووَحْيُه.
ومنه ما يَكونُ بَينَ اللهِ ورُسُلِه لا يُكَلِّمُ به أحدٌ من الأنبياءِ أحدًا من النَّاسِ، ولكِنَّه يَكونُ سِرَّ غيبٍ بَينَ اللهِ وبين رُسُلِه، ومنه ما يتكلَّمُ به الأنبياءُ ولا يَكتُمونه أحدًا ولا يُؤمَرون بكِتمانِه، ولكِنَّهم يُحَدِّثون به النَّاسَ حديثًا ويُبَيِّنُون لهم أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمرهم أن يُبَيِّنُوه للنَّاسِ ويُبَلِّغوهم إيَّاه.
ومِنَ الوَحيِ ما يُرسِلُ اللهُ من يشاءُ مِن ملائِكَتِه، فيُوحيه وحيًا في قُلوبِ من يشاءُ مِن أنبيائِه ورُسُلِه) [706] يُنظر: ((الاستذكار)) (2/ 492). .
وقال عبدُ الرَّزَّاق عفيفي: (الوَحيُ لغةً: الإعلامُ في خَفاءٍ؛ بإشارةٍ، أو كِتابةٍ، أو إلهامٍ، أو مناجاةٍ، أو نحوِ ذلك.
وشَرعًا: هو إعلامُ اللهِ نبيَّه بحُكمٍ شَرعيٍّ ونحوِه، بواسِطةٍ أو بغيرِ واسِطةٍ) [707] يُنظر: ((مذكرة التوحيد)) (ص: 44). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (الوَحيُ في اللُّغةِ: الإعلامُ بسُرعةٍ وخَفاءٍ... وفي الشَّرعِ: إعلامُ اللهِ بالشَّرعِ) [708] يُنظر: ((القول المفيد)) (2/ 127). .
وللخبَرِ الذي يُعلِمُ اللهُ به أنبياءَه ورُسُلَه مراتِبُ وطُرُقٌ يصِلُ بها إليهم.
قال اللهُ تعالى مُبَيِّنًا ذلك: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: 51].
قال ابنُ جَريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: وما ينبغي لبشَرٍ مِن بني آدَمَ أن يُكَلِّمَه رَبُّه إلَّا وحيًا يوحي اللهُ إليه كيف شاء، إمَّا إلهامًا، وإمَّا غيرَه أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ يقولُ: أو يُكَلِّمَه بحيث يَسمَعُ كَلامَه ولا يراه، كما كلَّم موسى نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا يقولُ: أو يُرسِلَ اللهُ من مَلائِكتِه رَسولًا، إمَّا جَبرائيلَ، وإمَّا غَيرَه فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ يقول: فيوحِيَ ذلك الرَّسولُ إلى المرسَلِ إليه بإذنِ رَبِّه ما يشاءُ، يعني: ما يشاء رَبُّه أن يوحِيَه إليه من أمرٍ ونَهيٍ، وغيرِ ذلك من الرِّسالةِ والوَحيِ) [709] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/540). .
قال السَّعْديُّ: (إنَّ تكليمَه تعالى لا يَكونُ إلَّا لخواصِّ خَلْقِه؛ للأنبياءِ والمُرْسَلين، وصَفوتِه من العالَمِينَ، وأنَّه يَكونُ على أحَدِ هذه الأوجُهِ؛ إمَّا أن يُكَلِّمَه اللهُ وَحيًا بأن يلقِيَ الوَحيَ في قَلبِ الرَّسولِ، من غيرِ إرسالِ مَلَكٍ، ولا مخاطبةٍ منه شِفاهًا. أَوْ يُكَلِّمَه منه شِفاهًا، لكن مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كما حصل لموسى بنِ عِمرانَ؛ كليمِ الرَّحمنِ.
أَوْ يُكَلِّمَه اللهُ بواسِطةِ الرَّسولِ الملَكِيِّ، فـيُرْسِلَ رَسُولًا كجِبريلَ أو غيرِه من المَلائكةِ.
فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ أي: بإذْنِ رَبِّه، لا بمجَرَّدِ هواه) [710] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 762). .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ مُعَدِّدًا طُرُقَ الوَحيِ: (منه ما سُمع مِنَ اللهِ تعالى دونَ واسِطةٍ، كما قال: مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، ومنه بواسطةِ الملَكِ، كما قال: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا، ومنه ما يُلقى في القَلْبِ كما قال: إِلَّا وَحْيًا أي: إلهامًا، ثُمَّ منه ما يأتيه الملَكُ على صورتِه، ومنه ما يأتيه على صورةِ آدميٍّ يَعرِفُه، ومنه ما يتلقَّاه منه وهو لا يعرِفُه، ومنه ما يأتيه في مِثلِ صَلصَلةِ الجَرَسِ، ومنه ما يسمَعُه من الملَكِ قَولًا مُفَصَّلًا، إلى غيرِ ذلك من الأحوالِ التي كانت تختَلِفُ على النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الوَحيِ وحالاتِه المختَلِفةِ) [711] يُنظر: ((المفهم)) (6/16). .
1- الوَحيُ مِنَ اللهِ تعالى
قال البغوي: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا يوحي إليه في المنامِ أو بالإلهامِ) [712] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/153).  .
قال الحليمي: (إنَّ الأنبياءَ صَلواتُ اللهِ عليهم يُخَصُّون وراءَ ما وصَفْتُ بآياتٍ يؤكَّدون فيها؛ ليتمَيَّزوا بها عمَّن ليس مِثلَهم، كما تميَّزوا بالعِلْم الذي أُوتوه... والواقِعُ من ذلك في جِهةِ العِلْمِ وُجوهٌ...
منها: أن يُلهِمَ اللهُ تعالى واحِدًا منهم بالكَلامِ يسمَعُه على كُلِّ شَيءٍ، فيَجِدُه في نَفْسِه من غير مُوصلٍ يُقَدِّمُه إلَّا منه إليه بحِسٍّ واستدلالٍ) [713] يُنظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) (1/ 239). .
وقال المظهري: (اعلَمْ أنَّ ما آتى اللهُ رسولَه غيرَ القُرآنِ على أنواعٍ:...
والثَّاني: ما ألهمه.
والثَّالِثُ: ما رآه في المنامِ...) [714] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (1/ 267). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (كمَّل اللهُ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من مراتِبِ الوَحيِ مراتِبَ عَديدةً:
إحداها: الرُّؤيا الصَّادِقةُ، وكانت مبدأَ وَحْيِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان لا يرى رُؤيا إلَّا جاءت مِثْلَ فَلَقِ الصُّبحِ ) [715] يُنظر: ((زاد المعاد)) (1/ 77). .
فرُؤيا الأنبياءِ في المنامِ حَقٌّ وداخِلةٌ في الوَحيِ؛ ولذا فإنَّ إبراهيمَ عليه السَّلامُ بادر إلى ذَبحِ وَلَدِه عندما رأى في المنامِ أنَّه يَذبَحُه، وعدَّ تلك الرُّؤيا أمرًا إلهيًّا.
قال اللهُ تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصَّافات: 102- 105].
قال ابنُ الجوزي: (قَولُه تعالى: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ أكثَرُ العُلَماءِ على أنَّه لم يَرَ أنَّه ذبحه في المنامِ، وإنما المعنى أنَّه أُمِرَ في المنامِ بذَبْحِه، ويدُلُّ عليه قَولُه تعالى: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ. وذهب بعضُهم إلى أنَّه رأى أنَّه يعالجُ ذَبْحَه، ولم يَرَ إراقةَ الدَّمِ. قال قتادةُ: ورُؤيا الأنبياءِ حَقٌّ، إذا رأوا شيئًا فَعَلوه) [716] يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/ 547). .
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((أوَّلُ ما بُدِئَ به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الوَحيِ الرُّؤيا الصَّادِقةُ في النَّومِ، فكان لا يرى رُؤيا إلَّا جاءت مِثْلَ فَلَقِ الصُّبحِ )) [717] رواه البخاري (6982)، ومسلم (160). .
قال عِياضٌ: (في هذا حِكْمةٌ من اللهِ تعالى، وتدريجٌ لنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِما أراده اللهُ جَلَّ اسمُه به؛ لِئلَّا يفجَأَه المَلَكُ، ويأتيَه صريحُ النُّبُوَّةِ بَغتةً، فلا تحتَمِلَها قوى البشَريَّةِ، فبدأ أمْرَه بأوائِلِ خِصالِ النُّبُوَّةِ وتباشيرِ الكَرامةِ؛ مِن صِدْقِ الرُّؤيا، وما جاء في الحديثِ الآخَرِ من رؤيةِ الضَّوءِ، وسماعِ الصَّوتِ [718] أخرجه مسلم (2353) مِن حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما بلفظ: ((أقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمكَّةَ خَمسَ عَشرةَ سنةً، يسمَعُ الصَّوتَ ويرى الضَّوءَ سَبعَ سِنينَ)). ، وسلامِ الحَجَرِ والشَّجَرِ عليه بالنُّبُوَّةِ [719] أخرجه مسلم (2277) عن جابِرُ بن سَمُرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إني لأعرِفُ حَجَرًا بمكَّةَ كان يُسَلِّمُ عليَّ قبل أن أُبعَثَ، إني لأعرِفُه الآن)). ، حتى استشعر عظيمَ ما يُرادُ به، واستعدَّ لِما ينتَظِرُه، فلم يأتِه المَلَكُ إلَّا لأمرٍ عِندَه مُقَدِّماتُه وبِشاراتُه.
وفيه أنَّ الرُّؤيا الصَّادِقةَ إحدى خِصالِ النُّبُوَّةِ، وتباشيرِ الكرامةِ، وجزءٌ منها، وأوَّلُ منازِلِ الوَحيِ، وأنَّ رُؤيا الأنبياءِ وَحيٌ، وحَقٌّ صِدْقٌ، لا أضغاثَ فيها، ولا سَبيلَ للشَّيطانِ إليها) [720] يُنظر: ((إكمال المعلم)) (1/ 479). .
2- تكليمُ اللهِ لأنبيائِه ورُسُلِه مُباشَرةً من وراءِ حِجابٍ
وذلك كما كلَّم اللهُ تعالى موسى عليه السَّلامُ.
قال اللهُ تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: 143] .
قال الشَّوكانيُّ: (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ أي: أسمعه كلامَه من غيرِ واسِطةٍ) [721] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/ 276). .
قال السَّعْديُّ: (وَكَلَّمَهُ رَبُّه بما كلَّمه من وحيِه وأمْرِه ونَهْيِه) [722] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 302). .
وقال اللهُ سُبحانَه: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: 11، 14].
قال السَّعْديُّ: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي: تخيَّرْتُك واصطفَيتُك من النَّاسِ، وهذه أكبَرُ نِعمةٍ ومِنَّةٍ أنعم اللهُ بها عليه، تقتضي من الشُّكرِ ما يليقُ بها؛ ولهذا قال: فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى أي: ألْقِ سَمْعَك للذي أوحِيَ إليك) [723] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 503). .
قال الحليمي: (إنَّ الأنبياءَ صَلواتُ اللهِ عليهم يُخَصُّون وراءَ ما وصَفْتُ بآياتٍ يؤكَّدون فيها؛ ليتمَيَّزوا بها عمَّن ليس مِثلَهم، كما تميَّزوا بالعِلْم الذي أُوتوه... والواقِعُ من ذلك في جِهةِ العِلْمِ وُجوهٌ.
منها: وهو أعلاها درجةً: تكليمُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ من كَلَّم منهم؛ قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، وقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى *  اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، وقال: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: 30]) [724] يُنظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) (1/ 239). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (كَمَّل اللهُ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من مراتِبِ الوَحيِ مراتِبَ عديدةً:...
السابعةُ: كلامُ اللهِ له منه إليه بلا واسِطةِ مَلَكٍ، كما كَلَّم اللهُ موسى بنَ عِمرانَ، وهذه المرتبةُ هي ثابتةٌ لِموسى قطعًا بنَصِّ القُرآنِ، وثُبوتُها لنبِّينا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو في حديثِ الإسراءِ) [725] يُنظر: ((زاد المعاد)) (1/ 79). .
وقال ابنُ كثير في قَولِه سُبحانَه: مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ: (يعني موسى ومُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، وكذلك آدَمُ) [726] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/670). .
3- إخبارُ النَّبِيِّ أو الرَّسولِ بواسِطةِ ملَكٍ
قال الحليميُّ: (إنَّ الأنبياءَ صَلواتُ اللهِ عليهم يُخَصُّون وراءَ ما وصفتُ بآياتٍ يُؤكَّدون فيها ليتمَيَّزوا بها عمَّن ليس مِثْلَهم كما تميَّزوا بالعِلْم الذي أُوتُوه... والواقِعُ من ذلك في جهةِ العِلْمِ وجوهٌ...
ومنها: أن يُوحى إليه على لِسانِ مَلَكٍ فيَراه فيُكَلِّمُه كما يُكَلِّمُ واحِدٌ مِنَ البَشَرِ صاحِبَه، فيقَعُ له العِلْمُ بما يسمَعُه منه) [727] يُنظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) (1/ 239). .
وقال ابنُ جُزَيٍّ: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا الآية: بَيَّنَ اللهُ تعالى فيها كلامَه لعبادِه، وجعَلَه على ثلاثةِ أوجُهٍ:...
الثَّالِثُ: الوَحيُ بواسِطةِ الملَكِ، وهو قَولُه: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا يعني: مَلَكًا، فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إلى النَّبِيِّ، وهذا خاصٌّ بالأنبياءِ) [728] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/ 252). .
وللمَلَكِ في صِفةِ مَجيئِه إلى النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثلاثةُ أحوالٍ:
الحالُ الأُولى: أن يراه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على صورتِه التي خلَقَه اللهُ عليها، ولم يَحدُثْ هذا لمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا مرَّتَينِ.
قال اللهُ تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: 5 - 15].
قال ابنُ كثيرٍ: (إنَّ هذه الرُّؤيةَ لجِبريلَ لم تكُنْ ليلةَ الإسراءِ، بل قَبْلَها، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الأرضِ، فهَبَط عليه جِبريلُ عليه السَّلامُ، وتدَلَّى إليه، فاقترب منه وهو على الصُّورةِ التي خلَقَه اللهُ عليها، له سِتُّمائةِ جَناحٍ، ثُمَّ رآه بعد ذلك نزلةً أُخرى عند سِدرةِ المُنتَهى، يعني: ليلةَ الإسراءِ، وكانت هذه الرُّؤيةُ الأُولى في أوائِلِ البَعْثةِ) [729] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/445). .
الحالُ الثَّانيةُ: أن يأتيَه الوَحيُ في مِثْلِ صَلصَلةِ الجَرَسِ، فيَذهَبُ عنه وقد وعى عنه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قال.
الحالُ الثَّالثةُ: أن يتمَثَّلَ له المَلَكُ رَجُلًا فيُكَلِّمَه ويخاطِبَه ويَعِيَ عنه قَولَه.
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِيَ اللهُ عنه سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ )) [730] أخرجه البخاري (2) واللَّفظُ له، ومسلم (2333). .
قال الخطَّابي: (أمَّا قَولُه: ((يأتيني مِثلَ صَلصَلةِ الجَرَسِ)) فإنَّه يريدُ -واللهُ أعلَمُ- أنَّه صوتٌ مُتدارَكٌ يسمَعُه ولا يتثَبَّتُه عند أوَّلِ ما يقرَعُ سَمْعَه حتى يتفَهَّمَ ويَستَثبِتَ فيتلَقَّفَه حينئذٍ ويَعِيَه؛ ولذلك قال: ((وهو أشَدُّه عَلَيَّ)) [731] يُنظر: ((أعلام الحديث)) (1/121). .
وقال النوويُّ: (قال العُلَماءُ: ذَكَرَ في هذا الحديثِ حالَينِ مِن أحوالِ الوَحْيِ، وهما مِثْلُ صَلصَلةِ الجَرَسِ، وتمثُّلِ المَلَكِ رَجُلًا، ولم يَذكُرِ الرُّؤيا في النَّومِ، وهي من الوَحْيِ؛ لأنَّ مقصودَ السَّائِلِ بَيانُ ما يختَصُّ به النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويخفى فلا يُعرَفُ إلَّا من جِهَتِه، وأمَّا الرُّؤيا فمُشتَرَكةٌ معروفةٌ) [732] يُنظر: ((شرح مسلم)) (15/89). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (كَمَّل اللهُ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من مراتِبِ الوَحْيِ مراتِبَ عديدةً:...
الرابعةُ: أنَّه كان يأتيه في مِثْلِ صَلصَلةِ الجَرَسِ، وكان أشَدَّه عليه، فيتلَبَّسُ به الملَكُ حتى إنَّ جَبينَه ليتفَصَّدُ عَرَقًا في اليومِ الشَّديدِ البَردِ، وحتى إنَّ راحِلَتَه لتَبرُكُ به إلى الأرضِ إذا كان راكِبَها. ولقد جاء الوَحيُ مرَّةً كذلك وفَخِذُه على فَخِذِ زَيدِ بنِ ثابتٍ، فثَقُلَت عليه حتى كادت تَرُضُّها! [733] أخرجه البخاري (2832) عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: رأيت مروان بن الحكم جالسا في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله. قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان رجلا أعمى - فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله عز وجل: غير أولي الضرر [النساء: 95] ) [734] يُنظر: ((زاد المعاد)) (1/ 77). .
 كان للوَحْيِ آثارُه الحِسِّيَّةُ على جَسَدِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيُعاني شِدَّةً لدى نزولِه عليه.
عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها: ((ولقد رأيتُه يَنزِلُ عليه الوَحيُ في اليومِ الشَّديدِ البَرْدِ، فيَفصِمُ عنه وإنَّ جَبينَه ليتفَصَّدُ عَرَقًا)) [735] أخرجه البخاري (2). .
وفي روايةٍ عنها: ((إنْ كان لَيَنزِلُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الغَداةِ البارِدةِ، ثُمَّ تَفيضُ جَبهَتُه عَرَقًا )) [736] أخرجها مسلم (2333). .
قال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُها: ((لَيَتفَصَّدُ)) بالفاء وتشديدِ المهُملةِ: مأخوذٌ مِنَ الفَصْدِ، وهو قَطْعُ العِرقِ لإسالةِ الدَّمِ، شَبَّه جَبينَه بالعِرْقِ المفصودِ؛ مُبالغةً في كثرةِ العَرَقِ، وفي قَولِها: في اليومِ الشَّديدِ البردِ دلالةٌ على كثرةِ مُعاناةِ التَّعَبِ والكَرْبِ عند نُزولِ الوَحْيِ؛ لِما فيه من مخالفةِ العادةِ، وهو كثرةُ العَرَقِ في شِدَّةِ البَرْدِ؛ فإنَّه يشعُرُ بوُجودِ أمرٍ طارئٍ زائدٍ على الطِّباعِ البَشَريَّةِ) [737] يُنظر: ((فتح الباري)) (1/ 21). .
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((فأنزل اللهُ تبارك وتعالى على رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفَخِذُه على فَخِذي، فثَقُلَت عليَّ حتى خِفْتُ أن تَرُضَّ فَخِذي، ثُمَّ سُرِّيَ عنه )) [738] رواه البخاري (2832) مطولاً. .
وعن صفوانَ بنِ يَعْلى أنَّ يَعْلَى بنَ أمَيَّةَ رَضِيَ اللهُ عنه شاهد تنزُّلَ الوَحْيِ على الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقد كان يتمَنَّى قبل ذلك أن يراه في تلك الحالِ، فقال: ((فإذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُحْمَرُّ الوَجْهِ، وهو يَغِطُّ، ثمَّ سُرِّي عنه )) [739] رواه مطولاً البخاري (1536) واللفظ له، ومسلم (1180). .
قال أبو العَبَّاسِ القُرْطبيُّ: (الغَطُّ والغطيطُ: هو صوتُ النَّفَسِ المترَدِّدِ الذي يخرجُ مِنَ النَّائِمِ، وهو البَهرُ الذي كان يَغْشاه عند مُعاينةِ المَلَكِ، وكانت تلك الحالةُ أشَدَّ الوَحْيِ عليه. و (سُرِّي عنه): كُشِفَ عنه) [740] يُنظر: ((المفهم)) (3/ 259). .
وقال الخطَّابي: (جملةُ الأمرِ فيما كان ينالُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الكَرْبِ عند نُزولِ الوَحْيِ هي شِدَّةُ الامتحانِ له؛ لِيَبلُوَ صَبْرَه، ويُحسِنَ تأديبَه؛ فيرتاضَ لاحتمالِ ما كُلِّفَه من أعباءِ النُّبُوَّةِ، وحُسْنِ الاضطِلاعِ للنُّهوضِ به إن شاء اللهُ) [741] يُنظر: ((أعلام الحديث)) (1/121). .
وقد يدخُلُ في القِسْمِ الثَّالِثِ المذكورِ في قَوْلِ اللهِ تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى: 51]: إلقاءُ جِبريلَ للخَبَرِ في رُوعِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غيرِ أن يرى جِبريلَ.
قال الحليميُّ: (إنَّ الأنبياءَ صَلواتُ اللهِ عليهم يُخَصُّون وراءَ ما وصفتُ بآياتٍ يُؤكَّدون فيها ليتمَيَّزوا بها عمَّن ليس مِثْلَهم كما تميَّزوا بالعِلْم الذي أُوتُوه... والواقِعُ من ذلك في جهةِ العِلْمِ وجوهٌ...
ومنها: أن يَأمُرُ الملَكَ فيَنفُثَ في رُوعِه، كما رُوِيَ عن النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفَثَ في رُوعِي: فإنَّ نَفْسًا لن تموتَ حتى تَستكمِلَ رِزْقَها؛ فاتَّقُوا اللهَ وأجمِلوا في الطَّلَبِ". وهذا هو الوَحيُ الذي يَخُصُّ القَلْبَ دونَ السَّمعِ، وفي كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: 193، 194]...
إذا كان الملَكُ يَنفُثُ في رُوعِ كُلِّ مُؤمِنٍ. فما الفَرْقُ بين النَّبِيِّ وبين مَن دونَه؟ قيل له: لا يَنفُثُ في رُوعِ مَن دونَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِلْمَ الأحكامِ ولا عِلْمَ الكوائِنِ والحوادِثِ المُستقبَلةِ، والوَعدِ والوعيدِ، وإنما يَنفُثُ في رُوعِه ما تقدَّم ذِكْرُه وما يُشبِهُه، فيَكونُ ذلك مَدَدًا للتوفيقِ يدرَأُ به عنه وساوِسَ الشَّيطانِ عن صَدْرِه. واللهُ أعلَمُ) [742] يُنظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) (1/ 239). .
وقال المُظْهِريُّ: (اعلَمْ أنَّ ما آتى اللهُ رسولَه غيرَ القُرآنِ، على أنواعٍ:...
الرَّابعُ: ما يَنفُثُ جِبريلُ عليه السَّلامُ في رُوعِه. والنَّفثُ: النَّفخُ، الرُّوعُ: القَلْبُ، كما قال عليه السَّلامُ: ((إنَّ جِبريلَ نَفَث في رُوعي)) [743] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (1/ 267). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (كَمَّل اللهُ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من مراتِبِ الوَحيِ مراتِبَ عديدةً:...
الثَّانية: ما كان يُلْقِيه الملَكُ في رُوعِه وقَلْبِه من غيرِ أن يراه، كما قال النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَث في رُوعي ... )) [744] يُنظر: ((زاد المعاد)) (1/ 77). .
وقد كان للوَحيِ بَشائِرُ وإرهاصاتٌ قَبْلَ حُدوثِه.
عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((أقام رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمكَّةَ خَمسَ عَشرةَ سنةً؛ يَسمَعُ الصَّوتَ ويرى الضَّوءَ سَبْعَ سِنينَ ولا يرى شيئًا، وثمانِ سِنينَ يُوحى إليه، وأقام بالمدينةِ عَشرًا )) [745] رواه مسلم (2353). .
قال عِياضٌ: (قوله: ((يَسمَعُ الصَّوتَ)): أي صوتَ الهاتِفِ به من المَلائكةِ. ((ويرى الضَّوءَ)): أي: نُورَ الملَكِ وأنوارَ آياتِ اللهِ، حتى رأى المَلَكَ بعَيْنِه وشافهه بوَحيِ رَبِّه) [746] يُنظر: ((إكمال المعلم)) (7/319). .
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ: (قوله: ((يسمعُ الصَّوتَ ويرى الضَّوءَ سَبعَ سِنينَ)) أي: أصواتَ المَلائِكةِ والجماداتِ والحِجارةِ، فيُسَلِّمون عليه بالرِّسالةِ،… ويعني بالضَّوءِ: نورَ المَلائِكةِ، ويحتَمِلُ أن يَكونَ أنوارًا تُنَوَّرُ بين يديه في أوقاتِ الظُّلمةِ، يُحجَبُ عنها غيرُه؛ ولذلك نُقِل: أنَّه كان يُبصِرُ باللَّيلِ كما يُبصِرُ بالنَّهارِ، ويعني: أنَّ هذه الحالةَ ثبتت عليه سَبْعَ سِنينَ، ثُمَّ بعد ذلك أوحى اللهُ إليه، أي: جاءه الوَحيُ، وشافهه بالخِطابِ ثمانيَ سِنين، وعلى هذا: فكَمَل له بمكَّةَ خمسَ عَشرةَ سَنةً) [747] يُنظر: ((المفهم)) (6/143). .

انظر أيضا: