الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الثَّلاثون: الآثارُ الإيمانيَّةُ لاسْمِ اللهِ: الوَهَّابِ

الوهَّابُ في الحقيقةِ هو اللهُ وَحْدَه، الذي بيَدِه خزائِنُ كُلِّ شَيءٍ، والذي له مُلكُ السَّمَواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ.
قال اللهُ تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى: 49-50].
فاللهُ سُبحانَه يَهَبُ ما يشاء لمن يشاءُ؛ لأنَّه مالِكُ المُلكِ، وأمَّا العبادُ فإنَّهم مِلكٌ لله سُبحانَه، والعَبدُ لا يملِكُ أن يهَبَ شيئًا على الحقيقةِ.
قال الخطَّابي: (كُلُّ من وهب شيئًا من عَرَضِ الدُّنيا لصاحِبِه، فهو واهِبٌ ولا يستَحِقُّ أن يُسَمَّى وهَّابًا إلَّا من تصَرَّفت مواهِبُه في أنواع العطايا، فكَثُرَت نوافِلُه ودامت، والمخلوقون إنما يملِكون أن يَهَبوا مالًا أو نوالًا في حالٍ دونَ حالٍ، ولا يملِكون أن يَهَبوا شفاءً لسقيمٍ، ولا ولدًا لعقيمٍ، ولا هدًى لضالٍّ، ولا عافيةً لذي بلاءٍ، واللهُ الوهَّابُ سُبحانَه يملِكُ جميعَ ذلك، وَسِع الخَلْقَ جُودُه؛ فدامت مواهِبُه، واتَّصَلت مِنَنُه وعوائِدُه) [3583] يُنظر: ((شأن الدُّعاء)) (ص: 53). .
وأكثَرُ النَّاسِ إنما يَهَبون من أجْلِ عِوَضٍ ينالونَه [3584] يُنظر: ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) للغزالي (ص: 82). .
والنبُوَّةُ والكِتابُ هِبةٌ مِنَ اللهِ يختَصُّ بها من يشاءُ مِن عبادِه، فقال اللهُ سُبحانَه عن كُفَّارِ قُرَيشٍ: أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ [ص: 8-9] .
قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: أم عند هؤلاء المشرِكين المُنكِرين وحيَ اللهِ إلى محمَّدٍ خزائِنُ رحمةِ رَبِّك يعني: مفاتيحَ رحمةِ رَبِّك -يا محمَّدُ- العزيزِ في سُلطانِه، الوَهَّابِ لِمن يشاءُ مِن خَلْقِه ما يشاءُ مِن مُلكٍ وسُلطانٍ ونبُوَّةٍ؛ فيَمْنَعوك يا محمَّدُ ما مَنَّ اللهُ به عليك من الكرامةِ، وفَضَّلَك به مِنَ الرِّسالةِ؟!) [3585] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 26). .
وقال اللهُ تعالى عن إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ [العنكبوت: 27] .
وقال اللهُ سُبحانَه عن موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ [الشعراء: 21] .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه أيضًا: وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [مريم: 53] .
والمُلْكُ والسُّلطانُ هِبةٌ مِنَ اللهِ سُبحانَه وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 247] .
وقد دعا سُلَيمانُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ رَبَّه، فقال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ [ص: 35] .
والذُّرِّيَّةُ هِبةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقد وهب اللهُ سُبحانَه بعضَ الأنبياءِ الذُّريةَ بعد كِبَرِ السِّنِّ، ووَهْنِ العَظْمِ. كما قال تعالى عن إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم: 39] . وزكريَّا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قد وهبه اللهُ الولَدَ بعد ما طَعَن في السِّنِّ وشاخ، وكانت امرأتُه عاقرًا، كما بَيَّن اللهُ ذلك في مَطلَعِ سُورةِ مريمَ، لكِنَّ ذلك لم يمنَعْ زكريَّا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من الطَّمَعِ في هبةِ اللهِ الوَهَّابِ؛ فدعا ربه رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: 38] فاستجاب اللهُ دُعاءَه فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ [الأنبياء: 90] أي: شفى امرأتَه من العُقمِ، فحَمَلت يحيى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فسُبحانَ الكريمِ الوَهَّابِ [3586] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/ 37). !

انظر أيضا: