موسوعة التفسير

سُورةُ المُنافِقونَ
الآيات (1-3)

ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ
- الغرَضُ مِن هذه الآيةِ التَّعريضُ بكذِبِ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ وبنِفاقِه؛ فصِيغَ الكلامُ بصيغةٍ تعُمُّ المُنافِقينَ لتجنُّبِ التَّصريحِ بالمقصودِ، على طريقةِ قولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ((ما بالُ أقوامٍ يَشترِطونَ شروطًا ليستْ في كتابِ اللهِ؟ !)) [34] أخرجه البخاريُّ (2735)، ومسلمٌ (1504) مطوَّلًا من حديث عائشةَ رضيَ الله عنها. ومُرادُه مَولى بَرِيرةَ لَمَّا أراد أنْ يَبيعَها لعائشةَ أمِّ المؤمنينَ، واشتَرَطَ أنْ يكونَ الولاءُ له. وابتُدِئَ بتكذيبِ مَن أُرِيدَ تكذيبُه في ادِّعائِه الإيمانَ بصِدقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنْ لم يكُنْ ذلك هو المقصودَ؛ إشعارًا بأنَّ اللهَ أطْلَعَ رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على دخائِلِهم، وهو تَمهيدٌ لِمَا بَعْدَه مِن قولِه: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعلَمُ أنَّ المُنافِقينَ قالوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [35] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/234). .
- قولُه: قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ أكَّدَ المُنافِقونَ كلامَهم بحرفَيْ (إنَّ) واللَّامِ؛ للإيذانِ بأنَّ شهادتَهم هذه صادرةٌ عن صميمِ قلوبِهم، وخُلوصِ اعتقادِهم، ووُفورِ رغبتِهم ونشاطِهم [36] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/251). .
- ونَشْهَدُ خبرٌ مؤكَّدٌ؛ لأنَّ الشَّهادةَ الإخبارُ عن أمْرٍ مقطوعٍ به؛ إذْ هي مُشتقَّةٌ مِنَ المُشاهَدةِ، أي: المُعايَنةِ، والمُعايَنةُ أقوى طُرقِ العِلمِ [37] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/234). .
- وجُملةُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ مُعترِضةٌ بَينَ الجملتَيْنِ المُتعاطِفتَيْنِ، مُقرِّرةٌ لمنطوقِ كلامِهِم، وهذا الاعتراضُ لدَفْعِ إيهامِ مَن يسمَعُ جُملةَ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ أنَّه تكذيبٌ لجُملةِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، فلَوْ قال: (قالوا: نَشهَدُ إنَّكَ لَرسولُ اللهِ، واللهُ يَشهَدُ إنَّهم لكاذِبونَ) لَكان يُوهِمُ أنَّ قولَهم هذا كذِبٌ، فوسَّطَ بَيْنَهما قولَه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ؛ ليُمِيطَ هذا الإيهامَ، فإنَّ المُسلِمينَ كانوا يَومَئذٍ محفوفِينَ بفِئامٍ مِنَ المُنافِقينَ مبثوثِينَ بَيْنَهم، هِجِّيراهم فِتنةُ المُسلِمينَ؛ فكان المَقامُ مُقتضِيًا دفْعَ الإيهامِ، وهذا مِنَ الاحتراسِ [38] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/538)، ((تفسير أبي حيان)) (10/179)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (20/75)، ((تفسير أبي السعود)) (8/251)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/235). والاحتراس: هو التَّحرُّزُ مِن الشَّيءِ والتَّحفُّظُ منه، وهو نوعٌ مِن أنواعِ إطنابِ الزِّيادةِ، وهو أن يكونَ الكلامُ محتملًا لشَيءٍ بعيدٍ، فيُؤتى بكلامٍ يَدفعُ ذلك الاحتمالَ. أو الإتيانُ في كلامٍ يوهِمُ خلافَ المقصودِ بما يَدفَعُ ذلك الوهمَ، ويُسمِّيه بعضُهم: التَّكميلَ. يُنظر: ((تحرير التحبير)) لابن أبي الإصبع (ص: 245)، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (3/208)، ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/64)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/251)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 49). .
- وفيه تقديمُ المُسنَدِ إليه وَاللَّهُ على الخبرِ الفعليِّ يَشْهَدُ؛ لتَقَوِّي الحُكمِ [39] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/235). .
- وجِيءَ بفِعلِ يَشْهَدُ في الإخبارِ عن تكذيبِ اللهِ تعالَى إيَّاهُم ليُطابِقَ الصِّيغةَ الَّتي عبَّروا بها؛ حتَّى يكونَ إبطالُ خبرِهم مُساوِيًا لإخبارِهم [40] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/235). .
- وإظهارُ لفظِ (المُنافِقينَ) في موقعِ الإضمارِ -حيثُ قال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، ولم يقُلْ: (... إنَّهم لَكاذِبونَ)-؛ لذَمِّهِم، والإشعارِ بعِلَّةِ الحُكمِ [41] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/251). .
2- قولُه تعالَى: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ استِئنافٌ بَيانيٌّ؛ لأنَّ تكذيبَ اللهِ تعالَى إيَّاهُم في قولِهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون: 1] يُثِيرُ في أنفُسِ السَّامِعينَ سؤالًا عن أيْمانِهم لدَى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنَّهم مُؤمِنونَ به، وأنَّهم لا يُضمِرونَ بُغْضَه؛ فأخبَرَ اللهُ عنهم بأنَّهمُ اتَّخَذوا أيْمانَهم تَقِيَّةً يَتَّقونَ بها [42] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/236)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (10/97). .
- قولُه: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً يجوزُ أنْ يُرادَ أنَّ قولَهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون: 1] يَمينٌ مِن أيمانِهِمُ الكاذِبةِ؛ لأنَّ الشَّهادةَ تَجْرِي مَجْرَى الحَلِفِ فيما يُرادُ به مِنَ التَّوكيدِ، يقولُ الرَّجُلُ: أشهَدُ وأشهَدُ باللهِ، وأعزِمُ وأعزِمُ باللهِ في موضِعِ: أُقسِمُ وأُولِي، فيكونَ قوله: أَيْمَانَهُمْ مَوضوعًا مَوضِعَ المُضمَرِ، أي: اتَّخَذوا شَهادتَهم تلك سُترةً. ويجوزُ أنْ يكونَ وصفًا للمُنافِقينَ في استِجنانِهِم بالأيْمانِ؛ فعلى هذا تكونُ هذه الآيةُ مُستطرِدةً تَعدادًا لقبائِحِهِمْ [43] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/538)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (15/427). .
- والجُنَّةُ: ما يُستتَرُ به ويُتَّقى، ومِنهُ سُمِّيَتِ الدِّرعُ جُنَّةً، والمعنى: جعَلوا أيْمانَهُم كالجُنَّةِ يُتَّقى بها ما يَلْحَقُ مِن أذًى، فلمَّا شُبِّهَتِ الأيمانُ بالجُنَّةِ على طريقةِ التَّشبيهِ البليغِ، أُتْبِعَ ذلك بتَشبيهِ الحَلِفِ باتِّخاذِ الجُنَّةِ، أيِ: اسْتِعمالِها [44] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/236). .
- قولُه: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تفريعٌ لصدِّهِمْ عن سبيلِ اللهِ على الحَلِفِ الكاذِبِ؛ لأنَّ اليمينَ الفاجِرةَ مِن كبائرِ الإثمِ؛ لِمَا فيها مِنَ الاسْتِخفافِ بجانِبِ اللهِ تعالَى، ولأنَّهم لَمَّا حَلَفوا على الكذِبِ ظنُّوا أنَّهم قد أَمِنوا اتِّهامَ المُسلِمينَ إيَّاهُم بالنِّفاقِ، فاستمَرُّوا على الكُفرِ والمكرِ بالمُسلِمينَ، وذلك صدٌّ عن سبيلِ اللهِ، أي: إعراضٌ عن الأعمالِ الَّتي أمَرَ اللهُ بسُلوكِها [45] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/236). . وهذا باعتبارِ أنَّ (صد) لازِمةٌ.
- وجُملةُ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ تذييلٌ [46] التَّذييل: هو أن يُذَيِّلَ المتكلِّمُ كلامَه بعْدَ تمامِ معناهُ بجملةٍ تحقِّقُ ما قبْلَها، وذلك على ضربَينِ: ضرْبٍ لا يَزيدُ على المعنى الأوَّلِ، وإنَّما يؤكِّدُه ويحقِّقُه. وضرْبٍ يُخرِجُه المتكلِّمُ مخرجَ المثلِ السَّائرِ؛ ليشتهرَ المعنى؛ لكثرةِ دوَرانِه على الألسِنةِ. يُنظر: ((البديع)) لأسامة بن منقذ (ص: 125)، ((تحرير التحبير)) لابن أبي الإصبع (ص: 387)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (4/179، 180)، ((البلاغة العربية)) لحبنكة (2/86 - 88). ؛ لتفظيعِ حالِهِم عِندَ السَّامِعِ [47] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/236). .
- وفي سَاءَ معنى التَّعجُّبِ الَّذي هو تَعظيمُ أمْرِهِم عِندَ السَّامِعينَ [48] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/539)، ((تفسير أبي السعود)) (8/251). .
3- قولُه تعالَى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ جُملةٌ في مَوضعِ العِلَّةِ لمَضمونِ جُملةِ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [49] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/236). .
- وما في اسمِ الإشارةِ ذَلِكَ مِن معنى البُعْدِ مع قُربِ العهدِ بالمُشارِ إليه؛ لِلإشعارِ ببُعْدِ منزلتِه في الشَّرِّ [50] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/252). .
- وحرفُ (ثُمَّ) في قولِه: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا للتَّرتيبِ الإخباريِّ لا الإيجاديِّ، أي: إنَّ المُنافِقينَ آمَنوا، ثُمَّ كفَروا، أي: آمَنوا بألسنتِهِم، وكفَروا بقلوبِهِم [51] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 565). ، وذلك على قولٍ. أو هي للتَّراخي الرُّتبيِّ؛ فإنَّ إبطانَ الكفرِ مع إظهارِ الإيمانِ أعظَمُ مِن الكفرِ الصَّريحِ، وأنَّ كُفْرَهم أرسَخُ فيهم مِن إظهارِ إيمانِهم. ويجوزُ أن يُرادَ مع ذلك التَّراخي في الزَّمنِ، وهو المُهلةُ [52] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/237). .
- وتفريعُ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ على قولِه: آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، فصار كفرُهم بعْدَ الإيمانِ سببًا في سُوءِ أعمالِهِم بمُقْتضى باءِ السَّببيَّةِ، وسببًا في انتفاءِ إدراكِهِمُ الحقائقَ النَّظريَّةَ بمُقْتضى فاءِ التَّفريعِ [53] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/238). .

الفوائد التربوية:

في قَولِه تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ أنَّ الكَذِبَ ليس مِن خُلُقِ المؤمِنِ، بل هو مِن آياتِ المُنافِقينَ وعلاماتِهم [23] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (12/464). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- قَولُ الله تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ فيه سُؤالٌ: هذا الَّذي شَهِدوا عليه حَقٌّ؛ لأنَّ رسالةَ نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حقٌّ لا شَكَّ فيها، وقد كذَّبَهم اللهُ بقَولِه: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، مع أنَّ قَولَه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ كأنَّه تَصديقٌ لهم؟
الجوابُ: أنَّ تَكذيبَه تعالى لهم مُنصَبٌّ على إسنادِهم الشَّهادةَ إلى أنفُسِهم في قَولِهم: نَشْهَدُ، وهم في باطِنِ الأمرِ لا يَشهَدونَ برِسالتِه، بل يَعتَقِدونَ عَدَمَها، أو يَشُكُّونَ فيه، كما يدُلُّ للأوَّلِ قَولُه تعالى عنهم: أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ  إلى قَولِه: وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ [البقرة: 13] ، ويدُلُّ للثَّاني قَولُه تعالى: وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [24] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص:239). [التوبة: 45] .
2- قال اللهُ تعالَى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ إلى قولِه: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ استُدِلَّ به على أنَّ قولَ: «أَشْهَدُ» يَمينٌ؛ لأنَّ القومَ قالوا: «نَشْهَدُ»، فجَعَله اللهُ يَمينًا بقولِه: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [25] يُنظر: ((أحكام القرآن)) للجَصَّاص (3/603). قال ابن حجر: (ليس صريحًا؛ لاحتِمالِ أن يكونَ حلَفوا مع ذلك). ((فتح الباري)) (11/544). والقولُ المذكورُ هو مذهبُ الحنَفيَّةِ. يُنظر: ((الهداية شرح البداية)) للمَرْغِيناني (2/73)، ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (5/72). ومذهبُ المالكيَّةِ والحنابلةِ أنَّه ليس بيمينٍ، إلَّا إنْ نوى يمينًا فيكونُ يمينًا. يُنظر: ((الكافي في فقه أهل المدينة)) لابن عبد البر (1/448)، ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (6/232). وقال الشَّافعيَّةُ: إن لم يقُلْ: (بالله)، فليس يمينًا، ولو نوى اليمينَ. يُنظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (11/15). أمَّا إذا قال: (أشهَدُ بالله) فهو يمينٌ، وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ. يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (9/509)، ((تفسير القرطبي)) (18/123). وذهب الشَّافعيَّةُ إلى أنَّه ليس بيَمِينٍ إلَّا بنِيَّةٍ. يُنظر: ((نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج)) للرملي (8/178). .
3- في قَولِه تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ أنَّه ليس كلُّ مَن أظْهَر الإسلامَ يكونُ مؤمنًا في الباطنِ؛ فقد عُرِفَ في المُظْهِرينَ للإسلامِ المؤمنُ والمُنافقُ [26] يُنظر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (3/492). .
4- في قَولِه تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ أنَّه سُبحانَه يَشهَدُ على كَذِبِهم، ووجهُه: أنَّ ما يُسِرُّونَه هو في قُلوبِهم، ولا يَعلَمُ ما في القلوبِ إلَّا عَلَّامُ الغُيوبِ؛ فكأنَّ هذا المُضمَرَ في قُلوبِهم بالنِّسبةِ إلى اللهِ أمرٌ مَشهودٌ يُرى بالعَينِ [27] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/233). .
5- في قَولِه تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً دَلالةٌ على أنَّ أحكامَ الإسلامِ تجري على الظَّاهرِ؛ فلَمْ يَجعلِ اللهُ تعالى لنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يَقضيَ عليهم في الدُّنيا بخِلافِ ما أظهَروا، وقد جَعَل اللهُ حُكْمَه عليهم على سرائِرِهم؛ فأعْلَمَ نبيَّه أنَّهم في الدَّرْكِ الأسفَلِ مِن النَّارِ، وجَعَل حُكْمَ نبيِّه عليهم في الدُّنيا على علانيَتِهم بإظهارِ التَّوبةِ وما قامتْ عليه بيِّنَةٌ مِن المُسلِمينَ، وبما أَقَرُّوا بقَولِه، وبما جَحَدوا به [28] يُنظر: ((الأم)) للشافعي (7/310)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/83). .
6- في قَولِه تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دَلالةٌ على أنَّ المُنافِقينَ كانوا يُرضُونَ المؤمنينَ بالأيْمانِ الكاذِبةِ، ويُنكِرونَ أنَّهم كَفروا، ويَحلِفونَ أنَّهم لم يَتكَلَّموا بكَلِمةِ الكُفْرِ، وذلك دَليلٌ على أنَّ الحاكمَ يَقتُلُهم إذا ثَبَت ذلك عليهم بالبيِّنَةِ؛ لوُجوهٍ:
أحدُها: أنَّهم لو كانوا إذا أَظهَروا التَّوبةَ قُبِلَ ذلك منهم، لَمْ يَحتاجوا إلى الحَلِفِ والإنكارِ، ولَكانوا يقولونَ: قُلْنا وقد تُبْنا؛ فعُلِمَ أنَّهم كانوا يَخافُونَ إذا ظَهَرَ ذلك عليهم أنَّهم يُعاقَبونَ مِن غيرِ استِتابةٍ.
الثَّاني: أنَّه قال تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً واليَمينُ إنَّما تكونُ جُنَّةً إذا لَمْ نأتِ ببَيِّنَةٍ عادلةٍ تُكَذِّبُها، فإذا كَذَّبَتْها بَيِّنةٌ عادِلةٌ انخرقتِ الجُنَّةُ، فجاز قَتْلُهم، ولا يُمكِنُه أنْ يَجتَنَّ بعدَ ذلك إلَّا بجُنَّةٍ مِن جِنسِ الأُولى، وتلك جُنَّةٌ مَخروقةٌ.
الثَّالثُ: أنَّ الآياتِ دليلٌ على أنَّ المُنافِقينَ إنَّما عَصَمَ دماءَهم الكَذِبُ والإنكارُ، ومَعلومٌ أنَّ ذلك إنَّما يَعصِمُ إذا لَمْ تَقُمِ البيِّنَةُ بخِلافِه؛ ولذلك لَمْ يَقتُلْهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [29] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 346). .
7- قَولُ الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فيه سؤالٌ: المُنافِقونَ لم يَكونوا إلَّا على الكُفرِ الثَّابِتِ الدَّائِمِ، فما معنى قَولِه: آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا؟
الجوابُ في ذلك مِن ثلاثةِ أوجُهٍ:
الوجهُ الأوَّلُ: أنَّ قَولَه: آَمَنُوا أي: نَطَقوا بكَلِمةِ الشَّهادةِ، وفَعَلوا كما يَفعَلُ مَن يدخُلُ في الإسلامِ، وقَولَه: ثُمَّ كَفَرُوا أي: ثمَّ ظَهَر كُفرُهم بعدَ ذلك وتبيَّنَ بما اطُّلِع عليه مِن قَولِهم: (إن كان ما يقولُه محمَّدٌ حَقًّا فنحن حميرٌ!)، وقولِهم في غزوةِ تَبُوكَ: (أيَطمَعُ هذا الرَّجُلُ أن تُفتَحَ له قُصورُ كِسرى وقَيصَرَ؟ هَيْهاتَ!)، ونحوُه قَولُه تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ [التوبة: 74] ، أي: وظَهَر كُفرُهم بعدَ أن أسلَموا، ونحوُه قَولُه تعالى: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 66] .
الوَجهُ الثَّاني: أنَّ قَولَه آَمَنُوا أي: نَطَقوا بالإيمانِ عندَ المؤمِنينَ، ثمَّ نَطَقوا بالكُفرِ عِندَ شياطينِهم؛ استِهزاءً بالإسلامِ، كقَولِه تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة: 14] .
الوَجهُ الثَّالِثُ: أن يُرادَ أهلُ الرِّدَّةِ منهم [30] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/539). ، فالمُنافِقُ قبْلَ أنْ يُنافِقَ يُمكِنُ أنْ يكونَ قد آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ [31] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/163). .
8- في قَولِه تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ أنَّ الإنسانَ إذا لم يكُنْ له إقبالٌ على الحَقِّ، وكان قلْبُه مَريضًا؛ فإنَّه يُعاقَبُ بزيادةِ المَرَضِ [32] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- الفاتحة والبقرة)) (1/44). .
9- قَولُ الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ فيه سؤالٌ: الطَّبعُ على القُلوبِ لا يكونُ إلَّا مِن اللهِ تعالى، ولَمَّا طَبَع اللهُ على قُلوبِهم فلا يُمكِنُهم أن يَتدَبَّروا ويَستَدِلُّوا بالدَّلائِلِ، ولو كان كذلك لَكان هذا حُجَّةً لهم على اللهِ تعالى، فيَقولونَ: إعراضُنا عن الحَقِّ لغَفْلَتِنا، وغَفْلَتُنا بسَبَبِ أنَّه تعالى طَبَع على قُلوبِنا؟
الجوابُ: هذا الطَّبعُ مِن اللهِ تعالى لسُوءِ أفعالِهم، وقَصْدِهم الإعراضَ عن الحَقِّ، فكأنَّه تعالى ترَكَهم في أنفُسِهم الجاهِلةِ، وأهوائِهم الباطِلةِ [33] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (30/546). .

غريب الكلمات:

الْمُنَافِقُونَ: المنافِقُ هو مَن يُظهِرُ الإسلامَ ويُبطِنُ الكفرَ، قيل: سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه يَستُرُ كُفْرَه، فأشْبَهَ الدَّاخِلَ للنَّفقِ يَستَتِرُ فيه. وقيل: شُبِّهَ باليَرْبُوعِ الَّذي له جُحْرٌ يُقالُ له: النَّافِقاءُ، وآخَرُ يُقالُ له: القاصِعاءُ، فإذا طُلِب مِن القاصِعاءِ خرَج مِن النَّافِقاءِ، وكذلك المنافِقُ يَخرُجُ مِن الإيمانِ مِن غيرِ الوجهِ الَّذي يَدخُلُ فيه. وقيل: شُبِّه باليَربُوعِ مِن جِهةِ أنَّ اليَربُوعَ يَخرِقُ الأرضَ حتَّى إذا كاد يَبلُغُ ظاهِرَها أرَقَّ التُّرابَ، فإذا رابه رَيبٌ دفَع ذلك التُّرابَ برأسِه فخرَج، وأصلُ (نفق) هنا: يدُلُّ على إخفاءِ شَيءٍ وإغْماضِه، ويُمكِنُ أن يكونَ الأصلُ هو الخُروجَ [7] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/454)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 819)، ((المُعْلِم بفوائد مسلم)) للمازَري (1/295)، ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (2/177). .
أَيْمَانَهُمْ: أي: حَلِفَهم، واليَمينُ: القَسَمُ، وسُمِّيَ الحَلِفُ يَمينًا -وهو اسمُ اليَدِ-؛ لأنَّهم كانوا يَبْسُطونَ أيْمانَهم إذا حَلَفوا أوْ تحالَفوا، ثمَّ كثُر ذلك حتَّى سُمِّيَ الحلفُ والعهدُ نفْسُه يمينًا، وقِيل: يَمينٌ فَعيلٌ مِن اليُمنِ، وهو البَرَكةُ، سَمَّاها اللهُ تعالَى بذلك؛ لأنَّها تحفَظُ الحُقوقَ [8] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/489)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/159)، ((البسيط)) للواحدي (10/313)، ((تفسير ابن عطية)) (1/301)، ((تفسير القرطبي)) (3/102). .
جُنَّةً: أي: تَقِيَّةً وسُترةً، وأصلُ (جنن): يدُلُّ على سَترٍ [9] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 181)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/421)، ((المفردات)) للراغب (ص: 203)، ((تفسير القرطبي)) (18/123)، ((تفسير ابن كثير)) (8/125). .
فَطُبِعَ: أي: خُتِمَ ورُبِطَ، أي: فلا يَعي وَعظًا، ولا يُوَفَّقُ لخَيرٍ، وأصلُه يدُلُّ على التَّغطيةِ على الشَّيءِ والاستيثاقِ منه، بألَّا يَدخُلَه شَيءٌ، ولا يَخرُجَ منه شَيءٌ [10] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/617)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 321)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/438)، ((البسيط)) للواحدي (2/112) و (7/180)، ((المفردات)) للراغب (ص: 515)، ((النهاية)) لابن الأثير (3/112). .
لَا يَفْقَهُونَ: أي: لا يَفهمونَ، والفِقهُ هو مُطلَقُ الفَهمِ، أو: فَهْمُ الأشياءِ الدَّقيقةِ، يُقالُ: فَقِهتُ الكلامَ: إذا فَهِمْتَه حقَّ الفَهمِ، والفِقهُ: التَّوصُّلُ إلى عِلمٍ غائبٍ بعِلمٍ شاهِدٍ، فهو أخصُّ مِن العِلمِ، وأصلُ (فقه): يدُلُّ على إدراكِ الشَّيءِ، والعِلمِ به [11] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 505)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/442)، ((البسيط)) للواحدي (21/469)، ((المفردات)) للراغب (ص: 642)، ((تفسير ابن عرفة)) (4/231). .

المعنى الإجمالي :

افتَتَح اللهُ تعالى هذه السُّورةَ الكريمةَ بإخبارِ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بشأنِ المنافِقينَ قائِلًا: إذا جاءك -يا محمَّدُ- المنافِقونَ الَّذين يُظهِرونَ الإسلامَ ويُبطِنونَ الكُفرَ، قالوا كَذِبًا بألسِنَتِهم: نَشهَدُ إنَّك لَرَسولُ اللهِ. واللهُ يَعلَمُ أنَّك رَسولُه حَقًّا، واللهُ يَشهَدُ إنَّ المنافِقينَ لَكاذِبونَ في دَعْواهمُ الإيمانَ بك رَسولًا.
اتَّخَذوا حَلِفَهم الكاذِبَ سَترًا ووِقايةً لهم مِن القَتْلِ على كُفْرِهم؛ إنَّهم بِئسَ ما كانوا يَعمَلونَ. ذلك أنَّهم آمَنوا ثمَّ كَفَروا؛ فختَم اللهُ على قُلوبِهم، فصارت لا تَعِي ولا تَهتَدي.

تفسير الآيات:

إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1).
سَبَبُ النُّزولِ:
عن زَيدِ بنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((كُنتُ مع عَمِّي فسَمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ يقولُ: لا تُنفِقوا على مَن عِندَ رَسولِ اللهِ حتَّى يَنفَضُّوا، ولَئِنْ رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ! فذكرتُ ذلك لعَمِّي، فذكَرَ عَمِّي للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدعاني فحدَّثْتُه، فأرسَلَ إلى عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ وأصحابِه، فحَلَفوا ما قالوا، وكذَّبَني النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصدَّقَهم، فأصابني غَمٌّ لم يُصِبْني مِثْلُه قَطُّ، فجَلَسْتُ في بيتي، وقال عَمِّي: ما أردْتَ إلى أن كذَّبَك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَقَتَك! فأنزل اللهُ تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وأرسل إلَيَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقَرَأَها، وقال: إنَّ اللهَ قد صدَّقَك!)) [12] رواه البخاريُّ (4904) واللَّفظُ له، ومسلمٌ (2772). .
وفي روايةٍ: ((فأنزَل الله عزَّ وجلَّ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ إلى قولِه: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إلى قولِه: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)) [13] رواه البخاريُّ (4901). .
إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1).
إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ.
أي: إذا حَضَر عِندَك -يا محمَّدُ- المنافِقونَ الَّذين يُظهِرونَ الإسلامَ ويُبطِنونَ الكُفرَ، قالوا على وَجهِ التَّأكيدِ والجَزمِ كَذِبًا بألسِنَتِهم: نَشهَدُ إنَّك لَرَسولُ اللهِ [14] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/650)، ((تفسير القرطبي)) (18/123)، ((تفسير ابن كثير)) (8/125)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (20/74)، ((تفسير السعدي)) (ص: 864). قال ابنُ عاشور: (يجوزُ أن يكونَ قَولُهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ مَحكيًّا بالمعنى؛ لأنَّهم يقولونَ عِباراتٍ كثيرةً تُفيدُ معنى أنَّهم يَشهَدونَ بأنَّه رَسولُ اللهِ، مِثلُ نُطقِهم بكَلِمةِ الشَّهادةِ، ويجوزُ أن يكونوا تواطَؤُوا على هذه الكَلِمةِ كُلَّما أعلَنَ أحَدُهم الإسلامَ، وهذا أليَقُ بحكايةِ كَلامِهم بكَلِمةِ قَالُوا دونَ نَحوِ: زَعَموا). ((تفسير ابن عاشور)) (28/234). .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كانت الشَّهادةُ الإخبارَ عن عِلمِ اليَقينِ؛ لأنَّها مِنَ الشُّهودِ، وهو كمالُ الحُضورِ، وتَمامُ الاطِّلاعِ، ومُواطَأةُ القُلوبِ للألسِنةِ؛ صَدَّقَ سبحانَه المشهودَ به، وكَذَّبَهم في الإقسامِ بالشَّهادةِ، ومُواطأةِ ألسِنَتِهم لقُلوبِهم؛ فقال تعالى [15] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (20/75). :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ.
أي: قال اللهُ تعالى: واللهُ الَّذي أرسَلَك -يا محمَّدُ- يَعلَمُ أنَّك رَسولُه حَقًّا [16] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (4/302)، ((تفسير الماوردي)) (6/14)، ((تفسير أبي حيان)) (10/179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 864). قال ابنُ جُزَي: (قَولُه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ليس مِن كلامِ المنافِقينَ، وإنَّما هو مِن كلامِ اللهِ تعالى، ولو لم يَذكُرْه لَكان يُوهِمُ أنَّ قَولَه: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ إبطالٌ للرِّسالةِ، فوَسَّطه بيْنَ حكايةِ المنافِقينَ وبيْن تكذيبِهم؛ ليُزيلَ هذا الوَهْمَ، ولِيُحَقِّقَ الرِّسالةَ). ((تفسير ابن جزي)) (2/377). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/235). .
كما قال سُبحانَه: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: 79] .
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان رُبَّما ظُنَّ أنَّ هذا تأكيدٌ لكَلامِ المُنافِقينَ، دَلَّ على أنَّه تَحقيقٌ لِمَضمونِ كَلامِهم دونَ شَهادتِهم، فقال [17] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (20/75). قال السمعاني: (هو تطييبٌ لقَلبِ النَّبيِّ وتَسليةٌ له، ومعناه: أنَّ عِلْمي أنَّك رَسولُ اللهِ وشَهادتي لك بذلك: خَيرٌ مِن شَهادتِهم). ((تفسير السمعاني)) (5/440). :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ.
أي: واللهُ يَشهَدُ إنَّ المنافِقينَ لَكاذِبونَ في دَعْواهمُ الإيمانَ برَسولِ اللهِ؛ فهم يقولونَ ما لا يَعتَقِدونَ صِحَّتَه في قُلوبِهم [18] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/650)، ((تفسير ابن كثير)) (8/125)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (20/75، 76)، ((تفسير السعدي)) (ص: 864)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/235). .
كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة: 8، 9].
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا كان المعنى أنَّهم لم يَعتَقِدوا ما شَهِدوا به، وكان كأنَّه قيل: فما الحامِلُ لهم على هذا الكلامِ المؤكَّدِ، والكَذِبُ في غايةِ القباحةِ لا سيَّما عندَ العَرَبِ؟ عَلَّلَه بقَولِه مُسَمِّيًا شَهادتَهم أَيْمانًا؛ لأنَّ الشَّهادةَ تَجري مَجرى القَسَمِ في إرادةِ التَّوكيدِ؛ ولذلك تُتلقَّى بما يُتلَقَّى به القَسَمُ [19] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (20/77). ، وذلك على قولٍ:
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
أي: جَعَل المُنافِقونَ حَلِفَهم الكاذِبَ للمُؤمِنينَ سَترًا ووِقايةً لهم؛ فيَستُرونَ به نِفاقَهم، ويتَّقونَ القَتْلَ أو العُقوبةَ على كُفْرِهم، ويَصونونَ أنفُسَهم وذَراريَّهم وأموالَهم، فصَدُّوا بذلك عن طَريقِ الحَقِّ والهُدى [20] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/650، 651)، ((تفسير ابن عطية)) (5/311)، ((تفسير القرطبي)) (18/123، 124)، ((تفسير ابن كثير)) (8/125)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (20/ 77، 78)، ((تفسير السعدي)) (ص: 864)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/235). قال القُرطبي: (قَولُه تعالى: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: أعرَضوا، وهو مِن الصُّدودِ، أو صَرَفوا المؤمِنينَ عن إقامةِ حُكمِ اللهِ عليهم مِن القَتلِ والسَّبْيِ وأخْذِ الأموالِ، فهو مِن الصَّدِّ، أو مَنَعوا النَّاسَ عن الجِهادِ بأن يتخَلَّفوا ويَقتَدِيَ بهم غيرُهم. وقيل: فصَدُّوا اليهودَ والمُشرِكينَ عن الدُّخولِ في الإسلامِ بأن يَقولوا: ها نحن كافِرون بهم، ولو كان محمَّدٌ حَقًّا لَعَرَف هذا مِنَّا، ولَجعَلَنا نَكالًا). ((تفسير القرطبي)) (18/124). وقال الشنقيطي في نظيرِ هذه الآيةِ مِن سورةِ المُجادلةِ الآية (16): (قولُه تعالى: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الظَّاهرُ أنَّه مِن «صَدَّ» المُتعدِّيةِ، وأنَّ المفعولَ محذوفٌ، أي: فصَدُّوا غيرَهم ممَّن أطاعهم؛ لأنَّ صُدودَهم في أنفُسِهم دل عليه قولُه: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً، والحملُ على التَّأسيسِ أَولى مِن الحملِ على التَّأكيدِ). ((أضواء البيان)) (7/553). وقال ابن عثيمين: (مَن صَدَّ غيرَه فهو عن الحقِّ أصَدُّ، لكنْ مَن صَدَّ بنفْسِه فقد لا يَصُدُّ غيرَه. فالأَولى أن نَحمِلَ ما جاء في القرآنِ مِن ذِكرِ الصَّدِّ على الشَّيءِ المُتعدِّي، لا على اللَّازِمِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 398). وقال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: اتَّقَوُا النَّاسَ بالأيْمانِ الكاذِبةِ، والحَلَفاتِ الآثِمةِ؛ لِيُصَدَّقوا فيما يَقولونَ، فاغتَرَّ بهم مَن لا يَعرِفُ جَلِيَّةَ أمرِهم، فاعتَقَد أنَّهم مُسلِمونَ، فرُبَّما اقتدى بهم فيما يَفعَلونَ، وصَدَّقَهم فيما يقولونَ، وهم مِن شأنِهم أنَّهم كانوا في الباطِنِ لا يَأْلُونَ الإسلامَ وأهلَه خَبالًا، فحَصَل بهذا القَدْرِ ضَرَرٌ كَبيرٌ على كثيرٍ مِن النَّاسِ). ((تفسير ابن كثير)) (8/125). .
إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
أي: بِئسَ ما كان يَعمَلُه المنافِقونَ مِن اتِّخاذِهم أيْمانَهم جُنَّةً، فصار ذلك دَيدنًا لهم وطَبْعًا وجِبِلَّةً [21] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/651)، ((تفسير السمرقندي)) (3/451)، ((تفسير القرطبي)) (18/124)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (20/78)، ((تفسير السعدي)) (ص: 864). !
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3).
أي: الَّذي سبَّب جُرْأتَهم على اللهِ ورَسولِه باتِّخاذِهم أيْمانَهم جُنَّةً: أنَّهم عَرَفوا الحَقَّ ثمَّ تَرَكوه، واستَبدلوا الضَّلالةَ بالهُدَى فلم يتَّبِعوه؛ فختَم اللهُ على قُلوبِهم، فصارت لا تَعِي ولا تَهتَدي [22] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/652)، ((تفسير الماتريدي)) (10/20)، ((تفسير ابن عطية)) (5/312)، ((الإيمان)) لابن تيمية (ص: 214)، ((تفسير ابن كثير)) (8/125، 126)، ((تفسير السعدي)) (ص: 864)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/237). قال الشوكاني: (بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا أي: بسببِ أنَّهم آمَنوا في الظَّاهرِ نِفاقًا، ثُمَّ كَفَرُوا في الباطِنِ، أو أظهَروا الإيمانَ للمؤمنينَ، وأظهَروا الكفرَ للكافِرين). ((تفسير الشوكاني)) (5/275). !
كما قال تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة: 10].
وقال سُبحانَه: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [النساء: 137] .