موسوعة التفسير

سورةُ سَبَأٍ
الآيات (12-14)

ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ

غَريبُ الكَلِماتِ:


غُدُوُّهَا شَهْرٌ: أي: تسيرُ بالغَداةِ مَسيرةَ شهرٍ، والغَداةُ: أوَّلُ النَّهارِ، ويُستعمَلُ الغُدُوُّ في المَسيرِ أيَّ وقتٍ كان مِن لَيلٍ أو نهارٍ، وأصلُ (غدو): يدُلُّ على زمانٍ [209] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/415)، ((المفردات)) للراغب (ص: 603)، ((المصباح المنير)) للفيومي (1/243)، ((تفسير الشوكاني)) (4/363). .
وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ: أي: تسيرُ بالعَشِيِّ مَسيرةَ شهرٍ، والرَّواحُ: العَشِيُّ، وهو مِن الزَّوالِ إلى اللَّيلِ، ويُستعمَلُ الرَّواحُ في المسيرِ أيَّ وقتٍ كان مِن ليلٍ أو نهارٍ، وأصلُ (روح): يدُلُّ على سَعةٍ وفُسحةٍ واطِّرادٍ، وسُمِّي العَشيُّ بذلك لِرَوْحِ الرِّيحِ؛ فإنَّها في الأغلَبِ تَهُبُّ بعدَ الزَّوالِ [210] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/227)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/454)، ((المصباح المنير)) للفيومي (1/243)، ((تفسير الشوكاني)) (4/363). .
الْقِطْرِ: أي: النُّحاسِ [211] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/228)، ((تفسير االقرطبي)) (14/270)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 342)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 738). .
يَزِغْ: أي: يَعدِلْ ويَخرُجْ، وأصلُ (زيغ): يدُلُّ على مَيلِ الشَّيءِ [212] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/229)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/40)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 305)، ((تفسير ابن كثير)) (6/499). .
مَحَارِيبَ: جمعُ مِحرابٍ، والمحرابُ: الغرفةُ، و: المسجدُ، و: كُلُّ موضعٍ مُرتفِعٍ، والمِحرابُ أيضًا: مُقَدَّمُ المجلِسِ وأشرفُه [213] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص:104، 354)، ((تفسير ابن جرير)) (19/230)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 455)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/48)، ((المفردات)) للراغب (ص: 225)، ((تفسير القرطبي)) (14/271). .
وَجِفَانٍ: أي: قِصاعٍ كِبارٍ، وأصلُ (جفن): يدُلُّ على شَيءٍ يُطيفُ بشَيءٍ ويَحويه [214] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 182)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/465)، ((المفردات)) للراغب (ص: 197)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 342). .
كَالْجَوَابِ: الجَوابي جمعُ جابيةٍ، والجابيةُ: الحَوضُ الضَّخمُ الَّذي يُجبَى فيه الماءُ، أي: يُجمَعُ، وأصلُ (جبي): يدُلُّ على جَمعِ الشَّيءِ [215] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 354)، ((تفسير ابن جرير)) (19/232)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/503)، ((تفسير ابن كثير)) (6/500)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 342)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 49). .
وَقُدُورٍ: جمعُ قِدْرٍ: وهي اسمٌ لِما يُطبَخُ فيه اللَّحمُ [216] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 660)، ((تفسير القرطبي)) (14/276)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/163). .
رَاسِيَاتٍ: أي: ثَوَابِتَ في أماكنِها، تُترَكُ لعِظَمِها ولا تُنقَلُ، وأصلُ (رسو): يدُلُّ على ثباتٍ [217] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 354)، ((تفسير ابن جرير)) (19/234)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/394)، ((المفردات)) للراغب (ص: 354)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 343). .
دَابَّةُ الْأَرْضِ: أي: الأَرَضةُ، وهي: سُوسٌ يَنخِرُ الخَشَبَ، وأصل (دبب): يدُلُّ على حَرَكةٍ [218] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/237)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/263)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 306)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/164). .
مِنْسَأَتَهُ: أي: عَصاه، وأصلُ (نسأ): يدُلُّ على تأخيرِ الشَّيءِ؛ لأنَّ العصا يُبعَدُ بها الشَّيءُ ويُدفَعُ [219] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/238)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 457)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/422)، ((المفردات)) للراغب (ص: 804)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 343). .
خَرَّ: أي: سَقَط على وَجهِه، وأصلُ (خر): يدُلُّ على اضطرابٍ وسُقوطٍ [220] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 355)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 211)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/149)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 343). .

المعنى الإجماليُّ:


يَذكُرُ الله تعالى ما أنعَم به على سُلَيمانَ عليه السَّلامُ بعدَ أن ذكَر ما أنعَم به على أبيه، فيقولُ: وسَخَّرْنا لسُلَيمانَ الرِّيحَ تَجري مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى الزَّوالِ مَسافةً تَعدِلُ مَسيرةَ شَهرٍ، وتَجري مِنَ الزَّوالِ إلى اللَّيلِ مَسافةً تَعدِلُ مَسيرةَ شَهرٍ، وأجرَينا له عينَ النُّحاسِ، وسَخَّرْنا له مِنَ الجِنِّ مَن يَعمَلُ بينَ يَديه فيما يأمُرُه به، ومَن يَخرُجْ مِن الجِنِّ عن أمرِنا لهم بطاعةِ سُلَيمانَ نُذِقْه مِن عذابِ النَّارِ؛ يعمَلُ هؤلاء الجِنُّ لِسُلَيمانَ ما يشاءُ مِن محاريبَ، وتماثيلَ، وصِحافٍ عَظيمةٍ كالأحواضِ الكَبيرةِ التي يُجمَعُ فيها الماءُ، وقُدورٍ ثابتةٍ في مواضِعِها.
وقُلْنا لداودَ وأهلِه: اعمَلوا يا آلَ داودَ بطاعةِ اللهِ؛ شُكرًا له على نِعَمِه، وقليلٌ مِن العِبادِ مَن يَشكُرُ اللهَ على نِعَمِه.
ثمَّ يذكُرُ الله تعالى كيفيَّةَ موتِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ، فيقولُ: فلمَّا جاء سُلَيمانَ الموتُ ما عرَفَ الجِنُّ مَوتَه إلَّا حينَ أكَلَتِ الأَرَضةُ عَصاه الَّتي كان مُتوكِّئًا عليها، فلمَّا سَقَط سُلَيمانُ على الأرضِ ظهَر أمرُ الجِنِّ وانكشَف للنَّاس أنَّهم لا يَعلَمونَ الغَيبَ؛ فلو كانوا يَعلَمونَ الغَيبَ لَعَلِموا موتَ سُلَيمانَ، ولم يَلبَثوا في عَمَلِهم الشَّاقِّ المُهِينِ!

تَفسيرُ الآياتِ:


وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أتَمَّ اللهُ سُبحانَه ما أراد مِن آياتِ داودَ عليه السَّلامُ؛ أتْبَعَه ابنَه سُلَيمانَ عليه السَّلامُ؛ لِمُشاركتِه له في الإنابةِ [221] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/462). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى فَضْلَه على داودَ عليه السَّلامُ؛ ذكَرَ فَضلَه على ابنِه سُلَيمانَ عليه السَّلامُ [222] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 676). .
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ.
أي: وسَخَّرنا لسُلَيمانَ الرِّيحَ تجري مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى الزَّوالِ مَسافةً تَعدِلُ مَسيرةَ شَهرٍ، وتجري مِنَ الزَّوالِ إلى اللَّيلِ مَسافةً تَعدِلُ مَسيرةَ شَهرٍ [223] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/227)، ((تفسير القرطبي)) (14/268)، ((تفسير ابن كثير)) (6/499)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/462)، ((تفسير السعدي)) (ص: 676)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/158). .
وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ.
أي: وأجرَينا لسُلَيمانَ عَينَ النُّحاسِ [224] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/228)، ((تفسير الزمخشري)) (3/572)، ((تفسير ابن عطية)) (4/409)، ((تفسير القرطبي)) (14/270)، ((تفسير ابن كثير)) (6/499). .
وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ.
أي: ومِن الجِنِّ مَن يَعمَلُ بيْنَ يَدَيْ سُلَيمانَ فيما يأمُرُه به، وذلك بأمرِ اللهِ وتَسخيرِهم له [225] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/229)، ((تفسير ابن كثير)) (6/499)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/159). قال ابن عثيمين: (قولُه تعالى: بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: يدَيْ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ، يعني: أمامَه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 104). وقال ابن عاشور: (ومعنَى يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ: يخدُمُه ويُطيعُه. يُقالُ: أنا بينَ يديك، أي: مُطيعٌ). ((تفسير ابن عاشور)) (22/159). وقال ابن عثيمين: (بِإِذْنِ رَبِّهِ... والإذْنُ هنا كَونيٌّ، يعني: أنَّ الله تعالى سَخَّر الجِنَّ؛ ليَعمَلوا بين يدَيْ سُليمانَ عليه السَّلامُ بإذنِه: بأمْرِه الكَونيِّ، [و] قد يقالُ: إنَّه إذنٌ شَرعيٌّ؛ بدليلِ قَولِه تعالى: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 104). .
كما قال تعالى: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [ص: 35 - 38].
وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ.
أي: ومَن يَخرُجْ مِن الجِنِّ عن أمْرِنا لهم بطاعةِ سُلَيمانَ، نُعَذِّبْه بالنَّارِ [226] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/527)، ((تفسير ابن جرير)) (19/229)، ((تفسير القرطبي)) (14/270، 271)، ((تفسير ابن كثير)) (6/499)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/160)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 104). قيل: المرادُ أنَّهم يُعَذَّبونَ في النَّارِ في الآخرةِ. وممَّن قال بهذا المعنى: ابنُ جريرٍ، والقرطبيُّ ونَسَبه إلى أكثرِ المفَسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/229)، ((تفسير القرطبي)) (14/271). وقيل: المرادُ تعذيبُهم في الدُّنيا. وممَّن قال بذلك: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/527)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/160). .
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أخبر اللهُ تعالى أنَّه سخَّر لسُلَيمانَ الجِنَّ؛ ذكَرَ حالَهم في أعمالِهم؛ دَلالةً على أنَّه سُبحانَه يتصرَّفُ في السَّماءِ والأرضِ وما فيهما بما يشاءُ [227] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/467). .
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ.
أي: يَعمَلُ الجِنُّ لسُلَيمانَ ما يشاءُ أن يَعمَلوه له مِن محاريبَ [228] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/230)، ((البسيط)) للواحدي (18/332)، ((تفسير ابن عطية)) (4/409)، ((تفسير ابن كثير)) (6/499)، ((تفسير السعدي)) (ص: 676). قال ابن عطية: (المحاريبُ: الأبنيةُ العاليةُ الشَّريفةُ). ((تفسير ابن عطية)) (4/409). وقال ابن الجوزي: (مَحَارِيبَ وفيها ثلاثةُ أقوالٍ؛ أحدُها: أنَّها المساجدُ، قاله مجاهِدٌ وابنُ قُتَيْبةَ. والثَّاني: القصورُ، قاله عطيةُ. والثَّالثُ: المساجدُ والقصورُ، قاله قَتادةُ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/492) ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (3/237). تنبيه: قال ابن عاشور: (أمَّا إطلاقُ المحرابِ على الموضِعِ مِن المسجِدِ الَّذي يقفُ فيه الإمامُ الَّذي يَؤُمُّ النَّاسَ، يُجعَلُ مِثلَ كوَّةٍ غيرِ نافذةٍ، واصلةٍ إلى أرض المسجِدِ في حائطِ القِبلةِ، يَقِفُ الإمامُ تحتَه: فتَسميةُ ذلك محرابًا تَسميةٌ حديثةٌ، ولم أقِفْ على تعيينِ الزَّمَنِ الَّذي ابتُدئَ فيه إطلاقُ اسم المحرابِ على هذا الموقِفِ). ((تفسير ابن عاشور)) (22/160). ويُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 225)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 112). .
وَتَمَاثِيلَ.
أي: ويَعمَلون له ما يشاءُ مِن تماثيلَ [229] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/231)، ((تفسير القرطبي)) (14/272، 273)، ((تفسير ابن كثير)) (6/500)، ((تفسير السعدي)) (ص: 676)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/162). قال القرطبي في معنى التِّمثالِ أنَّه: (كلُّ ما صُوِّر على مِثلِ صورةٍ مِن حيوانٍ أو غيرِ حيوانٍ). ((تفسير القرطبي)) (14/272). ويُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 676). قال ابن جُزَي: (وَتَمَاثِيلَ قيل: إنَّها كانت على غيرِ صُوَرِ الحَيوانِ. وقيل: على صورِ الحيوانِ، وكان ذلك جائزًا عندَهم). ((تفسير ابن جزي)) (2/163). ويُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/467)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/162). وقال ابنُ عثيمين: (لا يَلزمُ أن يكونَ المرادُ بالتَّماثيلِ هي صُوَرَ الحيوانِ، فمِن الجائزِ أنْ ينحِتوا... له أشياءَ على صورِ شجرٍ، ويقال: إنَّ هذا تمثالٌ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 113). .
وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ.
أي: وصِحافٍ عَظيمةٍ كالأحواضِ الكبيرةِ والبِرَكِ الواسِعةِ الَّتي يُجمَعُ فيها الماءُ [230] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/232)، ((تفسير القرطبي)) (14/275)، ((تفسير ابن كثير)) (6/500)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/468)، ((تفسير السعدي)) (ص: 676)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/162)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 114). .
وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ.
أي: وقُدورٍ ثوابِتَ في مواضِعِها [231] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/234)، ((تفسير القرطبي)) (14/276)، ((تفسير السعدي)) (ص: 676)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/163). وفي علَّةِ ثبوتِها في مكانِها قولانِ؛ أحدُهما: أنَّ أثافِيَّها [أي: الأحجارَ الَّتي تُوضعُ عليها القدورُ] منها، قاله ابنُ عباس. والثَّاني: أنها لا تُنزَلُ لِعِظَمِها، قاله ابنُ قتيبة، وابنُ جرير، وابن الجوزي، والسعدي. يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 354)، ((تفسير ابن جرير)) (19/234)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/493)، ((تفسير السعدي)) (ص: 676). قال ابن عثيمين: (قال العلماءُ: الرَّاسي الثَّابتُ، وإنَّما كانت راسِيةً في الأرضِ لكِبَرِها، فهي لكِبَرِها لا يَستَطيعُ أحَدٌ أن يَتَناوَلَها ويَقلِبَها، والعادةُ أنَّ القُدورَ مَنقولةٌ مَقلَّبةٌ، لكنَّ هذه لكِبَرِها وسَعَتِها راسِيةٌ لا تَتَحرَّكُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 114). وقال ابن عاشور: (الرَّاسياتُ: الثَّابتاتُ في الأرضِ التي لا تُنزَلُ مِن فوقِ أثافيِّها؛ لتداوُلِ الطَّبخِ فيها صباحَ مَساءَ). ((تفسير ابن عاشور)) (22/163). .
اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا.
أي: وقُلْنا لداودَ ووَلَدِه وأهلِه: اعمَلوا -يا آلَ داودَ- بطاعةِ اللهِ؛ شُكرًا له على نِعَمِه عليكم [232] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/235)، ((تفسير ابن كثير)) (6/500)، ((تفسير السعدي)) (ص: 676)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/163)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 115). .
كما حكَى الله تعالى قَولَ سُلَيمانَ: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: 19].
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ.
أي: والمُكثِرونَ مِن شُكرِ الله على نِعَمِه قَليلٌ [233] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/236)، ((تفسير ابن كثير)) (6/501)، ((تفسير السعدي)) (ص: 676)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/163). قال ابنُ عثيمينَ: (المرادُ بالعبوديَّةِ هنا: العامَّةُ الشَّاملةُ للكافرينَ والمؤمنينَ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 116). .
كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [البقرة: 243].
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى عَظَمةَ سُلَيمانَ، وتَسخيرَ الرِّيحِ والجنِّ له؛ بيَّن أنَّه لم يَنْجُ مِن الموتِ، وأنَّه قضَى عليه الموتَ؛ تنبيهًا للخَلقِ على أنَّ الموتَ لا بُدَّ منه، ولو نجا منه أحدٌ لكان سُلَيمانُ أَولى بالنَّجاةِ منه [234] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/199). .
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ.
أي: فلمَّا جاء سُلَيمانَ أجَلُه الَّذي قضاه اللهُ عليه، ما دَلَّ الجِنَّ على مَوتِه إلَّا الأَرَضةُ حينَ أكلتْ عَصاه الَّتي كان مُتوكِّئًا عليها وقْتَ مَوتِه [235] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/237)، ((تفسير ابن كثير)) (6/501)، ((تفسير السعدي)) (ص: 676)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 118، 119). .
فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ.
أي: فلمَّا سَقَط سُلَيمانُ مَيِّتًا حينَ ضَعُفَت عصاه فسَقَطَت بفِعلِ الأرَضةِ، ظهَر أمرُ الجِنِّ وانكشَف للنَّاسِ أنَّهم لا يَعلَمونَ الغَيبَ كما كانوا يَتوهَّمونَ أو يُوهِمونَ النَّاسَ بذلك؛ فلو كانوا يَعلَمونَ الغَيبَ لعَلِموا مَوتَ سُلَيمانَ، ولم يَلبَثوا في عَمَلِهم الشَّاقِّ المُؤلِمِ المُذِلِّ الَّذي كانوا مُسَخَّرينَ فيه لسُلَيمانَ وهم يَحسَبونَه حَيًّا [236] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/239، 244)، ((الوسيط)) للواحدي (3/489، 490)، ((تفسير ابن كثير)) (6/501)، ((تفسير السعدي)) (ص: 676)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/165). ممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المعنى: تَبَيَّنت الجنُّ للنَّاسِ وانكَشَف لهم أمرُهم وظهَرَ، وعلِموا أنَّهم لا يعلمونَ الغيبَ: يحيى بنُ سلام، والنَّحَّاسُ، والسمرقندي، والسمعاني، وابن الجوزي، والقرطبي، والرَّسْعَنيُّ -ونسَبَه لأكثرِ المفسِّرينَ-، وابنُ جُزَي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/752)، ((معاني القرآن)) للنحاس (5/403)، ((تفسير السمرقندي)) (3/84)، ((تفسير السمعاني)) (4/323)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/493)، ((تفسير القرطبي)) (14/281)، ((تفسير الرسعني)) (6/225)، ((تفسير ابن جزي)) (2/163)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/165). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المعنى: علِمَتِ الجنُّ وأيقنَتْ، وتَبَيَّن لهم الأمرُ بأنَّهم لا يعلمونَ الغَيبَ: البَغَويُّ، والرازي، والنسفي، والخازن، والعُلَيمي، والشوكاني، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/675)، ((تفسير الرازي)) (25/200)، ((تفسير النسفي)) (3/57)، ((تفسير الخازن)) (3/444)، ((تفسير العليمي)) (5/412)، ((تفسير الشوكاني)) (4/365)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 121). وقال ابن كثير: (تبيَّنَتِ الجِنُّ والإنسُ أيضًا أنَّ الجنَّ لا يَعلمون الغَيبَ، كما كانوا يَتوهَّمون ويُوهِمون النَّاسَ ذلك). ((تفسير ابن كثير)) (6/501). وقال البِقاعي: (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أي: عَلِمَتْ عِلمًا بيِّنًا لا يَقدِرون معه على تدبيجٍ وتدليسٍ، وانفضح أمرُهم وظهَرَ ظُهورًا تامًّا). ((نظم الدرر)) (15/471). وقال ابن عطية: (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ بإسنادِ الفعلِ إليها، أي: بانَ أمْرُها، كأنَّه قال: افتضحَتِ الجِنُّ، أي: للإنسِ. هذا تأويلٌ. ويحتملُ أن يكونَ قولُه: تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ بمعنى: عَلِمَتِ الجنُّ وتحقَّقَتْ، ويريدُ بالجنِّ: جمهورَهم والفَعَلةَ منهم والخَدَمةَ، ويريدُ بالضَّميرِ في كَانُوا: رؤساءَهم وكِبارَهم؛ لأنَّهم هم الَّذين يَدَّعون عِلمَ الغَيبِ لأتْباعِهم مِن الجنِّ والإنسِ، ويُوهِمونهم ذلك، قاله قَتادةُ، فيَتيقَّنُ الأتْباعُ أنَّ الرُّؤساءَ لو كانوا عالِمينَ الغيبَ ما لَبِثوا. وأَنْ على التَّأويلِ الأوَّلِ بدَلٌ مِن الْجِنُّ، وعلى التَّأويلِ الثَّاني مفعولةٌ مَحْضةٌ). ((تفسير ابن عطية)) (4/412). !

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- قال تعالى -عَقِبَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ-: وَاعْمَلُوا صَالِحًا، وقال -عقِبَ ما يَعمَلُه الجنُّ-: اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا إشارةً إلى أنَّ الإنسانَ لا يَستغرِقُ في الدُّنيا، ولا يَلتفِتُ إلى زَخارفِها، وأنَّه يجِبُ أنْ يَعمَلَ صالحًا [237] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/529). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (25/199). .
2- قَولُ الله تعالى: اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا فيه وُجوب الشُّكرِ [238] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 215). ، والأمرُ في الأصلِ للوجوبِ [239] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 117). .
3- قَولُ الله تعالى: اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا فيه دَلالةٌ على أنَّ الشُّكرَ يكونُ بالفعلِ، كما يكونُ بالقولِ وبالنِّيَّةِ، كما قيل:
أفادَتْكُمُ النَّعْماءُ مِنِّي ثلاثةً            يدي، ولِساني، والضَّميرَ المُحَجَّبَا [240] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/500).
ولا يختَصُّ الشُّكرُ باللِّسانِ [241] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 215). ، ولَمَّا قام النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى تورَّمَتْ قَدَماه، قيل له: ((أَتَكَلَّفُ هذا، وقد غَفَر الله لك ما تقدَّم مِن ذَنْبِك وما تأخَّر؟ فقال: أفلا أكونُ عبدًا شَكورًا ؟!)) [242] أخرجه البخاري (1130)، ومسلم (2819) واللفظ له، من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. ، فجعَلَ الاجتهادَ والنَّصَبَ في قيامِ اللَّيلِ مِن جُملةِ الشُّكرِ [243] يُنظر: ((شجرة المعارف والأحوال)) للعز بن عبد السلام (ص: 263). .
4- قَولُه تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ المرادُ بهذه الجملةِ الحثُّ على الشكرِ [244] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 117). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: وَمِنَ الْجِنِّ إثباتُ وُجودِ الجِنِّ، وهذا ثابتٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ المُسلِمين؛ ولهذا مَن أنكرَ وُجودَ الجنِّ فقد كَذَّبَ القُرآنَ، ويُحكَمُ بكُفرِه [245] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 106). .
2- في قَولِه تعالى: وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ أنَّ الجِنَّ قد يُشاهَدونَ، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّهم يُشاهَدونَ وهم يَعملونَ بينَ يدَيْ سُلَيمانَ عليه السلامُ [246] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 109). ويُنظر أيضًا: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/7)، ((فتح الباري)) لابن حجر (6/459). .
3- في قَولِه تعالى: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ، بمعنى أنَّهم إذا خالَفوا عُذِّبُوا [247] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 109). .
4- قَولُ الله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ فيه سؤالٌ: كيفَ استجازَ سُلَيمانُ عليه السَّلامُ عمَلَ التَّصاويرِ؟
الجوابُ: أنَّه يجوزُ أن تكونَ غيرَ صُوَرِ الحيوانِ، كصُوَرِ الأشجارِ ونَحوِها؛ لأنَّ التِّمثالَ: كُلُّ ما صُورتُه على مِثلِ صُورةِ غَيرِه، مِن حيوانٍ وغيرِ حَيوانٍ، أو بصُوَرٍ محذوفةِ الرُّؤوسِ [248] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/286). .
وعلى فرضِ كَوْنِ ذلك كان جائزًا في شريعتِهم فإنَّه نُسِخَ في شَرعِنا، فليس في الآيةِ حجَّةٌ في جوازِ التَّصويرِ [249] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 215). .
5- في قَولِه تعالى: وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ بيانُ كرمِ سُلَيمانَ؛ لأنَّ الجِفَانَ -الَّتي يُوضَع فيها الطَّعامُ- كالجَوابي: كالأحواضِ الكبيرةِ، والقُدورَ الَّتي يُطبَخ فيه الطَّعامُ راسياتٌ لكِبَرِها [250] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 114، 117). .
6- في قَولِه تعالى: اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ أنَّ داودَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أبٌ لِفَخذٍ كاملٍ مِن بني إسرائيلَ، كما يُقال: بنو تميمٍ، بنو زُهرةَ، وما أشبَهَ ذلك [251] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 117). .
7- قَولُ الله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ إنَّما قال تعالى: الشَّكُورُ بصيغةِ المبالَغةِ (فَعُول)؛ دونَ «شاكرٍ»؛ لأنَّ الشَّاكِرينَ غيرُ قليلينَ، ففيها إشارةٌ إلى أنَّ مَن يقَعُ منه مُطلَقُ الشُّكرِ كَثيرٌ، وأقلُّ ذلك حالَ الاضطرارِ، وأمَّا المبالِغونَ في الشُّكرِ فقليلونَ [252] يُنظر: ((عمدة الحفاظ)) للسمين الحلبي (2/284)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/469). . وقيل: الآيةُ فيها إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ خَفَّف الأمرَ على عبادِه؛ وذلك لأنَّه لَمَّا قال: اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا فُهِمَ منه أنَّ الشُّكرَ واجِبٌ، لكِنْ شُكرُ نِعَمِه كما ينبغي لا يُمكِنُ؛ لأنَّ الشُّكرَ بالتَّوفيقِ، وهو نعمةٌ تحتاجُ إلى شُكرٍ آخَرَ، وهو بتوفيقٍ آخَرَ؛ فدائمًا تكونُ نِعمةُ اللهِ بعدَ الشُّكرِ خاليةً عن الشُّكرِ، فقال تعالى: إنْ كنتُم لا تَقدِرونَ على الشُّكرِ التَّامِّ فليس عليكم في ذلك حرَجٌ؛ فإنَّ عبادي قليلٌ منهم الشَّكورُ [253] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/199). وقال أيضًا: (ويقوِّي قولَنا أنَّه تعالى أدخل الكُلَّ في قَولِه: عِبَادِيَ مع الإضافةِ إلى نفْسِه، و«عبادي» بلفظِ الإضافةِ إلى نفْسِ المتكَلِّمِ لم تَرِدْ في القرآنِ إلَّا في حَقِّ النَّاجينَ؛ كقَولِه تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: 53]، وقَولِه تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: 42]. فإنْ قيلَ: على ما ذكرتُم: شُكرُ اللهِ بتمامِه لا يُمكِنُ، وقَولُه: وَقَلِيلٌ يدُلُّ على أنَّ في عبادِه مَن هو شاكِرٌ لأنعُمِه! نقولُ: الشُّكرُ بقَدرِ الطَّاقةِ البشَريَّةِ هو الواقِعُ وقليلٌ فاعِلُه، وأمَّا الشُّكرُ الَّذي يناسِبُ نِعَمَ الله فلا قُدرةَ عليه، ولا يُكَلِّفُ اللهُ نفْسًا إلَّا وُسْعَها، أو نقولُ: الشَّاكرُ التَّامُّ ليس إلَّا مَن رَضِيَ اللهُ عنه، وقال له: يا عبدي، ما أتيتَ به مِن الشُّكرِ القَليلِ قَبِلْتُه منك، وكتبتُ لك أنَّك شاكِرٌ لأنعُمي بأسْرِها، وهذا القَبولُ نِعمةٌ عظيمةٌ لا أكلِّفُك شُكرَها). ((تفسير الرازي)) (25/199). .
8- في قَولِه تعالى: مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ أنَّ الشَّيءَ قد يكونُ حقيرًا لكنْ يترتَّبُ عليه أمرٌ عظيمٌ! فكيفيَّةُ دفنِ الموتَى ما عُرِفتْ إلَّا بدلالةِ الغُرابِ، وأيضًا المباني الهندسيَّةُ عُرِفَتْ مِن صنيعِ النَّحْلِ، وأيضًا ما أحَدَثَه النَّاسُ مِن الآلاتِ، كالطَّائراتِ وغيرها، فالأشياءُ الحقيرةُ قد تكونُ مفيدةً للإنسانِ فائدةً عظيمةً، ويترتَّبُ عليها أمورٌ خطيرةٌ [254] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 123). .
9- في قَولِه تعالى: مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ أنَّ إضافةَ الشَّيءِ إلى سَبَبِه المعلومِ شَرعًا أو حِسًّا جائزةٌ؛ فالله تعالى أضافَ الدَّلالةَ إلى دابَّةِ الأرضِ مع أنَّ الدَّابَّةَ ما أكلَتِ العصا لأجْلِ أنْ تدُلُّ الجنَّ على مَوتِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ، لكِنَّها سَبَبٌ، أمَّا الممنوعُ فهو إضافةُ الشَّيءِ إلى سَبَبِه مع اللهِ تعالى مَقرونًا بالواوِ، أو إضافةُ الشَّيءِ إلى سببٍ غيرِ معلومٍ سَببيَّتُه لا مِن الشَّرعِ ولا مِن الحِسِّ؛ لأنَّ هذا يكونُ مِن بابِ الأوهامِ والتَّخيُّلاتِ [255] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 123). .
10- في قَولِه تعالى: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ إضافةُ الشَّيءِ إلى مَن لم يَقُمْ به باختيارِه؛ فالخرورُ قد يُضافُ إلى الفاعلِ بالاختيارِ، وقد يُضافُ إلى الفاعلِ بغيرِ الاختيارِ؛ فتقول: «خَرَّ الماءُ»، وتقول: «خَرَّ ميتًا»، وقال اللهُ: خَرُّوا سُجَّدًا [مريم: 58]؛ و وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ [الإسراء: 109] هذا بالاختيارِ [256] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 124). .
11- في قَولِه تعالى: تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أنَّ الجنَّ ذوو عقولٍ، فقد أعطاهم اللهُ تعالى عقولًا يَهتدون بها إلى مصالحِ دينِهم ودنياهم [257] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 124). . وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
12- قال الله تعالى: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ هذا إبطالٌ لاعتقادِ العامَّةِ يومَئذٍ وما يَعتَقِدُه المُشرِكونَ أنَّ الجِنَّ يَعلَمونَ الغَيبَ؛ فلذلك كان المُشرِكونَ يَستَعلِمونَ المُغَيَّباتِ مِن الكُهَّانِ، ويَزعُمونَ أنَّ لكُلِّ كاهنٍ جِنِّيًّا يأتيه بأخبارِ الغَيبِ، ويُسَمُّونَه رَئِيًّا؛ إذ لو كانوا يَعلَمونَ الغَيبَ لَكان أن يَعلَموا وفاةَ سُلَيمانَ أهْوَنَ عليهم [258] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/165). .
13- في قَولِه تعالى: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ أنَّ الأمورَ الحِسِّيَّةَ الواقِعةَ أدِلَّةٌ بُرهانيَّةٌ، وهذه الفائدةُ معناها الاستِدلالُ بالأمورِ الحِسِّيَّةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى استدَلَّ على كَونِهم لا يَعلَمونَ الغيبَ بأنَّهم بَقُوا مُعَذَّبينَ بما يَعمَلونَه مِن الأعمالِ الشَّاقَّةِ؛ فلك أن تستَدِلَّ على الأمورِ المعقولةِ بالأمورِ المحسوسةِ [259] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 124). .
14- في قَولِه تعالى: مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ أنَّ العذابَ قد يُطلَقُ على ما ليس بعُقوبةٍ؛ فإنَّ سُلَيمانَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لم يَجعَلْهم يَعمَلونَ له ما يَشاءُ عُقوبةً لهم، ولكِنَّه تكليفٌ، كما في قَولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إنَّ السَّفَرَ قِطعةٌ مِن العَذابِ )) [260] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 124). والحديث أخرجه البخاري (1804)، ومسلم (1927) مطولًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قَولُه تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ
- قولُه: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَطْفُ فَضيلةِ سُليمانَ على فَضيلةِ داودَ؛ للاعتبارِ بما أُوتِيَهُ سُليمانُ مِن فَضلٍ كَرامةً لأبيهِ على إنابتِه، ولِسُلَيمانَ على نَشأتِه الصَّالحةِ عندَ أبيهِ؛ فالعَطفُ على وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا [سبأ: 10]، والمُناسَبةُ مِثلُ مُناسَبةِ ذِكرِ داودَ؛ فإنَّ سُليمانَ كان مَوصوفًا بالإنابةِ، قال تعالى: ثُمَّ أَنَابَ [261] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/157، 158). [ص: 34].
- وأُطلِقَ الغُدُوُّ على الانصرافِ والانطلاقِ مِن المكانِ؛ تَشبيهًا بخُروجِ الماشيةِ للرَّعيِ في الصَّباحِ، وهو وَقتُ خُروجِها، أو تَشبيهًا بغُدُوِّ النَّاسِ في الصَّباحِ. وأُطلِقَ الرَّواحُ على الرُّجوعِ مِن النَّهْمةِ (الحاجةِ) الَّتي يخرجُ لها؛ لأنَّ عُرْفَهم أنَّ رَواحَ الماشيةِ يكونُ في المساءِ [262] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/158). .
- قولُه: وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَجوزُ أنْ يكونَ عَطفًا على جُملةِ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ؛ فقولُه: مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ مُبتدأٌ، وقولُه: بِإِذْنِ رَبِّهِ خَبرٌ، و(مِن) في قولِه: (مِنَ الْجِنِّ) بَيانٌ لإبهامِ (مَن)، قُدِّمَ على المُبيَّنِ؛ للاهتمامِ به؛ لِغَرابتِه [263] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/159). .
- قولُه: بِإِذْنِ رَبِّهِ بلفظِ الربِّ، وقال بعدَ ذلك: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا، ولم يقُلْ: (عن أمرِ ربِّه)؛ لأنَّ (الرَّبَّ) لفظٌ ينبئُ عن الرَّحمةِ، فعندَما كانت الإشارةُ إلى حِفظِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ، قال: رَبِّهِ، وعندَما كانت الإشارةُ إلى تعذيبِهم قال: عَنْ أَمْرِنَا، بلفظِ التَّعظيمِ الموجِبِ لزيادةِ الخَوفِ [264] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/198). .
- قولُه: نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ عذابُ السَّعيرِ: عذابُ النارِ، وهو تَشبيهٌ، أي: عذابًا كعَذابِ السَّعيرِ، أي: كعَذابِ جهنَّمَ، وأمَّا عذابُ جهنَّمَ فإنَّما يكونُ حقيقةً يومَ الحسابِ [265] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/160). . وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
- وفيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيثُ قال هنا: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: 10]، وقال في (الأنبياءِ): وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ [الأنبياء: 79]، وقال هناك وهاهنا في الرِّيحِ: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ [الأنبياء: 81] [سبأ: 12]؛ ووَجْهُه: أنَّ الجبالَ لَمَّا سبَّحَت، شَرُفَتْ بذِكرِ اللهِ؛ فلمْ يُضِفْها إلى داودَ بلامِ المِلكِ، بلْ جعَلَها معه كالمُصاحِبِ، والرِّيحُ لم يَذكُرْ فيها أنَّها سبَّحَت، فجعَلَها كالمَملوكةِ له. وفيه وَجْهٌ آخَرُ -على القولِ بأنَّ أَوِّبِي مَعَهُ معناه: سِيري-: أنَّ الجبَلَ في السَّيرِ ليس أصلًا، بلْ هو يَتحرَّكُ معه تَبَعًا، والرِّيحُ لا تَتحرَّكُ مع سُليمانَ، بلْ تُحرِّكُ سُليمانَ مع نفْسِها، فلمْ يَقُلْ: الرِّيحُ مع سُليمانَ، بلْ سُليمانُ كان مع الرِّيحِ [266] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/197، 198). .
2- قَولُه تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ
- قولُه: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ تَفصيلٌ لِمَا ذُكِرَ مِن عَمَلِهم، وقولُه: مِنْ مَحَارِيبَ ... إلخ، بَيانٌ لـ مَا يَشَاءُ [267] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/125)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/160). .
- وقُدِّمَت المَحاريبُ على التَّماثيلِ؛ لأنَّ النُّقوشَ تكونُ في الأبنيةِ، وقُدِّمَت الجِفانُ على القُدورِ؛ لأنَّ القُدورَ آلةُ الطَّبخِ، والجِفانُ آلةُ الأكْلِ، والطَّبخُ قبْلَ الأكلِ. لمَّا بيَّنَ الأبنيةَ المَلَكيَّةَ، أراد بَيانَ عَظمةِ السِّماطِ الَّذي يُمَدُّ في تلك الدُّورِ، وأشار إلى الجِفانِ؛ لأنَّها تكونُ فيها، وأمَّا القُدورُ فلا تكونُ فيها، ولا تُحضَرُ هناك، ولهذا قال: رَاسِيَاتٍ. ولمَّا بيَّن حالَ الجِفانِ، سَرى الذِّهنُ إلى عظَمةِ ما يُطبَخُ فيه؛ فذَكَرَ القُدورَ للمُناسَبةِ. وذكَرَ في حقِّ داودَ اشتغالَه بآلةِ الحرْبِ؛ لاحتياجِه إلى قِتالِ الأعداءِ، وفي حقِّ سُليمانَ المَحاريبَ والتَّماثيلَ؛ لأنَّه كان مَلِكًا ابنَ ملِكٍ، قد وطَّدَ له أبوهُ المُلكَ، فكانت حالُه حالةَ سِلمٍ؛ إذ لم يكُنْ أحدٌ يَقدِرُ على مُحارَبتِه [268] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/198)، ((تفسير أبي حيان)) (8/528، 529). .
- وجُملةُ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا مَقولُ قَولٍ مَحذوفٍ، أي: قُلنا: اعْمَلوا يا آلَ داودَ. ومَفعولُ اعْمَلُوا مَحذوفٌ دلَّ عليه قولُه: شُكْرًا، وتَقديرُه: اعْمَلوا صالحًا [269] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/529)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/163). .
- قولُه: آَلَ دَاوُودَ دلَّ على مَزيدِ قربِهم بحذفِ أداةِ النِّداءِ، وعلى شرَفِهم بالتَّعبيرِ بـ (الآلِ) [270] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/468). .
- قولُه: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ تَذييلٌ. وفيه حَثٌّ على الاهتمامِ بالعمَلِ الصَّالحِ [271] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/163). .
3- قَولُه تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ
- قولُه: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ... تَفريعٌ على قولِه: وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ إلى قولِه: وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ، أي: دام عمَلُهم له حتَّى مات، فلمَّا قَضَينا عليه الموتَ... إلى آخِرِه. ولا شكَّ أنَّ ذلك لم يَطُلْ وَقتُه؛ لأنَّ مِثلَه في عَظَمةِ مُلكِه لا بُدَّ أنْ يَفتقِدَه أتْباعُه؛ فجُملةُ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ ... جَوابُ (لَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ)، وضَميرُ دَلَّهُمْ يَعودُ إلى مَعلومٍ مِن المَقامِ، أي: أهلَ بلاطِه. وجُملةُ فَلَمَّا خَرَّ مُفرَّعةٌ على جُملةِ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ ... [272] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/164). .
- قولُه تعالى: دَابَّةُ الْأَرْضِ فخَّمَها بهذه الإضافةِ الَّتي من معناها أنَّه لا دابَّةَ للأرضِ غَيرُها؛ لِما أفادَتْه مِن العِلمِ، ولأنَّها -لِكَونِها تأكُلُ مِن كُلِّ شَيءٍ مِن أجزاءِ الأرضِ؛ من الخَشَبِ، والحجَرِ، والتُّرابِ، والثِّيابِ، وغيرِ ذلك- أحقُّ الدَّوابِّ بهذا الاسمِ، ويَزيدُ ذلك حُسنًا أنَّ مَصدرَ فِعلِها (أَرْضٌ) بالفتحِ والإسكانِ، فيصيرُ مِن قبيلِ التَّوريةِ، ليَشتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى تفسيرِها [273] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/469، 470). .
- قولُه: أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ أي: عَلِمَ المُدَّعون عِلمَ الغيبِ منهم عَجْزَهم، وأنَّهم لا يَعلَمون الغيبَ وإنْ كانوا عالِمينَ قبْلَ ذلك بحالِهم، وإنَّما أُرِيدَ التَّهكُّمُ بهمْ كما تَتهكَّمُ بمُدَّعِي الباطلِ إذا بَطَلَت حُجَّتُه، وظهَرَ إبطالُه بقولِكَ: هلْ تَبيَّنْتَ أنَّك مُبطِلٌ [274] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/574)، ((تفسير أبي حيان)) (8/532). ؟