موسوعة التفسير

سُورةُ الدُّخَانِ
الآيات (40-50)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ

غَريبُ الكَلِماتِ:

يَوْمَ الْفَصْلِ: أي: يومَ القيامةِ، وسُمِّيَ يومَ الفَصلِ؛ لأنَّه يومٌ يُفصَلُ فيه بيْنَ الحقِّ والباطِلِ، والظَّالمِ والمظلومِ؛ بأن يَحكُمَ اللهُ بيْنَ عِبادِه، فيَفصِلَ بيْنَهم بالعدلِ مِن قَضائِه، وأصلُ (فصل): يدُلُّ على تمييزِ الشَّيءِ مِن الشَّيءِ، وإبانتِه عنه [250] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/518) و(21/51، 52)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/ 505)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6747)، ((المفردات)) للراغب (ص: 638)، ((عمدة الحفاظ)) للسمين الحلبي (3/233). .
مِيقَاتُهُمْ: أي: وَقْتٌ يَجتمِعون فيه، والمِيقاتُ: الوقتُ المضروبُ للشَّيءِ، والوعدُ الَّذي جُعِل له وَقْتٌ، وأصلُ (وقت): يدُلُّ على حدِّ شَيءٍ وكُنْهِه، في زمانٍ وغيرِه [251] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/52)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/131)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6747)، ((المفردات)) للراغب (ص: 879). .
مَوْلًى: المَوْلى: الوَلِيُّ القَريبُ، والحَليفُ والنَّاصِرُ، وأصلُ (ولي): يدُلُّ على القُرْبِ [252] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/141)، ((المفردات)) للراغب (ص: 885)، ((تفسير القرطبي)) (16/148)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/312). .
الزَّقُّومِ: هو ثَمَرُ شَجَرةٍ خَبيثةٍ مُرَّةٍ، كَريهةِ الطَّعمِ، يُكرَهُ أهلُ النَّارِ على تَناوُلِه، فهم يتزَقَّمونَه على أشَدِّ كراهيةٍ، ومنه قَولُهم: تَزقَّمَ الطَّعامَ: إذا تَناوَلَه على كُرهٍ ومَشقَّةٍ شَديدةٍ [253] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/16)، ((التفسير البسيط)) للواحدي (19/60))، ((المفردات)) للراغب (ص: 380)، ((تفسير البغوي)) (7/42). .
الْأَثِيمِ: أي: الآثِمِ الفاجِرِ، المُتمادي في الكُفرِ، وأصلُ (أثم): يدُلُّ على البُطءِ والتَّأخُّرِ، والإثمُ مُشتَقٌّ مِن ذلك؛ لأنَّ الآثِمَ بَطيءٌ عن الخَيرِ، مُتأخِّرٌ عنه [254] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 403)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/60)، ((المفردات)) للراغب (ص: 63)، ((تفسير القرطبي)) (16/150)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 140)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 40). .
كَالْمُهْلِ: المُهلُ: نَوعٌ مِن القَطِرانِ شَبيهٌ بعَكَرِ الزَّيتِ قد انتهى حَرُّه، أو: ما أُذيبَ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ، وأصلُ (مهل) هنا: يدُلُّ على جِنسٍ مِن الذَّائباتِ [255] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 267)، ((تفسير ابن جرير)) (15/249)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 444)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/282)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 273)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 876). .
الْحَمِيمِ: أي: الماءِ الشَّديدِ الحَرارةِ، وأصلُ (حمم): يدُلُّ على الحَرارةِ [256] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 291)، ((تفسير ابن جرير)) (16/495)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/23)، ((المفردات)) للراغب (ص: 254). .
فَاعْتِلُوهُ: أي: ادفَعوه، وسُوقوه بشِدَّةٍ، يُقالُ: عَتَله يَعتِلُه عَتْلًا: إذا ساقه بالعُنفِ والدَّفعِ والجَذْبِ، والعَتْلُ: الدَّفعُ، والإرهاقُ بالسَّوقِ العَنيفِ، وأصلُ (عتل): يدُلُّ على شِدَّةٍ وقُوَّةٍ [257] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 403)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/223)، ((المفردات)) للراغب (ص: 546)، ((تفسير البغوي)) (7/236)، ((تاج العروس)) للزَّبِيدي (29/426). .
سَوَاءِ الْجَحِيمِ: أي: وَسَطِ جَهنَّمَ، وأصلُ (سوي): يدُلُّ على استِقامةٍ، واعتِدالٍ بيْنَ شَيئَينِ [258] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 371)، ((تفسير ابن جرير)) (19/547)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 267)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/112)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 320). .
تَمْتَرُونَ: أي: تَشُكُّون وتُجادِلونَ، والمِرْيةُ: التَّرَدُّدُ في الأمرِ، وهي أخَصُّ مِن الشَّكِّ [259] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 434)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/314)، ((المفردات)) للراغب (ص: 766)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 93)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 97). .

المعنى الإجماليُّ:

يخبِرُ اللهُ تعالى عن يومِ القيامةِ، فيقولُ: إنَّ يومَ القيامةِ هو الوَقتُ المُحَدَّدُ للفَصلِ بيْنَ الخَلائِقِ أجمَعينَ، يومَ لا يُغْني مَولًى بقَرابةٍ أو غَيرِها عن مَولًى شَيئًا، ولا هم يُمنَعونَ مِن عَذابِ اللهِ إلَّا مَن رَحِمَه اللهُ تعالى مِن المومنينَ؛ إنَّه هو العزيزُ الرَّحيمُ.
ثمَّ يُبيِّنُ سبحانَه طعامَ أهلِ النَّارِ وحالَهم يومَ القيامةِ، فيقولُ: إنَّ شَجَرةَ الزَّقُّومِ في النَّارِ هي طَعامُ الكافِرِ الفاجِرِ، كالسَّائلِ المُنتِنِ الغَليظِ الأسوَدِ شديدِ الحرارةِ، يَغلي في بطونهم كغَليِ الماءِ البالِغِ نهايةَ الحَرارةِ. ويُقالُ يومَ القيامةِ لملائِكةِ العذابِ: خُذوا هذا الكافِرَ فجُرُّوه بغِلظةٍ وسُوقُوه بشِدَّةٍ إلى وَسَطِ النَّارِ، ثمَّ صُبُّوا على رأسِه مِن الماءِ الشَّديدِ الحرارةِ، ثمَّ يُقالُ له تهكُّمًا به: ذُقْ هذا العَذابَ؛ إنَّك كنتَ في الدُّنيا تَزعُمُ أنَّك أنت العَزيزُ الكريمُ، فإنَّك اليَومَ لَدَيْنا ذليلٌ مَهينٌ!
إنَّ هذا العذابَ الَّذي نَزَل بكم -أيُّها الكافِرونَ- هو ما كنتُم بشَأنِه تُجادِلونَ وتُخاصِمونَ في الدُّنيا، وتَشُكُّونَ فيه!

تَفسيرُ الآياتِ:

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ المقصودَ مِن قَولِ اللهِ تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [الدخان: 38] إثباتُ القَولِ بالبَعثِ والقيامةِ؛ فلا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَه قَولَه [260] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/663). :
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40).
أي: إنَّ يومَ القيامةِ هو الوَقتُ المحدَّدُ للخَلقِ أجمعينَ أوَّلِهم وآخِرِهم، فيُفصَلُ فيه بيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ويُفصَلُ فيه بيْنَ الخَلائِقِ؛ فيُعاقَبُ المُسيئونَ، ويُثابُ المحسِنونَ [261] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/52)، ((تفسير القرطبي)) (16/147)، ((تفسير البيضاوي)) (5/103)، ((تفسير ابن كثير)) (7/259)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/40، 41)، ((تفسير السعدي)) (ص: 774)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/311). .
كما قال تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا [النبأ: 17].
يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى هذا اليومَ الَّذي دلَّ على عَظَمتِه بتلكَ العِبارةِ؛ ذكَرَ مِن وَصْفِه ما يَحمِلُ على الخَوفِ والرَّجاءِ [262] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/41). .
يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا.
أي: يومَ لا يَنفَعُ قريبٌ قريبَه، ولا صاحِبٌ صاحبَه، ولا يَدفَعُ عنه شيئًا مِن عقوبةِ اللهِ الَّتي حَلَّتْ به [263] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/52)، ((تفسير القرطبي)) (16/148)، ((تفسير ابن كثير)) (7/259)، ((تفسير السعدي)) (ص: 774)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/312). قال ابن عطيَّة: (المَولَى في هذه الآيةِ يَعُمُّ جميعَ الموالي: مِنَ القَراباتِ، وموالي العِتقِ، وموالي الصَّداقةِ). ((تفسير ابن عطية)) (5/75). .
كما قال تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون: 101].
وقال سُبحانَه: فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا [سبأ: 42].
وقال جلَّ ثناؤُه: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: 17 - 19].
وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.
أي: ولا هم يُمنَعونَ مِن عذابِ اللهِ [264] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/259)، ((تفسير الشوكاني)) (4/662)، ((تفسير السعدي)) (ص: 774)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/312). .
كما قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة: 48].
إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42).
إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ.
أي: إلَّا مَن رَحِمَه اللهُ مِن عِبادِه المُؤمِنينَ؛ فإنَّه يَشفَعُ بَعضُهم لبَعضٍ بإذنِ اللهِ تعالى [265] يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (3/42)، ((تفسير ابن جرير)) (21/53)، ((الوسيط)) للواحدي (4/91)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/42)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/313). اختُلِف في الاستثناءِ في هذه الآيةِ؛ فقيل: الاستِثناءُ مُتَّصِلٌ. وممَّن اختاره: أبو البقاءِ العُكْبَريُّ، وهو ظاهرُ اختيارِ جلالِ الدِّينِ المحلِّي، واختاره ابنُ عاشور. يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/1147)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 659)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/313). ويُنظر أيضًا: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (14/222)، ((حاشية الجمل على الجلالين)) (4/109). قال ابن عاشور: (الاستِثناءُ بقَولِه: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ وقَعَ عَقِبَ جُملتَيْ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ؛ فحُقَّ بأن يَرجِعَ إلى ما يَصلُحُ للاستِثناءِ منه في تَيْنِك الجُملتَينِ؛ لنا في الجملتَينِ ثلاثةُ ألفاظٍ تَصلُحُ لأنْ يُستثنى منها، وهي: مَوْلًى الأوَّلُ المرفوعُ بفِعلِ يُغْنِي، ومَوْلًى الثَّاني المجرورُ بحَرفِ عَنْ، وضَميرُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ، فالاستِثناءُ بالنِّسبةِ إلى الثَّلاثةِ استِثناءٌ مُتَّصِلٌ، أي: إلَّا مَن رَحِمَه اللهُ مِن الموالي، أي: فإنَّه يَأذَنُ أن يُشفَعَ فيه، ويأذَنُ للشَّافِعِ بأن يَشفَعَ... والشَّفاعةُ: إغناءٌ عن المشفوعِ فيه). ((تفسير ابن عاشور)) (25/313). وقيل: الاستِثناءُ مُنقطِعٌ، بمعنى: لكنْ. وممَّن اختاره: الكِسائيُّ -كما نسبَه إليه النَّحاسُ-، والفَرَّاءُ. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (3/42)، ((إعراب القرآن)) للنحاس (4/88). ويُنظر أيضًا: ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6750)، ((تفسير أبي حيان)) (9/407)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/627). قال السَّمينُ الحلبيُّ: (قولُه: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ يجوزُ فيه أربعةُ أوجُهٍ؛ أحَدُها -وهو قولُ الكِسائيِّ-: أنَّه مُنقطِعٌ. الثَّاني: أنَّه مُتَّصِلٌ، تقديرُه: لا يُغْني قريبٌ عن قريبٍ إلَّا المؤمنينَ؛ فإنَّهم يُؤْذَنُ لهم في الشَّفاعةِ، فيشفَعون في بعضِهم. الثَّالثُ: أن يكونَ مرفوعًا على البَدَليَّةِ مِن مَوْلًى الأوَّلِ، ويكونَ يُغْنِي بمعنى يَنفَعُ، قاله الحَوْفيُّ. الرَّابعُ: أنَّه مرفوعُ المحلِّ أيضًا على البدَلِ مِن واوِ يُنْصَرُونَ، أي: لا يمنعُ مِن العذابِ إلَّا مَن رَحِمَه اللهُ). ((الدر المصون)) (9/627). .
إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
أي: إنَّ اللهَ هو المتَّصِفُ بالعِزَّةِ البالِغةِ، ومِن ذلك قَهرُه وانتِقامُه مِن الكافِرينَ؛ المتَّصِفُ بالرَّحمةِ البالِغةِ، ومِن ذلك رَحمتُه بالمُؤمِنينَ [266] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/53)، ((تفسير القرطبي)) (16/148)، ((تفسير ابن كثير)) (7/259). قال ابن عاشور: (أي: أنَّ اللهَ عزيزٌ لا يُكرِهُه أحَدٌ على العُدولِ عن مُرادِه، فهو يَرحَمُ مَن يَرحمُه بمَحضِ مَشيئتِه، وهو رَحيمٌ، أي: واسِعُ الرَّحمةِ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِه، على وَفْقِ ما جرى به عِلمُه وحِكمتُه ووَعدُه). ((تفسير ابن عاشور)) (25/313). ويُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/42، 43). .
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا أقام الدَّلالةَ على أنَّ القَولَ بالقيامةِ حَقٌّ، ثمَّ أردَفَه بوَصفِ ذلك اليَومِ؛ ذَكَر عَقِيبَه وَعيدَ الكُفَّارِ، ثمَّ بَعْدَه وَعْدَ الأبرارِ [267] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/663). .
وأيضًا لَمَّا كان السِّياقُ للانتِقامِ؛ أخبَرَ عن حالِ الفُجَّارِ على سَبيلِ الاستِئنافِ، فقال مُؤَكِّدًا لِمَا يُكَذِّبونَ به [268] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/43). :
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44).
أي: إنَّ شَجَرةَ الزَّقُّومِ هي طَعامُ المُبالِغِ في اكتِسابِ الآثامِ مِن الكُفَّارِ والفُجَّارِ [269] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/53)، ((تفسير ابن عطية)) (5/76)، ((تفسير ابن كثير)) (7/260)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/43)، ((تفسير السعدي)) (ص: 774)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/314). قال السمعاني: (الْأَثِيمِ... هو أبو جَهلٍ في قولِ أكثرِ المفسِّرينَ). ((تفسير السمعاني)) (5/130). وقال ابن كثير: (والْأَثِيمِ أي: في قولِه وفعلِه، وهو الكافرُ. وذَكَر غيرُ واحدٍ أنَّه أبو جهلٍ، ولا شكَّ في دخولِه في هذه الآيةِ، ولكن ليست خاصَّةً به). ((تفسير ابن كثير)) (7/260). .
كما قال تعالى: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ [الصافات: 64 - 66].
 وقال الله سُبحانَه وتعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [الواقعة: 51 - 56].
كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45).
أي: ذلك الطَّعامُ يكونُ كالسَّائلِ المُنتِنِ الغَليظِ الأسوَدِ الَّذي بلغ الغايةَ في الحَرارةِ، يَغلي في بُطونِ آكِلِيه [270] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/54، 58)، ((تفسير السمعاني)) (5/131)، ((تفسير الزمخشري)) (4/281)، ((تفسير الألوسي)) (13/131). قال ابن عطيَّة: (قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمَرَ رضيَ الله عنهما: «المُهلُ»: دُرْدِيُّ الزَّيتِ وعَكَرُه. وقال ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ أيضًا: «المُهلُ» ما ذاب مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو حديدٍ أو رَصاصٍ ونَحوِه). ((تفسير ابن عطية)) (5/76). وقيل في معنى المُهْلِ أيضًا: إنَّه قَيحٌ ودمٌ أسْوَدُ كعَكَرِ الزَّيتِ. وقيل: إنَّه الَّذي قد انتهى حَرُّه. وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/81). ممَّن اختار أنَّ المُهْلَ هو دُرْدِيُّ الزَّيتِ (أي عَكَرُه في قعرِه): مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والسَّمْعانيُّ، والبغوي، والزمخشري، والنسفي، وابنُ جُزَي، والعُلَيمي، والشوكاني، والقاسمي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/824)، ((تفسير السمعاني)) (5/131)، ((تفسير البغوي)) (4/81)، ((تفسير الزمخشري)) (4/281)، ((تفسير النسفي)) (3/294)، ((تفسير ابن جزي)) (2/269)، ((تفسير العليمي)) (6/256)، ((تفسير الشوكاني)) (4/662)، ((تفسير القاسمي)) (8/422)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/315). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المرادَ: ما يُمهلُ في النَّارِ حتَّى يَذوبَ مِن الرَّصاصِ أو الفضَّةِ أو الصُّفْرِ (النُّحاسِ الأصفرِ): السمرقندي، ومكِّي، والبيضاوي. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (3/273)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6753)، ((تفسير البيضاوي)) (5/103). قال ابن جرير: (وهذه الأقوالُ وإن اختَلَفَتْ بها ألفاظُ قائِليها، فمُتَقارِباتُ المعنَى؛ وذلك أنَّ كُلَّ ما أُذيبَ مِن رَصاصٍ أو ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فقد انتهَى حَرُّه، وأنَّ ما أُوقِدَتْ عليه مِن ذلك النَّارُ حتَّى صارَ كدُرْدِيِّ الزَّيتِ، فقد انتهَى أيضًا حَرُّه). ((تفسير ابن جرير)) (15/250). وقال ابن كثير: (وهذه الأقوالُ ليس شَيءٌ منها يَنْفي الآخَرَ؛ فإنَّ المُهْلَ يجمعُ هذه الأوصافَ الرَّذيلةَ كُلَّها، فهو أسْوَدُ مُنْتِنٌ غليظٌ حارٌّ). ((تفسير ابن كثير)) (5/154). وقال ابن عطيَّة: (والمعنى أنَّ هذه الشَّجرةَ إذا طَعِمَها الكافِرُ في جهنَّمَ صارت في جَوفِه تفعَلُ كما يَفعَلُ المُهْلُ السُّخْنُ، مِن الإحراقِ والإفسادِ). ((تفسير ابن عطية)) (5/76). .
كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46).
أي: كغَلَيانِ الماءِ الَّذي تناهَت حَرارتُه [271] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/58)، ((تفسير الشوكاني)) (4/662)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/315). !
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47).
أي: يُقالُ يومَ القيامةِ لملائِكةِ العَذابِ: خُذوا هذا الكافِرَ فسُوقوه واسحَبوه بعُنفٍ وغِلظةٍ ومَهانةٍ إلى وَسَطِ النَّارِ الَّتي في غايةِ الاضطِرامِ والتَّوقُّدِ [272] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/59)، ((تفسير القرطبي)) (16/150)، ((تفسير ابن كثير)) (7/260)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/45)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/315). !
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48).
أي: ثمَّ صُبُّوا على رأسِه مِن الماءِ البالِغِ الغايةَ في شِدَّةِ حَرارتِه، فيَعُمُّ العَذابُ جَميعَ بَدَنِه [273] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/60)، ((تفسير ابن عطية)) (5/77)، ((تفسير ابن كثير)) (7/260)، ((تفسير الشوكاني)) (4/663)، ((تفسير القاسمي)) (8/423). !
كما قال تعالى: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج: 19، 20].
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49).
أي يُقالُ له تهكُّمًا به: ذُقْ هذا العَذابَ؛ إنَّك كُنتَ في الدُّنيا العزيزَ في قَومِك، الكريمَ عليهم في زَعمِك، فإنَّك اليَومَ لَدَيْنا ذَليلٌ مَهينٌ [274] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/60، 61)، ((تفسير الزمخشري)) (4/282)، ((تفسير السعدي)) (ص: 774)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/316). قال ابنُ تيميَّةَ: (لفظُ الذَّوقِ يُستعمَلُ في كُلِّ ما يُحِسُّ به [الإنسانُ]، ويجِدُ ألَمَه أو لَذَّتَه، فدعوَى المدَّعي اختِصاصَ لَفظِ الذَّوقِ بما يكونُ بالفَمِ تحَكُّمٌ منه، لكِنَّ ذاك مُقَيَّدٌ، فيُقالُ: ذُقتُ الطَّعامَ، وذُقتُ هذا الشَّرابَ؛ فيَكونُ معه مِن القيودِ ما يدُلُّ على أنَّه ذوقٌ بالفَمِ، وإذا كان الذَّوقُ مُستعمَلًا فيما يُحِسُّه الإنسانُ بباطنِه أو بظاهِرِه حتَّى الماءُ الحَميمُ يُقالُ: ذاقه؛ فالشَّرابُ إذا كان باردًا أو حارًّا يقالُ: ذُقتُ حَرَّه وبَرْدَه). ((مجموع الفتاوى)) (7/110). ويُنظر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيميَّة (5/286)، ((الدر المصون)) للسمين (4/672). وقال ابن عاشور: (جملةُ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ مَقولُ قَولٍ آخَرَ محذوفٍ، تقديرُه: قولوا له، أو يُقالُ له). ((تفسير ابن عاشور)) (25/316). !
 قال تعالى: وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ: 42].
إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50).
أي: إنَّ هذا هو العَذابُ الَّذي كنتُم في الدُّنيا تَشُكُّونَ فيه، وتُجادِلونَ في وُقوعِه؛ فذُوقوه فقد عَلِمتُم الآنَ حقيقتَه يَقينًا [275] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/63)، ((تفسير الزمخشري)) (4/282)، ((تفسير القرطبي)) (16/151)، ((تفسير السعدي)) (ص: 774)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/316). !
كما قال تعالى: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ [الطور: 14، 15].

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:

1- قَولُ الله تعالى: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ فيه سُؤالٌ: هذه الآيةُ الكريمةُ يُتوهَّمُ مِن ظاهِرِها ثُبوتُ العِزَّةِ والكَرَمِ لأهلِ النَّارِ، مع أنَّ الآياتِ القُرآنيَّةَ مُصَرِّحةٌ بخِلافِ ذلك؛ كقَولِه: سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60]، أي: صاغِرينَ أذِلَّاءَ. وكقَولِه: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: 178]، وكقَولِه تعالى هنا: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الدخان: 47] ؟
الجوابُ مِن وُجوهٍ:
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ قولَه: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ أي: في زَعْمِكَ الكاذبِ، بل أنتَ المُهانُ الخسيسُ الحقيرُ، فهذا التَّقريعُ نوعٌ مِن أنواعِ العذابِ [276] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (ص: 208). .
الوَجهُ الثَّاني: أنَّه يُخاطَبُ بذلك على سَبيلِ الاستِهزاءِ، والمرادُ: إنَّك أنت بالضِّدِّ منه.
الوجهُ الثَّالِثُ: أنَّ المعنى: أنَّك كنتَ تعتَزُّ لا باللهِ، فانظُرْ ما وقَعْتَ فيه [277] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/664). .
2- في قَولِه تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ حُجَّةٌ في تَسميةِ المَخلوقِ باسمِ الخالِقِ، ورَفعِ الحَرَجِ فيه [278] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/138). ، وذلك فيما يَكونُ له معنًى كُلِّيٌّ تَتفاوَتُ فيه أفرادُه مِن الأسماءِ والصِّفاتِ؛ كالملِكِ، والعزيزِ، إلى غيرِ ذلك [279] جاء في ((فتاوى اللَّجنةِ الدَّائمةِ)): (ما كان مِن أسماءِ الله تعالى عَلَم شَخصٍ، كلَفظِ «الله»: امتنع تسميةُ غيرِ الله به؛ لأنَّ مُسمَّاه مُعيَّنٌ لا يَقبَلُ الشَّرِكةَ، وكذا ما كان مِن أسمائِه في معناه في عدَمِ قَبولِ الشَّرِكةِ، كالخالقِ والبارئِ؛ فإنَّ الخالِقَ: مَن يُوجِدُ الشَّيءَ على غيرِ مثالٍ سابقٍ، والبارئَ: مَن يوجِدُ الشَّيءَ بريئًا مِن العَيبِ، وذلك لا يكونُ إلَّا مِن الله وحْدَه؛ فلا يُسمَّى به إلَّا اللهُ تعالى. أمَّا ما كان له معنًى كُلِّيٌّ تَتفاوَتُ فيه أفرادُه مِن الأسماءِ والصِّفاتِ، كالملِكِ، والعزيزِ، والجبَّارِ، والمُتكبِّرِ؛ فيَجوزُ تسميةُ غيرِه بها؛ فقد سمَّى اللهُ نفْسَه بهذه الأسماءِ، وسمَّى بعضَ عِبادِه بها). ((فتاوى اللجنة الدائمة- المجموعة الثانية)) (2/368). ويُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (2/549، 550). .
3- السِّياقُ يُرشِدُ إلى بَيانِ المُجمَلِ، وتعيينِ المُحتَمِلِ، والقَطعِ بعَدَمِ احتِمالِ غيرِ المرادِ، وتخصيصِ العامِّ، وتقييدِ المُطلَقِ، وتنَوُّعِ الدَّلالةِ؛ وهو مِن أعظَمِ القرائِنِ الدَّالَّةِ على مُرادِ المتكَلِّمِ، فمَنْ أهمَلَه غَلِطَ في نَظَرِه، وغالَطَ في مُناظَرتِه؛ فانظُرْ إلى قَولِه: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ كيف تجِدُ سِياقَه يدُلُّ على أنَّه الذَّليلُ الحَقيرُ [280] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 34). !
4- في قَولِه تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ دَليلٌ على أنَّ تقريعَ المُعَذَّبِ بما أدَّاه إلى عَذابِه جائِزٌ؛ لأنَّه زيادةٌ في غَمِّهِ [281] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/138). .

بلاغةُ الآياتِ:

1- قولُه تعالَى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَتنَزَّلُ ممَّا قَبْلَه مَنزِلةَ النَّتيجةِ مِن الاستِدلالِ؛ ولذلك لم يُعطَفْ، والمَعنَى: فيَومُ الفَصلِ مِيقاتُهُم، إعلامًا لهم بأنَّ يومَ القَضاءِ هو أجَلُ الجَزاءِ؛ فهَذا وعيدٌ لهم. وتأكيدُ الخَبَرِ؛ لرَدِّ إنكارِهِم [282] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (25/311). .
- وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ المِيقاتِ؛ لظُهورِه مِن المَقامِ، أي: مِيقاتُ جَزائِهم. وأُضيفَ المِيقاتُ إلى ضَميرِ المُخبَرِ عَنهُم مِيقَاتُهُمْ؛ لأنَّهم المَقصودُ مِن هذا الوَعيدِ، وإلَّا فإنَّ يومَ الفَصلِ مِيقاتُ جَميعِ الخَلقِ؛ مُؤمِنيهم وكُفَّارِهم [283] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (25/311). .
- والتَّأكيدُ بقَولِه: أَجْمَعِينَ؛ للتَّنصيصِ على الإحاطةِ والشُّمولِ، أي: مِيقاتٌ لجَزائِهم كُلِّهِم، لا يَفلِتُ منه أحَدٌ منهم؛ تَقوِيةً في الوَعيدِ، وتَأييسًا مِن الاستِثناءِ [284] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (25/311، 312). .
2- قولُه تعالَى: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
- قولُه: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا فيه تَنكيرُ مَوْلًى في سِياقِ النَّفيِ؛ لإفادَةِ العُمومِ، أي: لا يُغْني أحدٌ مِن المَوالي كائِنًا مَن كان -مِن قَرابةٍ أو غَيرِها- عن أحَدٍ مِن مَواليه كائِنًا مَن كان [285] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/280)، ((تفسير البيضاوي)) (5/103)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/312). .
- وتَنكيرُ شَيْئًا؛ للتَّقليلِ، وهو الغالِبُ في تَنكيرِ لَفظِ شَيءٍ، ووُقوعُه في سِياقِ النَّفيِ للعُمومِ، يعني: أيَّ إغناءٍ كان في القِلَّةِ، فضْلًا عن الإغناءِ الكَثيرِ، والمَعنَى: يومَ لا تُغْني عنهُم مَوالِيهم؛ فعَدَل عن ذلك إلى التَّعميمِ لأنَّه أوسَعُ فائدةً؛ إذ هو بمَنزِلةِ التَّذييلِ [286] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (25/312). .
- وفي الكَلامِ تَتميمٌ [287] التَّتميم: مِن أنواعِ إطنابِ الزِّيادةِ، وهو الإتيانُ بكلمةٍ أو كلامٍ مُتمِّمٍ للمقصودِ، أو لزِيادةٍ حَسنةٍ، بحيثُ إذا طُرِحَ مِن الكلامِ نقَصَ معناه في ذاتِه، أو في صِفاتِه. أو: هو الإتيانُ في كلامٍ لا يُوهِمُ غيرَ المرادِ بفَضلةٍ تُفيدُ نُكتةً. أو: هو إردافُ الكلامِ بكَلمةٍ تَرفعُ عنه اللَّبسَ، وتُقرِّبُه للفَهمِ، ومِن أمثلةِ التَّتميمِ قولُه تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [النساء: 124]؛ فقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ تتميمٌ في غايةِ الحُسنِ. ومنه قولُه تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة: 206]؛ وذلك أنَّ العِزَّةَ محمودةٌ ومذمومةٌ، فلمَّا قال: بِالْإِثْمِ اتَّضحَ المعنى وتَمَّ، وتبيَّن أنَّها العِزَّةُ المذمومةُ المُؤثَّمُ صاحِبُها. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/120) و(2/333)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/44)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (1/49 - 51) و(1/240، 241). ومُبالَغةٌ، أي: لَا يُغْنِي مَوْلًى أيَّ مَولًى كان، إغناءً أيَّ إغناءٍ كان [288] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (14/221). .
- والضَّميرُ في قولِه: وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ جاء جمْعًا؛ لأنَّه راجِعٌ إلى المَوالي؛ لأنَّ مَوْلًى في سِياقِ النَّفيِ فيَعُمُّ؛ فعاد على المَعنَى، لا على اللَّفظِ، ولأنَّهم في المَعنَى كَثيرٌ؛ لِتَناوُلِ اللَّفظِ على الإبهامِ والشِّياعِ كلَّ مَولًى [289] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/280)، ((تفسير البيضاوي)) (5/103)، ((تفسير أبي حيان)) (9/407)، ((تفسير أبي السعود)) (8/65). .
- والنَّصرُ: الإعانةُ على العَدُوِّ وعلى الغالِبِ، وهو أشَدُّ الإغناءِ؛ فعَطَف وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ على لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى زِيادةً في نَفيِ الإغناءِ، فمُحَصَّلُ المَعنَى: أنَّه لا يُغْني مُوَالٍ عن مُوالِيه بشَيءٍ مِن الإغناءِ حَسَبَ مُستَطاعِه، ولا يَنصُرُهم ناصِرٌ شَديدُ الاستِطاعةِ هو أقوَى مِنهم يَدفَعُ عنهم غَلَبَ القَوِيِّ عليهم؛ فاللهُ هو الغالِبُ لا يَدفَعُه غالِبٌ. وبُنيَ فِعلُ يُنْصَرُونَ إلى المَجهولِ؛ لِيَعُمَّ نَفْيَ كُلِّ ناصِرٍ، مع إيجازِ العِبارةِ [290] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (25/312). .
- وجُملةُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ استِئنافٌ بَيانيٌّ هو جَوابٌ مُجمَلٌ عن سُؤالِ سائِلٍ عن تَعيِينِ مَن رَحِمَه اللهُ [291] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (25/313). .
3- قولُه تعالَى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى فَريقًا مَرحُومِينَ على وَجهِ الإجمالِ، قابَلَه هنا بفَريقٍ مُعَذَّبينَ، وهم المُشرِكون، ووَصَف بَعضَ أصنافِ عَذابِهِم، وهو مَأكَلُهم وإهانَتُهم وتَحريقُهم؛ فكان مُقتَضَى الظَّاهِرِ أنْ يُبتدَأَ الكَلامُ بالإخبارِ عنهم بأنَّهم يَأكلُون شَجَرةَ الزَّقُّومِ، كما قال في سُورَةِ (الواقِعَة) 51، 52: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ... الآياتِ؛ فعُدِلَ عن ذلك إلى الإخبارِ عن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ بأنَّها طَعَامُ الْأَثِيمِ؛ اهتِمامًا بالإعلامِ بحالِ هذه الشَّجَرةِ، وقد جُعِلَت شَجَرةُ الزَّقُّومِ شَيئًا مَعلومًا للسَّامِعينَ؛ فأُخبِرَ عنها بطَريقِ تَعريفِ الإضافةِ؛ لأنَّها سَبَق ذِكرُها في سُورةِ (الواقِعة) الَّتي نَزَلتْ قبْلَ سُورةِ (الدُّخَانِ) [292] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (25/314). .
- والْأَثِيمِ صِفةُ مُبالَغةٍ، وهو الكَثيرُ الآثامِ، والمُرادُ به: المُشرِكُون المَذكُورون في قَولِه: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ [الدخان: 34، 35]؛ فهذا مِن الإظهارِ في مَقامِ الإضمارِ؛ لِقَصْدِ الإيماءِ إلى أنَّ إثمَهم بالشِّركِ هو سَبَب مُعامَلَتِهم هذه [293] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/407)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/314). .
- قولُه: كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ المُهلُ -بضَمِّ الميمِ-: دُرْدِيُّ الزَّيتِ -على قولٍ-، والتَّشبيهُ به في سَوادِ لَونِه، وقِيلَ: في ذَوَبانِه. والحَميمُ: الماءُ الشَّديدُ الحَرارةِ الَّذي انتَهَى غَلَيانُه، ووَجهُ الشَّبَهِ هو هَيئةُ غَلَيانِه [294] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/407)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/315). ؛ فالمُشبَّهُ واحِدٌ، والمُشبَّهُ به مُتَعَدِّدٌ؛ شُبِّهَت عُصارةُ الشَّجرةِ تارةً بالمُهلِ في غِلَظِها وكُدورَتِها ونَتَنِها، وأُخرى بالماءِ في انفِعالِها بالغَلَيانِ. وقيل: هذا مِن تَداخُلِ التَّشبِيهَينِ، أي: كالمُهلِ المُشَبَّهِ غَلَيانُه بغَلْيِ الحَميمِ في البُطونِ؛ شُبِّهَ طَعامُ الشَّجرةِ بدُرْدِيٍّ -وهو ما يَرْكُدُ في أسفَلِ كُلِّ مائعٍ- خارِجٍ عن المُتَعارَفِ؛ في أنَّه إذا قُدِّرَ أن يُصَبَّ في البُطونِ يَغلِي -بغَيرِ نارٍ- غَلَيانَ الماءِ الحارِّ في المَراجِلِ بالنَّارِ، ولا يَبعُدُ هذا التَّأويلُ؛ فإنَّ هذه الشَّجَرةَ على خِلافِ الأشجارِ المُتَعارَفةِ؛ لأنَّها تَنبُتُ في أصلِ الجَحيمِ، طَلْعُها كأنَّه رُؤوسُ الشَّياطِينِ [295] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (14/224، 225). .
4- قولُه تعالَى: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ مَقولٌ لقَولٍ مَحذوفٍ دلَّ عليه السِّياقُ، أي: يُقالُ للزَّبانِيةِ مَلائِكةِ العَذابِ: خُذُوه، والضَّميرُ المُفرَدُ عائِدٌ إلى الأثيمِ باعتِبارِ آحادِ جِنسِه [296] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/103)، ((تفسير أبي السعود)) (8/65)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/315). .
5- قولُه تعالَى: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ
- حرْفُ ثُمَّ للتَّراخِي الرُّتَبيِّ؛ لأنَّ صَبَّ الحَميمِ على رأسِهِ أشَدُّ عليه مِن أَخْذِه وعَتْلِه [297] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (25/315). .
- وقال: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ كان الأصلُ أنْ يُقالَ: يُصَبُّ مِن فَوقِ رُؤوسِهم الحَميمُ، ولكِنْ قيلَ: يُصَبُّ مِن فَوقِ رُؤوسِهم عَذابٌ هو الحَميمُ؛ للمُبالَغةِ، ثمَّ أُضِيفَ العَذابُ إلى الحَميمِ؛ للتَّخفيفِ، وزِيدَ مِنْ؛ للدَّلالةِ على أنَّ المَصبُوبَ بَعضُ هذا النَّوعِ [298] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/103)، ((تفسير أبي السعود)) (8/65). .
6- قولُه تعالَى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ مَقولُ قَولٍ آخَرَ مَحذوفٍ، تَقدِيرُه: قُولُوا له، أو يُقالُ له [299] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (25/316)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (9/135). .
- وصِيغَةُ الأمْرِ ذُقْ مُستَعمَلةٌ في الإهانةِ [300] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (25/316)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (9/135). .
- وقولُه: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ خَبرٌ مُستعمَلٌ في التَّهكُّمِ بعَلاقةِ الضِّدِّيَّةِ، والمَقصودُ عَكسُ مَدلُولِه، أي: أنت الذَّليلُ المُهانُ، والتَّأكيدُ للمَعنَى التَّهَكُّميِّ [301] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/282)، ((تفسير البيضاوي)) (5/104)، ((تفسير أبي حيان)) (9/408)، ((تفسير أبي السعود)) (8/65)، ((تفسير ابن عاشور)) (25/316)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (9/135). .
7- قولُه: تَعالَى: إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ بَقيَّةُ القَولِ المَحذوفِ، أي: ويُقالُ للآثِمِينَ جَميعًا: إنَّ هذا ما كُنتُم به تَمتَرونَ في الدُّنيا، والخَبَرُ مُستَعمَلٌ في التَّنديمِ والتَّوبيخِ [302] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (25/316). .