موسوعة التفسير

سورةُ المُؤْمِنونَ
الآيات (101-104)

ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ

غريب الكلمات:


الصُّورِ: أي: القَرْنِ الَّذي يَنفُخُ فيه إسرافيلُ، وقيل: الصورُ جمعُ صُورَةٍ يَنْفُخُ فيها رُوحَها فتَحْيا [890] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 25، 26)، ((تفسير ابن جرير)) (9/339)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 308)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 97)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 193)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 566).  .
تَلْفَحُ: أي: تُحرِقُ، ويُقال: لَفَحتْه النَّارُ بحَرِّها: إذا أصابَه حَرُّها، فتغيَّرَ وَجْهُه [891] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/115)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/259)، ((تفسير القرطبي)) (12/152). .
كَالِحُونَ: أي: عابِسونَ، والكُلوحُ: بدوُّ الأسنانِ عندَ العبوسِ، أو: مُتَقَلِّصو الشِّفَاهِ عن الأسنانِ؛ مِن إحْراقِ النَّارِ وُجوهَهم، وأصْلُ (كلح): يدُلُّ على عُبوسٍ وقُبحٍ في الوَجهِ [892] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/115)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/134)، ((البسيط)) للواحدي (16/70)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 253)، ((تفسير القرطبي)) (12/152)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 775). .

المعنى الإجمالي:


يبيِّنُ تعالى أنَّه إذا كان يومُ القِيامةِ، ونُفِخ في الصورِ نفخةُ البعثِ، ونهَض النَّاسُ مِن قُبورِهم؛ فلا ينفعُ أحدًا حينَئذٍ نسَبُه، ولا يَفتخرُ به، ولا يسألُ أحدٌ أحدًا.
فمَن ثَقُلَت مَوازينُ أعمالِه الصَّالحةِ، فأولئك هم الفائِزونَ بالجنَّةِ، ومَن خفَّتْ مَوازينُ أعمالِه الصَّالحةِ، فرجَحَت سيِّئاتُه على حَسناتِه؛ فأولئك هم الخاسِرونَ، وسيَمكثونَ في نارِ جهنَّمَ لا يخرجون منها، تُحرِقُ وُجوهَهم النَّارُ، وهم فيها عابِسونَ، مُتقَلِّصو الشِّفاهِ عن الأسنانِ؛ مِن أثرِ العذابِ.

تفسير الآيات:


فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا قال اللهُ سُبحانَه: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: 100]؛ ذكَرَ أحوالَ ذلك اليومِ، فقال [893] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/294). :
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101).
أي: فإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخةُ البَعثِ [894] ممَّن قال بأنَّ المُرادَ بالنَّفخةِ هنا: النفخةُ الثانيةُ؛ نَفخةُ البَعثِ والنشورِ: مقاتلُ بن سليمان، والقرطبيُّ، وابن كثير، والشوكاني، والسِّعدي، واستظْهَرَهُ الشنقيطي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/166)، ((تفسير القرطبي)) (12/151)، ((تفسير ابن كثير)) (5/495)، ((تفسير الشوكاني)) (3/590)، ((تفسير السعدي)) (ص: 559)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/356). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه، وابنُ مسعود. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/374)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/271). وقيلَ: المُرادُ بها: النَّفخةُ الأُولى. وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه، والسُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/111)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/271). ، وقام النَّاسُ مِن قُبورِهم، فلا تَنفَعُهم حينَئذٍ أنسابُهم، ولا يَفتَخِرونَ بها، ولا يَسألُ أحدٌ منهم أحدًا [895] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/298)، ((تفسير القرطبي)) (12/151)، ((تفسير ابن كثير)) (5/495)، ((تفسير السعدي)) (ص: 559)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/126)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/356). اختلَفَ المُفسِّرون في معنى التَّساؤُلِ المَنْفيِّ هنا؛ فقيلَ: المرادُ: لا يَسألُ أحدٌ أحدًا: مِن أيِّ قَبيلةٍ أنت؟ ولا مِن أيِّ نسَبٍ؟ وممَّن قال بذلك: الواحديُّ، والقرطبي، والخازن. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/298)، ((تفسير القرطبي)) (12/151)، ((تفسير الخازن)) (3/277). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن جرير)) (17/112). وقِيلَ: السُّؤالُ المَنْفيُّ أنْ يسأَلَ بعضُهم بعضًا النُّصرةَ والمعونةَ والنَّجدةَ. وممَّن قال بذلك: البقاعيُّ، وابن عاشور. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/187)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/126). وقِيلَ: السُّؤالُ المَنفيُّ هو: سُؤالُ بعضِهم العفْوَ مِن بعضٍ فيما بيْنهم مِن الحقوقِ؛ لقُنوطِهم مِن الإعطاءِ. وممَّن حكَى هذا القولَ: الشنقيطيُّ. يُنظر: ((أضواء البيان)) (5/356، 357). .
كما قال تعالى: وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ [المعارج: 11 - 14].
وقال سُبحانَه: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: 34 - 37].
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102).
أي: فمَن ثقُلَت مَوازينُ حَسَناتِه، ورجَحَت على سَيِّئاتِه؛ فأولئك هم الفائِزونَ بالنَّجاةِ مِنَ النَّارِ، والخُلودِ في الجنَّةِ [896] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/114)، ((تفسير ابن كثير)) (5/496)، ((تفسير السعدي)) (ص: 559). قال السَّفَّارِيني: (دلَّت الآثارُ على أنَّه مِيزانٌ حَقيقيٌّ ذو كِفَّتينِ ولِسانٍ، كما قال ابنُ عبَّاسٍ والحَسَنُ البَصريُّ، وصَرَّح بذلك عُلَماؤنُا والأشعريَّةُ وغيرُهم، وقد بلَغَت أحاديثُه مَبلَغَ التَّواتُرِ، وانعقد إجماعُ أهلِ الحَقِّ مِن المُسلِمينَ عليه). ((لوامع الأنوار)) (2 /185). ويُنظر: ((التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة)) للقرطبي (ص: 715)، ((فتح الباري)) لابن حجر (13/538). وقال الشنقيطي: (التحقيقُ أنَّه وزنٌ حقيقيٌّ بميزانٍ ذي لِسانٍ وكِفَّتينِ). ((العذب النمير)) (3/75). .
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103).
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ.
أي: ومَن خفَّت موازينُ حسناتِه، ورجَحَتْ موازينُ سيئاتِه؛ فأولئك الَّذين غَبَنوا أنفسَهم حُظوظَها مِن رَحمةِ اللهِ، وفاتَهم النعيمُ المقيمُ، فخابُوا وهَلَكوا [897] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/114)، ((الهداية)) لمكِّي (7/5004)، ((تفسير ابن كثير)) (5/497)، ((تفسير السعدي)) (ص: 559). !
فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ.
أي: هم في جَهنَّمَ ماكِثونَ لا يَخرُجونَ منها [898] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/114)، ((تفسير ابن كثير)) (5/497)، ((تفسير السعدي)) (ص: 559). .
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104).
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ.
أي: تُصيبُ نارُ جهنَّمَ وُجوهَهم فتُحرِقُها إحراقًا شديدًا [899] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/114، 115)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/127)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/357). .
كما قال تعالى: وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم: 50].
وقال سُبحانَه: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ [الأنبياء: 39].
وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ.
أي: وهم في جَهنَّمَ عابِسونَ قد تقلَّصتْ شِفاهُهم، وظهَرَتْ أسنانُهم؛ مِن أثرِ العذابِ [900] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/115)، ((التخويف من النار)) لابن رجب (ص: 171)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/188)، ((تفسير السعدي)) (ص: 560)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/127)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/357). قال البقاعي: (وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ أي مُتقَلِّصو الشِّفاهِ عن الأسنانِ مع عبوسةِ الوجوهِ وتجعدِها وتقطبِها؛ شغلُ مَن هو ممتلئُ الباطنِ كراهيةً؛ لِما دَهِمَه مِن شدةِ المعاناةِ وعظيمِ المقاساةِ في دارِ التجهُّمِ، كما ترَى الرؤوسَ المشويةَ)، ((نظم الدرر)) (13/188). وقال ابنُ عاشور: (الكالحُ: الذي به الكلوحُ، وهو تقلُّصُ الشفتينِ، وظهورُ الأسنانِ مِن أثرِ تقطُّبِ أعصابِ الوجهِ عندَ شدةِ الألمِ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/127). وقال ابنُ جرير: (وهم فيها متقلِّصو الشِّفاهِ عن الأسنانِ مِن إحراقِ النارِ وجوهَهم). ((تفسير ابن جرير)) (17/115). .

الفوائد التربوية:


1- اللهُ تعالى قدْ رتَّبَ الجزاءَ على الأعمالِ لا على الأنسابِ، كما قال تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ [901] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/308) .
2- عن سَهلِ بنِ عاصمٍ، قال: سَمِعتُ إبراهيمَ يقولُ: سَمِعتُ رَجُلًا يقولُ لزُهَيرِ بنِ نُعَيمٍ: (ممَّن أنتَ يا أبا عبدِ الرَّحمنِ؟ قال: ممَّن أَنعَمَ اللهُ عليه بالإسلامِ. قال: إنَّما أُريدُ النَّسَبَ. قال: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون: 101]) [902] أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (10/149). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال تعالَى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ. هذه الآيةُ الكريمةُ تَدُلُّ على أنَّهم لا أنسابَ بيْنَهم يومَئذٍ، وأنَّهم لا يَتَساءَلونَ يومَ القيامةِ، وقد جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ على ثبوتِ الأنسابِ بيْنَهم، كقولِه: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ... الآيةَ [عبس: 34- 36]؟
والجوابُ: أنَّ المرادَ بنفيِ الأنسابِ انقطاعُ فوائِدِها وآثارِها الَّتي كانت مُترتِّبةً عليها في الدُّنيا؛ مِنَ العواطفِ والنَّفعِ والصِّلاتِ والتَّفاخُرِ بالآباءِ، لا نفيُ حقيقَتِها [903] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (ص: 164). . وقيل غيرُ ذلك [904] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/294، 295). .
2- قال اللهُ تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، قولُه تعالى في هذه الآيةِ: وَلَا يَتَسَاءَلُونَ وقولُه: وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا [المعارج: 10] لا يُناقِضُ قولَه: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات: 27]، وقولَه: يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ [يونس: 45]؛ وذلك مِن وُجوهٍ:
الوجه الأوَّل: أنَّ يومَ القيامةِ مِقدارُهُ خَمسونَ ألْفَ سنَةٍ؛ ففيه أزْمِنةٌ وأحوالٌ مُختلِفةٌ، فيَتعارَفونَ ويَتَساءلون في بَعْضِها، ويتحيَّرونَ في بَعضِها؛ لشِدَّةِ الفزَعِ، فقيل: نَفْيُ السُّؤالِ عندَ اشْتِغالِهم بالصَّعقِ والمُحاسَبةِ والجوازِ على الصِّراطِ، وإثباتُه فيما عَدا ذلك.
الوجه الثَّاني: أنَّه إذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفخةٌ واحدةٌ شُغِلوا بأنفُسِهم عن التَّساؤُلِ، فإذا نُفِخَ فيه أُخرى أقبَلَ بعضُهم على بَعضٍ وقالوا: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ [يس: 52]، فنفيُ السُّؤالِ بعدَ النَّفخةِ الأُولَى وقبْلَ الثَّانيةِ، وإثباتُه بعدَهما مَعًا.
الوجه الثَّالث: المُرادُ: لا يَتساءلونَ بحُقوقِ النَّسبِ.
الوجه الرَّابع: أنَّ قولَه: وَلَا يَتَسَاءَلُونَ صِفَةٌ للكُفَّارِ؛ وذلك لشِدَّةِ خَوفِهم، أمَّا قولُه: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ فهو صِفةُ أهْلِ الجنَّةِ إذا دَخَلوها [905] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/295). .
الوجه الخامس: أنَّ قولَه وَلَا يَتَسَاءَلُونَ أي: في التناصُرِ، فلا يُناقِضُ نَفْيُ التَّساؤُلِ هنا إثباتَه في غَيرِه؛ لأنَّه في غَيرِ تناصُرٍ، بلْ في التَّلاوُمِ والتَّعاتُبِ والتَّخاصُمِ [906] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/188). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (18/126). .
الوجه السَّادس: أنَّ السُّؤالَ المَنْفيَّ سُؤالٌ خاصٌّ، وهو سُؤالُ بَعضِهم العفْوَ مِن بَعضٍ فيما بيْنهم مِنَ الحُقوقِ؛ لقُنوطِهم مِنَ الإعطاءِ، ولو كان المَسؤولُ أبًا أو ابنًا، أو أمًّا أو زوجةً [907] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (ص: 164، 165). ويُنظر أيضًا: ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/90). .
3- في قولِه تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ دَلالةٌ على أنَّ الموازينَ للكافِرِ والمُؤمِنِ معًا [908] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/368). ، وقد استدَلَّ به مالِكٌ على أنَّ الكُفَّارَ يُنصَبُ لهم المِيزانُ [909] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 187). ويُنظر الخلافُ في مسألةِ وزنِ أعمالِ الكفارِ في: ((التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة)) للقرطبي (ص: 715)، ((فتح الباري)) لابن حجر (13/538)، ((لوائح الأنوار السنية)) للسَّفَّاريني (2/203). .
4- قولُ الله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إنْ قيل: الميزانُ واحِدٌ [910] قال ابن عثيمين: (اختلف العُلَماءُ في الميزانِ: هل هو واحِدٌ أو متعَدِّدٌ؛ على قولَينِ؛ وذلك لأنَّ النُّصوصَ جاءت بالنِّسبةِ للمِيزانِ مَرَّةً بالإفرادِ، ومرَّةً بالجَمعِ... والذي يظهَرُ -واللهُ أعلَمُ- أنَّ الميزانَ واحِدٌ، لكِنَّه مُتعَدِّدٌ باعتبارِ الموزونِ). ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (2/43). وقال ابنُ حجر: (والذي يترجَّحُ: أنَّه مِيزانٌ واحِدٌ، ولا يُشكِلُ بكَثرةِ مَن يُوزَنُ عَمَلُه؛ لأنَّ أحوالَ القيامةِ لا تُكَيَّفُ بأحوالِ الدُّنيا). ((فتح الباري)) (13/538). وقال الشنقيطي: (وظاهِرُ القُرآنِ تعَدُّدُ هذه الموازينِ؛ لأنَّه قال في سورةِ «الأنبياءِ»: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا [الأنبياء: 47]... وقال في القارعة: ... فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة: 6 - 9]، وقال في سورة المؤمنون: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ... [المؤمنون: 101 - 103]؛ فهذه الآياتُ تعَبِّرُ بالجَمعِ في الميزانِ، وظاهِرُها التعَدُّدُ. وذهبت جماعةٌ مِن العُلَماءِ إلى أنَّ الميزانَ واحِدٌ). ((العذب النمير)) (3/76). ، فما وجهُ الجَمعِ؟
فالجوابُ: أنَّ العَربَ قد تُوقِعُ لفظَ الجَمعِ على الواحِدِ تفخيمًا له. وقيل: إنَّه يُنصَبُ لكُلِّ عبدٍ مِيزانٌ. وقيل: جُمِعَ لاختلافِ الموزوناتِ، وتعَدُّدِ الجَمعِ، فهو جمعُ مَوزونٍ أو ميزانٍ، فالميزانُ واحدٌ، وأُطلق عليه اسمُ الجمعِ؛ لكثرةِ ما يُوزَنُ فيه مِن أنواعِ الأعمالِ، وكثرةِ الأشخاصِ العاملينَ الموزونةِ أعمالُهم [911] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/464)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/76)، ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (8/499). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ تَفريعٌ على قولِه: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: 100]؛ فإنَّ زمَنَ النَّفخِ في الصُّورِ هو يومُ البَعثِ، فالتَّقديرُ: فإذا جاء يومُ يُبْعَثون، ولكنْ عُدِلَ عن ذلك إلى فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ؛ تَصويرًا لحالةِ يومِ البَعثِ [912] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/125). .
- وأُسْنِدَ نُفِخَ إلى المَجهولِ؛ لأنَّ المُعْتَنى به هو حُدوثُ النَّفخِ لا تَعيينُ النَّافخِ [913] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/125). .
- قولُه: فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ كِنايةٌ عن عدَمِ النَّصيرِ [914] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/126). على أحدِ الأقوالِ في التفسيرِ؛ ففي قولِه: فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ ما يُعرَفُ بالتَّنكيتِ؛ فقد قصَدَ بنَفْيِ الأنسابِ -وهي مَوجودةٌ- أمْرًا آخَرَ لِنُكْتةٍ فيه؛ فإنَّ الأنسابَ ثابتةٌ، وقد كان العرَبُ يَتفاخَرون بها في الدُّنيا، ولكنَّه جنَحَ إلى نَفْيِها إمَّا لأنَّها تَلْغُو في الآخرةِ؛ إذ يقَعُ التَّقاطُعُ بيْنهم، فيَتفرَّقونَ مُعاقَبِينَ أو مُثابِينَ، أو أنَّه قصَدَ بالنَّفْيِ صِفَةً للأنسابِ مَحذوفةً، أي: يُعتَدُّ بها، حيث تَزولُ بالمرَّةِ وتَبطُلُ؛ لِزَوالِ التَّراحُمِ والتَّعاطُفِ مِن فَرطِ البُهْرِ والكَلالِ واستيلاءِ الدَّهشةِ عليهم [915] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/203)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/547). .
2- قولُه تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ بَيانُ الرَّدِّ على قَولِ قائلِهم: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون: 99، 100]، المَردودِ إجمالًا بقولِه تعالى: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا [المؤمنون: 100]؛ فقُدِّمَ عليه ما هو كالتَّمهيدِ له، وهو قولُه: فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ إلى آخِرِه؛ مُبادرةً بتأْيِيسهم مِن أنْ تَنفَعَهم أنسابُهم أو استِنْجادُهم [916] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/125). .
- وذِكْرُ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ في هذهِ الآيةِ إدْماجٌ؛ للتَّنويهِ بالمُؤمِنينَ، وتَهديدِ المُشرِكين؛ لأنَّ المُشرِكين لا يَجِدون في مَوازينِ الأعمالِ الصَّالحةِ شيئًا [917] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/126). .
3- قولُه تعالى: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَمثيلٌ لحالِ خَيبَتِهم فيما كانوا يأْمُلونَه مِن شَفاعةِ أصنامِهم، وأنَّ لهم النَّجاةَ في الآخرةِ، أو مِن أنَّهم غيرُ صائرينَ إلى البَعثِ، فكذَّبوا بما جاء به الإسلامُ، وحَسِبُوا أنَّهم قد أعَدُّوا لأنفُسِهم الخيرَ، فوَجَدوا ضِدَّه، فكانت نُفوسُهم مَخْسُورةً، كأنَّها تَلِفَتْ منهم؛ ولذلك نُصِبَ أَنْفُسَهُمْ على المفعولِ بـ خَسِرُوا [918] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/127). .
- وتَكرارُ اسمِ الإشارةِ فَأُولَئِكَ؛ لزِيادةِ تَمييزِ الفَريقينِ بصِفاتِهم [919] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/127). . والجَمْعُ فيهما باعتِبارِ معناهُما، كما أنَّ إفرادَ الضَّميرينِ في الصِّلتينِ -فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ- باعتِبارِ اللَّفظِ [920] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/151). .
4- قوله تعالى: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ
- في قولِه: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ خَصَّ الوَجْهَ باللَّفحِ؛ لأنَّه أشرَفُ ما في الإنسانِ، والإنسانُ أحفَظُ له مِن الآفاتِ مِن غَيرِه مِن الأعضاءِ؛ فإذا لُفِحَ الأشرفُ فما دُونَه مَلفوحٌ [921] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/585). . أو: لأنَّ بيانَ حالِها أزجَرُ عن المعاصي المُؤدِّيةِ إلى النَّارِ، وهو السِّرُّ في تَقديمِها على الفاعِلِ [922] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/151). .