موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (167-170)

ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ

غريب الكلمات:


صَدُّوا: أَعْرَضوا وعدَلوا، ويُطلق الصدُّ أيضًا على الانصرافِ عن الشَّيءِ، والامتناع عنه، وأصْل (صد): الصَّرْف والمنْع يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/282)، ((المفردات)) للراغب (ص: 477). .

مشكل الإعراب:


قوله: فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ:
خَيْرًا: منصوبٌ على أنَّه خبَرُ (كان) المحذوفةِ مع اسمِها، والتقديرُ: فآمِنُوا يَكُنِ الإِيمانُ خيرًا لَكُم [2726] وقد ردَّ بعضُهم هذا المذهب بأنَّ (كان) لا تُحْذَف مع اسمِها دونَ خبرِها إلَّا فيما لا بدَّ له منه، وممَّا يُضعِّف ذلك المذهبَ أنَّ (يكن) المقدَّرةَ هنا جوابُ شَرطٍ محذوف؛ فيَصيرُ المحذوفَ الشرطُ وجوابُه، أي: إنَّ التقديرَ: إنْ تُؤمنوا يكنِ الإِيمانُ خيرًا، فَحُذِفَ الشرطُ، وهو (إنْ تُؤمِنوا) وجوابُه، وهو (يكُنِ الإِيمانُ)، وأُبقِي معمولُ الجواب وهو (خيرًا). ينظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/164-165). . أو مَنصوبٌ بفِعلٍ مَحذوفٍ واجبِ الإِضمارِ، تقديرُه: وأتُوا أو اقْصُدوا خيرًا لكم؛ لأنَّه لَمَّا أمَرَهم بالإيمان؛ فهو يُريدُ إخراجَهم من أمْرٍ وإدخالَهم فيما هو خيرٌ منه. وقيل: إنَّه مَنصوبٌ على الحالِ مِن المصدرِ الذي تَضمَّنه الفِعلُ، والتَّقدير: فآمِنوا حالَ كَونِ الإيمانِ خيرًا. وقيل غير ذلِك [2727] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/214)، ((تفسير الزمخشري)) (1/593)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/411)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/164-165)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/49- 50). .

المعنى الإجمالي:


يُخبر تعالى أنَّ الذين كفروا وأعْرَضوا عن سلوك طريق الحقِّ، ومنعوا غيرَهم من سلوكِه، قد ضلُّوا ضلالًا عظيمًا.
إنَّ الذين كفروا وظَلموا أنفسَهم بعدمِ إيمانهم لم يكُن الله ليغفر لهم ذُنوبهم، ولم يكن ليُوفِّقَهم لسلوكِ الطَّريق القويم الذي يُوصل لنعيمه، لكن سيَهديهم إلى سلوك طريق الباطِل الموصل لجهنم؛ ليمكثوا فيها أبدًا، وكان هذا الأمرُ على الله هيِّنًا يسيرًا.
ثم خاطَب الله تعالى جميعَ الناس، قائلًا لهم: إنَّ ما أتاهم به رسولُ الله محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ هو الحقُّ من عنده جلَّ وعلا؛ فلْيُؤمنوا به؛ فهذا خيرٌ لهم في الدارين، فإنْ أَبَوْا وكفروا فإنَّ الله غنيٌّ عنهم، فهو الذي يملك جميع ما في السَّموات والأرض، وكان الله عليمًا حكيمًا.

تفسير الآيات:


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167)
مُناسبةُ الآية لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أخبر سبحانه عن رسالة الرُّسل عليهم الصلاة والسلام، وأخبر برسالة خاتمهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وشهِد بها، وشهِدتْ ملائكتُه- لزم من ذلك ثبوتُ الأمر المقرَّر والمشهود به، فوجَب تصديقُهم، والإيمانُ بهم واتِّباعُهم، لذا أتبع ذلك بوصْفِ مَن كفر بهم، وصدَّ عن سبيل الله زجرًا عن مِثل حاله، وتقبيحًا لِمَا أَبدى من ضلاله يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/515)، ((تفسير السعدي-سورة النساء)) (ص: 215). ، فقال:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ
أي: إنَّ الكفَّار الذين أعرضوا عن اتِّباع الحقِّ، وسَعَوْا في منْع الناس من اتِّباعه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/695)، ((تفسير ابن كثير)) (2/476)، ((تفسير السعدي)) (ص: 215). .
قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا
أي: قد انحرَفوا عن طريق الحقِّ، وبَعُدوا منه بعدًا عظيمًا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/695-696)، ((تفسير ابن كثير)) (2/476)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/492-493). .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا
أي: إنَّ الكفَّارَ الظالمين لأنفسِهم بالكُفر، وبالصدِّ عن سبيلِه، ومخالفةِ أوامرِه، وارتِكابِ نواهيه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/696)، ((تفسير ابن كثير)) (2/476)، ((تفسير السعدي)) (ص: 215)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/494). .
لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
أي: لم يكُنِ الله تعالى ليسترَ عليهم ذُنوبَهم، ويتجاوزَ عن مؤاخذتِهم بها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/696)، ((تفسير السعدي)) (ص: 215)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/494-495). .
وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا
أي: ولم يكُنِ الله تعالى ليوفِّقَهم لسلوك طريق الحقِّ الذي يَصِلُون به إلى الجنة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/696)، ((تفسير ابن كثير)) (2/476)، ((تفسير السعدي)) (ص: 215)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/495). .
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (169)
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
أي: لكنَّ اللهَ تعالى يَهديهم لسلوك طريق الباطِل، الذي يَصِلون به إلى جهنَّمَ، فيمكثون فيها بلا نهايةٍ ولا انقطاع يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/696-697)، ((تفسير ابن كثير)) (2/476)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/48)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/495). .
وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا
أي: إنَّ تخليدَ هؤلاء الكفَّار في جهنَّمَ أمرٌ هيِّنٌ على الله تعالى، الذي لا يَصعُب عليه شيءٌ سبحانه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/697)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/495). .
يَا أيُّها الناسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170)
مُناسبةُ الآية لِمَا قَبلَها:
أنَّ الله تعالى لَمَّا أجاب عن شُبهة اليهودِ على الوجوه الكثيرة، وبيَّن فسادَ طريقتهم، ذكَر خطابًا عامًّا يعمُّهم، ويعمُّ غيرَهم في الدعوة إلى دِين محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/270)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/48). ، فقال:
يَا أيُّها الناسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ
أي: يَا أيُّها الناسُ إنَّ ما أتاكم به محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ من الله تعالى فهو حقٌّ، وبَعْثَته عليه الصَّلاة والسَّلام حقٌّ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/697)، ((تفسير ابن كثير)) (2/476)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/498-500). .
فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ
أي: فآمِنوا بما جاءكم به محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ واتَّبعوه، فإنَّ الإيمان به خير لكم في الدُّنيا والآخرة من الكُفر به يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/697)، ((تفسير ابن كثير)) (2/476)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/500). .
كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97] .
وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
أي: وإنْ كفرتُم بالرسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ وبما جاء به، فاعْلَموا أنَّ الله تعالى غنيٌّ عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرَّر بكُفركم؛ إذ يملك جميعَ ما في السَّموات وما في الأرض يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/697)، ((تفسير ابن كثير)) (2/476)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/500). .
كما قال تعالى: وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم: 8] .
وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
أي: إن َّالله تعالى عليمٌ بما أنتم صائرون إليه من الإيمان أو الكفر، عليمٌ بمَن يستحقُّ الهدايةَ منكم فيَهديه، وبمَن يستحقُّ الضلالة منكم فيُضِلُّه، حكيمٌ في جميع أقواله وأفعالِه وشَرْعه وقدَره، فيضع سبحانه كلَّ شيءٍ في موضعِه اللائق به يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/697-698)، ((تفسير ابن كثير)) (2/476)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/501). .

الفوائِد التربويَّة:


1- الكُفر والظُّلم من شأنهما أن يُخيِّمَا على القلب بغشاوةٍ تمنعُه من وصول الهُدَى إليه، فليحذرْ منهما، يُرشد إلى ذلك قولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/270). .
2- وجوبُ الإيمان بالحقِّ ممَّن جاء به؛ لقوله: فَآمِنُوا بعد قوله: قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/502). .
3- في قوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ أنَّ الإيمانَ كلَّه خيرٌ؛ خيرٌ في الدنيا، وخيرٌ في الآخرة، فالإيمان خيرٌ للمؤمنين في أبدانهم، وقلوبِهم وأرواحهم؛ وذلك لِمَا يَترتَّب عليه من المصالح والفوائد؛ فكلُّ ثوابٍ عاجِلٍ وآجِل فمِن ثمرات الإيمان، فالنَّصر والهُدى، والعلم والعمل الصالح، والسرور والأفراح، والجَنَّة وما اشتملَتْ عليه من النَّعيم، كلُّ ذلك مُسبَّب عن الإيمان، حتى في المعيشة وإنْ كانت ضنكًا، فهي عند المؤمن خيرٌ يُنظر: ((تفسير السعدي- سورة النساء)) (ص: 216)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/503).. .
4- قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ نادى الله تعالى بهذه الآية جميعَ الناس في سِياق خِطاب أهل الكتاب؛ لأنَّ الحُجَّة إذا قامت عليهم بشهادة الله تعالى بنبوَّة محمد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ووجَب عليهم الإيمانُ به، فبالأَوْلى تقومُ على غيرهم ممَّن ليس لهم كتابٌ ككتابهم يُنظر: ((تفسير المنار)) (6/65). .

الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:


1- أنَّ مَن آمن واستقام على سبيل الله، ودعا الناسَ إليه فهو على الهُدَى، ويُعرف ذلك من المقابِل والضدِّ؛ فإنَّه إذا ثبَت الحُكم لشيءٍ ثبَتَ نقيضُه لضده؛ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/493). .
2- إثبات الأفعال الاختياريَّة لله عزَّ وجلَّ؛ يعني: أنَّه يفعل ما يشاءُ بإرادته متى شاء؛ لقوله: لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ، والمغفرة فِعلٌ اختياريٌّ، وهذا الذي عليه السَّلَفُ الصالح أهلُ السُّنة والجماعة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/496). .
3- إثبات الخلودِ الأبديِّ؛ لقوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، والخلودُ الأبديُّ يتضمَّن أبديَّةَ المكان الذي يكون فيه الخلودُ، وعلى هذا يكونُ في الآية دليلٌ واضحٌ على أبديَّة الخلود في النَّار يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/497). .
4- عمومُ رِسالة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ لجميعِ الناس؛ لقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/501). .
5- إلزامُ قَبول ما جاء به الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّمَ عقلًا، كما هو لازمٌ شرعًا؛ ووجه ذلك قوله: مِنْ رَبِّكُمْ، فإذا كان من ربِّنا، وهو مالكُنا وخالقُنا والمتصرِّف فينا كيف يشاء، وجب علينا قَبولُه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/502). .
6- في قوله تعالى: يَا أيُّها الناسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ أنَّ ما جاء به الرسولُ عليه الصَّلاة والسَّلام هو الحقُّ، ولا يصحُّ أن يُقال: كلُّ ما يُنسب للرسول حقٌّ، بل كلُّ ما جاء به؛ لأنَّ هناك أحاديثَ ضعيفةً، وأحاديثَ موضوعة، لكن كلُّ ما جاء به الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّمَ فهو حقٌّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/502). .
7- إثبات الربوبيَّة العامَّة؛ لقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ بالإضافة إلى قوله: مِنْ رَبِّكُمْ، وربوبيَّة الله سبحانه وتعالى عامَّة وخاصَّة؛ فالعامة كقوله تعالى: رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: 2] ، والخاصة كقوله: رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: 122] ، وقوله: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92-93] ، وقوله: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65] ، والأمثلة على هذا كثيرة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/502). .
8- قوله تعالى: يَا أيُّها الناسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ يفيد أنَّ إرسالَ الرُّسل من مقتضى الربوبيَّة؛ لأنَّه تصرُّفٌ في الخَلق، وفِعل من أفعال الله، وكلُّ ما كان كذلك فهو داخلٌ تحت مضمون الربوبيَّة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/502). .
9- قول الله تعالى: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ هذا من إقامة العِلَّة مقام المعلول؛ إذ المراد: أنَّ الله تعالى له الغِنى المطَلق، فإنْ تستمرُّوا على كُفرانكم، يكُنْ الكفران شرًّا لكم، ولا يضرُّه تعالى من ذلك شيءٌ يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/517). .

بلاغة الآيات:


1- وقوله: وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فيه- على جَعْلِ الفِعل (صَدَّ) متعدِّيًا- إِيجازٌ بالحذف، حيث حذفَ المفعول، وتقديره: (الناسَ)، أي: وصدُّوا الناسَ عن سبيل الله؛ لقصد التَّكثيرِ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/722)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/46). .  
2- قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا... بيان لجملة قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا؛ لأنَّ السامع يترقب معرفة جزاء هذا الضلال؛ فبينته هذه الجملة يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/47). . وإعادة الموصول وصِلته في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا دون أن يذكر ضميرهم؛ لتبنى عليه صلة (وظلموا)، ولأنَّ في تكرير الصلة تنديدًا عليهم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/47). . وقد يُقصد بـ(الظلم) هنا الشرك، كما هو شائع في استعمال القرآن كقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] ؛ فيكون من عطف الأخصِّ على الأعم في الأنواع يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/47). .
3- قوله: لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ: الإتيان بلام الجحود في (ليغفر) أبلغُ من الإتيان بالفعل المجرَّد عنها؛ فالجملة التي على صيغة جحود تقتضي تحقيق النفي يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/141)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/47). .
4- قوله: وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا فيه: استثناء الاستثناء: هو المذكور في كتب النحو، وهو: إخراج (بإلَّا) أو إحدى أخواتها تحقيقًا أو تقديرًا من مذكور أو متروك، والمراد بالمخرج تحقيقًا: المتصل، كقام القوم إلا زيدًا، وبالمخرج تقديرًا: المنقطع، نحو: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ؛ فإنَّ الظنَّ وإن لم يدخل في العلم تحقيقًا؛ فهو في تقدير الداخل فيه؛ إذ هو مستحضر بذكر العلم؛ لكثرة قيامه مقامه، فهو مُخرَج منه تقديرًا، وبالمذكور التام كهذين المثالين، وبالمتروك المفرغ نحو: ما ضربت إلا زيدًا. وشرط كونه من البديع: أن يتضمَّن ضربًا من المحاسن زائدًا على ما يدلُّ عليه المعنى اللغوي. يُنظر: ((أنوار الربيع في أنواع البديع)) لصدر الدين المدني (1/191)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (2/238). لتأكيد الشيء بما يشبه ضدَّه؛ لأنَّ الكلام مسوق للإنذار، والاستثناء فيه رائحةُ إطماع، ثم إذا سمع المستثنى تبين أنه من قبيل الإنذار يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/48). .
وفيه: تهكُّم؛ لأنَّه استثنى من الطَّريق المعمول لـ(يهديهم)، وليس الإقحام بهم في طريق جهنم بهدًى؛ لأنَّ الهدى هو إرشاد الضال إلى المكان المحبوب؛ ولذلك عقبه بقوله: وَكَانَ ذَلِكَ أي الإقحام بهم في طريق النار عَلَى اللهِ يسيرًا؛ إذ هم عبيده يصرفهم إلى حيث يشاء، ولأنَّه لا يُعجزه شيء سبحانه وتعالى يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/48). .
5- قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ: فيه: توجيه الخِطاب إلى الناس جميعًا؛ ليكون تذييلًا وتأكيدًا لِمَا سبقه؛ إذ قد تهيَّأ من القوارع السالفة ما قامت به الحجة، واتسعت المحجة، فكان المقام للأمر باتباع الرسول والإيمان يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/48-49). .
6- قوله: قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ:
فيه تعدية الفِعل إلى ضمير المخاطبين في قوله: جَاءَكُمُ ترغيبًا لهم في الإيمان؛ لأنَّ الذي يجيء مهتمًّا بناس يكون حقًّا عليهم أنْ يتبعوه، وأيضًا في طريق الإضافة من قوله: رَبِّكُمْ ترغيبٌ ثانٍ؛ لِمَا تدلُّ عليه من اختصاصهم بهذا الدِّين، الذي هو آتٍ مِن ربِّـهم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/49). .
- وإيراده عليه الصَّلاةُ والسَّلام بعنوان الرِّسالة الرَّسُولُ؛ لتأكيد وجوب طاعته، والتعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين (رَبِّكم)؛ للإيذان بأنَّ ذلك لتربيتهم وتبليغهم إلى كمالهم اللائق بهم؛ ترغيبًا لهم في الامتثال بما بعده مِن الأمر يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/258). .
- وذَكر الرَّسُول هاهنا مُعرَّفًا بـ(ال) وهي للعهد الذهني؛ لأنَّ أهل الكتاب قد بُشِّروا به، وكانوا ينتظرون بَعثتَه يُنظر: ((تفسير المنار)) (6/65). .
7- قوله: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلهِ مَا فِي السَّمواتِ وَالْأَرْضِ:
- فيه: تعريضٌ بالمخاطَبين، أي: إنَّ كفرَكم لا يُفلتُكم من عِقابه؛ لأنَّكم عبيدُه؛ لأنَّ له ما في السَّموات وما في الأرض يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/50). .
- ولم يُؤكَّد بتكرير (ما)، وإنْ كان الخطابُ مع المضطربين؛ لأنَّ قيامَ الأدلَّة أوصل إلى حدٍّ من الوضوحِ بشهادةِ الله ما لا مَزيدَ عليه يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/518). .