موسوعة التفسير

سورةُ النَّحلِ
الآيات (94-97)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ

غريب الكلمات:


فَتَزِلَّ: أي: فتَسقُطَ وتَزْلَقَ؛ مِن الزَّلَلِ: وهو عُثورُ القَدَمِ، وزَلَلُ القَدَمِ تَقولُه العَرَبُ لكُلِّ ساقِطٍ في وَرطةٍ بعدَ سَلامةٍ [1127] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/348)، ((المفردات)) للراغب (ص: 381)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 67)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/246)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 492)، ((تاج العروس)) للزبيدي (29/129). .
يَنْفَدُ: أي: يفنى، والنَّفَادُ: الفَناءُ، وأَصْل (نفد): يدلُّ على انقطاعِ شيءٍ وفنائِه [1128] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 465)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/458)، ((المفردات)) للراغب (ص: 817). .

المعنى الإجمالي:


يقول الله تعالى: ولا تَجعَلوا الأيمانَ التي تَحلِفونَها خديعةً لِمَن حَلَفتُم لهم، فتَزِلَّ أقدامُكم بعد أن كانت ثابِتةً على الدِّينِ، وتَذوقوا ما يَسوؤُكم من العذابِ في الدُّنيا؛ بسببِ إعراضِكم ومَنْعِ غَيرِكم عن هذا الدِّينِ؛ لِما رأَوْه منكم مِن الغَدرِ، ولكم عذابٌ عظيمٌ في الآخرةِ. ولا تَنقُضوا عهدَ اللهِ؛ لتُحَصِّلوا عَرَضًا قليلًا مِن متاعِ الدُّنيا، إنَّ ما عندَ اللهِ مِن الثَّوابِ على الوفاءِ أفضَلُ لكم من هذا الثَّمَنِ القليلِ، إن كُنتُم تعلَمون.
ثمَّ رغَّبهم الله تعالى في العملِ بما يُرضيه بعدَ الترغيبِ السابقِ، فقال: ما عِندَكم مِن حُطامِ الدُّنيا يذهَبُ، وما عندَ اللهِ لكم مِن الرِّزقِ والثَّوابِ في الجنَّةِ باقٍ لا يَزولُ، ولنُثيبَنَّ الذين صَبَروا ثوابَهم على أحسَنِ أعمالِهم الصالحةِ، ونتَجاوَزُ عن سَيِّئاتِهم.
ثمَّ بيَّن تعالى حسنَ عاقبةِ المؤمنينَ الذين يحرصونَ على عملِ الصالحاتِ، فقال تعالى: مَن عَمِلَ عمَلًا صالِحًا ذكرًا أم أنثى، وهو مؤمِنٌ بالله ورَسولِه؛ فلَنُحييَنَّه في الدُّنيا حياةً سَعيدةً، ولنَجزينَّهم في الآخرةِ ثوابَهم على أحسَنِ ما عَمِلوا في الدُّنيا.

تفسير الآيات:


وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا حَذَّرَهم اللهُ تعالى مِن نَقضِ الأيمانِ الذي يَؤولُ إلى اتِّخاذِ أيمانِهم دَخَلًا فيهم، وأشار بالإجمالِ إلى ما في ذلك من الفَسادِ فيهم؛ أعاد الكَرَّةَ إلى بيانِ عاقبةِ ذلك الصَّنيعِ إعادةً تُفيدُ التَّصريحَ بالنَّهيِ عن ذلك، وتأكيدَ التَّحذيرِ، وتَفصيلَ الفَسادِ في الدُّنيا، وسوءَ العاقبةِ في الآخرةِ [1129] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/268). .
وأيضًا لَمَّا بَيَّنَ أنَّ الكَذِبَ وما جرَّ إليه أقبَحُ القَبائِحِ، وأبعَدُ الأشياءِ عن المكارِمِ، وكان مِن أعظَمِ أسبابِ الخِلافِ، فكان أمرُه جَديرًا بالتَّأكيدِ، أعاد الزَّجرَ عنه بأبلَغَ مِمَّا مضى بصَريحِ النَّهيِ مُرَهِّبًا مِمَّا يترَتَّبُ على ذلك [1130] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/245). .
وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا.
أي: ولا تَجعَلوا أيمانَكم خَديعةً لِمَن تَحلِفونَ لهم؛ لِيُصدِّقوكم، وأنتم تَنوُونَ الغَدرَ والمَكرَ بهم إن سَنَحَت لكم فُرصةٌ، فتَنْحَرِفَ أقدامُكم بعد أن كانت ثابتةً على الدِّينِ وصِراطِ اللهِ المُستقيمِ، فتَهلِكوا [1131] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/338)، ((تفسير القرطبي)) (10/172)، ((تفسير ابن كثير)) (4/600)، ((تفسير السعدي)) (ص: 448). .
وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
أي: ويَحُلَّ بكم العَذابُ في الدُّنيا؛ بسبَبِ إعراضِكم، وصَدِّكم النَّاسَ عن الدُّخولِ في الإسلامِ، حين تَخدَعونَهم بالحَلِفِ الكاذِبِ، وتَغدِرونَ عَهْدَكم معهم، فلا يبقَى لهم وُثوقٌ في دينِ اللهِ سُبحانَه [1132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/348)، ((تفسير ابن كثير)) (4/600)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/246). ممن قال: إنَّ المرادَ هنا أنَّهم صدُّوا غيرَهم: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وابنُ جريرٍ، والسمرقندي، ومكي، والخازن، وابنُ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/485)، ((تفسير ابن جرير)) (14/348)، ((تفسير السمرقندي)) (2/290)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي ابن أبي طالب (6/4081)، ((تفسير الخازن)) (3/96)، ((تفسير ابن كثير)) (4/600). وقال ابنُ عاشور: (وصَدَدْتُمْ هنا قاصرٌ، أي بكونِكم معرضينَ عن سبيلِ الله). ((تفسير ابن عاشور)) (14/269). وجمَع البقاعي والسعدي بينَ المعنيين السابقين. قال البقاعي: (بِمَا صَدَدْتُمْ أي: أنفسَكم، ومنعتُم غيرَكم بأيمانِكم التي أردتُم بها الإفسادَ؛ لإخفاءِ الحقِّ). ((نظم الدرر)) (11/246). وقال السعدي: (بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ حيثُ ضللتُم وأضللتُم غيرَكم). ((تفسير السعدي)) (ص: 448). وقال السمعاني: (سهَّلْتُم طريقَ نقضِ العهدِ على النَّاسِ بنقضِكم العهدَ). ((تفسير السمعاني)) (3/199). ويُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/94). .
وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ .
أي: ولكم عذابٌ عظيمٌ في الآخرةِ [1133] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/348)، ((البسيط)) للواحدي (13/186، 187). .
وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لما كانت الرغبةُ في الدنيا، والمنافسةُ في الاستكثارِ منها، والطلبُ لِلَذَّاتِها، مِن أعظمِ الأسبابِ الباعثةِ للإنسانِ على نقضِ الأيْمانِ؛ زجَرهم الله تعالى عنها، ونبَّهَهم على ما هو خيرٌ لهم منها [1134] يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (4/86). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا كان ما سبَقَ خاصًّا بالأيمانِ؛ أتبَعَه النَّهيَ عن الخيانةِ في عُمومِ العَهدِ؛ تأكيدًا بعد تأكيدٍ؛ للدَّلالةِ على عظيمِ النَّقضِ، فقال تعالى [1135] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/246). :
وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.
أي: ولا تَنقُضوا عُهودَكم التي أكَّدْتُموها بالأيمانِ؛ لنَيلِ مَتاعٍ قليلٍ مِن الدُّنيا [1136] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/349)، ((تفسير القرطبي)) (10/173)، ((تفسير السعدي)) (ص: 448). .
إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
أي: إنَّ ثَوابَ اللهِ لكم في الجَنَّة- إذا آثَرْتُم رِضا اللهِ فأطَعْتُموه بالوَفاءِ بعُهودِكم- أفضَلُ لكم مِن مَتاعِ الدُّنيا القَليلِ، إنْ كُنتُم تَعلَمونَ حَقيقةَ الفَرقِ بينَ الدُّنيا الفانيةِ، والآخرةِ الباقيةِ [1137] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/349)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (7/2301)، ((تفسير ابن كثير)) (4/600)، ((تفسير السعدي)) (ص: 448)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/271). .
مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96).
مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ.
أي: ما عِندَكم مِن مَتاعِ الدُّنيا ينتهي ويَفنى، وإن كان كثيرًا، وما عِندَ اللهِ مِن الثَّوابِ في الجَنَّةِ مُستَمِرٌّ لا يَنقَطِعُ ولا يفنَى؛ فاحرِصوا عليه، واعمَلوا للظَّفَرِ به [1138] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/349)، ((تفسير ابن كثير)) (4/601)، ((تفسير السعدي)) (ص: 448). .
كما قال تعالى: إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [ص: 54] .
وقال سُبحانه: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: 16- 17].
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
أي: ولَنُثيبَنَّ يومَ القيامةِ الصَّابرينَ على أحسَنِ الذي كانوا يَعمَلونَه في الدُّنيا من الأعمالِ الصَّالحةِ، ونتَجاوَزُ عن سَيِّئِ أعمالِهم [1139] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/350)، ((البسيط)) للواحدي (13/187، 188)، ((تفسير الرازي)) (20/267)، ((تفسير القرطبي)) (10/173)، ((تفسير ابن كثير)) (4/601). وممَّن ذهب إلى أنَّ المراد بقوله تعالى: بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: الطاعات: ابن جرير، والواحدي، والرازي، والقرطبي، وابن كثير. يُنظر: المصادر السابقة. قال ابن عاشور: (والباءُ للسَّببيَّة. و«أحسن» صيغةُ تفضيلٍ مُستعمَلةٌ للمبالغةِ في الحسَن... أي: بسبَبِ عَمَلِهم البالغِ في الحُسنِ، وهو عمَلُ الدَّوامِ على الإسلامِ، مع تجرُّعِ ألم الفِتنةِ من المُشرِكينَ). ((تفسير ابن عاشور)) (14/272). وقيل: المعنى: ولنجزينَّهم بجزاءٍ أشرفَ وأوفرَ مِن عملِهم. وممن قال بهذا المعنى: القاسمي، وهو ظاهرُ اختيارِ السعدي. يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/406)، ((تفسير السعدي)) (ص: 449). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الشوكاني)) (3/229-230). قال الشنقيطي: (أقسَم- جلَّ وعَلا- في هذه الآيةِ الكريمةِ: أنَّه سيَجْزي الَّذينَ صَبَروا أَجْرَهُمْ أي: جزاءَ عملِهم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وبَيَّن في مواضعَ أُخرَ: أنَّه جزاءٌ بلا حِسابٍ؛ كما في قولِه: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] ). ((أضواء البيان)) (2/439). وقال الماوردي: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يحتَمِل وجهين: أحدُهما: أن يُجازى على أحسَنِ الأعمالِ، وهي الطاعة، دونَ المباحِ منها. الثاني: مضاعفةُ الجزاء، وهو الأحسَنُ، كما قال تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: 160] ). ((تفسير الماوردي)) (3/212). قال الألوسي: (وجُوِّز أن يكون المعنى (لنجزينَّهم) بحسَبِ أحسَنِ أفراد أعمالِهم، أي: لنُعطينَّهم بمقابلة الفردِ الأدنى مِن أعمالِهم ما نُعطيه بمقابلة الفرد الأعلى منها، من الأجر الجزيلِ، لا أنَّا نعطي الأجرَ بحسَبِ أفرادها المتفاوِتةِ في مراتِبِ الحَسنِ، بأن نجزي الحَسَن منها بالحَسَنِ، والأحسَنَ بالأحسَنِ). ((تفسير الألوسي)) (7/461). ويُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/138). .
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا وعَدَ اللهُ تعالى بعدَ أن توعَّدَ؛ أتبَعَه ما يُبَيِّنُ أنَّ ذلك لا يخُصُّ شَريفًا ولا وَضيعًا، وإنَّما هو دائِرٌ مع وصفِ الإيمانِ، فقال تعالى، مرغِّبًا في عمومِ شرائعِ الإسلامِ، جوابًا لمن كأنَّه قال: هذا خاصٌّ بأحدٍ دونَ أحدٍ [1140] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/248). :
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً.
أي: مَن عَمِلَ عمَلًا صالِحًا خالِصًا لله، مُوافِقًا للقُرآنِ والسُّنَّةِ- ومن ذلك الوَفاءُ بالعُهودِ- مِن ذكَرٍ أو أُنثَى، وهو مؤمِنٌ باللهِ ورَسولِه، مُصَدِّقٌ بوَعدِ اللهِ ووَعيدِه؛ فلنُحييَنَّه في الدُّنيا حياةً سَعيدةً، وذلك بما يجده من حلاوةِ الإيمان، والأنسِ بالله تعالى، والتلذذِ بعبادتِه، وطُمأنينةِ قَلبِه، وسُكونِ نَفسِه، وبما يَرزُقُه اللهُ مِن الرزقِ الحلالِ الطيبِ مِن حيثُ لا يحتَسِبُ، معَ القناعةِ به [1141] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/350، 354، 355)، ((تفسير ابن عطية)) (3/419)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/35، 36)، ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 120، 183، 184)، ((تفسير ابن كثير)) (4/601)، ((تفسير القاسمي)) (6/407)، ((تفسير السعدي)) (ص: 449)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/440). قال ابن كثير: (والحياةُ الطيِّبةُ تشمَلُ وجوهَ الراحةِ مِن أي جهةٍ كانت، وقد رُوي عن ابن عباس وجماعةٍ أنَّهم فسَّروها بالرِّزقِ الحلال الطيِّبِ. وعن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّه فسَّرها بالقناعة، وكذا قال ابن عباس، وعِكرمة، ووهب بن منَبِّه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إنَّها السعادة. وقال الحسن، ومجاهد، وقتادة: لا يطيبُ لأحدٍ حياةٌ إلَّا في الجنة. وقال الضحَّاك: هي الرِّزقُ الحلالُ والعبادةُ في الدنيا، وقال الضحَّاك أيضًا: هي العمَلُ بالطاعة والانشراحُ بها. والصَّحيحُ أنَّ الحياةَ الطيِّبةَ تشمَلُ هذا كُلَّه). ((تفسير ابن كثير)) (4/601). وقال ابن عاشور: (وهذا مقامٌ دَقيقٌ تتفاوَتُ فيه الأحوالُ على تفاوُتِ سرائِرِ النُّفوسِ، ويعطي اللهُ فيه عبادَه المُؤمِنينَ على مراتِبِ هِمَمِهم وآمالِهم). ((تفسير ابن عاشور)) (14/273). .
كما قال تعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود: 3] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2-3] .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ الله عنهما، أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((قد أفلَحَ مَن أسلَمَ، ورُزِقَ كَفافًا [1142] الكَفافُ: الكِفايةُ بلا زيادةٍ ولا نقصٍ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (7/145). ، وقنَّعَه اللهُ بما آتاه )) [1143] رواه مسلم (1054). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ خُبَيبٍ، عَن عَمِّه رَضِيَ الله عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا بأسَ بالغِنى لِمَن اتَّقى، والصِّحةُ لِمَن اتَّقى خَيرٌ مِن الغِنى، وطِيبُ النَّفسِ مِن النَّعيمِ )) [1144] أخرجه ابن ماجه (2141) واللفظ له، وأحمد (23158). صحح إسناده الحاكم في ((المستدرك)) (2/3)، والبوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (2/5) وقال: (رجالُه ثقاتٌ)، والحديث صححه الذهبي في ((التلخيص)) (2/3)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2141). .
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
أي: ولنجزينَّ الذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحاتِ- في الآخرةِ- ثوابَ إيمانِهم وأعمالِهم على أحسَنِ الذي كانوا يَعمَلونَه في الدُّنيا من الطَّاعاتِ، ونَتَجاوزُ عن سَيِّئاتِهم [1145] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/355)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي بن أبي طالب (6/4084)، ((تفسير الرازي)) (20/267). .
كما قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل: 30] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [العنكبوت: 7] .
وقال سُبحانه: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [الزمر: 35] .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيه حَثٌّ على التأمُّلِ والعِلمِ [1146] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/271). .
2- قَولُ الله تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ فيه الحَثُّ والتَّرغيبُ على الزُّهدِ في الدُّنيا، خُصوصًا الزُّهدَ المتعَيِّنَ، وهو الزُّهدُ فيما يكونُ ضَررًا على العَبدِ، ويُوجِبُ له الاشتِغالَ عمَّا أوجَبَ اللهُ عليه، وتقديمَه على حَقِّ اللهِ؛ فإنَّ هذا الزُّهدَ واجِبٌ. ومِن الدَّواعي للزُّهدِ أن يُقابِلَ العَبدُ لذَّاتِ الدُّنيا وشَهَواتِها بخَيراتِ الآخرةِ؛ فإنَّه يَجِدُ مِن الفَرقِ والتَّفاوُتِ ما يَدعوه إلى إيثارِ أعلى الأمرَينِ [1147] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 448). .
3- في قَولِه تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً دَلالةٌ على أنَّ سَعادةَ الدُّنيا ليسَت بكَثرةِ المالِ والوَلَدِ والمَتاعِ، وإنَّما بالعَمَلِ الصَّالحِ، فلا حياةَ طَيِّبَةً إلَّا لِمَن عَمِلَ صالِحًا وهو مُؤمِنٌ، سواءٌ كان ذكَرًا أو أنثى [1148] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (5/236). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ عَبَّرَ بالافتعالِ في تَتَّخِذُوا؛ إشارةً إلى أنَّ ذلك لا يُفعَلُ إلَّا بعلاجٍ شَديدٍ مِن النَّفسِ؛ لأنَّ الفِطرةَ السَّليمةَ يَشتَدُّ نِفارُها منه [1149] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/245-246). .
2- قال الله تعالى: وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما كان قليلًا وإن كَثُرَ؛ لأنَّه مِمَّا يزولُ، فهو على التَّحقيقِ قَليلٌ [1150] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/173). .
3- قَولُ الله تعالى: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ يدُلُّ على أنَّ نَعيمَ الجَنَّةِ لا ينقَطِعُ، وفي ذلك حُجَّةٌ على جَهمِ بنِ صَفوانَ [1151] جَهمُ بنُ صَفوانَ: هو أُسُّ الضَّلالةِ، ورأسُ الجَهْميَّةِ،كان يُنكِرُ الصِّفاتِ، وينزِّهُ الباريَ عنها بزعمِه، ويقولُ بخَلقِ القرآنِ، ويقولُ: إنَّ اللهَ في الأمكنةِ كُلِّها، وكان يقول: الإيمانُ عَقدٌ بالقلبِ وإن تلفَّظ بالكُفرِ. يُنظر: ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (6/26). ؛ إذ زعَمَ أنَّ نَعيمَ الجَنَّةِ مُنقَطِعٌ [1152] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/591). !
4- قَولُ الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً قَولُه تعالى: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى في هذا البيانِ دَلالةٌ على أنَّ أحكامَ الإسلامِ يَستوي فيها الذُّكورُ والنِّساءُ، عدا ما خَصَّصَه الدِّينُ بأحَدِ الصِّنفَينِ [1153] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/273). .
5- الإيمانُ شَرطٌ في صِحَّةِ الأعمالِ الصَّالحةِ وقَبولِها، بل لا تُسمَّى أعمالًا صالِحةً إلَّا بالإيمانِ، والإيمانُ مُقتَضٍ لها؛ فإنَّه التَّصديقُ الجازِمُ المُثمِرُ لأعمالِ الجَوارِحِ مِن الواجِباتِ والمُستحَبَّاتِ، قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [1154] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 448). .
6- في قَولِه تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ضَمِنَ اللهُ لأهلِ الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ الجَزاءَ في الدُّنيا بالحياةِ الطَّيِّبةِ، والحُسنى يومَ القيامةِ، فلهم أطيَبُ الحَياتَينِ، فهم أحياءٌ في الدَّارَينِ [1155] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 120). .
7- قَولُ الله تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ استَدَلَّ به مَن قال: إنَّ المُباحَ داخِلٌ في قِسمِ الحَسَنِ؛ ووَجهُه: أنَّ (أحسَنَ) أفعَلُ تَفضيلٍ يقتَضي المُشارَكةَ، والواجِبُ أحسَنُ مِن المَندوبِ قَطعًا، والمندوبُ أحسَنُ مِن المُباحِ؛ إذ لا ثَوابَ فيه، فبَقِيَ المُباحُ حسَنًا [1156] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:164)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/439). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ استئنافُ إنشاءٍ عن اتِّخاذِ الأَيْمانِ دخَلًا على العُمومِ، فيَشمَلُ جميعَ الصُّورِ مِن الحَلِفِ في المبايَعةِ، وقَطعِ الحقوقِ الماليَّةِ، وغيرِ ذلك [1157] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/590). .
- قولُه: وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ كَرَّر النَّهيَ عن اتِّخاذِ الأَيمانِ دخَلًا بينَهم؛ تأكيدًا عليهم، وإظهارًا لعِظَمِ ما يُرتكَبُ منه [1158] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/632). ، وهو تصريحٌ بالنَّهيِ عنه بعدَ التَّضمينِ؛ تأكيدًا، ومبالَغةً في قُبحِ المنهيِّ [1159] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/239)، ((تفسير أبي السعود)) (5/138). ، وكان تفريعُ قولِه تعالى: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تفصيلًا لِما أُجمِل في معنى الدَّخَلِ [1160] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/268). .
- قولُه: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا زلَلُ القَدمِ تمثيلٌ لاختلالِ الحالِ، والتَّعرُّضِ للضُّرِّ؛ لأنَّه يترتَّبُ عليه السُّقوطُ أو الكسرُ، كما أنَّ ثُبوتَ القدَمِ تَمكُّنُ الرِّجلِ مِن الأرضِ، وهو تمثيلٌ لاستقامةِ الحالِ، ودَوامِ السَّيرِ، ولَمَّا كان المقصودُ تمثيلَ ما يَجُرُّه نقضُ الأيمانِ مِن الدَّخَلِ شُبِّهَت حالُهم بحالِ الماشي في طريقٍ، بينَما كانت قدَمُه ثابتةً إذا هي قد زلَّت به فصُرِع؛ فالمشبَّهُ بها حالُ رَجُلٍ واحدٍ؛ ولذلك نُكِّرَت قَدَمٌ وأُفرِدَت؛ إذ ليس المقصودُ قدَمًا مُعيَّنةً ولا عددًا من الأقدامِ، كما يُقالُ لجماعةٍ يتَردَّدون في أمرٍ: إنَّكم تُقدِّمون رِجلًا، وتُؤخِّرون أُخرى؛ تَمثيلًا لحالِهم بحالِ الشَّخصِ المتردِّدِ في المشيِ إلى الشَّيءِ [1161] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/269). .
- وقيل: السِّرُّ في إفرادِ القدَمِ وتنكيرِها: استعظامُ أن تَزِلَّ قدَمٌ واحدةٌ عن طريقِ الحقِّ بعدَ أن تَوطَّأَ لها مِهادُه، وثَبتَت عليه؛ فكيف بأقدامٍ كثيرةٍ [1162] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/633)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/282- 283)، ((تفسير أبي السعود)) (5/138)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/364). ؟!
- وزيادةُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا مع أنَّ الزَّللَ لا يُتَصوَّرُ إلَّا بعدَ الثُّبوتِ؛ لِتَصويرِ اختلافِ الحالَينِ، وأنَّه انحِطاطٌ مِن حالِ سعادةٍ إلى حالِ شقاءٍ، ومِن حالِ سلامةٍ إلى حالِ مِحنةٍ [1163] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/269). .
- وقولُه: وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ وعيدٌ بعِقابِ الآخرةِ، وهو معطوفٌ على التَّفريعِ، وبهذا التَّصديرِ، وهذا التَّفريعِ النَّاشئِ عن جملةِ وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فارقَتْ هذه الآيةُ نَظيرتَها السَّابقةَ بالتَّفصيلِ والزِّيادةِ؛ فحُقَّ أن تُعطَفَ عليها لهذه المغايَرةِ، وإن كان شأنُ الجملةِ المؤكِّدةِ ألَّا تُعطَفَ [1164] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/268). .
2- قَولُه تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ هذا نهيٌ عن نَقْضِ عهدِ الإسلامِ؛ لأجْلِ ما فاتَهم بدُخولِهم في الإسلامِ مِن مَنافِعَ عندَ قومِ الشِّركِ، وبهذا الاعتبارِ عُطِفَت هذه الجملةُ على جُملةِ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وعلى جملةِ وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ؛ لأنَّ كلَّ جملةٍ منها تَلتَفِتُ إلى غرَضٍ خاصٍّ ممَّا قد يَبعَثُ على النَّقضِ [1165] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/270). .
- قولُه: وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا: قَلِيلًا صفةٌ كاشِفةٌ وليسَت مُقيِّدةً، أي: إنَّ كلَّ عِوَضٍ يُؤخَذُ عن نقضِ عهدِ اللهِ هو عِوَضٌ قليلٌ، ولو كان أعظَمَ المكتسَباتِ [1166] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/270). .
- وجملةُ إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ تعليلٌ للنَّهيِ باعتبارِ وصْفِ عِوَضِ الاشْتِراءِ المنهيِّ عنه بالقِلَّةِ؛ فإنَّ ما عِندَ اللهِ هو خيرٌ مِن كلِّ ثمَنٍ وإن عَظُم قدرُه [1167] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/270). ، وقولُه: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ تعليلٌ للنَّهيِ على طريقةِ التَّحقيقِ [1168] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/138). .
3- قَولُه تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
- قولُه: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ تعليلٌ للخَيْريَّةِ بطَريقِ الاستِئْنافِ، أي: ما تتَمتَّعون به مِن نَعيمِ الدُّنيا وإنْ جَلَّ، بل الدُّنْيا وما فيها جَميعًا يَنْفَدُ، وإنْ كَثُر عددُه، ويَنقَضي وإن طالَ أمَدُه [1169] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/138). ، وهو تذييلٌ وتعليلٌ لمضمونِ جُملةِ إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ بأنَّ ما عِندَ اللهِ لهم خيرٌ مُتجدِّدٌ لا نَفادَ له، وأنَّ ما يُعْطيهم المشرِكون مَحدودٌ نافِدٌ؛ لأنَّ خَزائنَ النَّاسِ صائِرةٌ إلى النَّفادِ بالإعطاءِ، وخَزائِنَ اللهِ باقيةٌ، أي: ما عِندَ اللهِ لا يَفْنى؛ فالأجدَرُ الاعتِمادُ على عَطاءِ اللهِ الموعودِ على الإسلامِ، دونَ الاعتمادِ على عطاءِ النَّاسِ، الَّذين يَنفَدُ رِزقُهم ولو كَثُر. وهذا الكلامُ جَرى مَجْرى التَّذييلِ لِمَا قَبْلَه، وأطلَق إرسالَ المثَلِ فيُحمَلُ على الأعَمِّ؛ ولذلك كان ضميرُ عِنْدَكُمْ عائِدًا إلى جَميعِ النَّاسِ بقَرينةِ التَّذييلِ والمثَلِ، وبقَرينةِ المقابَلةِ بما عِندَ اللهِ، أي ما عِندَكم- أيُّها النَّاسُ- ما عِندَ الموعودِ وما عِندَ الواعِدِ؛ لأنَّ المنهيِّينَ عن نَقْضِ العهدِ ليس بيَدِهم شيءٌ [1170] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/271). .
- وفي إيثارِ الاسمِ بَاقٍ على صيغةِ المضارِعِ (يَبْقى) مِن الدَّلالةِ على الدَّوامِ ما لا يَخْفى [1171] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/138). .
- قولُه: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ تكريرُ الموعِدِ المستفادِ مِن قولِه تعالى: إِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ على نهجِ التَّوكيدِ القسَميِّ؛ مُبالَغةً في الحَمْلِ على الثَّباتِ في الدِّينِ. والالْتِفاتُ عمَّا يَقتَضيه ظاهِرُ الحالِ مِن أن يُقالَ: (ولنَجزِينَّكم أجرَكم بأحسَنِ ما كُنتم تَعمَلون)؛ للتَّوسُّلِ إلى التَّعرُّضِ لأعمالِهم، والإشعارِ بعِلِّيَّتِها للجزاءِ، أي: واللهِ لنَجزِيَنَّ [1172] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/138). .
- قولُه: بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُضيفَ إليه الأحسَنُ؛ للإشعارِ بكَمالِ حُسنِه كما في قولِه سبحانه: وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ [آل عمران: 148] ، لا لإفادةِ قَصْرِ الجزاءِ على الأحسَنِ منه دونَ الحسَنِ؛ فإنَّ ذلك مِمَّا لا يَخطُرُ ببالِ أحَدٍ لا سِيَّما بعدَ قولِه تعالى: أَجْرَهُمْ، أو لَنَجْزِيَنَّهُمْ بحسَبِ أحسَنِ أفرادِ أعمالِهم المذكورِ على مَعْنى: لَنُعطينَّهم بمُقابَلةِ الفردِ الأدنى مِن أعمالِهم المذكورةِ ما نُعطيه بمُقابلةِ الفردِ الأعلى منها مِن الأجرِ الجزيلِ، لا أنَّا نُعْطي الأجرَ بحَسَبِ أفرادِها المتفاوِتةِ في مَراتبِ الحُسْنِ بأن نَجزِيَ الحسَنَ مِنها بالأجرِ الحسَنِ والأحسَنَ بالأحسَنِ [1173] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/138). ، وذلك على أحدِ الأقوالِ في تفسيرِ الآيةِ.
- قولُه: بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قالَه هنا بلَفظِ مَا وفي سورةِ (الزُّمرِ) قال: بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [الزمر: 35] ، فعَبَّر بلفظِ الَّذِي مُوافَقةً في كلٍّ مِنهما لِمَا قَبلَه؛ إذْ قَبْلَ ما هنا: إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وقولُه: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وقبلَ ما هناك: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا [الزمر: 35] ، وقولُه: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ [1174] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 316). [الزمر: 33] .
4- قولُه تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
- قولُه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى... : مَنْ اسمٌ موصولٌ مُتناوِلٌ في نفسِه للذَّكَرِ والأنثى؛ وإنَّما نبَّه بهِما؛ لأنَّ (مَن) مُبهَمٌ صالِحٌ على الإطلاقِ للنَّوعينِ، إلَّا أنَّه إذا ذُكِر كان الظَّاهرُ تَناوُلَه للذُّكورِ، فقيل: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى على التَّبْيينِ؛ لِتَبيينِ العُمومِ الَّذي دَلَّت عليه (مَن) الموصولةُ؛ لِيَعُمَّ الموعِدُ النَّوعَينِ جميعًا؛ فبيَّنه بالنَّوعينِ دفعًا للتَّخصيصِ؛ فإنَّه لو لم يَذكر الأُنثَى لكانتْ داخِلةً في الحُكمِ بطَريقِ التَّغليبِ، كما في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا حيثُ دخلتِ النساءُ في الخِطابِ بطريق التغليبِ؛ فلَمَّا كان المرادُ هنا مِن مَنْ العمومَ والاستيعابَ لحُصولِ التَّسويةِ بينهما في الحُكمِ، لا بطَريقِ التغليبِ بَيَّن بقولِه: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى. وقيل: إنَّه تعالَى لَمَّا رغَّب المؤمنين في الصَّبرِ على ما الْتزَمُوه من فِعلِ الواجباتِ والمندوباتِ دونَ المباحاتِ بقوله: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا، ثُمَّ رغَّبهم في الإيمانِ بكُلِّ ما كان مِن شرائعِ الإسلامِ بقولِه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا؛ أتْبَع ذلك بقولِه: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى تقريرًا للوعدِ، وإزالةً لوهمِ التَّخصيصِ كَرمًا وفَضلًا [1175] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/612)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (9/190- 191). .
وهذا مِن التَّتميمِ، وتَكرَّر في هذه الآيةِ مرَّتَين؛ الأُولى في قولِه: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى؛ لأنَّ (مَن) الشَّرطيَّةَ أو الموصوليَّةَ تُفيدُ العُمومَ؛ فكان لا بُدَّ مِن تَتميمِها بذلك؛ للتَّأكيدِ، وإزالةً لِوَهمِ التَّخصيصِ جَرْيًا على مُعتقَداتِ العرَبِ القديمةِ في تَفضيلِ الذَّكرِ على الأُنثَى، وإيثارِه بكلِّ ما هو خيرٌ، والثَّانيةَ في قولِه: وَهُوَ مُؤْمِنٌ [1176] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/363)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (20/267). .
- وفي قولِه: وَهُوَ مُؤْمِنٌ أيضًا إيثارُ إيرادِه بالجملةِ الاسميَّةِ الحاليَّةِ على نَظْمِه في سِلْكِ الصِّلةِ، أي: لم يَقُلْ: (وآمَنَ)، عَطفًا على (مَن عَمِل صالِحًا)؛ لإفادةِ وُجوبِ دَوامِه، ومُقارَنتِه للعمَلِ الصَّالحِ [1177] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/139). .
- قولُه: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ابتُدِئ الوعدُ بإسنادِ الإحياءِ إلى ضَميرِ الجَلالةِ؛ تَشريفًا له، كأنَّه قيل: (فلَه حياةٌ طيِّبةٌ منَّا)، ولَمَّا كانت حياةُ الذَّاتِ لها مُدَّةٌ معيَّنةٌ كَثُر إطلاقُ الحياةِ على مُدَّتِها، فوَصَفها بالطِّيبِ بهذا الاعتبارِ، أي: طِيبِ ما يَحصُلُ فيها [1178] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/273). .