موسوعة التفسير

سورةُ الشُّعَراءِ
الآيات (221-227)

ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ

غَريبُ الكَلِماتِ:


أَفَّاكٍ: أي: كذَّابٍ، والإِفْكُ هو أشدُّ الكَذِبِ، وإنَّما سُمِّي إفكًا؛ لأنَّه مصروفٌ عن الحقِّ، والإفكُ: كُلُّ مَصروفٍ عن وجْهِه الذي يحِقُّ أن يكونَ عليه، وأصلُ (أفك): يدُلُّ على قَلبِ الشَّيءِ، وصَرفِه عن جِهتِه [1206] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 145)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/118)، ((تفسير ابن جرير)) (17/670)، ((تفسير السمعاني)) (3/509)، ((المفردات)) للراغب (ص: 79)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 293)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 155).   .
أَثِيمٍ: أي: كثيرِ الإثمِ، مُتجاوِزٍ في الظُّلمِ، وأصلُ (أثم): يدُلُّ على البُطءِ والتأخُّرِ؛ لأنَّ ذا الإثمِ بَطيءٌ عن الخيرِ، متأخِّرٌ عنه [1207] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/53)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/60)، ((المفردات)) للراغب (ص: 63)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 293)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 42).   .
يَهِيمُونَ: أي: يَذهَبون على غيرِ قَصدٍ، كما يذهَبُ الهائمُ على وَجهِه، فيَخوضون في كلِّ نوعٍ مِن الكَلامِ، وأصلُ (هيم): يدُلُّ على عَطَشٍ شديدٍ [1208] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 321)، ((تفسير ابن جرير)) (17/676)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 518)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/26)، ((المفردات)) للراغب (ص: 848).   .
مُنْقَلَبٍ: أي: مَرجِعٍ ومَعادٍ، وأصلُ (قلب): يدُلُّ على صَرفِ الشَّيءِ عن وجهٍ إلى وجهٍ [1209] يُنظر: ((تفسير الطبري)) (17/683)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/17)، ((المفردات)) للراغب (ص: 681)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 704).   .

مُشكِلُ الإعرابِ:


قوله: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
قولُه: أَيَّ: مَنصوبٌ على المَصدَرِ، والنَّاصبُ له يَنْقَلِبُونَ؛ قُدِّمَ عليه لصَدارةِ الاستفهامِ، وهو مُعَلِّقٌ لـ (يعلم)، سادٌّ مَسَدَّ مفعولَيْها، ولا يجوزُ نَصبُ أَيَّ بـ (سيعلَمُ)؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يعمَلُ فيه ما قبْلَه؛ لأنَّ له صدْرَ الكلامِ [1210] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/105)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/107)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/567).   .

المعنى الإجماليُّ:


يُبيِّنُ الله تعالى أنَّه مِن المحالِ أنْ تتنزَّلَ الشياطينُ على الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقولُ: هل أُخبِرُكم بالذين تتنزَّلُ عليهم الشَّياطينُ؟ تتنَزَّلُ على كُلِّ كذَّابٍ كثيرِ الآثامِ، يَستَرِقُ هؤلاء الشَّياطينُ ما يَسمَعونَه في السَّماءِ، ثمَّ يُلقونَه إلى أوليائِهم مِن الكَهَنةِ، وأكثَرُهم كاذِبون فيما يُخبِرونَ به.
ثمَّ يُبطِلُ الله تعالى شبهةً أخرَى مِن شبهاتِهم، وهي زعمُهم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم شاعرٌ، فيقولُ: والشُّعَراءُ يتَّبِعُهم الغاوُون الضالُّونَ، ألم تَرَ أنَّ هؤلاء الشُّعَراءَ يتكَلَّمون بالباطلِ في كلِّ وجهٍ مِن أوجُهِ الكلامِ، خائِضينَ حائرينَ لا يَثبُتونَ على حالٍ، وأنَّهم يقولون ما لا يَفعَلونَه في الواقِعِ، إلَّا مَن آمَنَ منهم، وعَمِلَ صالِحًا، وذكَرَ اللهَ كثيرًا، وهجا بالحَقِّ مَن ظلَمَ؛ انتصارًا لنَفْسِه وللمُسلمينَ؛ فهؤلاء ليسوا مِن الشُّعراءِ المذمومينَ.
ثمَّ يختمُ الله سبحانَه السورةَ بقولِه متوعِّدًا: وسيعلَمُ الذين ظَلَموا بالشِّركِ والاعتداءِ على النَّاسِ المصيرَ الذي يصيرونَ إليه بعْدَ مَوتِهم.

تَفسيرُ الآياتِ:


هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بَيَّنَ سُبحانَه وتعالى أنَّ القُرآنَ لا يصِحُّ أنْ يكونَ ممَّا تنَزَّلتْ به الشَّياطينُ؛ أكَّدَ ذلك بأنْ بَيَّنَ أنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَصِحُّ أنْ يَتنزَّلوا عليه [1211] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/152)، ((تفسير الشربيني)) (3/38).   .
وأيضًا لَمَّا سفَّهَ قولَهم في القرآنِ: إنَّه قولُ كاهنٍ، فردَّ عليهم بقولِه: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء: 210]، وأنَّه لا يَنْبغي للشَّياطينِ، ولا يسْتطيعونَ مِثْلَه، وأنَّهم حِيلَ بيْنَهم وبيْنَ أخبارِ أوليائِهم؛ عاد الكلامُ إلى وصْفِ حالِ كُهَّانِهم؛ لِيُعلَمَ أنَّ الَّذي رَمَوا به القرآنَ لا يَنْبغي أنْ يَلتبِسَ بحالِ أوليائِهم [1212] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/205).   .
وأيضًا لَمَّا بَيَّنَ سُبحانَه أنَّ القرآنَ مُنافٍ لأقوالِ الشياطينِ، وبَيَّنَ أنَّ حالَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وحالَ أتْباعِه مُنافيةٌ لأحوالِهم، وأحوالِ مَن يأتونَه مِن الكُهَّانِ بما ذَكَره سُبحانَه مِن فِعلِه صلَّى الله عليه وسلَّم وفِعلِ أشياعِه رضيَ اللهُ عنهم مِن الإقبالِ على اللهِ، والإعراضِ عمَّا سِواه، فعُلِمَ أنَّ بيْنَهم وبيْنَهم بَونًا بعيدًا، وفَرقًا كبيرًا شديدًا، وأنَّ حالَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم موافِقٌ لحالِ الرُّوحِ الأمينِ النازلِ عليه بالذِّكرِ الحكيمِ- تشوَّفتِ النَّفْسُ إلى معرفةِ أحوالِ إخوانِ الشَّياطينِ، فقال محرِّكًا لِمَن يريدُ ذلك، متمِّمًا لدفعِ اللَّبسِ عن كَونِ القرآنِ مِن عندِ اللهِ [1213] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/111).   :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221).
أي: هل أُخبِرُكم [1214] قال ابن جرير: (يقولُ تعالى ذِكرُه: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أيُّها الناسُ). ((تفسير ابن جرير)) (17/670). وقال ابنُ كثير: (يقولُ تعالى مخاطِبًا لِمن زعَم مِن المشركين أنَّ ما جاء به الرسولُ ليس حقًّا، وأنَّه شيءٌ افتعله مِن تِلقاءِ نفْسِه، أو أنَّه أتاه به رَئِيٌّ مِن الجنِّ، فنزَّه اللهُ سبحانه جَنابَ رسولِه عن قولِهم وافترائِهم، ونبَّه أنَّ ما جاء به إنَّما هو الحقُّ مِن عندِ الله، وأنَّه تنزيلُه ووحْيُه، نزَل به ملَكٌ كريمٌ أمينٌ عظيمٌ، وأنَّه ليس مِن قَبيلِ الشياطينِ؛ فإنَّهم ليس لهم رغبةٌ في مثلِ هذا القرآنِ العظيمِ، وإنَّما يَنزلون على مَن يُشاكلُهم ويشابهُهم مِن الكهَّانِ الكذبةِ). ((تفسير ابن كثير)) (6/172). ويُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 599).   بصِفةِ الذينَ تتنزَّلُ عليهم الشَّياطينُ [1215] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/670)، ((تفسير ابن كثير)) (6/172)، ((تفسير أبي السعود)) (6/268)، ((تفسير السعدي)) (ص: 599).   ؟
تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222).
أي: تتنَزَّلُ بكَثرةٍ على كُلِّ كثيرِ الكَذِبِ في أقوالِه، كثيرِ الآثامِ في أفعالِه [1216] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/670)، ((تفسير السمعاني)) (4/71)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (2/51)، ((تفسير ابن كثير)) (6/172)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/112)، ((تفسير السعدي)) (ص: 599)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/206). قال ابن عاشور: (كُلِّ هنا مُستعمَلةٌ في معنى التكثيرِ، أي: على كثيرٍ مِنَ الأفَّاكينَ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/206).   .
يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) .
أي: يَستَرِقُ الشَّياطينُ بعضَ ما يَسمَعونَه مِن الملائكةِ في السَّماءِ، فيُلقونَه إلى أوليائِهم مِن الكَهَنةِ الأفَّاكين الآثِمينَ قبْلَ أن يُرجَمُوا بالشُّهُبِ [1217] قال الشوكاني: (الشَّياطينُ كانت تَستَرِقُ السَّمعَ ثمَّ يأتون إليهم فيُلقونَه إليهم، وهو معنى قَولِه: يُلْقُونَ السَّمْعَ أي: ما يَسمَعونَه ممَّا يَستَرِقونَه، فتكونُ جملةُ يُلْقُونَ السَّمْعَ على هذا راجعةً إلى الشياطينِ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، أي: حالِ كَونِ الشياطينِ مُلقينَ السمعَ، أي: ما يَسمَعونه مِن الملأِ الأعلى إلى الكُهَّانِ. ويجوزُ أن يكونَ المعنى: إنَّ الشياطينَ يُلْقون السَّمعَ: أي: يُنصِتونَ إلى الملأِ الأعلى لِيَسترِقوا منهم شيئًا، ويكونَ المرادُ بالسَّمعِ على الوجهِ الأوَّلِ المسموعَ، وعلى الوجهِ الثاني: نفْسَ حاسَّةِ السَّمعِ). ((تفسير الشوكاني)) (4/139). ممَّن اختار أنَّ المعنى: يُلْقون ما سمِعوه مِن الملائكةِ ممَّا استَرَقوا سَمْعَه مِن السماءِ إلى الكَهَنةِ: الفرَّاءُ، وابنُ جرير، والثعلبي، والواحدي، والبغوي، وابن الجوزي، والعليمي، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/285)، ((تفسير ابن جرير)) (17/671)، ((تفسير الثعلبي)) (7/184)، ((البسيط)) للواحدي (17/144)، ((تفسير البغوي)) (3/484)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/350)، ((تفسير العليمي)) (5/107)، ((تفسير الشوكاني)) (4/139)، ((تفسير السعدي)) (ص: 599). وقيل: المعنى: تُلْقي الشياطينُ بآذانِهم إلى السمعِ في السماءِ لكلامِ الملائكةِ. وممَّن اختاره: مقاتلُ بن سليمان، والسمرقنديُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/282)، ((تفسير السمرقندي)) (2/570). وقيل: المعنى: يُلْقي الأفَّاكون السمعَ إلى الشياطينِ فيَتلَقَّوْن منهم ظُنونًا وأماراتٍ لنُقصانِ عِلمِهم، فيَضُمُّون إليها على حسَبِ تخيُّلاتِهم خرافاتٍ وأشياءَ لا يُطابِقُ أكثرُها الواقعَ. وممَّن اختار هذا المعنى في الجملةِ: البيضاويُّ، وأبو السعود، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/152)، ((تفسير أبي السعود)) (6/268)، ((تفسير القاسمي)) (7/478). ، وأكثَرُهم كاذِبونَ فيما يُخبِرونَ به مِن الغُيوبِ [1218] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/282)، ((تفسير ابن جرير)) (17/671، 672)، ((الوسيط)) للواحدي (3/365)، ((تفسير البغوي)) (3/484)، ((تفسير الزمخشري)) (3/342)، ((تفسير ابن كثير)) (6/172)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/112)، ((تفسير السعدي)) (ص: 599). قيل: الضَّميرُ في قَولِه تعالى: يُلْقُونَ، وقَولِه تعالى: وَأَكْثَرُهُمْ يعودُ إلى الشياطينِ. وممَّن قال بذلك: مقاتلُ بن سليمان، وابنُ كثير، والسعدي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/282)، ((تفسير ابن كثير)) (6/172)، ((تفسير السعدي)) (ص: 599). وقيل: الضَّميرُ في قَولِه تعالى: يُلْقُونَ: وقولِه: وَأَكْثَرُهُمْ يعودُ إلى كلِّ أفَّاكٍ أثيمٍ. وممَّن قال بذلك: البيضاويُّ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/152)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/206). وقيل: الضَّميرُ في قَولِه تعالى: يُلْقُونَ : يعودُ إلى الشياطينِ، وفي قَولِه تعالى: وَأَكْثَرُهُمْ يعودُ إلى أوليائِهم مِن الكَهَنةِ الأفَّاكينَ الآثِمين. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، والسمرقنديُّ، والزمخشري، والخازن. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/672)، ((تفسير السمرقندي)) (2/570)، ((تفسير الزمخشري)) (3/342)، ((تفسير الخازن)) (3/334). .
كما قال تعالى: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [الحجر: 18].
وعن أبي هُرَيرةَ رَضيَ الله عنه، قال: إنَّ نبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا قضى اللهُ الأمرَ في السَّماءِ ضَرَبت الملائِكةُ بأجنِحَتِها خُضْعانًا لِقَولِه، كأنَّه سِلسلةٌ على صَفوانٍ [1219] صَفوانٍ: هو الحَجَرُ الأملَسُ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (7/192).   ، فإذا فُزِّعَ [1220] فُزِّعَ أي: أُزيلَ الخَوفُ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (7/192).   عن قُلوبِهم قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا للَّذي قال: الحَقَّ، وهو العَليُّ الكبيرُ، فيَسمَعُها مُستَرِقُ السَّمعِ، ومُستَرِقُ السَّمعِ هكذا بعضُه فوقَ بَعضٍ -ووصَفَ سُفْيانُ بكَفِّه فحَرَفَها وبَدَّد بيْنَ أصابِعِه- فيسمَعُ الكَلِمةَ فيُلْقيها إلى مَن تحتَه، ثمَّ يُلقيها الآخَرُ إلى مَن تحتَه، حتَّى يُلقيَها على لسانِ الساحِرِ أو الكاهِنِ، فرُبَّما أدرَك الشِّهابُ قبْلَ أن يُلقِيَها، ورُبَّما ألْقاها قبْلَ أن يُدرِكَه، فيَكذِبُ معها مِئةَ كَذْبةٍ، فيُقالُ: أليس قد قال لنا يومَ كذا وكذا: كذا وكذا؟! فيُصَدَّقُ بتلك الكَلِمةِ التي سَمِعَ مِنَ السَّماءِ )) [1221] رواه البخاري (4800).   .
وعن عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها، قالت: ((سَأل أُناسٌ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الكُهَّانِ، فقال لهم رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليسُوا بشَيءٍ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فإنَّهم يحَدِّثونَ أحيانًا بالشَّيءِ يكونُ حَقًّا! فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تلك الكَلِمةُ مِنَ الحَقِّ يَخطَفُها الجِنِّيُّ، فيَقُرُّها في أذُنِ وليِّه قَرَّ الدَّجاجةِ [1222] القَرُّ: ترديدُك الكلامَ في أذُنِ المخاطَبَ حتى يفهَمَه، وقَرُّ الدجاجةِ: صَوتُها إذا قطَّعَتْه. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (4/39).   ، فيَخلِطون فيها أكثَرَ مِن مِئةِ كَذْبةٍ )) [1223] رواه البخاري (6213) واللفظ له، ومسلم (2228).   .
وعن عائشةَ رَضيَ الله عنها، أنَّها سَمِعَت رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ الملائِكةَ تَنزِلُ في العَنانِ -وهو السَّحابُ-، فتذكُرُ الأمرَ قُضِي في السَّماءِ، فتَستَرِقُ الشَّياطينُ السَّمعَ فتَسمَعُه، فتُوحيه إلى الكُهَّانِ، فيَكذِبون معها مِئةَ كَذبةٍ مِن عندِ أنفُسِهم )) [1224] رواه البخاري (3210).   .
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا قال الكُفَّارُ: لِمَ لا يجوزُ أن يُقالَ: إنَّ الشَّياطينَ تَنزِلُ بالقُرآنِ على محمَّدٍ، كما أنَّهم يَنزِلون بالكَهانةِ على الكَهَنةِ، وبالشِّعرِ على الشُّعَراءِ؟! ثمَّ إنَّه سُبحانَه فَرَّق بيْنَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبيْنَ الكَهَنةِ؛ فذكَرَ هاهنا ما يدُلُّ على الفَرقِ بيْنَه عليه السَّلامُ وبينَ الشُّعَراءِ [1225] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/538).   .
وأيضًا لَمَّا نزَّه اللهُ تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن نُزولِ الشَّياطينِ عليه؛ برَّأه أيضًا مِن الشِّعرِ، فقال [1226] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 600).   :
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) .
أي: والشُّعَراءُ يتَّبِعُهم غُواةُ الإنسِ والجِنِّ، الضَّالُّونَ المتَّبِعون أهواءَهم وشَهَواتِهم، وليس القرآنُ شِعرًا، ولا محمَّدٌ بشاعرٍ. وأتباعُه هم المُهتَدون [1227] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/673، 676)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/463)، ((تفسير البيضاوي)) (4/152)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (12/18، 19) و(28/163)، ((تفسير ابن كثير)) (6/173، 174)، ((تفسير الشوكاني)) (4/140)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/208، 210)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 311). قال ابن عاشور: (الغاوي: المتَّصِفُ بالغَيِّ والغَوايةِ، وهي الضَّلالةُ الشَّديدةُ، أي: يَتَّبِعُهم أهلُ الضَّلالةِ والبِطالةِ الرَّاغبون في الفِسقِ والأذى). ((تفسير ابن عاشور)) (19/208، 210). وقال ابن عطية: (كلُّ شاعرٍ في الإسلامِ يهجو ويمدَحُ مِن غيرِ حَقٍّ، ولا يرتَدِعُ عن قولٍ دَنيءٍ؛ فهم داخِلون في هذه الآيةِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/247). وقال ابن عبد البر: (لا يُنكِرُ الشِّعرَ الحَسَنَ أحَدٌ مِن أُولي العِلمِ ولا مِن أُولي النُّهَى... وليس أحدٌ مِن كبارِ الصَّحابةِ وأهلِ العِلمِ ومَوضِعِ القُدوةِ إلَّا وقد قال الشِّعرَ وتمثَّلَ به، أو سَمِعَه فرَضِيَه، وذلك ما كان حِكمةً أو مُباحًا مِن القَولِ، ولم يكُنْ فيه فُحشٌ ولا خَنًا، ولا لِمُسلمٍ أذًى، فإنْ كان ذلك فهو والمنثورُ مِن الكلامِ سَواءٌ؛ لا يحِلُّ سَماعُه ولا قَولُه). ((التمهيد)) (22/194). .
كما قال تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ [يس: 69].
وقال سُبحانَه: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة: 41 - 43].
وعن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضيَ الله عنه، قال: بَيْنَا نحن نسيرُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالعَرْجِ [1228] العَرْجُ: قريةٌ قَريبةٌ مِن المدينةِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (15/15).   إذْ عَرَضَ شاعِرٌ يُنشِدُ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((خُذوا الشَّيطانَ أو أمسِكوا الشَّيطانَ؛ لَأَنْ يَمتلئَ جَوفُ رجُلٍ قَيْحًا [1229] قَيحًا: أي: صديدًا ودَمًا. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) لعلي القاري (7/3017).   خيرٌ له مِن أن يمتلئَ شِعرًا)) [1230] رواه مسلم (2259).   .
وعن أبي هُريرةَ رَضيَ الله عنه، قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لَأَنْ يَمتلئَ جَوفُ الرَّجُلِ قَيحًا يَريهِ [1231] يريه: أي: يأكُلُ جَوفَه ويُفسِدُه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (15/14).   خَيرٌ مِن أنْ يَمتلئَ شِعرًا)) [1232] رواه البخاري (6155)، ومسلم (2257) واللَّفظُ له. قال القرطبي: (هذا الحديثُ أحسَنُ ما قيل في تأويلِه: إنَّه الذي قد غَلَب عليه الشِّعرُ، وامتلأ صدرُه منه دونَ علمِ سِواه، ولا شيءٍ مِن الذِّكرِ، مِمَّن يخوضُ به في الباطِلِ، ويَسلُكُ به مسالِكَ لا تُحمَدُ له، كالمُكثرِ مِن اللَّغَطِ والهَذْرِ والغِيبةِ وقَبيحِ القولِ، ومَن كان الغالِبُ عليه الشِّعرَ لزِمَتْه هذه الأوصافُ المذمومةُ الدنيَّةُ؛ لحُكمِ العادةِ الأدبيَّةِ، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاريُّ في صَحيحِه لَمَّا بوَّبَ على هذا الحديثِ: بابُ ما يُكرَهُ أن يكون الغالِبُ على الإنسانِ الشِّعرَ). ((تفسير القرطبي)) (13/151).   .
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225).
أي: ألم تَرَ أنَّ الشُّعَراءَ يتكَلَّمونَ بالباطِلِ في كُلِّ لَغوٍ ووَجهٍ مِن أوجُهِ القَولِ؛ كالمَدحِ والهِجاءِ، والرِّثاءِ والفَخرِ والغَزَلِ، يَمضُون فيه خائِضينَ حائرينَ، لا يَثبُتونَ على حالٍ [1233] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/676)، ((تفسير البغوي)) (3/485)، ((تفسير القرطبي)) (13/152)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/163)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/114)، ((تفسير الشوكاني)) (4/140)، ((تفسير السعدي)) (ص: 600)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 312). قال ابن جرير: (هذا مَثَلٌ ضَرَبه الله لهم في افتِنانِهم في الوجوهِ التي يفتنُّونَ فيها بغيرِ حَقٍّ، فيَمدَحون بالباطِلِ قَومًا، ويهجُون آخَرينَ كذلك بالكَذِبِ والزُّورِ). ((تفسير ابن جرير)) (17/676).   ؟!
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) .
أي: وأنَّ الشُّعَراءَ يقولون الكَذِبَ، فيتكَلَّمونَ بما لا يَفعَلونَه في الواقِعِ [1234] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/677)، ((تفسير القرطبي)) (13/152)، ((تفسير ابن كثير)) (6/174)، ((تفسير السعدي)) (ص: 600)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/209). قال القرطبي: (يقولُ: أكثَرُهم يكذِبونَ، أي: يدُلُّون بكلامِهم على الكرَمِ والخيرِ، ولا يفعلونَه). ((تفسير القرطبي)) (13/152). وقال ابنُ كثيرٍ: (قال عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ: «أكثرُ قولِهم يَكذِبون فيه». وهذا الذي قاله ابنُ عباسٍ رضي الله عنه هو الواقِعُ في نفْسِ الأمر؛ فإنَّ الشعراءَ يتبجَّحون بأقوالٍ وأفعالٍ لم تَصدُرْ منهم ولا عنهم، فيتكَثَّرونَ بما ليس لهم). ((تفسير ابن كثير)) (6/174). وقال السعدي: (هذا وصْفُ الشعراءِ؛ أنَّهم تخالِفُ أقوالُهم أفعالَهم، فإذا سمِعتَ الشاعرَ يتغزَّلُ بالغزلِ الرقيقِ، قلتَ: هذا أشدُّ الناسِ غرامًا، وقلبُه فارغٌ مِن ذاك، وإذا سمِعتَه يمدحُ أو يذمُّ، قلتَ: هذا صدقٌ، وهو كذبٌ، وتارةً يتمدَّحُ بأفعالٍ لم يَفعلْها، وتُروكٍ لم يَترُكْها، وكرَمٍ لم يحُمْ حوْلَ ساحتِه، وشجاعةٍ يعلو بها على الفُرسانِ، وتراه أجبَنَ مِن كلِّ جبانٍ، هذا وصْفُهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 600). وقال ابنُ عاشور: (في هذا إبداءٌ للبَونِ الشاسعِ بيْنَ حالِ الشُّعراءِ، وحالِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي كان لا يقولُ إلَّا حقًّا، ولا يصانِعُ، ولا يأتي بما يُضَلِّلُ الأفهامَ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/210). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2، 3].
إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227).
إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا.
أي: إلَّا [1235] قال ابن عاشور: (بهذا الاستثناءِ تعيَّن أنَّ المذمومينَ هم شُعَراءُ المُشرِكينَ الذين شغَلَهم الشِّعرُ عن سَماعِ القرآنِ، والدُّخولِ في الإسلامِ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/210). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/677).   الشُّعَراءَ المؤمِنينَ الذين عَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ، وذكَروا اللهَ ذِكرًا كَثيرًا [1236] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/678، 680)، ((تفسير ابن عطية)) (4/247)، ((تفسير القرطبي)) (13/152)، ((تفسير ابن كثير)) (6/175، 176)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/115)، ((تفسير السعدي)) (ص: 600). قال الواحدي: (أي: لم يَشغَلْهمُ الشِّعرُ عن ذِكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولم يجعَلوا الشِّعرَ هَمَّهم). ((البسيط)) (17/151). وقال ابن كثير: (قيل: معناه: ذكَروا الله كثيرًا في كلامِهم. وقيل: في شِعرِهم. وكلاهما صحيحٌ مُكَفِّرٌ لِما سبَق). ((تفسير ابن كثير)) (6/176). وقال البِقاعي: (لم يَشغَلْهم الشِّعرُ عن الذِّكرِ، بل بَنَوا شِعرَهم على أمرِ الدِّينِ، والانتصارِ للشَّرعِ، فصار لذلك كله ذِكرًا للهِ). ((نظم الدرر)) (14/115). وقال ابن عاشور: (معنى: وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا أي: كان إقبالُهم على القُرآنِ والعبادةِ أكثَرَ مِن إقبالِهم على الشِّعرِ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/211). .
عن أبي هُريرةَ رَضيَ الله عنه، قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أصْدَقُ كَلِمةٍ قالها شاعِرٌ كَلِمةُ لَبِيدٍ: ألَا كُلُّ شَيءٍ ما خلا اللهَ باطِلُ. وكاد أُمَيَّةُ ابنُ أبي الصَّلْتِ أن يُسلِمَ )) [1237] رواه البخاري (3841)، ومسلم (2256) واللفظُ له.   .
وعن سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ رَضيَ الله عنه، قال: ((خرَجْنا مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى خَيْبَرَ، فسِرْنا ليلًا، فقال رجُلٌ مِن القَومِ لعامِرِ بنِ الأكوَعِ: ألَا تُسمِعُنا مِن هُنَيْهاتِك [1238] هُنَيهاتِك: أي: أراجيزِك، والأُرْجوزةُ: القصيدةُ مِن الرَّجَزِ. يُنظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (3/1736)، ((المصباح المنير)) للفيومي (1/219).   ؟ قال: وكان عامِرٌ رجُلًا شاعِرًا، فنزل يَحْدو بالقَومِ يقولُ:
اللَّهمَّ لولا أنت ما اهتَدَيْنا
ولا تصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا
فاغفِرْ فِداءً لك ما اقتَفَيْنا [1239] فِداءً لك: رُوي بالرفع: «فداءٌ» على المبتدأِ، وخبرِه، أى: نفسي فداءٌ أو فداءٌ نفسي لك، وبالنصبِ على المصدرِ. يُنظر: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) للقاضي عياض (6/182). قيل: كأنَّه قال: نفسي مبذولةٌ لرِضاك، أو هذه الكلمةُ وقعَتْ خطابًا لسامعِ الكلامِ، وقيل: هي دعاءٌ، أي: افدِنا مِن عقابِك على ما اقترَفْنا مِن ذنوبِنا، كأنَّه قال: اغفِرْ لنا، وافْدِنا منك فداءً لك: أي: مِن عندِك، فلا تعاقبنا به. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (10/543). واقتفينا أي: اكتسبنا. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (12/167).
وثبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقَيْنا
وألْقِيَنْ سَكينةً علينا
إنَّا إذا صِيحَ بنا أتَيْنا [1240] أي: جِئْنا إذا دُعينا إلى القتالِ أو إلى الحقِّ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (7/466).  
وبالصِّياحِ عَوَّلوا علينا [1241] أي: قصَدونا بالدُّعاءِ بالصَّوتِ العالي واستغاثوا علينا. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (7/466).  
فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن هذا السائِقُ؟! قالوا: عامِرُ بنُ الأكوَعِ، فقال: يَرحَمُه اللهُ ))
[1242] رواه البخاري (6148).   .
وعن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضيَ الله عنه، أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ مِن الشِّعرِ حِكمةً )) [1243] رواه البخاري (6145).   .
وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا.
أي: وهَجَوا شُعَراءَ المُشرِكينَ الذين هَجَوْهم ظُلمًا، فرَدُّوا عليهم بالحَقِّ؛ انتِصارًا للمُسلمينَ، فهؤلاء المُستَثنَونَ ليسوا مِن الشُّعَراءِ المَذمومينَ [1244] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/681)، ((تفسير القرطبي)) (13/152، 153)، ((تفسير ابن كثير)) (6/176)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/211، 212). قال الشوكاني: (يدخُلُ في هذا مَن انتصَر بشِعرِه لأهلِ السُّنَّةِ، وكافَحَ أهلَ البدعةِ، وزيَّفَ ما يقولُه شُعراؤُهم؛ مِن مدحِ بدعتِهم، وهَجوِ السُّنَّةِ المطَهَّرةِ، كما يقعُ ذلك كثيرًا مِن شُعَراءِ الرافضةِ ونحوِهم؛ فإنَّ الانتصارَ للحَقِّ بالشِّعرِ، وتزييفَ الباطِلِ به: مِن أعظَمِ المجاهدةِ، وفاعِلُه مِن المجاهدينَ في سبيلِ الله، المنتصرينَ لدِينِه، القائمينَ بما أمَرَ الله بالقيامِ به). ((تفسير الشوكاني)) (4/140).   .
عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضيَ الله عنه: ((أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دخَل مكَّةَ في عُمرةِ القَضاءِ، وعبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ بيْنَ يديه يمشي، وهو يقولُ:
خَلُّوا بَني الكُفَّارِ عن سَبيلِهْ
اليَومَ نَضرِبُكم على تَنزيلِهْ
ضَربًــا يُزيــلُ الهـامَ عن مَقيلِـهْ [1245] الهامُ: جمعُ هامةٍ، وهي أعلَى الرأسِ. ومَقيلِه: أي: مَوضِعِه. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (4/134).  
ويُذهِـلُ الخليـلَ عن خَليلِهْ [1246] أي: يُنسي ذلك الضربُ الخليلَ عن خليلِه. يُنظر: ((تحفة الأحوذي)) للمباركفوري (8/112).  
فقال له عُمَرُ: يا ابنَ رَواحةَ، بيْنَ يَدَيْ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وفي حَرَمِ الله تقولُ الشِّعرَ؟! فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: خَلِّ عنه يا عُمَرُ؛ فلَهِيَ أسرَعُ فيهم مِن نَضْحِ النَّبْلِ [1247] نضْحِ النبلِ: أي: رمْيِه، والمراد: أن أشعارَه تُؤثِّرُ فيهم تأثيرًا أسرعَ مِن تأثيرِ النبلِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (7/3018)، ((تحفة الأحوذي)) للمباركفوري (8/112).   )
[1248] أخرجه الترمذي (2847) واللفظ له، والنسائي (2873). قال الترمذي: حسنٌ صَحيحٌ غريبٌ مِن هذا الوجه. وأخرجه ابنُ حبان في ((صحيحه)) (5788). وصحَّح الحديثَ ابنُ حجر -كما في ((الفتوحات الربانية)) لابن علان (5/148)-، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2847).   .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضيَ الله عنه: ((أنَّ عُمَرَ مَرَّ بحَسَّان وهو يُنشِدُ الشِّعرَ في المسجِدِ، فلَحَظ إليه، فقال: قد كنتُ أُنشِدُ وفيه مَن هو خيرٌ منك، ثمَّ التَفَتَ إلى أبي هُريرةَ فقال: أَنشُدُك اللهَ، أسَمِعْتَ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: أجِبْ عنِّي، اللَّهُمَّ أيِّدْه برُوحِ القُدُسِ؟ قال: اللُّهَمَّ نَعَمْ)) [1249] رواه مسلم (2485).   .
وعن عائِشةَ رَضيَ الله عنها: ((أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: اهجُوا قُرَيشًا؛ فإنَّه أشَدُّ عليها مِن رَشْقٍ [1250] رشْقٍ أي: رمْيٍ. يُنظر: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) للقاضي عياض (7/528).   بالنَّبْلِ، فأرسَلَ إلى ابنِ رَواحةَ فقال: اهجُهم، فهجاهم فلمْ يُرْضِ، فأرسَلَ إلى كعبِ بنِ مالكٍ، ثمَّ أرسَلَ إلى حسَّان بنِ ثابتٍ، فلمَّا دخل عليه، قال حسَّان: قد آنَ لكم أن تُرسِلوا إلى هذا الأسَدِ الضَّارِبِ بذَنَبِه [1251] المرادُ بذَنَبِه هنا: لِسانُه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (16/49).   ، ثمَّ أدلَعَ [1252] أدلَعَ لسانَه: أي: أخرَجَه عن الشَّفَتينِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (16/49).   لِسانَه فجعَل يُحَرِّكُه! فقال: والذي بعَثَك بالحَقِّ، لأَفْرِيَنَّهم بلِساني فَرْيَ الأَديمِ [1253] أي: لأمزقَنَّ أعراضَهم تمزيقَ الجلدِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (16/49).   ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تَعجَلْ؛ فإنَّ أبا بكرٍ أعلَمُ قُرَيشٍ بأنسابِها، وإنَّ لي فيهم نسَبًا، حتى يُلَخِّصَ [1254] يُلخِّص أي: يبيِّن. يُنظر: ((مطالع الأنوار على صحاح الآثار)) لابن قرقول (2/450).   لك نَسَبي، فأتاه حَسَّان، ثمَّ رجَعَ فقال: يا رَسولَ اللهِ، قد لخَّصَ لي نسَبَك، والذي بعثَك بالحَقِّ لأَسُلَّنَّك منهم كما تُسَلُّ الشَّعرةُ مِن العَجينِ [1255] أي: لأخلصَنَّ نسبَك مِن نسبِهم، بحيثُ يختصُّ الهجوُ بهم دونَك، كما أنَّ الشعرةَ إذا سُلَّت مِن العجينِ لا يبقَى منها شيءٌ فيه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (16/48)، ((فتح الباري)) لابن حجر (6/554).   ! قالت عائشةُ: فسَمِعْتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ لحسَّان: إنَّ رُوحَ القُدُسِ لا يَزالُ يؤيِّدُك ما نافَحْتَ [1256] نافحْتَ: أي: دافَعْتَ. والمنافَحةُ والمكافحةُ: المدافَعةُ والمضاربةُ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (5/89).   عن اللهِ ورَسولِه! وقالت: سَمِعتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: هَجاهم حسَّان فشَفَى واشتَفَى [1257] فشفَى واشتَفَى: أي: شفَى المؤمنينَ، واشتفَى هو بما ناله مِن أعراضِ الكفارِ، ومزَّقها ونافَح عن الاسلامِ والمسلمينَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (16/49).   !)). قال حسَّان:
هجَوْتَ محمدًا فأجبتُ عنه
وعند الله في ذاك الجزاءُ
هجوتَ محمدًا برًّا حنيفًا
رسولَ الله شيمتُه الوفاءُ
فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرضي
لعِرضِ محمَّدٍ منكم وِقاءُ
ثَكِلتُ بُنَيَّتِي [1258] الثكل: فقْدُ الولدِ. وبُنيَّتي: تصغيرُ بنتٍ. والمعنى: الدعاءُ على نفْسِه إن لم يغزُ قريشًا. يُنظر: ((المفهم لما أَشْكَل من تلخيص كتاب مسلم)) للمازَري (6/428).   إن لم ترَوْها
تُثِيرُ النَّقعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ [1259] كَنَفَيْ كَدَاءِ: أي: جانِبَي كَدا، وكَدَاءُ: ثَنِيَّةٌ على بابِ مكَّةَ، وهي التي يقالُ لها الحَجُونُ، وعلى هذه الروايةِ في هذا البيتِ إقواءٌ مخالفٌ لباقيها، وفي بعض النسخ: غايتُها كَداءُ، وفي بعضِها: موعِدُها كَداءُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (16/50).  
يُبارين الأعِنَّةَ مُصعِداتٍ [1260] مُصعِداتٍ: أى: مُقبِلاتٍ إليكم متوجِّهاتٍ. يُنظر: ((إكمال المُعْلِم)) للقاضي عياض (7/531).  
على أكتافِها الأسَلُ الظِّمَاءُ [1261] الأسَلُ: الرِّماحُ، والظِّماءُ: الرِّقاقُ أو العاطِشةُ بدماءِ الأعادي. يُنظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (7/531).  
تَظَلُّ جيادُنا مُتَمَطِّرَاتٍ [1262] مُتَمَطِّراتٍ: أى: سِراعًا يُسابِقُ بَعضُها بعضًا. يُنظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (7/531).  
تُلَطِّمُهن بِالخُمُرِ النِّسَاءُ [1263] أي: تمسحُهنَّ النساءُ بخمرِهنَّ (جمعُ خِمارٍ): أي: يُزِلْنَ عنهنَّ الغبارَ، وهذا لعزَّتِها، وكرامتِها عندَهم. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (16/51).  
فإن أعرضتُمو عنَّا اعتمَرْنا
وكان الفتحُ وانكَشَف الغِطاءُ
وإلَّا فاصبروا لضِرابِ يومٍ
يُعِزُّ الله فيه مَن يشاءُ
وقال الله قد أرسلتُ عبدًا
يقول الحقَّ ليس به خَفاءُ
وقال الله قد يسَّرتُ جندًا
هم الأنصار عُرضَتُها [1264] عُرضَتُها: أي: مقصودُها ومَطلوبُها. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (16/51).   اللقاءُ
لنا في كلِّ يومٍ مِن مَعَدٍّ [1265] يعني بمَعَدٍّ: قريشًا، نسَبهم لمعدِّ بنِ عدنانَ. يُنظر: ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) للمازَري (6/430).  
سبابٌ أو قِتالٌ أو هِجاءُ
فمَن يهجو رسولَ الله منكم
ويمدَحُه وينصُرُه سَواءُ
وجبريلٌ رسولُ الله فينا
ورُوحُ القُدسِ ليس له كِفاءُ [1266] رواه مسلم (2490). وكِفاءُ: أي: مُماثِلٌ ومُقاوِمٌ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (16/51).  
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أباح سُبحانَه الانتِصارَ مِن الظَّالمِ، وكان البادئُ -إذا اقتصَرَ المجيبُ على جوابِه- أظلَمَ، كان إذا تجاوَز جديرًا بأنْ يعتديَ فيندَمَ- حَذَّرَ اللهُ الاثنينِ [1267] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/120).   .
وأيضًا لَمَّا ذَكَرَ سبحانه في هذه السورةِ ما يُزيلَ الحزنَ عن قلْبِ رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم مِن الدلائلِ العقليَّةِ، ومِن أخبارِ الأنبياءِ المتقدمينَ، ثمَّ ذَكَرَ الدلائلَ على نبوَّتِه صلَّى الله عليه وسلَّم، وردَّ على المشركينَ في تسميتِهم له تارةً بالكاهنِ، وتارةً بالشاعرِ! وبَيَّنَ الفَرْقَ بيْنَه وبينَ الكاهنِ أوَّلًا، ثمَّ بَيَّنَ الفرقَ بينَه وبينَ الشاعرِ ثانيًا؛ خَتَم السورةَ بهذا التهديدِ العظيمِ، يعني: أنَّ الذين ظلَموا أنفُسَهم، وأعرَضوا عن تدبُّرِ هذه الآياتِ؛ والتأمُّلِ في هذه البيِّناتِ فإنَّهم سيَعلَمون بعْدَ ذلك أيَّ مُنقلَبٍ يَنقلِبونَ [1268] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/539).   .
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.
أي: وسيَعلَمُ الذين ظَلَموا أنفُسَهم بالشِّركِ والمعاصي، والاعتِداءِ على حُقوقِ العبادِ؛ المآلَ السَّيِّئَ الذي سيَصيرون إليه بعْدَ مَوتِهم؛ فإنَّ مصيرَهم إلى النَّارِ [1269] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/682)، ((تفسير القرطبي)) (13/153، 154)، ((تفسير ابن كثير)) (6/177)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/213)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/108). قال القرطبي: (في هذا تهديدٌ لِمَنِ انتصَرَ بظُلمٍ، أي: سيَعلمُ الظَّالِمون كيف يَخلُصون مِن بينِ يَدَيِ الله عزَّ وجَلَّ؛ فالظَّالمُ ينتظِرُ العقابَ، والمظلومُ ينتَظِرُ النُّصرةَ). ((تفسير القرطبي)) (13/153).   .

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- قَولُه تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ إلى آخرِ الآياتِ، فيه ذمُّ الشِّعرِ والمُبالغةِ في المَدحِ والهَجوِ وغَيرِهما مِن فُنونِه، وجوازُه في الزُّهدِ والأدَبِ ومَكارمِ الأخلاقِ، وجوازُ الهَجوِ لِمَن ظُلِمَ انتِصارًا [1270] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 200).   .
2- في قَولِه تعالى عن الشُّعراءِ: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا دَليلٌ على أنَّ مَن تَجنَّبَ الكَذِبَ المَحْضَ في شِعْرِه ولم يَتشبَّعْ به، فقولُه للشِّعرِ مُباحٌ لا حَرَجَ عليه [1271] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/537).   .
3- في قَولِه تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا دَليلٌ على أنَّ الباديَ بالهِجاءِ ظالِمٌ، والمجيبَ مُنتصِرٌ، وأنَّ الانتصارَ يكونُ باللِّسانِ كما يكونُ باليَدِ [1272] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/537).   .
4- قال الله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ كان السَّلَفُ الصَّالحُ يتواعَظونَ بهذه الآيةِ؛ لأنَّك لا تجِدُ أهيَبَ منها، ولا أهوَلَ ولا أوجَعَ لقُلوبِ المتأمِّلينَ، ولا أصدَعَ لأكبادِ المتدَبِّرينَ [1273] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/120).   .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- قال الله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ إنَّ ظاهِرَ القُرآنِ ليس فيه أنَّ الشُّعَراءَ تتنَزَّلُ عليهم الشَّياطينُ إلَّا إذا كان أحدُهم كذَّابًا أثيمًا؛ فالكذَّابُ في قَولِه وخَبرِه، والأثيمُ في فِعلِه وأمرِه؛ وذاك -واللهُ أعلمُ- لأنَّ الشِّعرَ يكونُ مِن الشَّيطانِ تارةً، ويكونُ مِن النَّفْسِ أُخرى، كما أنَّه إذا كان حَقًّا يكونُ مِن رُوحِ القُدُسِ، كما قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا دعا لحسَّان بنِ ثابتٍ: ((اللَّهُمَّ أيِّدْه برُوحِ القُدُسِ )) [1274] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (2/51). والحديث تقدَّم تخريجُه (ص: 380).   .
2- في قَولِه تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ دليلٌ على أنَّ الكَهَنةَ كذَّابون أفَّاكون، لا يُغتَرُّ بتلك الكلمةِ مِن أقاويلِهم التي يُلقيها إليهم أولياؤُهم مِن الشَّياطينِ [1275] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/536).   !
3- قال الله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ إنَّما قال: تَنَزَّلُ؛ لأنَّها أكثَرُ ما تكونُ في الهواءِ، وأنَّها تمُرُّ في الرِّيحِ [1276] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/145).   .
4- في قَولِه تعالى: وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ سؤالٌ: كيف قال: «أكثَرُهم» بعْدَما حَكَمَ بأنَّ كلَّ أفَّاكٍ أثيمٌ، أي: فاجرٌ؟!
الجوابُ: الضميرُ في «أكثرهم» للشياطينِ لا للأفَّاكينَ، ولو سُلِّمَ؛ فالأفَّاكون هم الذين يُكثِرون الكذبَ؛ لا أنَّهم الذين لا ينطِقونَ إلَّا بالكذبِ [1277] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 416).   ، فأراد أنَّ هؤلاء الأفَّاكينَ قَلَّ مَن يَصدُقُ منهم فيما يحكي عن الجنِّ، وأكثرُهم يفتري عليهم [1278] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/343)، ((تفسير الرازي)) (24/538).   . وقيل: (كُل) مُستعمَلةٌ في معنى التَّكثيرِ [1279] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/206).   .
5- في قَولِه تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ إلى آخِرِ الآياتِ دَلالةٌ على أنَّ للشِّعرِ حالتَين: حالةً مذمومةً، وحالةً مأذونةً؛ فتَعَيَّنَ أنَّ ذَمَّه ليس لكونِه شِعرًا، ولكنْ لِمَا حُفَّ به مِن معانٍ وأحوالٍ اقتَضَتِ المذمَّةَ، فانفتحَ بالآيةِ للشِّعرِ بابُ قَبولٍ ومدْحٍ، فحَقَّ على أهلِ النَّظَرِ ضبطُ الأحوالِ التي تأوي إلى جانبِ قَبولِه أو إلى جانبِ مدْحِه، والتي تأوي إلى جانبِ رفْضِه، وقد أومأَ إلى الحالةِ الممدوحةِ قولُه: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا، وإلى الحالةِ المأذونةِ قولُه: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [1280] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/211).   . فليس كُلُّ الشِّعرِ مَذمومًا، بل منه ما هو مباحٌ كما ثبَت في الصَّحيحِ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إنَّ مِن الشِّعرِ لَحِكمةً )) [1281] تقدم تخريجه (ص: 379).   ، فاللهُ تعالى قد استثنَى مِن الشُّعَراءِ المذمومينَ مَن ذكَرَه؛ فدلَّ ذلك على أنَّه ليس كلُّ الشُّعَراءِ مَذمومينَ [1282] يُنظر: ((الاستغاثة في الرد على البكري)) لابن تيمية (ص: 303).   .
6- قال الله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ قَولُه تعالى في هذه الآيةِ الكريمةِ: يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ يدُلُّ على أنَّ اتِّباعَ الشُّعَراءِ مِن اتِّباعِ الشَّيطانِ؛ بدليلِ قَولِه تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [1283] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/104).   [الحجر: 42].
7- قال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ الذين استثناهم سُبحانَه مِن عُمومِ الشُّعَراءِ المذمومينَ وَصَفهم بأمورٍ أربعةٍ:
أحدُها: الإيمانُ، وهو قولُه: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا.
وثانيها: العملُ الصالحُ، وهو قَولُه: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.
وثالثُها: أنْ يكونَ شِعْرُهم في التَّوحيدِ والنبوَّةِ ودَعوةِ الحقِّ، وهو قَولُه: وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا.
ورابعُها: ألَّا يَذْكروا هَجْوَ أحدٍ إلَّا على سبيلِ الانتصارِ ممَّن يَهجوهم، وهو قَولُه: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا، قال اللهُ تعالى: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء: 148]، ثم إنَّ الشَّرطَ فيه ترْكُ الاعتداءِ؛ لِقَولِه تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [1284] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/538).   [البقرة: 194].
8- يُستفادُ مِن قَولِه تعالى: وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا أنَّه يكفي الشَّاعرَ في التفصِّي عن ذمِّ هذه الآيةِ له ألَّا يَغلِبَ عليه الشِّعرُ، فيَشغَلَه عن الذِّكرِ حتى يكونَ مِن الغاوينَ [1285] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/119).   .
9- قال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا هذا يشيرُ إلى أنَّ الشَّاعِرَ يَقِلُّ ذِكرُه للهِ، فما امتلأَ قلبُه مِن الشِّعرِ إلَّا بَعُدَ عنه ذِكْرُ اللهِ [1286] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 313).   .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قوله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ استِئنافٌ مَسوقٌ لبَيانِ استحالةِ تَنزُّلِ الشيَّاطينِ على رسُولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، بعْدَ بَيانِ امتناعِ تَنزُّلِهم بالقرآنِ [1287] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/268).   .
- والاستفهامُ في قولِه: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ استفهامُ توقيفٍ وتقريرٍ [1288] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/199).   .
- والجُملةُ مُتَّصلةٌ في المعنى بجُملةِ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء: 210]، أي: ما تنزَّلتِ الشَّياطينُ بالقرآنِ على محمَّدٍ، هل أُنبِّئكم على مَن تنزَّلُ الشَّياطينُ؟ وأُلْقيَ الكلامُ إليهم في صورةِ استِفهامِهم عن أنْ يُعرِّفَهم بمَن تَتنزَّلُ عليه الشَّياطينُ، استفهامًا فيه تعريضٌ بأنَّ المُستفهَمَ عنه ممَّا يَسوؤُهم لذلك، ويُحتاجُ فيه إلى إذْنِهم بكشْفِه.
وهذا الاستفهامُ صُوريٌّ مُستعمَلٌ كِنايةً عن كونِ الخبرِ ممَّا يُستأذَنُ في الإخبارِ به. واختِيرَ له حرفُ الاستفهامِ الدَّالُّ على التَّحقيقِ -وهو (هلْ)-؛ لأنَّ (هل) في الاستفهامِ بمعنى (قد)، والاستفهامُ مُقدَّرٌ فيها بهمزةِ الاستفهامِ، فالمعنى: أُنبِّئُكم إنباءً ثابتًا مُحقَّقًا، وهو استفهامٌ لا يُترقَّبُ منه جوابُ المُسْتفهَمِ؛ لأنَّه ليس بحقيقيٍّ؛ فلذلك يَعقبُه الإفضاءُ بما استُفْهِمَ عنه قبْلَ الإذنِ مِن السَّامعِ [1289] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/205).   .
- وفِعلُ أُنَبِّئُكُمْ مُعلَّقٌ عن العَملِ [1290] التَّعليقُ: هو إبطالُ العمَلِ لفظًا لا محلًّا؛ لمَجيءِ ما له صدرُ الكلامِ بعدَه. يُنظر: ((أوضح المسالك)) لابن هشام (2/50).   بالاستِفهامِ في قولِه: عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ [1291] قال السمين الحلبي: (قولُه: عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ متعلِّقٌ بـ تَنَزَّلُ بعدَه، وإنما قُدِّمَ؛ لأنَّ له صدَر الكلامِ، وهو مُعَلِّقٌ لِما قبْلَه مِنْ فعلِ التنبئةِ؛ لأنَّها بمعنى العِلمِ). ((الدر المصون)) (8/564).   ، وهو أيضًا استِفهامٌ صُوريٌّ معناه الخبرُ كِنايةً عن أهمِّيَّةِ الخبرِ، بحيث إنَّه ممَّا يُستفهَمُ عنه المُتحسِّسونَ ويَتطلَّبونَه، فالاستفهامُ مِن لوازمِ الاهتمامِ [1292] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/205).   .
- قولُه: عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ فيه تقديمُ المجرورِ على عاملِه؛ للاهتِمامِ بالمُتنزَّلِ عليه، وأصْلُ التَّركيبِ: مَن تَنزَّلُ عليه الشَّياطينُ، فلمَّا قُدِّمَ المجرورُ دخَلَ حرْفُ (على) على اسمِ الاستفهامِ، وهو (مَن)؛ لأنَّ ماصَدَقَها [1293] تقدم تعريفه (ص: 30).   هو المُتنزَّلُ عليه [1294] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/205).   .
2- قوله تعالى: تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ فيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ فرَّقَ بيْنَ آياتِ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: 192]، وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء: 210]، هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ [الشعراء: 221]، مع أنَّهنَّ أخواتٌ؛ لأنَّه أُرِيدَ التَّفريقُ بيْنهنَّ بآياتٍ ليَستْ في معناهنَّ؛ لِيُرجَعَ إلى المَجيءِ بهنَّ، وتطْريةِ ذِكْرِ ما فيهنَّ كرَّةً بعدَ كرَّةٍ؛ فيُدَلَّ بذلك على أنَّ المعنى الَّذي نزَلْنَ فيه مِن المعاني الَّتي اشتَدَّتْ كراهةُ اللهِ لخلافِها. ومثالُه: أنْ يُحدِّثَ الرَّجلُ بحديثٍ، وفي صَدرِه اهتمامٌ بشَيءٍ منه وفضْلُ عِنايةٍ، فتَراهُ يُعيدُ ذِكْرَه، ولا يَنفكُّ عن الرُّجوعِ إليه [1295] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/343)، ((تفسير أبي حيان)) (8/200).   ، فهذه الآياتُ الثَّلاثُ نازِلةٌ في شأْنِ القُرآنِ، وفيما يَنْبغي أنْ يُقالَ فيه وما لا يَنْبغي، ولم تَجِئْ على نَسَقٍ واحدٍ، حيثُ لم يقُلْ: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ، هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، ولم تَجئْ واردةً على وَتيرةٍ واحدةٍ، بل فُرِّقَ بيْنهنَّ بآياتٍ مُتباعدةِ المعاني؛ ووجْهُ ذلك: أنَّها كالتَّراجيعِ للمَعاني الَّتي تخلَّلتْ بيْنهنَّ؛ فإنَّ قولَه تعالى: لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ كالتَّرجيعِ مِن قَصصِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ إلى ما بُدِئَ منه في فاتحةِ السُّورةِ مِن ذِكْرِ الكتابِ، وتَكذيبِ القَومِ له، وقولَه: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ مَذكورٌ بعدَ إهلاكِ القُرى المُنذَرةِ، وقولَه: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ مَسوقٌ بعدَ النَّهيِ عن ادِّعاءِ غيرِ اللهِ تعالى إلهًا، وكلُّ هذه الآياتِ مُتدانيةُ المعاني في نفْسِها، لكنَّها تَبعُدُ مُناسبَتُها ظاهرًا عن معنى تلك الآياتِ الثَّلاثِ، والتَّرجيعُ -كما عُلِمَ- يَسْتدعي شِدَّةَ الاتِّصالِ بما رُجِعَ به إليها؛ فدلَّ ذلك على شِدَّةِ الكراهيةِ لِمَا نزَلَت الآياتُ فيه، وهو إنكارُ قُريشٍ أنَّ القرآنَ ليس مِن عندِ اللهِ، وأنَّه مِن جِنسِ ما كان يَنزِلُ على الكَهنةِ والشُّعراءِ [1296] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/442، 443).   .
- وقولُه: تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ قَصْرٌ لِتَنزُّلِهم على كلِّ مَن اتَّصَفَ بالإفكِ الكثيرِ، والإثمِ الكبيرِ مِن الكَهنةِ والمُتنبِّئةِ، وتَخصيصٌ له بهم بحيث لا يَتخطَّاهم إلى غيرِهم، وحيثُ كانت ساحةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُنزَّهةً عن أنْ يَحُومَ حوْلَها شائبةُ شَيءٍ مِن تلك الأوصافِ؛ اتَّضَحَ استحالةُ تَنزُّلِهم عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [1297] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/268).   .
- قولُه: أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، الأفَّاكُ: الكثيرُ الإفكِ، وهو الكذبُ، والأثيمُ: كثيرُ الإثمِ، وهما صِيغتَا مُبالَغةٍ [1298] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/199)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/206).   .
3- قوله تعالى: يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ
- قولُه: يُلْقُونَ .. وَأَكْثَرُهُمْ جُمِعَ الضَّميرُ؛ لأنَّ كلَّ أفَّاكٍ فيه عُمومٌ وتحْتَه أفرادٌ [1299] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/199).   .
- وإلْقاءُ السَّمعِ هو شِدَّةُ الإصغاءِ -على أحدِ المعنيَينِ- حتَّى كأنَّه إلْقاءٌ للسَّمعِ مِن مَوضعِه؛ شبَّهَ تَوجيهَ حاسَّةِ السَّمعِ إلى المسموعِ الخفيِّ بإلقاءِ الحجَرِ مِن اليدِ إلى الأرضِ أو في الهواءِ [1300] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/206).   .
- ولَمَّا كان حالُ الكُهَّانِ قد يَلتبِسُ على ضُعفاءِ العقولِ ببعضِ أحوالِ النُّبوَّةِ في الإخبارِ عن غيْبٍ، وأسجاعُهم قد تلْتبِسُ بآياتِ القرآنِ في بادئِ النَّظرِ: أطْنَبَتِ الآيةُ في بَيانِ ماهيَّةِ الكهانةِ، وبيَّنَتْ أنَّ قُصاراها الإخبارُ عن أشياءَ قليلةٍ قد تَصدُقُ؛ فأينَ هذا مِن هدْيِ النَّبيِّ والقرآنِ وما فيه مِن الآدابِ والإرشادِ والتَّعليمِ، والبلاغةِ والفصاحةِ، والإعجازِ؟! ولا تَصدِّيَ منه للإخبارِ بالمُغيَّباتِ، كما قال: وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام: 50] في آياتٍ كثيرةٍ مِن هذا المعنى [1301] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/207).   .
4- قوله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ استِئنافٌ أبطَلَ كونَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ شاعرًا، وقرَّره بـ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ؛ فهو استئنافٌ مَسوقٌ لإبطالِ ما قالُوا في حقِّ القُرآنِ العَظيمِ مِن أنَّه مِن قَبِيلِ الشِّعرِ، وأنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن الشُّعراءِ، ببَيانِ حالِ الشُّعراءِ المُنافيةِ لحالِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، بعْدَ إبطالِ ما قالوا: إنَّه مِن قَبِيلِ ما يُلْقي الشَّياطينُ على الكَهنةِ مِن الأباطيلِ [1302] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/152)، ((تفسير أبي السعود)) (6/269).   .
- وكان ممَّا افتراه المشرِكون بُهتانًا وزُورًا: أنْ قالوا في النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هو شاعرٌ، فلمَّا أبطَلت الآياتُ السابقةُ ما افتَرَوه، وكان منها قولُهم: هو كاهِنٌ؛ لم يَبْقَ إلَّا إبطالُ قولِهم: هو شاعرٌ، وكان بيْنَ الكِهانةِ والشِّعرِ جامعٌ في خَيالِ المُشركينَ؛ إذ كانوا يَزعُمون أنَّ للشَّاعرِ شَيطانًا يُمْلي عليه الشِّعرَ، وربَّما سمَّوهُ الرَّئيَّ؛ فناسَبَ أنْ يُقارَنَ بيْنَ تَزييفِ قولِهم في القرآنِ: هو شِعرٌ، وقولِهم في النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هو شاعرٌ، وبيْن قولِهم: هو قولُ كاهنٍ، كما قُرِنَ بيْنهما في قولِه تعالى: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الحاقة: 41-42]؛ فعطَفَ هنا قولَه: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ على جُملةِ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [1303] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/207).   [الشعراء: 222].
- ولَمَّا كان حالُ الشُّعراءِ في نَفْسِ الأمرِ مُخالِفًا لحالِ الكُهَّانِ -إذ لم يكُنْ لِمَلَكةِ الشِّعرِ اتِّصالٌ ما بالنُّفوسِ الشَّيطانيَّةِ، وإنَّما كان ادِّعاءُ ذلك مِن اختلاقِ بعضِ الشُّعراءِ أشاعوهُ بيْنَ عامَّةِ العرَبِ-: اقتَصرَتِ الآيةُ على نفْيِ أنْ يكونَ الرَّسولُ شاعرًا، وأنْ يكونَ القرآنُ شِعرًا، دونَ تعرُّضٍ إلى أنَّه تَنزيلُ الشَّياطينِ، كما جاء في ذِكرِ الكهانةِ [1304] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/207، 208).   .
- وأَدْمَجَتِ الآيةُ حالَ مَن يتَّبِعُ الشُّعراءَ بحالِهم؛ تَشويهًا للفريقينِ، وتَنفيرًا منهما؛ فكانتْ هذه الآيةُ نفْيًا للشِّعرِ أنْ يكونَ مِن خُلقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وذمًّا للشُّعراءِ الَّذين تَصَدَّوا لهجائِه؛ فقولُه: يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ذمٌّ لِأتْباعِهم، وهو يَقْتضي ذمَّ المَتبوعينَ بالأَحرى، وفيه كِنايةٌ عن تَنزيهِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يكونَ منهم؛ فإنَّ أتْباعَه خِيرةُ قومِهم، وليس فيهم أحدٌ مِن الغاوينَ؛ فقدِ اشتمَلَتْ هذه الجُملةُ على تَنزيهِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتَنزيهِ أصحابِه، وعلى ذَمِّ الشُّعراءِ وذَمِّ أتْباعِهم، وتَنزيهِ القرآنِ عن أن يكونَ شِعرًا [1305] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/208).   .
- وقولُه: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ فيه تَقديمُ المُسنَدِ إليه وَالشُّعَرَاءُ على المُسنَدِ الفِعليِّ يَتَّبِعُهُمُ؛ لمُجرَّدِ التَّقوِّي والاهتِمامِ بالمُسنَدِ إليه لِلَفْتِ السَّمعِ إليه، والمقامُ مُستغْنٍ عن الحَصرِ؛ لأنَّه إذا كانوا يتَّبِعُهم الغاوونَ فقد انتَفَى أتْباعُهم عن الصَّالحينَ؛ لأنَّ شأْنَ المجالسِ أنْ يتَّحِدَ أصحابُها في النَّزعةِ. وقيل: التقديمُ للحَصْرِ، أي: لا يَتَّبِعُهم إلَّا الغاوونَ؛ لأنَّه أصرحُ في نَفْيِ اتِّباعِ الشُّعراءِ عن المُسلِمينَ؛ فتقديمُ المُسنَدِ إليه على الخَبرِ الفِعليِّ يُفيدُ تَخصيصَه بالخبَرِ، أي: قصْرَ مضمونِ الخبرِ عليه، فهو قصرٌ إضافيٌّ [1306] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/343)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/208، 209).   .
5- قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ استِشهادٌ على أنَّ الشُّعراءَ إنَّما يتَّبِعُهم الغَاوُونَ، وتَقريرٌ له. والخِطابُ لكُلِّ مَن تَتأتَّى منه الرُّؤيةُ؛ للقَصْدِ إلى أنَّ حالَهم مِن الجَلاءِ والظُّهورِ بحيثُ لا تَختصُّ برُؤيةِ راءٍ دُونَ راءٍ [1307] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/270).   .
- قولُه: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ الاستِفهامُ في قولِه: أَلَمْ تَرَ تقْريريٌّ، وأُجْريَ التَّقريرُ على نفْيِ الرُّؤيةِ؛ لإظهارِ أنَّ الإقرارَ لا مَحيدَ عنه، والخِطابُ لغيرِ مُعيَّنٍ. وجُملةُ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وما عُطِفَ عليها مُؤكِّدةٌ لِمَا اقتَضَتْه جُملةُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، مِن ذَمِّ الشُّعراءِ بطريقِ فَحوى الخِطابِ [1308] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/209).   .
- قولُه: فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ذِكْرُ الوادي والهُيومِ فيه تَمثيلٌ لذَهابِهم في كلِّ شِعْبٍ مِن القولِ، واعتِسافِهم، وقِلَّةِ مُبالاتِهم بالغُلوِّ في المنطقِ، ومُجاوزةِ حَدِّ القَصْدِ فيه [1309] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/344)، ((تفسير أبي حيان)) (8/200، 201).   ، فمُثِّلَت حالُ الشُّعراءِ بحالِ الهائمينَ في أوديةٍ كثيرةٍ مُختلفةٍ؛ لأنَّ الشُّعراءَ يَقولونَ في فُنونٍ مِن الشِّعرِ: مِن هجاءٍ واعتداءٍ على أعراضِ النَّاسِ، ومِن نَسيبٍ وتَشْبيبٍ بالنِّساءِ، ومَدْحِ مَن يَمْدحُونه رَغبةً في عَطائِه، وإنْ كان لا يَستحِقُّ المدْحَ، وذَمِّ مَن يَمنعُهم وإنْ كان مِن أهْلِ الفَضلِ، وربَّما ذمُّوا مَن كانوا يَمْدحونَه، ومدَحوا مَن سبَقَ لهم ذَمُّه؛ فمُثِّلُ حالُ الشُّعراءِ بحالِ الإبلِ الرَّاعيةِ في الأوديةِ مُتحيِّرةً؛ لأنَّ الشُّعراءَ في حِرْصٍ على القولِ لاختلابِ النُّفوسِ [1310] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/209).   .
- وقد كُنِّيَ باتِّباعِ الغاوينَ إيَّاهم عن كَونِهم غاوينَ، وأُفِيدَ بتَفظيعِ تَمثيلِهم بالإبلِ الهائمةِ تَشويهُ حالتِهم، وأنَّ ذلك مِن أجْلِ الشِّعرِ [1311] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/210).   .
6- قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ كأنَّه لَمَّا كان إعجازُ القرآنِ مِن جِهةِ اللَّفظِ والمعنى، وقد قَدَحوا في المعنى بأنَّه ممَّا تنزَّلتْ به الشَّياطينُ، وفي اللَّفظِ بأنَّه مِن جِنسِ كلامِ الشُّعراءِ؛ تَكلَّمَ في القِسْمَينِ وبيَّن مُنافاةَ القُرآنِ لهما، ومُضادَّةَ حالِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لحالِ أربابِهما [1312] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/152).   .
7- قولُه تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ختَمَ هذِه السُّورةَ الجَليلةَ بآيةٍ ناطقةٍ بما لا شَيءَ أهيَبَ منه وأهوَلَ، ولا أنْكى لقُلوبِ المُتأمِّلينَ، ولا أصدَعَ لِأكبادِ المُتدبِّرينَ؛ وذلك قولُه: وَسَيَعْلَمُ وما فيه مِن الوَعيدِ البليغِ، وقولُه: الَّذِينَ ظَلَمُوا وما فيه مِن الإطلاقِ والتَّعميمِ، وقولُه: أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وما فيه مِن الإيهامِ والتَّهويلِ [1313] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/345)، ((تفسير البيضاوي)) (4/152)، ((تفسير أبي حيان)) (8/202)، ((تفسير أبي السعود)) (6/271).   ؛ فهذه الآيةُ تحذيرٌ عن غَمْصِ الحُقوقِ، وحثٌّ على استِقصاءِ الجُهْدِ في النُّصحِ للأُمَّةِ، وهي ناطقةٌ بأهيَبِ مَوعظةٍ وأهوَلِ وعيدٍ لِمَن تَدبَّرَها؛ لِمَا اشتَمَلَتْ عليه مِن حَرفِ التَّنفيسِ (السين) المُؤْذِنِ بالاقترابِ، ومِن اسمِ الموصولِ الَّذِينَ ظَلَمُوا المُؤذِنِ بأنَّ سُوءَ المُنقلَبِ يَترقَّبُ الظَّالمينَ لأجْلِ ظُلْمِهم، ومِن الإبهامِ في قولِه: أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ؛ إذ تُرِكَ تبْيينُه بعِقابٍ مُعيَّنٍ؛ لتَذْهبَ نُفوسُ المُوعَدِينَ في كلِّ مذهبٍ مُمكِنٍ مِن هَولِ المُنقلَبِ، وهو على الإجمالِ مُنقلَبُ سُوءٍ [1314] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/213).   .
- قوله: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ناسَبَ ذِكْر الظُّلمِ أنْ يُنتقلَ منه إلى وَعيدِ الظَّالمينَ، وهم المُشرِكون الَّذين ظَلَموا المسلمينَ بالأذى والشَّتْمِ بأقوالِهم وأشعارِهم [1315] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/213).   .
- وجُعِلَتْ هذه الآيةُ في مَوقعِ التَّذييلِ؛ فاقتضَتِ العُمومَ في مُسمَّى الظُّلمِ الشَّاملِ للكُفرِ، وهو ظُلْمُ المرْءِ نفْسَه، ولِلْمعاصي القاصِرةِ على النَّفْسِ كذلك، وللاعتداءِ على حُقوقِ النَّاسِ [1316] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/213).   .