موسوعة التفسير

سورةُ الحَجِّ
الآيات (58-60)

ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ

غريب الكلمات:


مُدْخَلًا: أي: الجنةَ، والمُدخلُ: مكانٌ أو مصدرُ (أدْخَل) أي: إدخالًا، يُقالُ: أدخلتُه مُدْخَلًا، وهذا مُدْخلُه، أي: المكانُ الذي يدخلُ منه وقتَ إدخالِه، والدُّخولُ: نقيضُ الخروجِ، ويُستعمَلُ ذلك في المكانِ، والزَّمانِ، والأعمالِ [927] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/662)، ((البسيط)) للواحدي (14/64) (15/480)، ((المفردات)) للراغب (ص: 309)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/27). .
 بُغِيَ عَلَيْهِ: أي: ظُلِم، وتُعُدِّي عليه، يُقالُ بَغَى الجرحُ: تجاوَز الحدَّ في فسادِه، وأصلُ (بغي): هنا جِنسٌ مِن الفسادِ [928] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/271)، ((المفردات)) للراغب (ص: 137)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 247)، ((تفسير العليمي)) (4/444). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: والذين خَرَجوا مِن دِيارِهم طَلَبًا لرِضا اللهِ، ونُصرةً لدِينِه، ثم قُتِلوا أو ماتوا؛ لَيَرزُقَنَّهم اللهُ رِزقًا كريمًا حَسَنًا، وإنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى لَهُو خَيرُ الرَّازِقينَ؛ لَيُدخِلَنَّهم اللهُ المُدْخَلَ الذي يُحبُّونَه وهو الجنَّةُ، وإنَّ اللهَ لَعليمٌ بمَن يَخرُجُ في سَبيلِه، ومَن يَخرُجُ طَلَبًا للدُّنيا، حَليمٌ بمن عصاه، فلا يُعاجِلُهم بالعُقوبةِ.
 ذلك، ومَن عاقَبَ مِن العِبادِ مَن اعتَدَى عليه بمِثلِ اعتِدائِه، بالعَدلِ دُونَ زِيادةٍ، ثمَّ ظُلِمَ بالمُعاوَدةِ إلى عُقوبتِه؛ فإنَّ اللهَ يَنصُرُه على مَن ظَلَمَه، إنَّ اللهَ لعَفُوٌّ غَفورٌ.

تفسير الآيات:


وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى أنَّ المُلْكَ له يومَ القيامةِ، وأنَّه يَحكُمُ بينهم، ويُدخِلُ المُؤمِنينَ الجَنَّاتِ؛ أتبَعَه بذِكرِ وَعْدِه الكريمِ للمُهاجِرينَ، مُفرِدًا لهم بالذِّكرِ [929] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/243). .
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا.
أي: والذين فارَقوا دِيارَهم وأهلِيهم؛ طلبًا لرِضا اللهِ وطاعَتِه، ثُمَّ قُتِلوا أو ماتوا دُونَ قَتلٍ؛ فإنَّ اللهَ سيُثيبُهم رِزقًا كَريمًا [930] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/618، 619)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 739)، ((تفسير ابن كثير)) (5/447)، ((تفسير السعدي)) (ص: 543). قيل: الرزقُ الحَسَنُ يكونُ في الجنَّة. وممن قال بذلك: ابنُ جرير، والواحدي، وابن كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/618، 619)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 739)، ((تفسير ابن كثير)) (5/447). وممن قال بهذا القول من السلف: السُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/247). وقيل: الرزقُ الحسنُ: الحلالُ. وممن قال به مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/247). قال السعدي: (يحتملُ أنَّ المعنى أنَّ المُهاجِرَ في سبيلِ الله قد تكَفَّلَ اللهُ برِزقِه في الدُّنيا رِزقًا واسِعًا حَسَنًا، سواءٌ عَلِمَ الله منه أنَّه يموتُ على فِراشِه، أو يُقتَلُ شَهيدًا؛ فكُلُّهم مضمونٌ له الرِّزقُ، فلا يُتوَهَّمُ أنَّه إذا خرج مِن ديارِه وأموالِه سيَفتَقِرُ ويحتاجُ؛ فإنَّ رازِقَه هو خيرُ الرَّازِقينَ، وقد وقع كما أخبَرَ؛ فإنَّ المهاجِرينَ السَّابِقينَ تَرَكوا ديارَهم وأبناءَهم وأموالَهم؛ نُصرةً لدينِ اللهِ، فلم يَلبَثوا إلَّا يَسيرًا، حتى فتحَ اللهُ عليهم البلادَ، ومكَّنَهم مِنَ العبادِ، فاجتَبَوا مِن أموالِها ما كانوا به مِن أغنى النَّاسِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 543). .
كما قال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ آل عمران: 169.
وقال سُبحانَه: فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ آل عمران: 195.
وقال تبارك وتعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ النساء: 100.
وعن سَلمانَ الفارسيِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((رِباطُ [931] الرِّباطُ: مُراقبةُ العَدُوِّ في الثُّغورِ المُتاخِمةِ لبِلادِهم بحِراسةِ مَن بها مِن المُسلِمينَ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (5/89). يَومٍ ولَيلةٍ خَيرٌ مِن صِيامِ شَهرٍ وقِيامِه، وإنْ مات جرى عليه عَمَلُه الذي كان يَعمَلُه، وأُجرِيَ عليه رِزقُه، وأَمِنَ الفَتَّانَ [932] الفتَّان: الذي يَفتِنُ المقبورَ بالسُّؤالِ فيُعَذِّبُه. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (6/2458). ) [933] رواه مسلم (1913). .
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ .
أي: وإنَّ اللهَ لَهُو أفضَلُ مَن يَرزُقُ عِبادَه، ويُعطيهم مِن فَضْلِه [934] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/451)، ((تفسير البيضاوي)) (4/76)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 441). قال البقاعي: (لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ يَرزُقُ الخَلقَ عامَّةً؛ البَرَّ منهم والفاجِرَ، فكيف بمَن هاجَرَ إليه؟! ويُعطي عطاءً لا يَدخُلُه عَدٌّ، ولا يَحويه حَدٌّ). ((نظم الدرر)) (13/77). .
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا كان الرِّزقُ لا يَتِمُّ إلَّا بحُسنِ الدَّارِ، وكان ذلك مِن أفضَلِ الرِّزقِ؛ قال دالًّا على خِتامِ التي قَبلُ [935] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/77). :
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ.
أي: ليُدخِلَنَّ اللهُ المُهاجِرينَ -الذين قُتِلوا أو ماتوا في سَبيلِه- الجنَّةَ، فيَرضَونَ بذلك، ولا يَبغُونَ بها بَدَلًا؛ جزاءً لهم على خُروجِهم مِن ديارِهم وأوطانِهم في سَبيلِه [936] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/620)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 739)، ((تفسير ابن كثير)) (5/447)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/78)، ((تفسير الألوسي)) (9/180). وممَّن قال بأنَّ المرادَ بالمُدخَلِ الذي يَرضَونَه: الجنَّةُ: ابنُ جرير، والواحدي، وابن كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/620)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 739)، ((تفسير ابن كثير)) (5/447). وممن قال بهذا القولِ مِن السلف: السُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (8/2503). وقال الألوسي: (ومُدْخَلًا: إمَّا اسمُ مكانٍ، أُريدَ به الجَنَّةُ، كما قال السُّدِّيُّ وغيرُه... أو مَصدَرٌ مِيميٌّ، وهو على الاحتمال الأوَّلِ مفعولٌ ثانٍ للإدخال، وعلى الثاني مفعولٌ مُطْلَقٌ، ووصْفُه بـ يَرْضَوْنَهُ على الاحتمالَينِ لِما أنَّهم يَرَون إذا أُدخِلوا ما لا عَينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلْبِ بشَرٍ. وقيل على الثاني: إنَّ رِضاهُم لِما أنَّ إدخالَهم مِن غَيرِ مَشقَّةٍ تَنالُهم، بل براحةٍ واحتِرامٍ). ((تفسير الألوسي)) (9/180). وذهب السعديُّ إلى أنَّ قَولَه: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ إمَّا ما يَفتَحُه اللهُ عليهم مِنَ البُلدانِ، خُصوصًا فَتحَ مَكَّةَ المُشَرَّفةِ؛ فإنَّهم دَخَلوها في حالةِ الرِّضا والسُّرورِ، وإمَّا المرادُ به رِزقُ الآخرةِ، وأنَّ ذلك دُخولُ الجَنَّةِ، فتكونُ الآيةُ جَمَعت بينَ الرِّزقَينِ؛ رِزقِ الدُّنيا، ورِزقِ الآخرةِ، وذهب إلى أنَّ اللَّفظَ صالحٌ لذلك كُلِّه، وأنَّ المعنى صَحيحٌ، فلا مانِعَ مِن إرادةِ الجَميعِ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 543). .
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ.
أي: وإنَّ اللهَ لَعليمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بنِيَّةِ مَن يُهاجِرُ ويُجاهِدُ، حَليمٌ لا يُعاجِلُ بالعُقوبةِ مَن عصاه مِن خَلْقِه، بل يُواصِلُ لهم مِن رِزْقِه، ويَمنَحُهم مِن فَضْلِه [937] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/620)، ((تفسير ابن كثير)) (5/447)، ((تفسير السعدي)) (ص: 543). .
ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى ثوابَ مَن هاجَرَ وقُتِلَ أو ماتَ في سَبيلِ اللهِ؛ أخبَرَ أنَّه لا يَدَعُ نُصرَتَهم في الدُّنيا على مَن بغَى عليهم [938] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/529، 530). .
ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ.
أي: ذلك [939] قال الشوكاني: (الإشارَةُ بقولِه: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّم. قال الزَّجَّاجُ: أَي: الأمرُ ما قَصَصْنا عليكم مِن إنجازِ الوعدِ للمهاجرين خاصَّةً إذا قُتِلوا أو ماتوا، فهو على هذا خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ). ((تفسير الشوكاني)) (3/549). ويُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/435)، ((تفسير القرطبي)) (12/90). وقال البقاعي: (ذَلِكَ أي الأمرُ المقرَّرُ مِن صفةِ الله تعالى ذلك). ((نظم الدرر)) (13/78). ومَن عاقَبَ مِن العِبادِ مَن اعتَدَى عليه بمِثلِ اعتِدائِه بالعَدلِ دُونَ زِيادةٍ، ثمَّ ظُلِمَ بالمُعاوَدةِ إلى عُقوبتِه؛ فإنَّ اللهَ يَنصُرُه على مَن ظَلَمَه [940] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/620)، ((تفسير القرطبي)) (12/90)، ((تفسير البيضاوي)) (4/77)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/78، 79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 543). .
إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ.
أي: إنَّ اللهَ كَثيرُ العَفوِ والغُفرانِ لعِبادِه المُؤمِنينَ [941] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/621)، ((تفسير القرطبي)) (12/90)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/79)، ((تفسير الشوكاني)) (3/550)، ((تفسير السعدي)) (ص: 543). .

الفوائد التربوية:


1- قال اللهُ تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ يَجوزُ لمَن جُنيَ عليه وظُلِمَ مُقابلةُ الجاني بمِثْلِ جِنايتِه، فإنْ فَعَل ذلك فليس عليه سَبيلٌ، وليس بمَلومٍ، فإنْ بُغِيَ عليه بَعدَ هذا فإنَّ اللهَ يَنصُرُه؛ لأنَّه مَظلومٌ، فلا يَجوزُ أنْ يُبغَى عليه بسبَبِ أنَّه استَوْفَى حقَّه. وإذا كان المُجازي غَيرَه بإساءتِه إذا ظُلِم بَعدَ ذلك نَصَرَه اللهُ، فالَّذي بالأصلِ لمْ يُعاقِبْ أَحدًا إذا ظُلِم وجُنِيَ عليه؛ فالنَّصرُ إليه أَقرَبُ [942] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 543). .
2- قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ فمُعامَلتُه لعِبادِه في جميعِ الأوقاتِ بالعَفوِ والمغفرةِ، فيَنبَغي لكم أيُّها المَظلومون المَجنيُّ عليهم، أنْ تَعفوا وتَصفَحوا وتَغفِروا؛ ليُعامِلَكمُ اللهُ كما تُعامِلون عِبادَه فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [943] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 543). الشورى: 40.

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا، وإنَّما سَوَّى بينَ مَن قُتِلَ في الجهادِ ومَن مات حَتْفَ أنْفِه في الوعْدِ؛ لاستوائِهما في القَصدِ وأصْلِ العمَلِ [944] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/76)، ((تفسير أبي السعود)) (6/116). ، وقد استدلَّ به فَضالةُ بنُ عبيدٍ الأنصاريُّ الصحابيُّ على أنَّ المقتولَ والميِّتَ في سبيلِ الله سواءٌ في الفضلِ [945] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 184). قال السيوطي: (وهو رأيٌ قاله جماعةٌ، وخالفَه آخرونَ؛ ففضَّلوا المقتولَ). يُنظر: ((المصدر السابق)) (ص: 185). وأثر فضالة أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (16/619). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا هذه بِشارةٌ كُبرى لِمن هاجَرَ في سَبيلِ اللهِ، فخرَجَ مِن دارِه ووَطنِه وأولادِه ومالِه؛ ابتغاءَ وَجهِ اللهِ، ونُصرةً لدينِ اللهِ، فهذا قد وجب أجرُه على اللهِ، سواءٌ مات على فِراشِه، أو قُتِلَ مُجاهِدًا في سَبيلِ اللهِ [946] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 543). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا، فيه التعبيرُ بأداةِ التَّراخي ثُمَّ؛ إشارةً إلى طولِ العمرِ، وعلوِّ الرُّتبةِ بسببِ الهجرةِ [947] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/77). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، فيه سؤالٌ: إنْ قيل: الرَّازق في الحقيقةِ هو اللهُ تعالى، فكيف قال: لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ؟
والجوابُ على ذلك مِن وُجوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ صِيغةَ التَّفْضيلِ في قولِه: لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ نظرًا إلى أنَّ بعضَ المخلوقينَ يَرْزُقُ بعضَهم، كقولِه تعالَى: وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ النساء: 5، وقولِه تعالَى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ الآيةَ البقرة: 233، ولا شَكَّ أنَّ فضلَ رِزْقِ اللَّهِ خلقَه على رِزْقِ بعضِ خلقِه بعضَهم، كفضلِ ذاتِه وسائِرِ صفاتِه على ذواتِ خلقِه وصفاتِهم؛ فرَزْق اللهِ لخَلْقِه ليس كَرَزْق الناسِ بعضِهِم لبعضٍ، فبيْن الفِعلِ والفِعلِ مِنَ المُنافاةِ كمِثلِ ما بيْن الذَّاتِ والذَّاتِ [948] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/344)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/574). .
الثاني: أنَ يَكونَ المرادُ: أنَّه الأصلُ في الرِّزقِ، وغَيرُه إنَّما يَرزُقُ بما تَقدَّمَ مِنَ الرِّزقِ مِن جِهةِ اللهِ تعالى.
الثالثُ: أنَّ غَيرَه إنَّما يَرزُقُ لو حَصَل في قلْبِه إرادةُ ذلك الفعلِ، وتلك الإرادةُ مِنَ اللهِ؛ فالرَّازقُ في الحقيقةِ هو اللهُ تعالى.
الرابعُ: أنَّ الغَيرَ إذا رَزقَ، فلولا أنَّ اللهَ تعالى أَعطى ذلك الإنسانَ أنواعَ الحَواسِّ، وأَعطاهُ السَّلامةَ والصِّحَّةَ والقدرةَ على الانتِفاعِ بذلك الرِّزقِ، لَما أَمكَنه الانتِفاعُ به، ورِزقُ الغَيرِ لا بدَّ وأنْ يَكونَ مَسبوقًا برِزقِ اللهِ، ومَلحوقًا به؛ حتَّى يَحصُلَ الانتِفاعُ. وأمَّا رِزقُ اللهِ تعالى فإنَّه لا حاجةَ به إلى رِزقِ غَيرِه؛ فثَبَتَ أنَّه سُبحانَه خَيرُ الرَّازقين. وقيل غَيرُ ذلك [949] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/243). .
5- قولُه تعالى: لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا فيه وَصْفُ الرِّزقِ بالحُسْنِ؛ لإفادةِ أنَّه يُرْضيهم بحيث لا يَتطلَّبون غيرَه؛ لأنَّه لا أحسَنَ منه [950] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/310). .
6- تَغييرُ أُسلوبِ الجَمْعِ الَّذي في قولِه: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ... إلى أُسلوبِ الإفرادِ في قولِه: وَمَنْ عَاقَبَ؛ للإشارةِ إلى إرادةِ العُمومِ مِن هذا الكلامِ؛ لِيَكونَ بمَنزِلَةِ القاعدةِ الكُلِّيَّةِ لسُنَّةٍ مِن سُنَنِ اللهِ تعالى في الأُمَمِ، ولمَّا أتى في الصِّلةِ هنا بفِعْلِ عَاقَبَ، مع قَصدِ شُمولِ عُمومِ الصِّلةِ للَّذينَ أُذِنَ لهم بأنَّهم ظُلِموا؛ عَلِمَ السَّامِعُ أنَّ القِتالَ المأْذونَ لهم به قِتالُ جَزاءٍ على ظُلْمٍ سابقٍ، وفي ذلك تَحديدٌ لقانونِ العِقابِ: أنْ يكونَ مُماثِلًا للعُدْوانِ المَجْزِيِّ عليه، أي: ألَّا يكونَ أشَدَّ منه [951] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/312). .
7- قَولُ اللهِ تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ كان هذا شَرعًا لأصولِ الدِّفاعِ عن جماعةِ المُسلِمينَ، وأمَّا آياتُ التَّرغيبِ في العَفوِ فليس هذا مقامَ تَنزيلِها، وإنَّما هي في شَرعِ مُعاملاتِ الأمَّةِ بَعضِها مع بَعضٍ، وقد أكَّدَ لهم اللهُ نَصْرَه إن هم امتَثَلوا لِما أُذِنوا به، وعاقَبوا بمِثلِ ما عُوقِبوا به [952] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/313). .
8- قولُه تعالى: وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ سُمِّيَ الابتداءُ بالعِقابِ الَّذي هو الجزاءُ؛ لأنَّه سبَبٌ وذاك مُسبَّبٌ عنه، كما يَحمِلون النَّظيرَ على النَّظيرِ، والنَّقيضَ على النَّقيضِ للمُلابَسةِ [953] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/167)، ((تفسير البيضاوي)) (4/77)، ((تفسير أبي حيان)) (7/530)، ((تفسير أبي السعود)) (6/116). . وقيل: سُمِّي جَزاءُ العُقوبةِ عُقوبةً؛ لاستِواءِ الفِعلَينِ في جِنسِ المَكروهِ، كقَولِه تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا الشورى: 40، فالأوَّلُ سَيئةٌ، والمُجازاةُ عليها سُمِّيَت سَيِّئةً بأنَّها وقَعَت إساءةً بالمَفعولِ به؛ لأنَّه فعَلَ به ما يَسوؤُه [954] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (15/481). . وسُمِّيَ اعتداءُ المُشرِكين على المُؤمِنين عِقابًا؛ لأنَّ الَّذي دفَعَ المُعتدِينَ إلى الاعتداءِ قَصْدُ العِقابِ على خُروجِهم عن دِينِ الشِّركِ، ونَبْذِ عِبادةِ أصنامِهم [955] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/312). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
- قولُه: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا جُملةٌ ابتدائيَّةٌ لابتداءِ معنًى آخَرَ [956] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/528). . وفيها تَخصيصٌ للَّذين هاجَروا في سَبيلِ اللهِ بالذِّكْرِ؛ تَنويهًا بشأْنِ الهجرةِ [957] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/309). ، وتَفخيمًا لشأنِ المهاجرينَ [958] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/243). .
- وجُملةُ: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ اعتراضٌ تَذييليٌّ مُقرِّرٌ لِمَا قبْلَه. وصَريحُ هذه الجُملةِ: الثَّناءُ على اللهِ. وكِنايتُها: التَّعريضُ بأنَّ الرِّزقَ الَّذي يَرزُقُهم اللهُ هو خيرُ الأرزاقِ؛ لصُدورِه مِن خَيرِ الرَّازقينَ. وأُكِّدَتِ الجُملةُ بحَرفِ التَّوكيدِ (إنَّ)، ولامِهِ، وضَميرِ الفصلِ (هو)؛ تَصويرًا لعَظَمةِ رِزْقِ اللهِ تعالى [959] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/116)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/311). .
2- قَولُه تعالى: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ
- قولُه: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ بدَلُ اشتمالٍ مِن قولِه: لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ؛ لأنَّ كَرامةَ المَنزِلِ مِن جُملةِ الإحسانِ في العطاءِ، بل هي أبهَجُ لَدى أهْلِ الهِمَمِ؛ ولذلك وُصِفَ المدْخَلُ بـ يَرْضَوْنَهُ. أو استئنافٌ مُقرِّرٌ لمَضمونِه [960] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/116)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/310، 311). .
- وجُملةُ: وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ تَذييلٌ، أي: عليمٌ بما تَجشَّموهُ مِن المَشاقِّ في شأْنِ هِجْرَتِهم مِن دِيارِهم وأهْلِهم وأموالِهم، وهو حليمٌ بهم فيما لاقَوهُ، فهو يُجازِيهم بما لَقُوهُ مِن أجْلِه [961] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/311). .
3- قَولُه تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
- قولُه: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ذَلِكَ خبَرُ مُبتدأٍ مَحذوفٍ، أي: الأمْرُ ذلك، وهي جُملةٌ لتَقريرِ ما قبْلَه، والتَّنبيهِ على أنَّ ما بعْدَه كَلامٌ مُستأنَفٌ [962] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/116). . وأيضًا اسمُ الإشارةِ ذَلِكَ للفصْلِ بين الكلامينِ؛ لَفْتًا لأذهانِ السَّامعينَ إلى ما سيَجِيءُ من الكَلامِ. وجُملةُ وَمَنْ عَاقَبَ ... مَعطوفةٌ على جُملةِ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الحج: 58، والغرَضُ منها التَّهيئةُ للجهادِ، والوعْدُ بالنَّصرِ الَّذي أُشِيرَ إليه سابقًا بقولِه تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، إلى قولِه: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الحج: 39-40؛ فإنَّه قد جاء مُعترِضًا في خِلالِ النَّعيِ على تَكذيبِ المُكذِّبين وكُفْرِهم النِّعَمَ، فأُكْمِلَ الغرَضُ الأوَّلُ بما فيه مِن انتقالاتٍ، ثمَّ عُطِفَ الكلامُ إلى الغرَضِ الَّذي جَرَتْ منه لَمحةٌ؛ فعاد الكلامُ هنا إلى الوعْدِ بنَصرِ اللهِ القومَ المُعْتَدى عليهم، كما وعَدَهم بأنْ يُدخِلَهم في الآخرةِ مُدخَلًا يَرضَونَه [963] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/311، 312). .
- و(ثمَّ) مِن قولِه: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ عَطْفٌ على جُملةِ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ؛ فـ(ثمَّ) للتَّراخي الرُّتبيِّ؛ فإنَّ البَغْيَ عليه أهَمُّ مِن كَونِه عاقَبَ بمِثْلِ ما عُوقِبَ به؛ إذ كان مَبْدوءًا بالظُّلْمِ [964] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/313). .
- قولُه: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ تَعليلٌ للاقتصارِ على الإذنِ في العِقابِ بالمُماثَلةِ في وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ دونَ الزِّيادةِ في الانتقامِ. ويَجوزُ أنْ يكونَ تَعليلًا للوعْدِ بجَزاءِ المُهاجِرينَ؛ اتِّباعًا للتَّعليلِ في وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ؛ لأنَّ الكلامَ مُستمِرٌّ في شأْنِهم [965] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/313، 314). .
- قولُه: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ فيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ؛ حيث طابَقَ ذِكْرُ العَفُوِّ الغفورِ هذا الموضِعَ، ووَجْهُ تَعلُّقِ قولِه: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ بما تقدَّمَ: أنَّ اللهَ تعالى ندَبَ المُعاقِبَ إلى العَفْوِ عن الجاني، والعَفْوُ عن الجاني مَندوبٌ إليه، ومُستوجِبٌ عندَ اللهِ المدْحَ إنْ آثَرَ ما نُدِبَ إليه وملَكَ سَبيلَ التَّنزيهِ؛ فحينَ لم يُؤثِرْ ذلك وانتصَرَ وعاقَبَ، ولم يَنظُرْ في قولِه: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ الشورى: 40، وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى البقرة: 237؛ فإنَّ اللهَ لعَفُوٌّ غفورٌ، أي: لا يَلومُه على تَركِ ما بعَثَهُ عليه، وهو ضامِنٌ لنَصرِهِ في كرَّتِه الثَّانيةِ مِن إخلالِه بالعَفْوِ وانتقامِه مِن الباغي عليه؛ فلمَّا لم يأْتِ بهذا المَندوبِ فهو نَوعُ إساءةٍ، فكأنَّه سُبحانَه قال: إنِّي قد عفَوتُ عن هذه الإساءةِ وغفَرْتُها؛ فإنِّي أنا الَّذي أذِنْتُ لك فيه. ويَجوزُ أنَّه سُبحانَه وإنْ ضَمِنَ له النَّصرَ على الباغي، لكنَّه عرَّضَ مع ذلك بما كان أَولى به مِن العَفْوِ والمغفرةِ؛ فلَوَّحَ بذِكْرِ هاتينِ الصِّفتينِ؛ ففي ذِكرِهما إشعار بأنَّ العفوَ أفضلُ مِن العقوبةِ فكأنَّه حضٌّ على العفوِ، فلمَّا قال: لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ، اتَّجَهَ لسائلٍ أنْ يَسألَ: لماذا يَنصُرُهُ؟ قال: لأنَّ اللهَ عَفُوٌّ غفورٌ، وكان من الظَّاهرِ أنْ يُقالَ: (إنَّ اللهَ يَنصُرُ المَظْلومين)؛ فعرَّضَ بهاتينِ الصِّفتينِ على سَبيلِ الكِنايةِ التَّلويحيَّةِ؛ لأنَّه أشار إلى المطلوبِ مِن بُعْدٍ. أو دَلَّ بذِكْرِ العَفْوِ والمغفرةِ على أنَّه قادِرٌ على العُقوبةِ؛ لأنَّه لا يُوصَفُ بالعفْوِ إلَّا القادرُ على ضِدِّه [966] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/167)، ((تفسير الرازي)) (23/245)، ((تفسير البيضاوي)) (4/76)، ((تفسير ابن جزي)) (2/45)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/518، 519)، ((تفسير أبي حيان)) (7/530)، ((تفسير أبي السعود)) (6/117). .