موسوعة التفسير

سورةُ مَريمَ
الآيات (96-98)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ

غريب الكلمات:


وُدًّا: أي: محبَّةً، والوُدُّ: محبَّةُ الشيءِ، وتمنِّي كونِه، وأصلُ (ودد): يدلُّ على محبَّةٍ [959] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 276)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 487)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/75)، ((المفردات)) للراغب (ص: 860)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 86). .
لُدًّا: اللُّدُّ: جمعُ ألَدَّ، وهو الخَصِمُ الجَدِلُ، شَدِيدُ الخُصومةِ، وأصلُ (لدد): يدُلُّ على خِصامٍ [960] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 276)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 405)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/203)، ((المفردات)) للراغب (ص: 739)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 227)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 284). قال القاضي عياض: (اللددُ مَأْخوذٌ مِن لَديدَي الوادي، وهما جانِباه؛ لأَنَّه كلَّما أخذْتَ عليه جانبًا مِن المحجةِ أَخَذ في جانبٍ آخرَ). ((مشارق الأنوار)) (1/356). .
تُحِسُّ: أي: ترَى، وتجِدُ، وتعلمُ، والإحساسُ: العلمُ بإحدَى الحواسِّ، وأَحْسَسْتُه: أدركتُه بحاسَّتي [961] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/435) (15/648)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/9)، ((المفردات)) للراغب (ص: 232)، ((تفسير القرطبي)) (11/162)، ((تفسير ابن كثير)) (5/270)، ((التبيان في تفسير غريب القرآن)) لابن الهائم (ص: 124). .
رِكْزًا: أي: صَوتًا خَفِيًّا لا يُفهَمُ، وأصلُ (ركز): يدلُّ على صوتٍ [962] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 276)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 248)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/433)، ((المفردات)) للراغب (ص: 364)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 227)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 284). .

المعنى الإجمالي:


يختمُ الله عزَّ وجلَّ السورةَ ببيانِ ما أعدَّه لعبادِه المؤمنينَ، فيقولُ: إنَّ الذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ سيجعَلُ لهم الرَّحمنُ محبَّةً في قُلوبِ عبادِه.
ثمَّ يُبيِّنُ الحكمةَ التي مِن أجلِها يسَّر القرآنَ، فيقولُ: فإنَّما يسَّرْنا هذا القرآنَ بلِسانِك العربيِّ -يا محمَّدُ- لتبَشِّرَ به المتَّقينَ بأنَّ لهم الجنَّةَ في الآخرةِ، والكرامةَ في الدُّنيا، وتخوِّفَ به المكَذِّبينَ شَديدي الخُصومةِ بالباطِلِ.
ثمَّ يختمُ ببيانِ سُنَّتِه في الظالمينَ، فيقولُ: وأهلَكْنا كثيرًا من الأُمَمِ السَّابقةِ قبلَ كُفَّارِ قُرَيشٍ؛ بسَبَبِ كُفرِهم باللهِ وتكذيبِهم رُسُلَه، فهل ترَى منهم أحدًا، أو تَسمَعُ لهم صوتًا خفيًّا، كلا؛ فقد هَلَكوا، فكذلك الكُفَّارُ مِن قَومِك نُهلِكُهم كما أهلَكْنا مَن قَبلَهم إنْ لم يُبادِروا بالتَّوبةِ.

تفسير الآيات:


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لمَّا فُصِّلتْ قبائحُ أحوالِ الكفرةِ؛ عُقِّبَ ذلك بذكْرِ مَحاسنِ أحوالِ المُؤمِنين [963] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/283). .
وأيضًا فإنَّ اللهَ تعالى لَمَّا رَدَّ على أصنافِ الكَفَرةِ، وبالَغ في شَرحِ أحوالِهم في الدُّنيا والآخرةِ؛ ختَمَ السُّورةَ بذِكرِ أحوالِ المؤمنينَ، فقال [964] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (21/567). :
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) .
أي: إنَّ الذين آمنوا باللهِ ورُسُلِه وبما جاؤوا به مِن عندِ اللهِ، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ [965] قال ابن كثير: (هي الأعمالُ التي ترضي اللهَ عَزَّ وجَلَّ؛ لمتابعتِها الشَّريعةَ المحمَّديَّةَ). ((تفسير ابن كثير)) (5/267). : يُحبُّهم اللهُ، ويجعلُ لهم في الدُّنيا محبَّةً في قلوبِ عِبادِه [966] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/642)، ((تفسير القرطبي)) (11/160)، ((تفسير ابن كثير)) (5/267)، ((تفسير السعدي)) (ص: 501). قال الشوكاني: (وُدًّا أي: حُبًّا في قلوبِ عبادِه، يجعلُه لهم مِن دونِ أنْ يَطْلُبوه بالأسبابِ الَّتي تُوجِبُ ذلك). ((تفسير الشوكاني)) (3/417). وممن اختار أنَّ المرادَ بالودِّ: المحبةُ في قلوبِ العبادِ: القرطبي، وابنُ جُزي، وابنُ رجبٍ، والشوكاني، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/160)، ((تفسير ابن جزي)) (1/486)، ((مجموع رسائل ابن رجب)) (1/95)، ((تفسير الشوكاني)) (3/417)، ((تفسير السعدي)) (ص: 501)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/517). وممن قال مِن السلف: إنها محبةٌ في قلوبِ الناسِ: ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/642). وذكَر ابنُ جرير، وابنُ كثير، والقاسمي أنها محبةٌ في قلوبِ عبادِه المؤمنين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/642)، ((تفسير ابن كثير)) (5/267)، ((تفسير القاسمي)) (7/115). وممن قال بنحوِ ذلك مِن السلفِ: ابن عباس-في رواية- ومجاهدٌ، وقتادةُ، وهرم بنُ حيان. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/642، 643). قال ابنُ عطية: (وقوله: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ذهَب أكثرُ المفسِّرينَ إلى أنَّ هذا هو القبولُ الذي يضعُه الله لمن يحبُّ مِن عبادِه). ((تفسير ابن عطية)) (4/34). وذهَب ابنُ تيميةَ إلى أنَّ المرادَ أنَّ الله يحبُّهم؛ ويحببُهم إلى عبادِه. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (15/232). وممن قال بذلك مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ -في رواية-، ومجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/643). وذهب ابنُ عاشور إلى أنَّ السياقَ يقتضي وقوعَ تلك المحبةِ في الآخرةِ، فيجعلُ الله للمؤمنين محبةً لبعضِهم بعضًا، وتحبُّهم الملائكةُ. قال ابنُ عاشور: (يقتضي اتِّصالُ الآياتِ بَعضِها ببعضٍ في المعاني أنَّ هذه الآيةَ وَصفٌ لحالِ المؤمِنينَ يومَ القيامةِ بضِدِّ حالِ المُشرِكينَ؛ فيكونُ حالُ إتيانِهم غيرَ حالِ انفرادٍ، بل حالُ تأنُّسِ بَعضِهم ببَعضٍ... وأنَّهم يكونون يومَئذٍ بمَقامِ المودَّةِ والتَّبجيل. فالمعنى: سيَجعَلُ لهم الرَّحمنُ أوِدَّاءَ مِن الملائكةِ، كما قال تعالى: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ [فصلت: 31] ، ويجعَلُ بين أنفُسِهم مودَّةً، كما قال تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: 43] . وإيثارُ المصدرِ؛ ليفيَ بعِدَّةِ متعَلِّقاتٍ بالوُدِّ). ((تفسير ابن عاشور)) (16/174- 175). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريلَ فقال: إنِّي أحبُّ فلانًا فأحِبَّه، فيُحِبُّه جبريلُ، ثمَّ ينادي في السَّماءِ فيقولُ: إنَّ اللهَ يحبُّ فلانًا فأحِبُّوه، فيُحِبُّه أهلُ السَّماءِ، ثمَّ يُوضَعُ له القَبولُ في الأرضِ، وإذا أبغَضَ عبدًا دعا جبريلَ فيقولُ: إنِّي أُبغِضُ فُلانًا فأبغِضْه، فيُبغِضُه جِبريلُ، ثمَّ ينادي في أهلِ السَّماءِ: إنَّ اللهَ يُبغِضُ فُلانًا فأبغِضوه، فيُبغِضونَه، ثمَّ تُوضَعُ له البَغضاءُ في الأرضِ )) [967] رواه البخاري (3209)، ومسلم (2637) واللفظ له. .
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا احتَوَت السُّورةُ على عِبَرٍ وقَصَصٍ وبِشاراتٍ ونُذُرٍ، جاء هنا في التَّنويهِ بالقُرآنِ، وبَيانِ بعضِ ما في تنزيلِه مِن الِحكَمِ [968] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/175). .
وأيضًا لَمَّا كان إنزالُ هذا القَولِ الثَّقيلِ ثمَّ تَيسيرُه حِفظًا وعَمَلًا- سَببًا لِما جُعِل لأهلِ الطَّاعةِ في الدُّنيا مِنَ الوُدِّ، بما لهم مِنَ التحَلِّي والتزَيُّنِ بالصَّالحاتِ، والتخَلِّي والتصَوُّنِ مِنَ السيِّئاتِ؛ الدَّالِّ على ما لهم عندَ مَولاهم مِن عَظيمِ العِزِّ والقُربِ؛ قال [969] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/251). :
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ .
أي: فإنَّما يسَّرْنا القرآنَ بلُغتِك العربيَّةِ -يا محمَّدُ- وسهَّلْنا قراءةَ ألفاظِه، وفَهْمَ معانيه؛ لتبشِّرَ بالقرآنِ الذين يمتَثِلونَ الأوامِرَ، ويجتَنِبونَ النَّواهيَ بأنَّ لهم الجنَّةَ في الآخرةِ، والعزَّ في الدُّنيا [970] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/645)، ((تفسير ابن عطية)) (4/35)، ((تفسير القرطبي)) (11/162)، ((تفسير ابن كثير)) (5/269)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/252)، ((تفسير السعدي)) (ص: 501)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/176). .
كما قال تعالى: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الدخان: 58] .
وقال سُبحانَه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء: 9] .
وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا .
أي: وتُنذِرَ بالقُرآنِ -يا محمَّدُ- قَومَك الشَّدِيدي المخاصَمةِ والمجادلةِ بالباطِلِ لرَدِّ الحَقِّ، فتُحَذِّرَهم من وُقوعِ الهَلاكِ والعذابِ عليهم [971] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/645)، ((تفسير ابن عطية)) (4/35)، ((تفسير القرطبي)) (11/162)، ((تفسير السعدي)) (ص: 501)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/518). قال ابنُ تيميَّةَ: (اللُّدُّ: جَمعُ الألَدِّ، وهو الأعوَجُ في المناظَرةِ، الذي يَروغُ عن الحَقِّ). ((الجواب الصحيح)) (2/70). وقال البقاعي: (الألَدُّ: هو الذي يَتمادى في غَيِّه، ولا يَرجِعُ لدَليلٍ، ويرَكبُ في عنادِ الحَقِّ ما يَقدِرُ عليه مِنَ الشَّرِّ، ولا يكونُ هذا إلَّا ممَّن يحتَقِرُ مَن يخاصِمُه، ويريدُ أن يجعَلَ الحَقَّ باطِلًا؛ تكبُّرًا عن قَبولِه). ((نظم الدرر)) (12/252). .
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لمَّا ذُكِروا بالعنادِ والمُكابَرةِ؛ أُتْبِعَ بالتَّعريضِ بتَهديدِهم على ذلك، بتَذكيرِهم بالأُمَمِ الَّتي استأصَلَها اللهُ لجَبروتِها وتَعنُّتِها؛ لتكونَ لهم قياسًا ومثَلًا [972] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/177). ، فقال تعالى:
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ .
أي: وأهلَكْنا كثيرًا مِن الأُمَمِ الماضيةِ قبلَ كُفَّارِ قُرَيشٍ؛ بسَبَبِ كُفرِهم باللهِ، وتكذيبِهم رُسُلَه، ورُكوبِهم معاصيَه [973] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/647)، ((تفسير القرطبي)) (11/162)، ((تفسير ابن كثير)) (5/270)، ((تفسير السعدي)) (ص: 501)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/519). .
كما قال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ [ق: 36] .
هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ .
أي: فهل ترَى -يا محمَّدُ- أو تشعُرُ بشَخصٍ واحدٍ مِن تلك الأُمَمِ الماضيةِ التي أهلَكْناها [974] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/647)، ((تفسير القرطبي)) (11/162)، ((تفسير ابن كثير)) (5/270)، ((تفسير السعدي)) (ص: 501)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/178)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/518). ؟!
كما قال تعالى: فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ [الحاقة: 8] .
أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا .
أي: أو هل تَسمَعُ لهم صَوتًا خَفِيًّا؟! كلا؛ فقد بادوا وهَلَكوا، وبَقِيَت أخبارُهم عِبرةً للمُعتَبِرينَ، ولم يبقَ منهم عينٌ ولا أثَرٌ، قد خلَت منهم دورُهم، وانتقلوا إلى دارٍ لا ينفَعُهم فيها إلَّا الإيمانُ والعَمَلُ الصالحُ، فكذلك هؤلاء المُشرِكونَ -يا محمَّدُ- صائرونَ إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يبادِروا بالتَّوبةِ قَبلَ وُقوعِ الهلاكِ [975] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/647، 649)، ((تفسير القرطبي)) (11/162)، ((تفسير ابن كثير)) (5/270)، ((تفسير السعدي)) (ص: 501)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/518). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا هذا مِن نِعَمِه تعالى على عبادِه الذين جمعوا بينَ الإيمانِ والعَمَلِ الصالح: أنْ وَعَدَهم أنَّه يجعَلُ لهم وُدًّا، أي: محبَّةً ووِدادًا في قلوبِ أوليائِه، وأهلِ السَّماءِ والأرضِ، وإذا كان لهم في القلوبِ وُدٌّ تيسَّرَ لهم كثيرٌ مِن أمورهم، وحصَل لهم مِن الخيراتِ والدَّعواتِ والإرشادِ والقَبولِ والإمامةِ ما حصل، وإنَّما جعل اللهُ لهم وُدًّا؛ لأنَّهم وَدُّوه، فودَّدَهم إلى أوليائِه وأحبابِه [976] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 501). .
2- ختَم الله تعالى السورةَ بموعظةٍ بليغةٍ، فقال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ لأنَّهم إذا تأمَّلوا وعَلِموا أنَّه لا بدَّ مِن زوالِ الدُّنيا، والانتهاءِ إلى الموتِ؛ خافوا ذلك وخافوا أيضًا سُوءَ العاقبةِ في الآخرةِ، فكانوا فيها إلى الحَذَرِ مِن المعاصي أقرَبَ، ثمَّ أكَّدَ تعالى ذلك فقال: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ؛ لأنَّ الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا لم يُحِسَّ منهم أحدًا برؤيةٍ أو إدراكٍ أو وجدانٍ، ولا يسمعُ لهم ركزًا -وهو الصَّوتُ الخَفِيُّ- دَلَّ ذلك على انقراضِهم وفنائِهم بالكُليَّةِ [977] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (21/568). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ الله تعالى: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا لَمَّا ذكرَ تعالى أنه يبشِّرُ بالقرآنِ المتَّقينَ، ذكَرَ في مقابلتِه مَن هو في مخالفةِ التَّقوى أبلغُ، وأبلَغُهم الألَدُّ الذي يتمَسَّكُ بالباطِلِ، ويجادِلُ فيه ويتشَدَّدُ [978] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (٢١/٥٦8). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا
- التَّعرُّضُ لعُنوانِ الرَّحمانيةِ في قولهِ: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا؛ لِما أنَّ الموعودَ مِن آثارِها [979] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/283). .
- قولُه: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا السِّينُ: إمَّا لأنَّ السُّورةَ مكِّيَّةٌ، وكان المُؤمِنون حينئذٍ مَمْقوتينَ بين الكفرةِ، فوعَدَهم اللهُ تعالى ذلك إذا ظهَرَ الإسلامُ وفشا. وإمَّا أنْ يكونَ ذلك يومَ القيامةِ؛ يُحبِّبُهم إلى خلْقِه بما يُعْرَضُ من حَسناتِهم، ويُنْشَرُ من دِيوانِ أعمالِهم [980] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/47)، ((تفسير البيضاوي)) (4/21)، ((تفسير أبي حيان)) (7/304)، ((تفسير أبي السعود)) (5/284). . ولعلَّ إفرادَ هذا بالوعدِ مِن بينِ ما سيُؤْتَون يومَ القيامةِ من الكراماتِ السَّنيَّةِ؛ لِما أنَّ الكفرةَ سيقَعُ بينهم يومئذٍ تباغضٌ وتضادٌّ وتقاطعٌ وتلاعُنٌ [981] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/284). . واحتملَ أنْ يكونَ ذلك الوُدُّ في الدُّنيا على الإطلاقِ. وقيل: في الكلامِ حذْفٌ، والتَّقديرُ: سيُدْخِلُهم دارَ كرامتِه، ويجعَلُ لهم وُدًّا بسبَبِ نزْعِ الغِلِّ من صُدورِهم، بخلافِ الكُفَّارِ [982] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/304). .
2- قولُه تعالى: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا إيذانٌ بانتهاءِ السُّورةِ؛ فإنَّ شأْنَ الإتيانِ بكلامٍ جامعٍ بعدَ أفنانِ الحديثِ: أنْ يُؤذِنَ بأنَّ المُتكلِّمَ سيَطْوي بِساطَه. وذلك شأنُ التَّذييلاتِ والخواتمِ، وهي ما يُؤذِنُ بانتهاءِ الكلامِ؛ فلمَّا احتوَتِ السُّورةُ على عِبَرٍ وقصَصٍ، وبشاراتٍ ونُذرٍ، جاء هنا في التَّنويهِ بالقُرآنِ، وبَيانِ بعضِ ما في تَنزيلِه مِن الحِكَمِ؛ فيجوزُ جعْلُ الفاءِ فَصيحةً [983] الفاءُ الفصيحةُ: هى الدالةُ على محذوفٍ قبلَها، هو سببٌ لما بعدَها، سُمِّيتْ فصيحةً؛ لإفصاحِها عما قبلَها. وقيل: لأنَّها تدلُّ على فصاحةِ المتكلِّمِ بها. يُنظر: ((عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح)) لبهاء الدين السبكي (1/597). مُؤذِنةً بكلامٍ مُقدَّرٍ يدُلُّ عليه المذكورُ، كأنَّه قيل: بلِّغْ ما أنزَلْنا إليك، ولو كرِهَ المُشرِكون ما فيه مِن إبطالِ دِينِهم، وإنذارِهم بسُوءِ العاقبةِ؛ فما أنزلناهُ إليك إلَّا للبشارةِ والنِّذارةِ، ولا تعبَأْ بما يحصُلُ معَ ذلك مِن الغيظِ أو الحقْدِ. ويجوزُ أنْ تكونَ الفاءُ للتَّفريعِ على وعيدِ الكافرينَ بقولِه: لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم: 94، 95]، ووعْدِ المُؤمِنين بقولِه: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم: 96]، والمُفرَّعُ هو مضمونُ لِتُبَشِّرَ بِهِ ... إلخ وَتُنْذِرَ بِهِ ... إلخ، أي: ذلك أثَرُ الإعراضِ عمَّا جئْتَ به مِن النِّذارةِ، وأثَرُ الإقبالِ على ما جئْتَ به مِن البشارةِ ممَّا يسَّرناهُ بلسانِك؛ فإنَّا ما أنزلناهُ عليك إلَّا لذلك [984] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/175-176). . أو الفاءُ لتعليلِ أمرٍ يَنساقُ إليه النَّظمُ الكريمُ؛ كأنَّه قيل بعدَ إيحاءِ السُّورةِ الكريمةِ: بلِّغْ هذا المُنزَّلَ، أو بشِّرْ به وأنذِرْ؛ فإنَّما يسَّرناهُ بلسانِك العربيِّ المُبينِ [985] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/284). .
- وضَميرُ الغائبِ في يَسَّرْنَاهُ عائدٌ إلى القُرآنِ بدلالةِ السِّياقِ، وبذلك عُلِمَ أنَّ التَّيسيرَ تَسهيلُ قِراءةِ القُرآنِ، وهذا إدماجٌ للثَّناءِ على القُرآنِ بأنَّه مُيسَّرٌ للقراءةِ؛ كقولِه تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [986] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/176). [القمر: 17].
- وفي قولِه: لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا حُسْنُ مُقابلةِ المُتَّقينَ بقومٍ لُدٍّ؛ لأنَّ التَّقوَى امْتِثالٌ وطاعةٌ، والشِّركَ عصيانٌ ولَدَدٌ. وفيه تَعريضٌ بأنَّ كُفْرَهم عن عنادٍ، وهم يَعْلمونَ أنَّ ما جاء به محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو الحقُّ، كما قال تعالى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: 33] . وإيقاعُ لفْظِ (القومِ) عليهم؛ للإشارةِ إلى أنَّ اللَّددَ شأْنُهم، وهو الصِّفةُ الَّتي تقوَّمَت منها قوميَّتُهم [987] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/177). .
- وعبَّرَ عن الكُفَّارِ بـ (قومٍ لُدٍّ)؛ ذمًّا لهم بأنَّهم أهْلُ إيغالٍ في المِراءِ والمُكابَرةِ، أي: أهْلُ تَصميمٍ على باطلِهم [988] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/176). .
3- قولُه تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا الجُملةُ معطوفةٌ على جُملةِ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ [مريم: 97] باعتبارِ ما تضمَّنَته من بِشارةِ المُؤمِنينَ ونِذارةِ المُعاندينَ؛ لأنَّ في التَّعريضِ بالوعيدِ لهم نِذارةً لهم، وبِشارةً للمُؤمِنين باقترابِ إراحتِهم من ضَرِّهم [989] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/177). . وقيل: الجُملةُ استئنافٌ مُقرِّرٌ لمَضمونِ ما قبْلَه، أي: هل تشعُرُ بأحدٍ منهم [990] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/284). ؟
- وفي قولِه: وَكَمْ أَهْلَكْنَا ... تخويفٌ لهم وإنذارٌ بالهلاكِ، وتَجْريءٌ للرَّسولِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على إنذارِهم [991] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/48)، ((تفسير البيضاوي)) (4/21)، ((تفسير أبي حيان)) (7/305). .
- قولُه: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ الاستفهامُ إنكاريٌّ معناه النَّفيُ، أي: لا تُحِسُّ [992] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/305)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/178). .
- قولُه: أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا كِنايةٌ عن اضمحلالِهم، كُنِّيَ باضمحلالِ لوازمِ الوُجودِ عنِ اضمحلالِ وُجودِهم [993] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/178). .
- وممَّا انطوَتْ عليه خواتيمُ سُورةِ مريمَ من فُنونٍ البلاغةِ: التَّكرارُ؛ فقد تكرَّرَ ذكْرُ (الرَّحمنِ) سِتَّ عشْرةَ مرَّةً في السُّورةِ، مُعظمُها في خواتيمِها، والفائدةُ فيه: أنَّه هو الرَّحمنُ وحْدَه، لا يَستحِقُّ هذا الاسمَ غيرُه، وخلَقَ لهم جميعَ مُتطلباتِهم الَّتي بها قوامُ مَعايشِهم، فهلِ اعتبَرَ الإنسانُ، أم لا يزالُ الغطاءُ مَسدولًا على عينيْه، والوَقْرُ يَغْشى أُذنيه؟! فمَن أضاف إليه ولدًا جعَلَه كالأَناسيِّ المخلوقةِ، وأخرَجَه بذلك عن استحقاقِ هذا الاسمِ الجديرِ به وحْدَه [994] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/158). .