الموسوعة الحديثية


0 - إذا أحبَّ اللهُ عبْدًا نادى جبرائيلَ: إنِّي قد أحبَبْتُ فُلانًا فأَحِبَّه. قال: فيُنادي في السَّماءِ، ثمَّ تنزِلُ له المحبَّةُ في أهْلِ الأرضِ. فذلك قولُ اللهِ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]. وإذا أبغَضَ اللهُ عبْدًا نادى جبرئيلَ: إنِّي قد أبغضْتُ فُلانًا، فيُنادي في السَّماءِ، ثمَّ تنزِلُ له البغضاءُ في الأرضِ.
الراوي : أبو هريرة | المحدث : ابن العربي | المصدر : عارضة الأحوذي | الصفحة أو الرقم : 6/243 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | التخريج : أخرجه الترمذي (3161)
في هذا الحديثِ بيانُ فَضْلِ تَحْصيلِ محبَّةِ اللهِ تعالى، وما يترتَّبُ عليها مِنَ الجزاءِ في الدُّنيا، فَضْلًا عمَّا يترتَّبُ عليها مِن نعيمِ الآخرةِ؛ حيثُ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إذا أَحَبَّ اللهُ عبدًا"، أي: إذا أحبَّهُ اللهُ نتيجةً لطاعَتِهِ "نادَى جِبرائيلَ: إنِّي قد أَحْبَبْتُ فُلانًا فأَحِبَّهُ، قال: فيُنادي في السَّماءِ" وفي رِوايةٍ للشَّيْخيْنِ: "فيُنادي جِبريلُ في أهْلِ السَّماءِ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فلانًا فأَحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ"، أي: إنَّ ملائكةَ السَّمواتِ بمجرَّدِ إخْبارِ جِبريلَ وأمْرِهِ يُحِبُّونَه؛ لأنَّهم يُحِبونَ اللهَ، ويُحِبونَ ما يُحِبُّه، وجبريلُ هو سَفيرُ اللهِ تَعالى إلى الملائكةِ، كما أنَّه سَفيرُهُ إلى الرُّسُلِ من البَشَرِ، "ثم تُنْزَلُ له المحبَّةُ في أهْلِ الأرْضِ" يعني: عندَ أكْثَرِ مَنْ يَعرِفُهُ مِنَ المُؤْمِنينَ، ويَبْقى له ذِكْرٌ صالحٌ. وقيل المعنى: يُلقِي في قُلوبِ أهْلِها محبَّتَهُ مادِحينَ له؛ "فذَلِكَ قوْلُ اللهِ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]، أي: أنَّه يَغْرِسُ لعِبادِهِ المُؤْمِنينَ الذين يَعْمَلونَ الصَّالِحاتِ، وهي الأعْمالُ التي تُرْضي اللهَ لِمُتابَعَتِها الشرَّيعةَ المُحمَّديةَ، يَغرِسُ لهم في قُلوبِ عِبادِهِ الصالحين مَحبَّةً ومَودَّةً. ومِن مَحبَّةِ اللهِ تَعالى لعَبدِه: تَوفيقُه للخيْرِ وهِدايتُه وإنْعامُه عليه وَرَحْمتُه إيَّاه، ومِن حُبِّ جِبريلَ والملائكةِ له: اسْتِغْفارُهُم له، وثَناؤُهُم عليه ودُعاؤُهُم، وسَبَبُ حُبِّهِم إيَّاهُ كوْنُه مُطيعًا للهِ تعالى مَحْبوبًا له.
ثُمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مُقابِل ذلِك: "وإذا أَبْغَضَ اللهُ عبدًا"، أي: إذا كَرِهَهُ "نادى جِبرائيلَ: إنِّي قد أَبْغضْتُ فُلانًا، فيُنادي في السَّماءِ، ثم تُنْزَلُ له البَغْضاءُ في الأرْضِ"، أي: تُوجَدُ له الكَراهِيَةُ على التَّرْتيبِ الذي وَقَعَ في المَحَبَّةِ للعَبْدِ المُؤْمِنِ، ويكونُ مَبْدؤُها عندَ اللهِ، ثم تَنْتقِلُ إلى أهْلِ السَّماءِ، وتَنْتَهي عندَ أهْلِ الأرْضِ. وهذا الحديثُ صَريحٌ في أنَّ اللهَ تَعالى يُحِبُّ مَنْ يشاءُ من عِبادِهِ من أهْلِ الطاعَةِ له والتَّقْوى، كما هو صَريحٌ أيضًا في أنَّه تَعالَى يَتكلَّمُ ويُنادي مَن يَشاءُ متى يَشاءُ، وفي هذا الحديثِ النِّداءُ لِجِبريلَ خاصَّةً، وهذا من أَبْلَغِ الأدِلَّةِ على إثْباتِ صِفَةِ الكلامِ للهِ تعالى.
وفي الحديثِ: أنَّ مَحبَّةَ قُلوبِ الناسِ عَلامَةُ مَحبَّةِ اللهِ.
وفيه: إشْعارٌ بأنَّ المَلَأَ الأعْلى ليس لهم شُعورٌ بِمَحْبوبِه تَعالَى وَمَبْغوضِه إلَّا بإعْلامِه إياهُم( ).