موسوعة اللغة العربية

المَطْلَبُ الأوَّلُ: أقسامُ (ظَنَّ) وأخواتِها


تنقَسِمُ (ظَنَّ) وأخواتُها إلى قِسمَينِ: أفعالُ القُلوبِ، وأفعالُ التصييرِ، وتنقَسِمُ أفعالُ القُلوبِ إلى: أفعالِ اليَقينِ، وأفعالِ الشَّكِّ والرُّجحانِ.
أولًا: أفعالُ اليَقينِ
وتفيدُ حُصولَ الخَبَر يقينًا.
ومنها: «عَلِم، وَجَد، رَأى (بمعنى عَلِم، لا بمعنى الرُّؤيةِ البَصَريَّةِ التي تنصب مفعولًا واحدًا)، دَرى، تعلَّمْ بمعنى اعلَمْ، وهو فعلٌ جامدٌ لا يَتصرَّفُ وهي بخلافِ (تعلَّمْ) فِعلُ أمرٍ مِنَ الفِعلِ الماضي (تعلَّمَ)، مثل: تَعلَّمِ النَّحوَ، والفَرقُ بينهما من ثلاثةِ أوجُهٍ؛ أحَدُها: أنَّ قَولَك: "تعلَّمِ النَّحوِ" أمرٌ بتحصيلِ العِلمِ في المستقبَلِ، وذلك بتحصيلِ أسبابِه، وأما قولُك: "تعلَّمْ أنك ناجِحٌ" فإنَّه أمرٌ بتحصيلِ العِلمِ بما يُذكَرُ مع الفِعلِ من المتعَلِّقاتِ في الحالِ، وثانيهما: أنَّ التي من أخوات (ظنَّ) تتعدى إلى مفعولينِ، والأخرى تتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ، وثالثها: أنَّ التي من أخوات (ظَنَّ) جامدةٌ غيرُ متصَرِّفةٍ، وتلك متصَرِّفةٌ، تامَّةُ التصَرُّفِ، تقولُ: تعلَّمَ الحسابَ يَتعلَّمُه وتعلَّمْه أنت. ينظر: ((شرح ابن عقيل - منحة الجليل)) (2/ 32). ، ألْفى».
تَقولُ: عَلِمْتُ أبي مسافرًا، ووجدتُ السعادةَ راحةَ البالِ، ورأيتُ الدنيا أحقرَ من أن يَحرِصَ الإنسانُ عليها، ودريتُ الإيمانَ قولًا وعملًا واعتقادًا، تعلَّمْ أنَّ راحةَ النفْسِ الرِّضا، ألْفى عليٌّ أباهُ مُسافرًا.
ألْفى: فِعلٌ ماضٍ مَبْنيٌّ على الفَتحِ المقَدَّرِ.
عليٌّ: فاعِلٌ مَرفوعٌ، وعَلامةُ رَفعِه الضَّمَّةُ الظَّاهِرةُ.
أباه: مَفعولٌ به مَنصوبٌ، وعَلامةُ نَصبِه الفتحةُ؛ لأنَّه من الأسماءِ السِّتَّةِ، والهاءُ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنيٌّ في مَحَلِّ جَرٍّ مُضافٌ إليه.
مسافرًا: مفعولٌ به ثانٍ منصوبٌ، وعَلامةُ نَصبِه الفَتحةُ الظَّاهِرةُ.
وقد وردت أمثلةٌ لتلك الأفعالِ في القُرآنِ والشِّعرِ؛ قال تعالى: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ [الصافات: 69] ، وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج: 6، 7]، وقال سُبحانَه: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا [المزمل: 20].
وقال الشَّاعِر:
تعلَّمْ شفاءَ النفْسِ قَهْرَ عدوِّها
فبالِغ بلُطفٍ في التحيُّل والمكْرِ
ويُشترَط في "عَلِم" هنا ألَّا يكون بمعنى (عَرَف) المتعدِّي لمفعولٍ واحدٍ؛ فإنَّه ليس من أخواتِ (ظنَّ)، ومنه قَولُه تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: 78] .
ومن ذلك أيضًا "رأى" فإنَّه لا يجوزُ فيها أن يكونَ المقصودُ منها الرؤيةَ بالعَينِ؛ فإنَّها لا تتعَدَّى إلى مفعولينِ؛ تَقولُ: رأيت حيَّةً في الغُرفة، ومنه قَولُه تعالى: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام: 78] ؛ فإن "بازغةً" حالٌ لا مفعولٌ به ثانٍ.
بخلافِ (رأى) الحُلميَّةِ؛ فإنَّها تنصِبُ مفعولينِ، ومنها قَولُه تعالى: قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا [يوسف: 36] ؛ فإنَّ الياءَ في "أراني" مفعولٌ به أوَّلُ، وجملةُ "أعصِرُ خمرًا" و"أحمِلُ فوقَ رأسي خبزًا" مفعولٌ به ثانٍ للكلمتينِ "أراني" يُنظَر: ((توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك)) للمرادي (1/ 565). .
النَّوعُ الثَّاني: أفعالُ الرُّجْحانِ والظَّنِّ
وهي: ظنَّ، حَسِب، خالَ، زَعِمَ، عدَّ، حَجَا بمعنى ظَنَّ. ، جَعَل بمعنى ظَنَّ. ، هَبْ فِعل أمر بمعنى ظُنَّ، وهو فعلُ أمرٍ جامدٌ لا يَتصرَّف، بمعنى اِحسِبْ وظُنَّ، تقول: هَبْني فعلتُ هذا الأمرَ، أي: اِحسِبني واعدُدْني، وهو غيرِ (هَبْ) الذي ماضِيه (وَهَبَ) مِن (الهِبة)، ولا يُستعمَل منه ماضٍ ولا مُستقبَل في هذا المعنى. ، وقَالَ بمعنى الظنِّ، ويُصبِح فِعلُ القولِ قلبيًّا؛ لأنَّه صار بمعنى الظنِّ، وعندَ ذلك يَنصِب المبتدأَ والخبرَ، مثال: قلتُ خالدًا مسافرًا. .
تَقولُ: ظننتُ الأمرَ يسيرًا، حَسِبتُ الحياةَ هادئةً، خال محمَّدٌ عَمرًا ناجحًا، زعَمَ عَلِيٌّ أخاه مريضًا، عدَدْتُ الصديقَ أخًا، حَجَا السَّائحُ المِئْذنةَ بُرجًا، جعَل الصيادُ السَّمكةَ حوتًا، هَبْ أنَّ التغييرَ قادمٌ.
هَبْ: فعل أمرٍ مَبْنيٌّ على السُّكونِ، وفاعله ضَميرٌ مُستَتِرٌ وجوبًا تقديره: أنت.
أنَّ: حرفٌ ناسِخٌ مَبْنيٌّ على الفَتحِ، لا مَحَلَّ له مِنَ الإعرابِ.
التغييرَ: اسمُ (أنَّ) منصوبٌ، وعَلامةُ نَصبِه الفَتحةُ الظَّاهِرةُ.
قادِمٌ: خَبَر (أنَّ) مَرفوعٌ، وعَلامةُ رَفعِه الضَّمَّةُ الظَّاهِرةُ. والجملةُ (أنَّ التغييرَ قادمٌ) سدَّت مَسَدَّ مفعولَيْ (هَبْ)
والفِعْلُ "هَبْ" جامدٌ ملازِمٌ لصيغةِ الأمرِ لا يفارِقُها بخلافِ البَقِيَّةِ.
وفي القُرآنِ والشِّعرِ شَواهِدُ وأمثلةٌ على تلك الأفعالِ؛ منها قَولُه تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: 42] ، وقَولُه تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا [الزخرف: 19] .
وقال الشَّاعِرُ:
فلا تَعْدُدِ المولَى شريكَك في الغنى
ولكنَّما المولَى شريكُكَ في العُدْمِ
وقال آخَرُ:
قد كنت أحْجُو أبا عَمْروٍ أخًا ثقةً
حتى ألَمَّتْ بنا يومًا مُلِمَّاتُ
وقال غيرُه:
فقلتُ أَجِرْنِي أبا خالدٍ
وإلَّا فهَبْني امرأً هالِكَا
وليس من اللازمِ هنا أن يكونَ المفعولانِ أصلُهما المُبتَدَأُ والخَبَر حقيقةً، خاصةً في (حَسِبَ)؛ بل يكفي أن يكونَ أصلُهما كذلك ولو تأويلًا؛ إذ لا يجوزُ أن نقول مثلًا: المريخُ الزُّهَرةُ، مع أنَّنا نقول: حسِبْتُ المريخَ الزُّهَرةَ، وهذا ما يُفتَرَضُ مع النوعِ الثَّالِثِ من تلك الأفعالِ.
ويغلِبُ على هذا النوعِ والذي قبله أن يقعَ بَعْدَه (أنْ) والفِعْلُ بَعْدَها، ويُؤَوَّلان بالمصدَرِ؛ كقَولِه تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن: 7] ، أو (أنَّ) واسمُها وخَبَرُها؛ كقَولِه تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة: 46] ، وحينئذٍ يَسُدَّانِ مَسدَّ مَفعولي (ظنَّ) وأخواتها.
وهذا النوعُ والذي قبله (أفعالُ اليَقينِ وأفعالُ الرُّجحانِ) يُلقَّبان بأفعالِ القُلوبِ؛ لأنَّ كُلَّ تلك الأفعالِ راجعٌ إلى فِعل القَلبِ، ومُقابلة لأفعالِ التصييرِ، وهي النوعُ الثَّالِثُ.
النوعُ الثَّالِثُ: أفعالُ التصييرِ والتحويلِ
وهي: صيَّر، جعَل، اتَّخَذ، تَخِذَ، ترَك، ردَّ، وَهَبَ (بمعنى صيَّر) أصلُه من الهِبة، ثمَّ ضُمِّن معنى التَّصيير، وذلك نحو قولهم: وَهَبني اللهُ فِداءَك، أي: جَعَلني اللهُ فِداءً لك، وهو بهذا المعنى لازمٌ المُضيَّ؛ لجَرَيانِه كالمَثَل. يُنظَر: ((التصريح)) لخالد الأزهري (1/ 252). .
تَقولُ: صيَّرتُ الفِضةَ خاتمًا، جعَل الله الليلَ سكنًا، اتَّخَذ المسافرُ الخبزَ قُوتًا، تَخِذَت الحرارةُ الثَّلجَ ماءً، ترَكَ الموجُ الصُّخورَ حصًى، ردَّ الأملُ الوجوهَ البائسةَ مشرقةً، وهَبْتُ الدقيقَ عجينًا.
وهبتُ: وهَبَ: فعلٌ ماضٍ مَبْنيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِه بتاءِ الفاعِلِ، والتاءُ: ضَميرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنيٌّ في مَحَلِّ رَفعٍ فاعِلٌ.
الدقيقَ: مَفعولٌ به مَنصوبٌ، وعَلامةُ نَصبِه الفَتحةُ الظَّاهِرةُ.
عجينًا: مفعولٌ به ثانٍ منصوبٌ، وعَلامةُ نَصبِه الفَتحةُ الظَّاهِرةُ.
وقد جاء من ذلك في القُرآنِ قَولُه تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: 31] ، وقَولُه تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان: 47] ، وقَولُه تعالى: وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف: 99] ، وقَولُه تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا [البقرة: 109] .
ومنه قَولُ الشَّاعِرِ:
اجْعَلْ شِعارَكَ رحمةً ومَودَّةً
إنَّ القلوبَ مع المودَّةِ تُكْسَبُ
وقال أعرابي: وَهَبَني اللهُ فِداءَك، أي: جعَلَني فِداءَك. والفِعْل (وَهَبَ) جامدٌ ملازمٌ لصيغةِ الماضي، أمَّا (وَهَبَ) التي بمعنى (أعطى بلا عِوَضٍ) فليست من هذا البابِ ينظر: ((المصباح المنير)) (2/ 673). .

انظر أيضا: