الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الخامِسُ: الآثارُ الإيمانيَّةُ لاسمَيِ اللهِ: الشَّاكِرِ والشَّكورِ

إذا عَلِمَ العَبدُ أنه يتَقَلَّبُ في نِعَمِ اللهِ ظاهرًا وباطنًا ليلًا ونهارًا، ويقظةً ومنامًا، سرًّا وعلانيَةً، لا تنفَدُ عَطاياه، ولا تنقَطِعُ آلاؤه، ولا تنتهي نَعْماؤه، وأنَّه لو اجتهد في إحصاءِ أنواعِ النِّعَمِ لَمَا قَدَر، كما قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34] ، وأنَّه لو عَمِلَ من الصَّالحاتِ ما عَمِل فإنَّ نِعَمَ اللهِ عليه أكثَرُ؛ فأدنى نِعمةٍ مِن نِعَمِ اللهِ تستغرِقُ جميعَ أعمالِه- أورثه ذلك أن يكونَ عبدًا شكورًا، يشكرُ اللهَ على وافِرِ نِعَمِه، وجميلِ إحسانِه، ويبالِغَ في الشُّكرِ بالقَلْبِ واللِّسانِ، والعَمَلِ بالجَوارحِ.
فمن الشُّكرِ بالقَلْبِ: الاعترافُ بالنِّعَمِ الباطِنةِ والظَّاهِرةِ للمُنعِمِ، وأنَّها منه وبفَضْلِه، وأنَّها وصلت إليه من غيرِ ثمَنٍ بذَلَه فيها، ولا وسيلةٍ منه توسَّلَ بها إليه، ولا استحقاقٍ منه لها، وأنَّها لله في الحقيقةِ لا للعَبدِ [3489] يُنظر: ((الفوائد)) لابن القيم (ص: 183). ، قال اللهُ تعالى: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: 53] .
ومن الشُّكرِ باللِّسانِ: الثَّناءُ بالنِّعَمِ، وذِكْرُها، وتَعدادُها، وإظهارُها.
قال اللهُ سُبحانَه: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضُّحى: 11].
ومن الشُّكرِ بالجوارحِ: أن يُستعانَ بالنِّعَمِ على طاعةِ اللهِ، ويحذَرَ من استعمالِها في شيءٍ مِن معاصيه.
قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا [سبأ: 13] .
وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقومُ حتى تتفَطَّرَ قَدَماه، ويقولُ: ((أفلا أُحِبُّ أن أكونَ عَبدًا شكورًا؟ )) [3490] أخرجه البخاري (4837) من حَديثِ عائشة رَضِيَ اللهُ عنها. .
قال ابنُ القَيِّمِ: (فسَمَّى الأعمالَ شُكرًا، وأخبر أنَّ شُكرَه قيامُه بها ومحافظتُه عليها. فحقيقةُ الشُّكرِ هو الثَّناءُ على المنعِمِ ومحَبَّتُه والعَمَلُ بطاعتِه) [3491] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) (ص: 346). .
وبالشُّكرِ تَثبُتُ النِّعَمُ ولا تزولُ، ويبلُغُ الشَّاكِرُ من المزيدِ فوقَ المأمولِ.
وإذا وفَقَّ اللهُ عَبْدَه للشُّكرِ، فهذه نعمةٌ تحتاج إلى شُكرٍ جديد؛ فإنْ شَكَرَها فإنَّها نعمةٌ تحتاجُ إلى شُكرٍ آخَرَ، وهكذا. فشُكرُ الله تعالى لا ينقَضي.
ومما ينبغي أن يُعلَمَ أنَّ منفعةَ الشُّكرِ ترجِعُ إلى العبدِ دنيا وآخرةً، لا إلى اللهِ، والعَبدُ هو الذي ينتفِعُ بشُكرِه، كما قال تعالى: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 40] .
قال ابنُ القَيِّمِ: (تأمَّلْ قَولَه سُبحانَه: مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء: 147] . كيف تجِدُ في ضِمنِ هذا الخِطابِ أنَّ شُكْرَه تعالى يأبى تعذيبَ عِبادِه سُدًى بغيرِ جُرمٍ، كما يأبى إضاعةَ سَعْيِهم باطلًا؛ فالشَّكورُ لا يُضيعُ أجرَ مُحسِنٍ، ولا يُعَذِّبُ غَيرَ مُسيءٍ) [3492] يُنظر: ((عدة الصابرين)) (ص: 282). .
وعلى العبدِ أن يشكُرَ من أجرى اللهُ سُبحانَه النِّعمةَ على يَدِه من الخَلقِ، كما قال اللهُ تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ [لقمان: 14] .
وقد قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يَشكُرُ اللهَ مَن لا يَشكُرُ النَّاسَ )) [3493] أخرجه أبو داود (4811)، وأحمد (7939) واللَّفْظُ لهما، والترمذي (1954) باختلِافٍ يسيرٍ من حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. صححه الترمذي، وصَحَّحه ابن حبان في ((صحيحه)) (3407)، وابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (117). .
قال البيضاويُّ: (هذا إمَّا لأنَّ شُكرَه تعالى إنما يتمُّ بمطاوعتِه وامتثالِ أمْرِه، وأنَّ مما أمَرَ به شُكرَ النَّاسِ الذين هم وسائِطُ في إيصالِ نِعَمِ اللهِ إليه، فمن لم يطاوِعْه فيه لم يكُنْ مُؤَدِّيًا شُكْرَ أنعُمِه، أو لأنَّ من أخَلَّ بشُكرِ من أسدى إليه نعمةً مِنَ النَّاسِ مع ما يرى مِن حِرْصِه على حَثِّ الثَّناءِ، والشُّكرِ على النَّعماءِ، وتأذِّيه بالإعراضِ والكُفرانِ؛ كان أولى أن يتهاوَنَ في شُكرِ من يستوي عليه الشُّكرُ والكُفرانُ) [3494] يُنظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) (2/ 312). .

انظر أيضا: