الموسوعة العقدية

 الرَّزْقُ

صِفةٌ ذاتيَّةٌ فِعليَّةٌ ثابتةٌ للهِ عزَّ وجلَّ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، و(الرَّزَّاقُ) و(الرَّازِقُ) مِن أسمائِه تعالى.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
1- قَولُه تعالى: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا [النحل: 114] .
2- قَولُه: لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج: 58] .
3- قَولُه: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58].
قال الزَّجَّاجُ: (الرَّزَّاقُ الرِّزقُ: إباحةُ الانتِفاعِ بالشَّيءِ على وَجْهٍ يُحَسِّنُ ذلك. قال اللهُ تعالى وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا [النحل: 75] ، واللهُ تعالى هو الرَّزَّاقُ وهو الرَّازِقُ) [2167] يُنظر: ((تفسير أسماء الله الحسنى)) (ص: 38). .
وقال الخَطَّابيُّ: (الرَّزَّاقُ: هو المتكَفِّلُ بالرِّزقِ، والقائِمُ على كُلِّ نَفسٍ بما يُقيمُها مِن قُوْتِها، وَسِعَ الخَلْقَ كُلَّهم رِزْقُه ورَحمتُه، فلم يختَصَّ بذلك مؤمِنًا دونَ كافِرٍ، ولا وَلِيًّا دونَ عَدُوٍّ، يَسوقُه إلى الضَّعيفِ الذي لا حِيلةَ له ولا مُتكَسَّبَ فيه، كما يَسوقُه إلى الجَلْدِ القَوِيِّ ذي المِرَّةِ السَّوِيِّ. قال سُبحانَه: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت: 60] ، وقال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: 6] ... وقد يكونُ وُصولُ الرِّزقِ بسَبَبٍ وبغَيرِ سَببٍ، ويكونُ ذلك بطَلَبٍ وبغَيرِ طَلَبٍ، وقد يَرِثُ الإنسانُ مالًا فَيدخُلُ في مِلْكِه مِن غيرِ قَصدٍ إلى تمَلُّكِه، وهو مِن جُملةِ الرِّزقِ. وكُلُّ ما وصَلَ منه إليه مِن مُباحٍ وغيرِ مُباحٍ فهو رِزقُ اللهِ، على معنى أنَّه قد جَعَله له قُوتًا ومَعاشًا، كقَولِه سُبحانَه: رِزْقًا لِلْعِبَادِ [ق: 11] إثْرَ قَولِه سُبحانَه: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق: 10]، وكقَولِه: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات: 22]، إلَّا أنَّ الشَّيءَ إذا كان مأذونًا له في تناوُلِه فهو حَلالٌ حُكمًا، وما كان منه غيرَ مأذونٍ له فيه فهو حرامٌ حُكمًا، وجميعُ ذلك رِزقٌ على المعنى الذي بَيَّنَّاه) [2168] يُنظر: ((شأن الدعاء)) (ص: 54 - 56). .
وقال الحليميُّ: (الرَّازِقُ: معناه المُفيضُ على عِبادِه ما لم يَجعَلْ لأبدانِهم قِوامًا إلَّا به، والمُنعِمُ لهم باتِّصالِ حاجتِهم من ذلك إليهم؛ لئلَّا تتنَغَّصَ لَذَّةُ الحياةِ بتأخُّرِه عنهم، ولا يَفقِدوها أصلًا بفَقْدِهم إيَّاه. والرَّزَّاقُ: هو الرَّازِقُ رِزقًا بعد رِزقٍ، والمُكثِرُ الواسِعُ لها) [2169] يُنظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) (1/ 203) بتصرف يسير. .
وقال السَّمعانيُّ: (الرَّزَّاقُ بمعنى الرَّازِقِ، ويقالُ: يقتضي مبالغةً وتكثيرًا) [2170] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (5/ 265). .
وقال الشَّوكانيُّ: (بَيَّن سُبحانَه أنَّه هو الرَّزَّاقُ لا غيرُه، فقال: إنَّ اللهَ هو الرَّزَّاقُ، لا رَزَّاقَ سِواه ولا مُعطِيَ غَيرُه؛ فهو الذي يَرزُقُ مخلوقاتِه، ويقومُ بما يُصلِحُهم) [2171] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (5/ 111). .
وقال الشنقيطيُّ: (وَصَف جَلَّ وعلا نَفْسَه بأنَّه يَرزُقُ خَلْقَه، قال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ الآية، وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، وقال: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [2172] يُنظر: ((أضواء البيان)) (2/ 24) بتصرف يسير. .
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
1- حديثُ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما مرفوعًا: ((لو أنَّ أحَدَكم إذا أتى أهلَه قال: بسمِ اللهِ، اللَّهمَّ جنِّبْنا الشَّيطانَ، وجنِّبِ الشَّيطانَ ما رَزَقْتَنا... )) [2173] أخرجه البخاري (141)، ومسلم (1434). .
2- حديثُ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((إنَّ اللهَ هو المُسعِّرُ القابضُ الباسطُ الرَّازقُ... )) [2174] أخرجه أبو داود (3451)، والترمذي (1314) بلفظ (الرَّزَّاق)، وابن ماجه (2200) واللفظ له. صححه الترمذي، وابنُ عبد البَرِّ في ((الاستذكار)) (5/423)، وابنُ دقيق العيد في ((الاقتراح)) (ص: 113)، وابن الملقِّن في ((البدر المنير)) (6/507). .
قال ابنُ القيِّمِ:
(وَكَذَلِكَ الرَّزَّاقُ مِنْ أَسْمَائِهِ                  وَالرَّزْقُ مِنْ أَفْعَالِهِ نَوْعَانِ) [2175] يُنظر: ((الكافية الشافية)) (3/729).
قال محمد خليل هرَّاس: (مِن أسمائِه سُبحانَه: «الرَّزَّاقُ»، وهو مبالغةٌ مِن «رازق»؛ للدَّلالةِ على الكثرةِ، مأخوذٌ مِن الرَّزْقِ -بفتحِ الرَّاءِ- الَّذي هو المصدرُ، وأمَّا الرِّزقُ -بكسرِها- فهو لعبادِه الَّذين لا تنقطِعُ عنهم أمدادُه وفواضلُه طرْفةَ عَينٍ، والرَّزْقُ كالخَلْقِ، اسمٌ لنَفْسِ الشَّيءِ الَّذي يرزُقُ اللهُ به العبدَ، فمعنى الرَّزَّاقِ: الكثيرُ الرَّزْقِ، صفةٌ مِن صِفاتِ الفِعلِ، وهو شأنٌ مِن شؤونِ ربوبيَّتِه عزَّ وجلَّ، لا يصِحُّ أن يُنسَبَ إلى غيرِه، فلا يُسمَّى غيرُه رازقًا، كما لا يُسمَّى خالقًا؛ قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ؛ فالأرزاقُ كلُّها بيدِ اللهِ وَحْدَه، فهو خالِقُ الأرزاقِ والمُرتَزِقةِ، ومُوصلُها إليهم، وخالقُ أسبابِ التَّمتُّعِ بها؛ فالواجبُ نسبتُها إليه وَحْدَه، وشُكرُه عليها؛ فهو مَولاها وواهبُها) [2176] يُنظر: ((شرح القصيدة النونية)) (2/101). .

انظر أيضا: