موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (73-79)

ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ

غريب الكلمات:


بَيِّنَةٌ: أَيْ: بصيرةٌ ودَلالةٌ، ويقينٌ، وحُجَّةٌ وبُرهانٌ، وأصلُ (بين): الانْكِشاف [911] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/327)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 160)، ((تفسير القرطبي)) (6/438)، ((تفسير ابن كثير)) (3/264). .
آيَةً: الآيةُ تُطلَقُ على العلامةِ- يُقال: آيةُ كذا؛ أي: علامَتُه- وعلى العَجيبةِ، وتُطلق أيضًا على الجماعةِ، وسُمِّيت الآيةُ مِن القرآنِ بذلك: إمَّا مِن العلامةِ؛ لأنَّها علامةٌ على صدقِ مَن جاء بها، أو مِن الجماعةِ؛ لأنَّها جماعةٌ مِن كلماتِ القرآنِ مشتملةٌ على بعضِ ما اشتَمل عليه القرآنُ مِن الإعجازِ، والحلالِ والحرامِ، والعقائدِ [912] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 212)، ((تفسير ابن جرير)) (1/104، 592)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/47)، ((المفردات)) للراغب (ص: 102)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 71)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/361). قال الشنقيطيُّ: (والآيةُ في القرآنِ تُطلَق إطلاقَينِ: تُطلَقُ الآيةُ على الآيةِ الكونيَّةِ القدريَّةِ، وهي مِن الآيةِ بمعنى: العلامةِ، وهي ما نصَبه اللهُ جلَّ وعلا مِن آياتِه، جاعلًا لها علاماتٍ على كمالِ قُدرتِه، وأنَّه الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه، كقولِه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ [آل عمران: آية 190] أي: لعلاماتٍ ودلالاتٍ واضحاتٍ على أنَّه الربُّ المستحِقُّ أنْ يُعبدَ وحدَه. الإطلاقُ الثَّاني: تُطلَق الآيةُ في القرآنِ على الآيةِ الشرعيَّة الدينيَّةِ، كآياتِ هذا القرآنِ العظيمِ). ((العذب النمير)) (4/362). .
وَلَا تَمَسُّوهَا: ولا تُصيبُوها ولا تَقتُلوها ولا تَنالوها بعَقْرٍ، والمسُّ يُقال في كلِّ ما يُصيبُ مِن أذًى، وأصل (مسس): جَسُّ الشَّيءِ باليَدِ [913] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/456)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/271)، ((المفردات)) للراغب (ص: 767)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 83). .
وَبَوَّأَكُمْ: أي: وأنزَلَكم، وجَعَل لكم مَساكِنَ وأزواجًا، وأصل (بوأ): يَدُلُّ على الرُّجوعِ إلى الشَّيءِ، وعلى تساوِي الشَّيئينِ [914]   يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 169)، ((تفسير ابن جرير)) (10/299)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/312). .
سُهُولِهَا: السهْلُ هو المكانُ المنخفضُ المستوي، الذي لا وَعْرَ فيه، وأصل (سهل): اللِّينُ، وهو عَكسُ الحُزونةِ والصُّعوبةِ [915] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/110)، ((المفردات)) للراغب (ص: 430)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/524). .
وَتَنْحِتُونَ: أي: تَنقبُونَ، وأصل (نحت): يدلُّ على نَجْرِ شَيءٍ، وَتَسوِيَتِهِ بِحَديدةٍ [916] يُنظر: ((تفسير  ابن جرير)) (10/299)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/404). .
وَلَا تَعْثَوْا: لَا تَطْغَوْا، وَلَا تَسْعَوْا بالمعاصِي، من عَثِيَ أو عَثَا، وفيه لغةٌ أخرى: أنَّه من عَاثَ يَعيثُ، والعَيثُ أشَدُّ الفَسادِ والإفساد. وأصلُ (عيث): الفَسادُ، والعَيثُ والعِثِيُّ مُتقاربانِ، إلَّا أنَّ العَيثَ أكثَرُ ما يُقالُ في الفَسادِ الذي يُدرَكُ حِسًّا، والعِثِيَّ فيما يُدْرَكُ حُكمًا [917] يُنظر: ((غريب القرآن))  لابن قتيبة (ص: 50)، ((تفسير  ابن جرير)) (2/10)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/230)، ((المفردات)) للراغب (ص: 546). .
فَعَقَرُوا: أي: فنَحَروا، أو فقَتَلوا، وأصل (عقر): يدلُّ على جُرحٍ أو ما يُشبِهُ الجُرحَ [918] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/90)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 113)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 662). .
وَعَتَوْا: أي: تكبَّروا وَتجبَّرُوا، والعُتُوُّ: النبوُّ عن الطَّاعةِ، وأصله: يدلُّ على الاستكبارِ [919] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 332) ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/225)، ((المفردات)) للراغب (ص: 546). .
الرَّجْفَةُ: أي: الصَّيحةُ التي زَعزَعَتْهم وحرَّكَتْهم للهلاكِ، والرَّجفةُ: حَرَكَةُ الأَرْضِ، أو الزَّلزلةُ الشَّدِيدَةُ، والرَّجْفُ: الاضطرابُ الشَّديدُ، وأصلُ (رجف): يَدُلُّ على اضطرابٍ [920] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/302)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 237)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/491)، ((المفردات)) للراغب (ص: 344)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 119)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 206)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 484). .
جَاثِمِينَ: أي: جامِدينَ مَيِّتينَ، واقعينَ بعضُهم على بعضٍ، أو: بارِكينَ على الرُّكَبِ أَيضًا؛ مِن قَولِهم: جَثَمَ الطَّائرُ إذا قعَد ولَصِق بالأرضِ، وأصلُ (جثم) يَدُلُّ على تجمُّعِ الشَّيءِ [921] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 169)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 175)، ((مقاييس  اللغة)) لابن فارس (1/505)، ((المفردات)) للراغب (ص: 187)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 357). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّه أرسَلَ إلى قَبيلةِ ثَمودَ أخاهم في النَّسَبِ صالحًا؛ لِيَدعُوَهم إلى عبادةِ اللهِ وَحْدَه، وتَرْكِ عبادةِ ما سِواه، فقال لهم: اعبُدُوا اللهَ وَحْدَه؛ ليس لكم معبودٌ يستحِقُّ العبادةَ غَيرُه، قد أتَتْكم حُجَّةٌ واضحةٌ مِن رَبِّكم على صِدقِ ما جِئْتُ به، وهي هذه النَّاقةُ؛ جَعَلَها اللهُ بُرهانًا مُقنعًا لِتُطيعوني، فاتْرُكوها تأكُلْ في أرضِ اللهِ، ولا تتعَرَّضوا لها بسُوءٍ، فيأخُذَكم عذابٌ مُوجِعٌ، واذكروا نعمةَ اللهِ عليكم؛ إذ جعَلَكم تخلُفُون عادًا بعد أنْ أهْلَكَهم، وأسكَنَكم الحِجْرَ بين الحجازِ والشَّامِ، فتَبنُونَ قُصورًا في الأماكِنِ المُستَوِيةِ، وتَنحِتونَ الجبالَ؛ لتكونَ لكم فيها مساكِنُ أخرى، فاذكروا نِعَمَ اللهِ الكثيرةَ عليكم، ولا تَسْعَوا في الأرضِ بالفَسَادِ.
قال الرُّؤساءُ المُتَكَبِّرونَ مِن قَومِه، للمستضعفين مِمَّن آمَنَ به: أتَعلمونَ مُستيقِنينَ أنَّ صالحًا رسولٌ مِنَ اللهِ، وأنَّه غيرُ كاذبٍ فيما يقولُ؟ قال المؤمنونَ مِنَ المُستضعفينَ: إنَّا بما أُرسِلَ به مُؤمِنونَ، فقال المُستَكْبِرونَ: إنَّا بما آمَنْتُم به كافِرونَ، فقَتَلوا النَّاقةَ، واستكبَرُوا عن أمْرِ ربِّهم، وقالوا يا صالِحُ: ائْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ، إنْ كنتَ حقًّا مِنَ المُرسَلينَ، فأتاهم العَذابُ، وأخَذَتْهم الصَّيحةُ التي زلزَلَتِ الأرضَ مِن شِدَّتِها، فصاروا في بَلدَتِهم صَرعى، مُنكَبِّينَ على وُجوهِهم، لاصقينَ بالأرضِ على رُكَبِهم، خامدينَ لا حياةَ فيهم.
فانصرَفَ عنهم صالحٌ عليه السَّلامُ، وقال موَبِّخًا لهم ومُعاتِبًا: يا قومِ، لقد أبلَغْتُكم ما أُرسِلْتُ به مِن رَبِّي، ونَصَحْتُ لكم، ولكِنَّكُم لا تُحبُّونَ النَّاصحينَ.

تفسير الآيات:


وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
أي: ولقد أرسَلْنا إلى قبيلةِ ثَمودَ أخاهم في النَّسَبِ صالحًا عليه السَّلامُ؛ لِيدعُوَهم إلى عبادةِ اللهِ وَحدَه، ويَنهاهم عن عبادةِ غَيرِه، فقال لهم: يا قَومِ اعبُدُوا اللهَ وَحدَه، ليس لكم معبودٌ يَستحِقُّ العبادةَ غَيرُه، فلا تُشرِكوا به شيئًا [922] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/282)، ((تفسير ابن كثير)) (3/440)، ((تفسير السعدي)) (ص: 294)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/511). .
قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةًﯰ
أي: قال صالِحٌ عليه السَّلامُ لِقَومِه: قد جاءَتْكم حجَّةٌ واضِحَةٌ مِن خالِقِكم ومالِكِكم، ومُدَبِّرِ شُؤُونِكم، على صِدْقِ ما جِئْتُكم به مِن إفرادِ اللهِ بالعبادةِ، وهذه الحُجَّةُ هي هذه النَّاقةُ الشَّريفةُ، التي جعَلَها اللهُ تعالى آيةً عظيمةً، مُقنِعةً لكم؛ لِتُطيعوني [923] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/283)، ((تفسير ابن كثير)) (3/440)، ((تفسير المراغي)) (12/56)، ((تفسير السعدي)) (ص: 294)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/218)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/512). قال الرازي: (اعلَمْ أنَّ القُرآنَ قد دَلَّ على أنَّ فيها آيةً، فأمَّا ذِكرُ أنَّها كانت آيةً مِن أيِّ الوُجوهِ؛ فهو غيرُ مذكورٍ، والعِلمُ حاصِلٌ بأنَّها كانت مُعجزةً مِن وَجهٍ ما- لا محالةَ). ((تفسير الرازي)) (14/305). .
فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
أي: فاتْرُكوا النَّاقةَ تَرعَى في أرضِ اللهِ؛ فليس عليكم رِزْقُها، ولا تتعَرَّضوا لها بشَيءٍ مِنَ الأذى؛ فإنَّكم إنْ آذَيْتُموها بشَيءٍ، جاءكم عذابٌ مُؤلِمٌ [924] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/298)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 400)، ((تفسير الرازي)) (14/306)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/219)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/520). .
كما قال تعالى حاكيًا قَولَ صالحٍ لِقَومِه: قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء: 155-156].
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)
مُناسَبَةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا أَمَرَهم ونهاهم، ذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللهِ تعالى ترغيبًا مُشيرًا إلى ترهيبٍ [925] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/445). ، فقال:
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ 
أي: واذكُرُوا نِعمةَ اللهِ عليكم؛ بأن جَعَلَكم تخلُفونَ عادًا- قومَ هودٍ- في الأرضِ مِن بَعدِ هلاكِهم، حيث أبدَلكم بهم [926] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/298)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/520). .
وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا
أي: وأنزَلَكم وأسكَنَكم في الأرضِ- وهي الحِجْرُ بين الحِجازِ والشَّامِ- منازلَ متنوِّعةً، فتَبنُونَ القُصُورَ العاليةَ في الأماكِنِ المُستَوِيةِ المُنخَفِضةِ وغَيرِ الوَعْرةِ، وتأخُذونَ مِن آجُرِّها وطِينِها، وتُؤَسِّسُونَها بالحِجارةِ، وتَنْقُبونَ صُخورَ الجبالِ، فتكونُ لكم فيها مساكِنُ أخرى [927] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/299)، ((تفسير القرطبي)) (7/239)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/220)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/523). وقال الشِّنقيطيُّ: (وكانوا في الصَّيفِ يسكُنونَ القُصورَ المبنيَّةَ مِنَ الآجُرِّ والطِّينِ؛ لأنَّها أشَدُّ بُرودةً... ومعنى نَحتِهم الجبالَ: أنَّهم يأخُذونَ آلاتِ حديدٍ... فيحفرونَ في الجَبَلِ... ثم يقطعونَ لها أبوابَها وطاقاتِها مِن نَفسِ الجَبَلِ، ثم تكونُ تلك الأبوابُ والغُرَفُ والطَّاقاتُ كُلُّها مِنَ الجِبالِ... إذا اشتَدَّ البَردُ زَمَنَ الشِّتاءِ دَخَلوها، فكانت لشِدَّةِ استدفائِها لا يُحِسُّونَ بالبَردِ شَيئًا، وهذا مِن نِعَمِ اللهِ عليهم). ((العذب النمير)) (3/524). .
كما حَكَى اللهُ تعالى قولَ صالحٍ لهم، فقال: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ [الشعراء: 149].
فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ
أي: فاذْكُروا نِعَمَ اللهِ الكثيرةَ عليكم، واشكُرُوا اللهَ عليها؛ بطاعَتِه وعِبادَتِه وَحدَه [928] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/299)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/488 - 489). .  
وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
أي: ولا تُفسِدُوا في الأرضِ، ساعِينَ فيها بالشِّركِ والمعاصِي [929] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/10)، ((البسيط)) للواحدي (4/78)، ((حاشية الخفاجي على تفسير البيضاوي)) (7/25)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/221)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/527). .
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75)
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ
أي: قال الأشرافُ والرُّؤَساءُ الكَفَرةُ، المُتَكَبِّرونَ عَنِ الحَقِّ مِن قَومِ صالحٍ، للمُستَضعَفينَ المُحتقَرينَ المَساكينِ، مِنَ المؤمنينَ به: أتعْلَمونَ يَقينًا أنَّ صالحًا رَسولٌ مِنَ اللهِ إلينا، وأنَّه غَيرُ كاذبٍ على اللهِ [930] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/300)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/528 - 529). ؟
قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ
أي: قال الَّذينَ آمَنُوا بصالحٍ مِنَ المُستَضعفينَ: إنَّا بِما أَرسَلَ اللهُ به صالحًا مِنَ الحَقِّ، مُؤمنونَ، ونُوقِنُ أنَّه مِن عِندِ اللهِ، لا نَشُكُّ في ذلك [931] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/300)، ((تفسير الشوكاني)) (2/251)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295). .
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76)
أي: قال المُتَكَبِّرونَ مِن قَومِ صالحٍ للمُستضعفينَ مِن المُؤمنينَ: إنَّا بالذي آمَنْتُم به مِنَ الحَقِّ، وأنَّ صالحًا رَسولٌ مِنَ اللهِ إلينا، جاحِدونَ، لا نُصَدِّقُ بذلك [932] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/300)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/529). .
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(77)
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ
أي: فقَتَلَتْ ثمودُ النَّاقةَ التي جعَلَها اللهُ لهم آيةً، والتي تَوَعَّدَهم- إنْ مَسُّوها بِسُوءٍ- أن يُصِيبَهم عذابٌ أليمٌ [933] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/300)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/530). وقال السَّعدي: (اعلَمْ أنَّ كَثيرًا مِنَ المُفَسِّرين يذكرونَ في هذه القِصَّةِ أنَّ النَّاقة قد خَرَجَتْ مِن صَخرةٍ صَمَّاءَ مَلْساءَ اقتَرَحوها على صالحٍ، وأنَّها تمخَّضَت تَمخُّضَ الحامِلِ، فخَرَجَت النَّاقةُ وهم ينظُرونَ، وأنَّ لها فصيلًا حين عَقَروها، رغى ثلاثَ رَغَياتٍ، وانفلَقَ له الجَبَلُ ودخل فيه، وأنَّ صالحًا عليه السَّلامُ قال لهم: آيةُ نُزُولِ العَذابِ بكم أن تُصبِحُوا في اليَومِ الأوَّلِ مِنَ الأيَّامِ الثَّلاثةِ ووجوهُكم مُصْفَرَّةٌ، واليوم الثاني: مُحمَرَّة، والثالث: مُسْوَدَّة، فكان كما قال. وكلُّ هذا مِنَ الإسرائيليَّاتِ التي لا ينبغي نَقْلُها في تفسيرِ كتابِ اللهِ، وليس في القُرآنِ ما يدلُّ على شيءٍ منها بِوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 295).
وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
أي: واستَكْبَروا وتَمَرَّدوا عن امتثالِ أمرِ رَبِّهم، وغَلَوْا في باطِلِهم [934] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/301)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/351)، ((الوسيط)) للواحدي (2/384)، ((تفسير الرازي)) (14/307)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/530).
وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
أي: وقال الكُفَّارُ المُتَكَبِّرون مِن قَومِ صالحٍ: يا صالِحُ، ها نحنُ قد قتَلْنا ناقةَ اللهِ التي أتَتْنا، فعجِّلْ لنا بما تَعِدُنا مِن عَذابِ اللهِ، إن كُنتَ حقًّا مِن رُسُلِ الله؛ فإنَّ اللهَ ينصُرُ رُسُلَه على أعدائِهم [935] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/301)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/531). .
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
أي: فأخَذَتْ أولئك الكُفَّارَ الصَّيحةُ، التي تزلزَلَتِ الأرضُ مِن شِدَّتِها [936] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/302)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/358)، ((تفسير ابن كثير)) (3/442)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/227)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/532). .
فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ
أي: فصاروا في بَلدَتِهم لاصقينَ بالأرضِ على رُكَبِهم، ومُنكَبِّينَ على وُجُوهِهم، صَرْعَى، خامدينَ لا حياةَ فيهم، قد هَلَكوا مِن شِدَّةِ الصَّيحةِ [937] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/303)، ((الوسيط)) للواحدي (2/384)، ((تفسير القرطبي)) (7/242)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/227 - 228)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/533). .
كما قال تعالى حاكيًا قَولَ صالحٍ لِقَومِه: وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود: 64 - 67].
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي
أي: فانصَرَفَ صالحٌ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- عَن قَومِه بعدَ حُلُولِ العَذابِ بهم، وقال مُخاطِبًا لهم؛ توبيخًا وعتابًا: لقد أدَّيْتُ إليكم- يا قَومِي- جميعَ ما أمَرَني اللهُ تعالى بأدائِه إليكم [938] اختارَ أنَّ التَّوليَ عنهم هنا ومُخاطَبَتَهم بعد هلاكِهم: الواحديُّ، وابنُ كثير، والسَّعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 401)، ((تفسير ابن كثير)) (3/444)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/534). واختار أنَّ التَّولِّيَ عنهم ومخاطَبَتَهم قبل هلاكِهم: ابنُ جريرٍ، والقرطبي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/304)، ((تفسير القرطبي)) (7/242). قال القرطبيُّ: (يحتملُ أنَّه قال ذلك قبل مَوتِهم، ويحتملُ أنَّه قال بعد مَوتِهم، كَقَولِه عليه السَّلامُ لِقتلى بدر: «هل وَجَدْتُم ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا؟ فقيل: أتُكَلِّمُ هؤلاءِ الجِيَفَ؟ فقال: ما أنتم بأسمَعَ منهم، ولكِنَّهم لا يقدِرونَ على الجوابِ»). والأوَّلُ أظهَرُ؛ يدلُّ عليه وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ، أي: لم تَقْبَلُوا نُصحي). ((تفسير القرطبي)) (7/242). وقال الشِّنقيطيُّ: (وهذا التَّولي للعُلَماءِ فيه وجهانِ: أحدُهما: أنَّه تَولَّى عنهم لَمَّا تَحقَّقَ الهلاكَ وأنَّه نازِلٌ بهم، تولَّى راجعًا عنهم .. وبعضُ العُلماءِ يقولون: إنَّ نَبِيَّ اللهِ صالحًا لم يقُلْ لهم هذا إلَّا بعد أن نَزَلَ بهم عذابُ اللهِ، وصاروا موتى، وفارَقَت أرواحُهم أجسادَهم، جاء إلى جُثَثِهم ووبَّخَهم هذا التَّوبيخَ بعد أن ماتوا، وهذا الأخيرُ هو ظاهِرُ القُرآنِ؛ لأنَّ قولَه: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ مُرَتَّبٌ بالفاء على قوله: فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ والفاء تقتضي التَّعقيبَ، فكونُه قال لهم هذا بعد أنْ ماتوا وأصبَحُوا في دارِهم جاثمينَ هو ظاهِرُ القرآنِ). ((العذب النمير)) (3/534). .
وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ
أي: وأَرَدْتُ لكم الخيرَ في الدُّنيا والآخِرَةِ، واجتَهَدْتُ في هِدايَتِكم، ولكِنَّكم تَكرَهونَ النَّاصحينَ، فلا تُطيعونَهم؛ فلذا لم تنتَفِعوا بنُصحي [939] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/304)، ((تفسير ابن كثير)) (3/444)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/228)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/535). .
كما قال تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [فصلت: 17-18].

الفوائد التربوية:


1- ينبغي تذكُّرُ نِعمةِ اللهِ، وشُكرُه عليها، والحَذَرُ مِنِ استبدالِ الكُفرِ بالشُّكرِ؛ نستفيدُ ذلك مِن قَولِ اللهِ تعالى: فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي: فتتَصَرَّفوا في هذه النِّعَمِ تَصَرُّفَ عَثَيانٍ وكُفرٍ، بمخالفةِ ما يُرضِي اللهَ فيها [940] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/489)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/448). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ عَطَفَ نَهيَهم عَنِ الفَسادِ في الأرضِ، على الأمرِ بذِكرِ آلاءِ اللهِ؛ لِيُرشِدَ إلى أنَّ تذَكُّرَ الآلاءِ يَبعَثُ على الشُّكرِ والطَّاعةِ، وتَركِ الفَسادِ [941] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/221). .
3- قال اللهُ تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ هذه الآيةُ مِن أعظَمِ ما يحتَجُّ به مَن قال: إنَّ الفَقرَ خَيرٌ مِنَ الغِنى؛ وذلك لأنَّ الاستكبارَ إنَّما يتولَّدُ مِن كَثرةِ المالِ والجاهِ، والاستضعافَ إنَّما يحصُلُ مِن قِلَّتِهما، فبَيَّنَ تعالى أنَّ كَثرةَ المالِ والجاهِ؛ حَمَلَهم على التَّمَرُّدِ والإباءِ، والإنكارِ والكُفرِ، وقِلَّةَ المالِ والجاهِ؛ حَمَلَهم على الإيمانِ والتَّصديقِ والانقيادِ، وذلك يدلُّ على أنَّ الفَقرَ خَيرٌ مِنَ الغِنى [943] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/307). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ في التَّذكيرِ بالقَرابةِ استعطافٌ لهم [944] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/444). .
2- قَولُ الله تعالى: قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً، قولُه: مِنْ رَبِّكُمْ للإعلامِ بأنَّها لَيسَتْ مِن فِعلِ صالحٍ عليه السَّلامُ، ولا ممَّا ينالُها كَسْبُه، وكذلك سائِرُ ما يؤيِّدُ اللهُ تعالى به الرُّسُلَ مِن خَوارِقِ العاداتِ؛ ففي ذلك تنبيهٌ للجاهِلينَ الذين يظنُّونَ أنَّ الخوارِقَ مِمَّا يدخُلُ في كسْبِ الصَّالحينَ الَّذين هم دُونَ الأنبياءِ [945] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/446). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ أُضيفَتْ إلى اللهِ تعالى؛ تعظيمًا لها، وتفخيمًا لِشَأنِها؛ نحو: بيتُ اللهِ، ورُوحُ اللهِ، ولأنَّها جاءَتْ مِن عِندِ الله تعالى بلا وسائِطَ وأسبابٍ مَعهودةٍ، فقد خَلَقَها تعالى بغَيرِ واسطةِ ذَكَرٍ وأنثى، ولأنَّه لا مالِكَ لها غيرُه، ولأنَّها حُجَّةٌ على القَومِ، ولِمَا أُودِعَ فيها مِنَ الآياتِ [946] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/306)، ((تفسير أبي حيان)) (5/92)، ((تفسير الشربيني)) (1/488).
4- في قوله تعالى: هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ لمَّا أضاف الناقةَ إلى اللهِ أضافَ محلَّ رعيِها إلى اللهِ؛ إذ الأرضُ أرضُ اللهِ، والنَّاقَةُ ناقةُ اللهِ، فَذَرُوها تأكُلْ في أرضِ رَبِّها؛ فليسَتِ الأرضُ لكم، ولا ما فيها مِنَ النَّباتِ مِن إنْباتِكم [947] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/306)، ((تفسير أبي حيان)) (5/93). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً، قولُه: لَكُمْ خُصُّوا بذلك؛ لأنَّهم هم السَّائِلُوها، أو المنتفعونَ بها مِن بينِ سائِرِ النَّاسِ لو أطاعوا [948] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (9/192). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، تنكيرُ (سُوءٍ) في سِياقِ النَّهيِ يُفيدُ أنَّ الوعيدَ مُرَتَّبٌ على أيِّ أنواعِ الإيذاءِ لها، سَواءٌ في نَفْسِها، أو أكْلِها، أو شُربِها [949] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/448). .
7- استُدِلَّ بقَولِ اللهِ تعالى: وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا على جَوازِ البِناءِ الرَّفيعِ، كالقُصورِ ونَحْوِها [950] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (9/196). ؛ إذْ محالٌ أن يذكِّرَهم آلاءَ الله في شيءٍ بنيانُه معصيةٌ، وقد قال: فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، ولو كان بناءُ القصورِ منكرًا لكان داخلًا في الفسادِ، لا في الآلاءِ [951] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (1/433). .
8- قَولُ اللهِ تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا .. الآية، وَصَفَ أولئكَ الكُفَّارَ بكَوْنِهم مُستَكبرينَ- وهو فِعلٌ استوجَبُوا به الذَّمَّ، وكونُ المُؤمنينَ مُستَضعفينَ معناه: أنَّ غَيرَهم يَستضعِفُهم ويَستحقِرُهم، وهذا ليس فعلًا صادرًا عنهم، بل عن غيرِهم، فهو لا يكونُ صِفَةَ ذَمٍّ في حَقِّهم، بل الذَّمُّ عائدٌ إلى الَّذين يستحقِرونَهم ويَستضعِفونَهم [952] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/307). .
9- قَولُ الله تعالى: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ الذي آمَنْتُم به: هو بمعنى بما أُرسِلَ به، لكنَّه مِن حيثُ اللَّفظُ أعَمُّ؛ قَصَدوا بذلك الرَّدَّ لِمَا جعله المؤمنونَ مَعلومًا، وأخَذُوه مُسَلَّمًا [953] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/95). .
10- قَولُ الله تعالى: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ لم يَقُولوا: (إنَّا بما أُرسِلَ به كافرونَ) لأنَّه يتضَمَّنُ إثباتَ أصلِ الرِّسالةِ لصالحٍ عليه السَّلامُ، ولو قالوه لكان شهادةً منهم على أنفُسِهم بأنَّهم جاحدونَ للحَقِّ على عِلمٍ؛ لِمَحْضِ الاستكبارِ [954] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/449). .
11- قَولُه تعالى: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فيه أنَّ الكِبْرَ يَحمِلُ صاحِبَه على عَدَمِ الانقيادِ للحَقِّ [955] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 295). .
12- قَولُ اللهِ تعالى: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَعَقَرُوا النَّاقَةَ الفاءُ للتَّعقيبِ لحكايةِ قَولِ الَّذين استكبَرُوا: إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ أي: قالوا ذلك فعَقَروا، والتَّعقيبُ في كلِّ شَيءٍ بِحَسَبِه، وذلك أنَّهم حين قالوا ذلك كانوا قد صَدَعوا بالتَّكذيبِ، وصَمَّموا عليه، وعَجَزوا عن المُحاجَّةِ والاستدلالِ، فعَزَموا على المصيرِ إلى النِّكايةِ، والإغاظةِ لصالحٍ عليه السَّلامُ، ومَن آمَنَ به، ورَسَموا لابتداءِ عَمَلِهم أن يعتَدُوا على النَّاقةِ [956] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/224). .
13- قَولُ الله تعالى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ أكثَرُ ما يُستعمَلُ (العَقْرُ) في الفَسادِ، وأمَّا (النَّحْرُ) فيُستعمَلُ غالبًا في الانتفاعِ بالمنحورِ؛ لحمًا وجِلدًا وغَيرَهما، فلعَلَّ التعبيرَ به دون (النَّحرِ) إشارةٌ أيضًا إلى أنَّهم لم يقصِدُوا بِنَحْرِها إلَّا إهلاكَها؛ عُتُوًّا على اللهِ، وعِنادًا وفِعلًا للسُّوءِ، ومخالَفةً لنهيِ صالحٍ عليه السَّلامُ [957] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/448). .
14- قَولُ الله تعالى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ نُسِبَ (العَقْرُ) إلى الجميعِ، وإن كان صادرًا عن بعضِهم؛ وذلك لَمَّا كان عَقْرُها عن تمالُؤٍ واتِّفاقٍ منهم جميعًا، وعن رضاهم كلِّهم [958] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/307)، ((تفسير أبي حيان)) (5/95). .
15- قَولُ الله تعالى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أَمْر رَبِّهم: هو ما أمَرَهم به على لسانِ صالحٍ عليه السَّلامُ، مِن قَولِه: وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ، فعبَّرَ عن النَّهيِ بالأمرِ؛ لأنَّ النَّهيَ عن الشَّيءِ مَقصودٌ منه الأمرُ بفِعلِ ضِدِّه؛ ولذلك يقولُ عُلَماءُ الأصولِ: إنَّ النَّهيَ عن الشَّيءِ يَستلزِمُ الأمرَ بِضِدِّه، الذي يحصُلُ به تحقُّقُ الكَفِّ عن المنهيِّ عنه [959] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/226). .
16- قَولُ اللهِ تعالى: وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَرَضوا كَونَه مِنَ المُرسلينَ بِحَرف (إنْ) الدَّالِّ على الشَّكِّ في حُصولِ الشَّرطِ، أي: إنْ كُنتَ مِنَ الرُّسُلِ عَن اللهِ؛ فالمرادُ بالمُرسلينَ: مَن صَدَقَ عليهم هذا اللَّقَبُ [960] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/226). .
17- قَولُ اللهِ تعالى: وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي، جملةُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ معترضةٌ بين جملةِ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وبين جملةِ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ -على القولِ بأنَّ خطابَه لهم في حياتِهم قبلَ حلولِ العذابِ- أُريد باعتراضِها التعجيلُ بالخبرِ عن نفاذِ الوعيدِ فيهم بعقبِ عتوِّهم، فالتعقيبُ عرفيٌّ، أي لم يكنْ بين العقرِ وبينَ الرجفةِ زمنٌ طويلٌ، كان بينهما ثلاثةُ أيَّام، كما ورد في آيةِ سورة هودٍ: فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [962] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/226). .
18- قَولُ الله تعالى: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي لفظةُ (التَّولِّي) تقتضي اليأسَ مِن خَيرِهم، واليَقينَ في هَلاكِهم [963] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/98). ، وذلك على القولِ بأنَّ خطابَه لهم كان في حياتِهم قبلَ حلولِ العذابِ.

بلاغة الآيات:


قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً
قوله: هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ البيِّنةِ، وإضافةُ الناقةِ إلى الاسمِ الجليلِ؛ لتَعظيمِها ولمجيئِها مِن جِهتِه تعالى بلا أسبابٍ معهودةٍ، ووسائطَ مُعتادةٍ [964] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/242). .
وعَبَّر باسمِ الإشارةِ هَذِهِ مُشيرًا إليها بعدَ تَكوينِها؛ تحقيقًا لها، وتعظيمًا لشَأنِها وشَأنِه؛ في عَظيمِ خَلْقِها، وسُرعةِ تَكوينِها لأجْلِه [965] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/444). .
وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ لَكُمْ؛ للاهتمامِ بأنَّها كافيةٌ لهم على ما فيهم من عناد [966] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/218). .
وتَنكيرُ (الآية)؛ للتَّعظيمِ والتَّفخيم، أي: آية عَظيمة القَدْر، ظاهِرة الدَّلالة على ما جِئتُكم به مِن الحقِّ [967] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/446). .
قوله: وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فيه النَّهي عن المسِّ الذي هو مُقدِّمةُ الإصابةِ بالسُّوءِ الجامعِ لأنواعِ الأذَى؛ مُبالغةً في الأمْرِ، وإزاحةً للعُذر [968] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/20). .
وفيه مُناسبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال تَعالى هنا في سُورةِ الأعراف: وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وفي سُورةِ هُود قالَ: وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ [هود: 64]، وفي سورة الشعراء وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء: 156]؛ فاختَلفَ الوصفُ المختومُ به في الآياتِ الثَّلاثِ؛ وهذا لأنَّه في آيةِ الأعرافِ بالَغَ في الوعظِ فبالَغ في الوعيدِ؛ فكان التحذيرُ للقومِ على طريق العمومِ، وأمَّا قوله تعالى في الآية الثانية: فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ [هود 64]؛ فإنَّه اختصَّ هذا المكانَ بـ(قَرِيب)؛ لِمَا بَعدَه من قوله: فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ [هود: 65]، فقَدَّرَ المدَّةَ التي بَينَهم وبينَ هلاكِهم، وقُرْبَ ما تَوعَّدهم به مِن عذابِ الله لهم. وأمَّا الآية الثالثة واختصاصُها بقولِه: فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء: 165]؛ فلأنَّ قَبْلَها ذِكرَ اليومينِ المقسومينِ بينَ الناقةِ وبينهم، كأنَّه قال لهم: إنْ مَنعتُموها يومَها بعَقرٍ ولم تَتركوه لها، أَخذَكم عذابُ يومٍ عظيم؛ فيومٌ تُؤلِمُونَها فيه فيكون به يومٌ يُؤلِمُكم اللهُ فيه بعَذابِ الاستئصالِ، وهو يومٌ عظيمٌ عليكم، وكل ذلك بمعنًى واحدٍ- وهو أنَّهم إنْ عَقَروها عُوقِبوا- والألفاظُ المختلفةُ دائرةٌ على هذا المعنى، واختلافُها لاختلافِ مواضعِها المقتضيةِ تغييرَ الألفاظِ فيها [969] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (2/615-616)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص:123). .  
قولُه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
قولُه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ فيه توجيهُ الأمرِ بالذِّكرِ إلى الوَقْتِ دون ما وقَعَ فيه مِن الحوادثِ مع أنَّها المقصودةُ بالذَّاتِ؛ للمبالغةِ في إيجابِ ذِكرِها؛ لأنَّ إيجابَ ذِكرِ الوقتِ إيجابٌ لذِكرِ ما فيه بالطَّريقِ البُرهانيِّ [970] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/239). .
وقوله: تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا استئنافٌ مُبيِّنٌ لكيفيَّةِ التبوئةِ، أي: تَبْنُونَ في سُهولِها قُصورًا رفيعةً، أو تَبْنون من سُهولةِ الأرضِ بَما تَعلَمون منها مِن اللَّبِن والآجُرِّ [971] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/242). .
وقوله: وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ قال الله تعالى هنا في سُورةِ الأعراف: وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا، وفي سورة الحِجر والشُّعراء قال: يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الحجر: 82، الشعراء: 149]، بـ(من) قبل (الجبال)؛ وذلك لأنَّ في الأعرافِ تَقدَّمه قولُه: مِنْ سُهُولِها قُصُورًا فاكْتَفَى بذلك [972] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص:124). .
قوله: فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فيه تكريرٌ للتَّذكيرِ؛ لزيادةِ التقريرِ، وتَعميمٌ إثرَ تَخصيصٍ [973] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/239). ؛ فتفريعُ الأمرِ بذِكرِ آلاءِ اللهِ على قوله: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ تفريعُ الأعمِّ على الأخصِّ؛ لأنَّه أَمَرَهم بذِكرِ نِعمتَينِ، ثمَّ أمَرَهم بذِكرِ جَميعِ النِّعمِ التي لا يُحصونَها؛ فكان هذا بمنزلةِ التَّذييلِ [974] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/221). .
وقوله: مُفْسِدِينَ حالٌ مُؤَكِّدةٌ لِمَعنى تَعْثَوْا، وهو وإنْ كانَ أعَمَّ مِن المؤَكَّد، فإنَّ التَّأكيدَ يحصُلُ ببعضِ مَعنى المؤَكِّد [975] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/221). .
قوله: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ وصْفُهم بالذين استَكْبَروا هنا؛ لتَفْظيعِ كِبْرِهم وتَعاظُمِهم على عامَّة قومِهم، واستذلالهم إيَّاهم، وللتَّنبيهِ على أنَّ الذين آمنوا بما جاءَهم به صالح عليه السلام هم ضعفاء قومه، واختِيارُ طريقِ الموصوليَّةِ في وصْفِ المستكبِرينَ، ووصْفِ الآخَرين بالَّذين استُضعفوا؛ لِمَا تُومِئ إليه الصِّلةُ من وجهِ صُدورِ هذا الكلامِ منهم، أي: إنَّ استكبارَهم هو صارفُهم عن طاعةِ نَبيِّهم، وأنَّ احتقارَهم المؤمنين هو الذي لم يُسِغْ عندهم سَبْقَهم إيَّاهم إلى الخيرِ والهُدَى [976] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/221). .
وبِناءُ الفِعلِ اسْتُضْعِفُوا للمفعولِ فيه دَليلٌ على أنَّهم في غايةِ الضَّعفِ بحيثُ يَستضعفُهم كلُّ أحدٍ [977] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/446). .
قوله: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ الاستفهامُ في قولِه: أَتَعْلَمُونَ للتَّشكيكِ والإنكارِ، أي: ما نَظنُّكم آمنتُم بصالحٍ عليه السَّلامُ عن عِلمٍ بصِدقِه، ولكنَّكم اتَّبعتُموه عن عَمًى وضلالٍ غيرَ مُوقنِين، وقدْ بَدَؤُوهم بالإنكارِ صدًّا لهم عن الإيمانِ، أو الاستفهامُ على جِهةِ الاستهزاءِ والاستخفاف [978] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/94)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/446)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/223). .
قوله: قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، جيء هنا في جَوابِ الذين استُضْعِفوا بالجُملةِ الاسميَّةِ؛ للدَّلالةِ على أنَّ الإيمانَ مُتمكِّنٌ منهم بمزيدِ الثَّباتِ؛ فلم يَترُكوا للذين استكبروا مَطْمَعًا في تَشكيكِهم، بَلْهَ صَرْفِهم عن الإيمانِ برَسولِهم، وفيها تأكيدُ الخبرِ بحرْف (إنَّ)؛ لإزالةِ ما تَوهَّموه من شكِّ الذين استَكْبروا في صِحَّةِ إيمانِهم [979] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/223). .
وكان مُقتضَى مُطابقةِ الجوابِ للسُّؤالِ أنْ يقولوا: (نَعَمْ)، أو: (نَعلَمُ أنَّه مُرسَلٌ من ربِّه)، أو (إنَّا برِسالته عالمون)، ولكنَّهم أجابوا بما يَستلزِمُ هذا المعنى ويَزيد عليه: فقالوا: إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ؛ فهُم آمنوا به، أي: علِموا بذلك علمًا يقينيًّا إذعانيًّا، له السُّلطان على عُقولِهم وقلوبِهم [980] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/449). ، والعدولُ في حِكايةِ جوابِ الذين استُضعِفوا عن أنْ يكونَ بـ(نعم) إلى أنْ يكون بالموصولِ وصِلتِه إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ؛ لأنَّ الصِّلةَ تتضمَّنُ إدماجًا بتَصديقِهم بما جاء به صالحٌ مِن نحو التوحيدِ وإثباتِ البَعثِ، والدَّلالةَ على تمكُّنِهم من الإيمانِ بذلك كلِّه بما تُفيدُه الجملةُ الاسميَّةُ مِن الثباتِ والدَّوام [981] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/223). .
وأيضًا عُدولُهم عن قولِهم: (هو مُرْسَلٌ) إلى قولهم: إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ في غايةِ الحُسنِ؛ فبِناءُ فِعل أُرْسِلَ للمَفعولِ يُشيرُ إلى تَعميمِ التَّصديقِ، وإلى أنَّ كونَه مِن عند اللهِ أمرٌ مقطوعٌ به، معلومٌ واضحٌ لا يَدْخُلُه رَيبٌ؛ فلا يحتاجُ إلى تَعيينِ رِسالتِه [982] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/94-95)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/447). .
قوله: قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فيه تَقديمُ المجرورَينِ في قولِه: بِمَا أُرْسِلَ بِهِ وبِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ على عاملَيهِما؛ للاهتمامِ بمدلولِ الموصولَينِ [983] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (9/197)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/224). .
ومُراجعةُ الَّذينَ استكبَرُوا بِقَولِهم: إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ تدلُّ على تصَلُّبِهم في كُفرِهم، وثَباتِهم فيه؛ إذ صِيغَ كَلامُهم بالجُملةِ الاسميَّةِ المُؤَكَّدةِ [984] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/223). .
قَولُه تعالى: وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ المرادُ بقَولهِم: بِمَا تَعِدُنَا العذابُ الذي توعَّدَهم به مُجملًا، وجيءَ بالموصولِ؛ للدَّلالةِ على أنَّهم لا يَخشَونَ شَيئًا ممَّا يُريدُه مِنَ الوَعيدِ المُجمَلِ [985] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/226). ، وأنزَلُوا الوعيدَ منزلةَ الوَعدِ والبِشارةِ؛ استخفافًا منهم، ومبالغةً في التَّكذيبِ، وتَهَكُّمًا منهم بصالحٍ عليه السَّلامُ، وإشارةً منهم إلى عدمِ قُدْرَتِه على ذلك [986] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/449). .
قوله: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ فيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيثُ قال الله تعالى هنا في سُورةِ الأعراف في قِصَّة صالحٍ: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ، وكذا في قِصَّة شُعيبٍ في السُّورةِ فيما بعدُ، وفي سُورة هود قال في قِصَّة صالحٍ: فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ... [هود: 65]، وقال في قِصَّةِ شُعَيبٍ في سورةِ هود أيضًا: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود: 67]؛ فورَد في هذِه الآيةِ الأخيرةِ تَسميةُ عَذابِهم (بالصَّيحةِ)، وجمْع اسْم الدَّار، وفي الأخرى سَمَّى عَذابَهم (بالرَّجْفة) وأفْرد اسمَ الدَّار؛ فأَفْرَدَ الدَّارَ في مَوضعٍ، وجَمَعها في موضعٍ، واختصاصُ مَوضعٍ بالإفرادِ، ومَوضعٍ بالجمعِ لمناسبةٍ حسنةٍ؛ وبيانُ ذلك أنَّ اسمَ (الدَّار) لفْظٌ يقَعُ على المنزلِ الواحدِ والمسكنِ المفردِ، ويَقَعُ على مَساكِنِ القبيلةِ والطائفةِ الكبيرةِ، وإنِ اتَّسعَتْ وافترقَتْ، وتعدَّدتْ مَساكِنُها ودِيارُها، إذا ضَمَّها إقليمٌ واحدٌ، واجتمعتْ في حُكمٍ أو مَذهبٍ؛ فأفْرَد (الدَّار) في كلِّ مكانٍ ذُكِر في ابتدائِه وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [الأعراف: 73، هود: 61]، وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [الأعراف: 85، هود: 84، العنكبوت: 37] ولم يَذكُر إخراجَ النبيِّ ومَن آمَن معه مِن بينهم، فجَعَلهم بَنِي أبٍ واحد، وجعَلَهم لذلك أهلَ دارٍ واحدةٍ، ورجاءَ أيضًا أن يَصيروا بالإيمانِ فِرقةً واحدةً. وجَمَع (الدَّار) في كلِّ موضِعٍ أخْبَر عن تفرُّقِه بينهم، وإخراجِ النبيِّ ومَن آمَن منهم معَه، أخْبَر عنهم الإخبارَ الدالَّ على تفرُّقِ شملِهم، وتشتُّتِ أمرهم، وذَهابِ المعنى الذي كان يَجمُعُهم لأبٍ واحدٍ ودارٍ واحدةٍ، وأن يَصيروا مع المؤمنِينَ فِرقةً واحدةً، فقال: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا... الآيةَ إلى قوله: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود:66-67]؛ فالجَمْعُ حيثُ ذَكَر إخراجَه منهم مع المؤمنِينَ معه. وقيل: إنَّه حيثُ ذَكَر الرَّجفة- وهي الزَّلْزَلة- وحَّد الدَّار، وحيثُ ذَكَر الصَّيحة جَمَع؛ لأنَّ الزَّلْزلَةَ تَختصُّ بجزءٍ من الأرضِ، فناسَبَها الإفرادُ، ولأنَّ الصَّيحةَ كانتْ مِن السَّماءِ، وهي زائدةٌ على الرَّجْفةِ؛ فبُلوغُها أكثرُ وأبلغُ مِن الزلزلةِ؛ فناسَبَها الجَمعُ؛ فوجهُ اختيارِ لَفْظِ الجمعِ في الآيةِ من سُورة هود مناسبةُ ما اقْتَرنَ به مِن لفظ الصَّيحة، وهي عبارةٌ هنا عن العَذابِ مُطلقًا دون تقييدٍ بصفةٍ، وهو مِن الألفاظِ الكُليَّةِ؛ فإنْ لم يَكُن عامًّا فانتشارُ مواقعِه مِن حيثُ الكُليَّةِ حاصلةٌ، وأمَّا الرَّجفة (الزلزلة) فلهذا اللَّفْظِ خُصوصٌ وهو جُزئيٌّ؛ فاتَّصَل كلُّ واحدٍ بما هو لائقٌ به. ووجهُ تَخصيصِ سُورة هود بذِكرِ الصَّيحة وجمْع الدِّيار: ما وقَعَ فيها حيثُ ذُكِر قَبْلَها مِن مُرْتَكَباتِ قومِ شُعيبٍ وسُوءِ ردِّهم على نبيِّهم عليه السلام ما لم يَرِدْ مِثلُه في آيةِ سُورة الأعرافِ، كقولِهم له: قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ [هود: 91]، ففي ردِّهم هذا استهزاءٌ وإساءةٌ وشنيعُ مُقابلةٍ لجليلِ وعْظِه عليه السَّلامُ لهم، ورأفتِه في دُعائِهم إيَّاهم بقوله: إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ [هود: 84]  وغيرِ ذلك مِن الآياتِ؛ مِمَّا يُوضِّحُ عظيمَ تلطُّفِ هذا النبي الكريمِ في دُعائِه إيَّاهم، وما أشْنعَ ردَّهم عليه! فلهذا عَبَّر عن عذابِهم وأخْذهم بأعمَّ مِمَّا ورَد في غير هذِه الآيةِ، ولَمَّا لم يَرِدْ في غيرِها مثلُ هذا في الدُّعاءِ والجوابِ، ناسَبَه اللَّفظُ الأخصُّ (الرَّجفة - الدَّار). أو يكونُ المرادُ أخْذُ قوم شُعَيبٍ بضُروبٍ مِن العذابِ؛ لقَبيحِ مُرتكبِهم وسُوءِ ردِّهم على نبيِّهم؛ وممَّا يُبيِّن ذلك قولُه تعالى في سورة الشُّعراء: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ [الشعراء: 189]، والظُّلةُ غيرُ الرَّجفةِ؛ لأنَّها زلزلة؛ فعلى هذا يكونونُ قد أُخِذوا بعذابِ الزَّلزلةِ وعذابِ الصَّيحةِ وعذابِ الظُّلةِ؛ فورَدَ ذلك على التَّدريجِ والتناسُبِ بحسَبِ ما ذُكِر قَبْلَ كلٍّ مِن هذا مِن مُرْتَكَباتِهم [987] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (2/617-622)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 123)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/200-201)، ((فتح الرحمن)) لزكريا الأنصاري (1/197- 198). .
وقيل: وحَّدَ الدَّارَ في قوله: فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ؛ لأنَّه أرادَ بالدَّار البَلدَ، وجمع في آية أخرى فقال: فِي دِيَارِهِمْ [هود: 94]؛ لأنَّه أرادَ بالدَّارِ ما لكُلِّ واحدٍ منهم مِن منزلِه الخاصِّ به [988] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/307). .
قوله: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ يَحتمِل أنْ يكونَ المرادُ بالتولِّي أنَّه فارَقَ دِيارَ قَومِه حِينَ عَلِم أنَّ العذابَ نازلٌ بهم، ويَحتمِل أنْ يكونَ يُرادُ به أنَّه أعْرَضَ عن النَّظرِ إلى القَريةِ بعدَ إصابتِها بالصَّاعقةِ، أو أعْرَضَ عن الحُزنِ عليهم، واشْتَغَل بالمؤمنِينَ، فعلَى الوجه الأوَّل يكونُ قوله: يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ... مُستعملًا في التوبيخِ لهم والتَّسجيلِ عليهم، وعلى الوجه الثاني- وهو أنَّ التولِّي كان بعدَ هلاكِهم ومُشاهدَةِ ما جرَى عليهم- يكونُ الخِطابُ والنِّداءُ مُستعملًا في التَّفجُّع عَليهم والتحسُّر، أو في التَّبرِّي منهم؛ فيكونُ النِّداءُ تَحسُّرًا؛ فلا يَقتضي كونَ أصحابِ الاسمِ المنادَى ممَّن يَعقِلُ النِّداءَ حينئذٍ [989] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/98)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/228). .
وفيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ قال هنا: رِسَالَةَ بالإفرادِ، وقاله في قِصَّة شُعيب بالجَمْع رِسَالَاتِ؛ قيل: لأنَّ ما أمَر به شُعَيبٌ قومَه من التَّوحيدِ، وإيفاءِ الكيلِ، والنَّهيِ عن الصِّدِّ، والأَمْرِ بإقامةِ الوزنِ بالقِسطِ، أكثرُ ممَّا أمرَ به صالحٌ قومَه، والعربُ تُراعي في أجوبتِها ما نيَّتُها عليه مِن سُؤالٍ أو غيرِه، إنْ إطالةً فإطالةٌ، أو إيجازًا فإيجازٌ؛ فأجوبتُهم مُراعًى فيها المعنى، ملحوظٌ فيما وردتْ جوابًا له، ولَمَّا ورد في دُعاء شُعَيبٍ عليه السَّلام تفصيلٌ في الأمرِ والنهي والتَّحذيرِ، وورَد أيضًا في الكلامِ تعريفٌ بقَبيحِ ردِّهم، وشنيع مُرتَكبِهم في مُجاوبتِهم على أعظمِ اجترامٍ؛ فحَصَل في هذا مِن خِطابِه إيَّاهم وما رَدُّوا به وجاوَبوه عليه السَّلامُ إطنابٌ في العبارةِ وإمعانٌ فيما تَحتَها مِن المعاني في كِلا الضَّربينِ؛ فناسَب ذلك الجَمْع في قولِه: أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي، وأمَّا قِصَّةُ صالح عليه السلامُ فلمْ يقَعْ فيها بعدَ أمْرِهم بالعبادةِ غيرُ تَعريفِهم بأمْرِ النَّاقةِ وأمْرِهم برَعْيِها، وتَذكيرهم بقومِ هُودٍ ولم تُفصَّل مكالمتُه إيَّاهم كتفصيلِ كلام شُعيب لقومه؛ فنَاسبَه الإفرادُ الواردُ في قولِه: أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي [990] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (2/623- 626)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/202- 204)، ((فتح الرحمن)) لزكريَّا الأنصاري (1/198). .
قولُه: لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ جاءَ على صِيغةِ المُضارِعِ؛ فإنْ كان في حالِ سَماعِهم قولَه؛ فهو للدَّلالةِ على التَّجديدِ والتَّكريرِ، أي: لم يَزَلْ هذا دَأبَكم، فيكون ذلك آخِرَ علاجٍ لإقلاعِهم إنْ كانتْ فيهم بقيَّةٌ للإقلاعِ عمَّا هم فيه. وإنْ كان بَعدَ انقضاءِ سَماعِهم فالمضارِعُ لحِكايةِ الحالِ الماضيةِ، أي: شأنُكم الاستمرارُ على بُغضِ النَّاصِحينَ وعَداوتُهم [991] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/244)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/229). .
وجاءَ لفظُ الناصحين عامًّا، أي: أيُّ شَخصٍ نَصَح لكم لم تَقْبَلوا في أيِّ شيءٍ نَصَح لكم؛ وذلك مبالغةٌ في ذَمِّهم [992] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/98). .