موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيات (82 - 86)

ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ

غريب الكلمات:


قِسِّيسِينَ: جمْع قِسِّيس، وهو العالمُ العابِدُ مِن رُؤوس النَّصارى، على وزْن فِعِّيل، مِن: قَسَسْت الشَّيْء وقَصَصْته إِذا تتبَّعْته؛ وسُمِّي القِسِّيسُ بهذا لتتبُّعه كِتابَه، وآثارَ مَعَانِيه، وأصل (قسس): تتبُّع الشَّيء وطلبُه [1512] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 385)، ((المفردات)) للراغب (ص: 670)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 185). .
رُهْبَانًا: رُهبانُ النَّصارَى هم المبالِغونَ في الْعِبَادَة، والانقطاعِ عَن النَّاس، جمْع رَاهِبٍ، وهو الذي يَرهَبُ اللهَ، أي: يخافه، وأصل (رهب): يدلُّ على خَوفٍ [1513] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/447)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 153)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 478). .
تَفِيضُ: تَسيل، وأصل (فيض): يدُلُّ على جَرَيانِ الشَّيءِ بِسُهولةٍ [1514] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 141)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/465)، ((المفردات)) للراغب (ص: 648)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 227). .
فَأَثَابَهُمُ: أي: فَجازَاهم، والإثابةُ: ما يرجِعُ للإنسانِ من ثوابٍ، وتُستعمَل في المحبوبِ والمكروهِ [1515] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 114)، ((المفردات)) للراغب (ص: 180)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 51)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 41). .
الْجَحِيمِ: أي: النَّارِ، والجحيمُ أيضًا الجَمر، والجُحْمَة: شدَّةُ تأجُّج النَّار، وأصْل (جحم): عِظَمُ الحرارة وشِدَّتها [1516] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 372)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/429)، ((المفردات)) للراغب (ص: 187). .

المعنى الإجمالي:


يقول اللهُ تعالى لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لَتجِدَنَّ اليهودَ والمشركينَ أشدَّ الناسِ بُغضًا وكراهيةً وعداوةً للمؤمِنين، ولتَجِدَنَّ النَّصارى أقربَ الناسِ مودَّةً للمؤمنينَ من أهلِ الأديانِ المخالِفةِ للإسلامِ؛ والسَّببُ أنَّ منهم عُلماءَ وعُبَّادًا، وأنَّهم لا يَستكبرون.
وإذا سَمِعوا القرآنَ الكريم ترَى أعيُنَهم تَسيلُ دمعًا؛ لأنَّهم عرَفوا أنَّ ما يُتلى عليهم هو الحقُّ؛ يقولون: ربَّنا آمنَّا، فاكتبْنا مع محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأمَّتِه.
ويقولُ هؤلاء النَّصارى: وأيُّ مانعٍ يمنعُنا مِن الإيمانِ باللهِ، وبما جاءنا على لسانِ رسولِه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم مِن قرآنٍ يهدي إلى الرُّشدِ، ونحن نطمَعُ بسبب إيمانِنا أن يُدخِلَنا ربُّنا مع القومِ الصَّالحين، فجزاهم اللهُ بما قالوا من الإيمانِ، ونَطَقوا من الحقِّ، جنَّاتٍ تجري من تحتِها الأنهارُ، ماكثينَ فيها أبدًا، وذلك جزاءُ مَن أحسَنَ في عِبادة ربِّه، وكان مُحْسنًا إلى الخَلقِ، وأمَّا مَن كفَر وكذَّب بآياتِ اللهِ تعالى، فأولئك سكَّانُ نارِ جهنَّمَ، الملازِمونَ لها.

تفسير الآيات:


لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى مِن أحوالِ أهلِ الكِتاب من اليهودِ والنَّصارى ما ذكَرَه في الآياتِ السَّابقةِ؛ ذكَرَ في هذه الآيةِ أنَّ اليهودَ في غايةِ العداوةِ مع المسلمينَ؛ ولذلك جعَلَهم قُرَناءَ للمشركينَ في شِدَّة العداوةِ، بل نبَّه على أنَّهم أشدُّ في العداوةِ من المشركينَ مِن جِهة أنَّه قَدَّم ذِكرَهم على ذِكْر المشرِكينَ [1517] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/413). فقال تعالى:
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.
أي: لَتجِدَنَّ- يا محمَّدُ- أعظمَ النَّاسِ عداوةً للمُؤمنينَ وأكثرَهم سعيًا في إلحاقِ الضَّررِ بهم؛ لشِدَّة بُغضِهم وبَغيِهم وحسَدِهم لهم؛ اليهودَ والمشركينَ [1518] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/593-594)، ((تفسير ابن كثير)) (3/166)، ((تفسير السعدي)) (ص: 241)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/260-262). قال ابنُ عُثيمين: (الخطابُ يحتمل أنْ يكون للرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وعلى هذا فيختصُّ الحُكم بهؤلاء الذين في عهْد الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، ويحتمل العمومَ، ويكون المرادُ الجِنسَ، ليس كلَّ فرد، فلا نقول: كلُّ يهودي أشدُّ الناس عداوةً للمؤمنين، ولا كلُّ نصراني أقرَبُ الناس مودَّةً) ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/260). وقال الشِّنقيطيُّ: (قال تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ، فدلَّت هذه الآيةُ على المغايرة بين المشركين وأهلِ الكتاب، والتحقيقُ: أنَّ الكتابيِّين نوعٌ من المشركين، وقد أوْضَحَ الله في هذه السورة الكريمة أنَّ أهل الكتاب من المشرِكين؛ حيث قال فيهم: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون [التوبة: 31]، فصرَّح تعالى بأنَّهم مشرِكون، إلَّا أنَّهم نوعٌ خاصٌّ من المشركين، ربما أُدخل في عمومهم، وربما أُفرِدَ منهم، كأنَّه غيرُ داخل فيهم؛ للفوارق التي بين الكتابيِّين وعَبَدةِ الأصنام- كما هو معروف) ((العذب النمير)) (5/270). .
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى.
أي: ولَتجِدَنَّ- يا محمَّد- أقربَ النَّاسِ وِدادًا لأهلِ الإيمانِ مِن أهل المِلَلِ المخالِفةِ للإسلامِ، النَّصارى [1519] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/167)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/6)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/262-264). وقال ابن عثيمين: (لا تعمُّ كلَّ يهوديٍّ بعينِه أو نصرانيٍّ بعينِه أو كلَّ مسلمٍ بعينِه، لكن هذا الحكم على سبيلِ العُموم، والأحكامُ تأتي دائمًا على سبيلِ العمومِ، كما تقولُ: الرجالُ خيرٌ مِن النِّساء، يعني هذا الجنسُ خيرٌ مِن هذا الجنسِ، ويوجدُ في النِّساء مَن هو خيرٌ مِن كثيرٍ مِن الرِّجال، ويوجدُ في الرجالِ مَن هو شرٌّ مِن كثيرٍ مِن النِّساء) ((تفسير ابن عثيمين - سورة المائدة)) (2/260). وقال أيضًا: (هنا قال: أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً ولم يقلْ: (أشدَّهم مودةً)؛ يعني ليس عندهم مودةٌ لكنهم قريبونَ، يعني أنَّ الله عزَّ وجلَّ قال في اليهودِ أنهم: أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً، لكن هؤلاء قال هنا: أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً، ومعلومٌ أنَّ القربَ ليس هو الوصولَ، فهم ليس عندهم مودةٌ للمؤمنين أعني: النَّصارى، لكنهم أقربُ مِن غيرِهم مودةً، ولو كان عندهم مودةٌ لقال: (أشدَّ النَّاس مودةً) أو ما أشبه ذلك) ((تفسير ابن عثيمين - سورة المائدة)) (2/262). قال ابنُ تيميةَ: (وأمَّا قَولُه في أوَّلِ الآيةِ: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة: 82] فهو كما أخبَرَ- سبحانَه وتعالى- فإنَّ عداوةَ المُشركينَ واليهودِ للمُؤمنينَ أشَدُّ مِن عَداوةِ النَّصارى، والنَّصارى أقرَبُ مودَّةً لهم، وهذا معروفٌ مِن أخلاقِ اليَهودِ؛ فإنَّ اليَهودَ فيهم مِنَ البُغضِ والحَسَدِ والعَداوةِ ما ليس في النَّصارى، وفي النَّصارى مِنَ الرَّحمةِ والموَدَّةِ ما ليس في اليَهودِ، والعداوةُ أصلُها البُغضُ، فاليهودُ كانوا يُبغِضونَ أنبياءَهم، فكيف ببُغضِهم للمؤمنينَ؟! وأمَّا النَّصارى فليس في الدِّينِ الذي يَدينونَ به عداوةٌ ولا بُغضٌ لأعداءِ اللهِ، الذين حارَبُوا اللهَ ورسولَه، وسَعَوْا في الأرضِ فسادًا، فكيف بعَداوَتِهم وبُغضِهم للمُؤمنينَ المُعتدلينَ، أهلِ مِلَّةِ إبراهيمَ، المؤمنينَ بجميعِ الكُتُبِ والرُّسُلِ؟ وليس في هذا مَدحٌ للنَّصارى بالإيمانِ باللهِ، ولا وَعدٌ لهم بالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، واستحقاقِ الثَّوابِ، وإنَّما فيه أنَّهم أقرَبُ مَودَّةً، وقولُه تعالى:ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ أي: بسبَبِ هؤلاء، وسبَبِ تَركِ الاستكبارِ يَصيرُ فيهم مِنَ الموَدَّةِ ما يُصَيِّرُهم بذلك خيرًا مِنَ المشركينَ، وأقرَبَ مودَّةً مِنَ اليَهودِ والمُشركينَ. ثم قال تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة: 83]  فهؤلاء الذينَ مَدَحَهُم بالإيمانِ ووَعَدَهم بثَوابِ الآخِرَة). ((الجوابُ الصَّحيحُ)) (3/107- 110). وذهب بعضُ المفسِّرين- منهم ابنُ جريرٍ والواحديُّ والبغويُّ- إلى أنَّه لم يُردْ بقولِه: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى جميع النَّصارى، بل الآيةُ فيمَن أسلَم منهم، مثل النَّجاشيِّ وأصحابِه أو غيرِهم. ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/597)، ((الوجيز)) للواحدي (1/331)، ((تفسير البغوي)) (2/74). .
ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ.
مُناسَبَتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَر الله تعالى التفاوتَ الحاصِلَ بين اليهودِ والنَّصارى، فقال في حقِّ اليهودِ: أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً، وقال في حقِّ النَّصارى: أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً أعْقبَ ذلك بعِلَّة هذا التَّفاوتِ [1520] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/413، 414). ، فقال سبحانه:
ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ.
أي: قرُبَتْ مودَّتُهم للمؤمنين مِن أجْلِ أنَّ منهم علماءَ وعُبَّادًا- فالعبادةُ تُلَطِّف القلبَ وتُرقِّقه- كما أنَّهم يَتواضعونَ للحقِّ إذا عرَفوه، ولا يَستكبِرون عن قَبولِه، والانقيادِ إليه إذا تَبيَّنوه [1521] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/594-600)، ((تفسير ابن كثير)) (3/167-168)، ((تفسير السعدي)) (ص: 241-242)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/264-265). قال ابنُ عاشور: (الأمَّة التي فيها أمثالُ هؤلاء تكون قريبةً من مودَّة المسلمين) ((تفسير ابن عاشور)) (7/9). .
وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83).
وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ.
أي: وإذَا سَمِعوا [1522] قال ابن تيمية: (الضميرُ وإن عادَ إلى المتقَدِّمينَ، فالمرادُ جِنسُ المُتقَدِّمينَ، لا كلُّ واحدٍ منهم). ((الجوابُ الصَّحيحُ)) (3/110). ، ما أُنزِل إلى مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن القرآنِ الكريمِ يُتْلَى [1523] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/601)، ((تفسير السعدي)) (ص: 242). .
تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ.
أي: ترَى [1524] قال ابنُ عاشور: (الخطاب في قوله: تَرَى أَعْيُنَهُمْ للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم- إنْ كان قد رأى منهم مَن هذه صِفتُه- أو هو خطابٌ لكلِّ مَن يصحُّ أن يرى؛ فهو خطابٌ لغير مُعيَّن؛ ليعمَّ كلَّ مَن يُخاطَب) ((تفسير ابن عاشور)) (7/10). أعينَهم قد امتلأتْ دُموعًا فتسيلُ منها؛ وذلك لأنَّهم عرَفوا أنَّ الذي يُتلَى عليهم مِن كِتاب اللهِ تعالى حقٌّ، ومِن ذلك: بَعْثةُ النبيِّ الموعودِ به- محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- الذي خبرُه من جُملةِ الحقِّ الذي جاءَ به عيسى عليه السلامُ، والنبيُّون مِن قَبلِه [1525] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/601)، ((تفسير ابن كثير)) (3/168)، ((تفسير السعدي)) (ص: 242)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/10-11)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/266). قال ابنُ عاشور: (أي: ففاضتْ أعينُهم من انفعال البهجة بأنْ حضروا مشهدَ تصديق عيسى فيما بَشَّر به، وأنْ حضروا الرسولَ الموعود، به ففازوا بالفضيلتين) ((تفسير ابن عاشور)) (7/10). .
وفي حديثِ بَدْءِ الوحيِ عن عائشةَ رضي الله عنها: ((أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لَمَّا رجَعَ إلى خَديجةَ يرجُفُ فؤادُهُ، انطلقتْ به إلى وَرقةَ بنِ نوفلٍ- وكان رجلًا تنصَّرَ يَقرأُ الإنجيلَ بالعربيَّةِ- فقال وَرَقةُ: ماذا ترَى؟ فأخبرَهُ، فقال ورقةُ: هذا الناموسُ [1526] الناموس: يقصد جِبريلَ عليه السلام- وهكذا يُسمِّيه أهل الكتاب. والناموس: هو صاحبُ سرِّ الخير؛ وناموسُ الرجُل: صاحبُ سرِّه الذي يُطلعه على باطنِ أمْره، ويَخصُّه بما يَسترُه عن غيره. يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (3/986)، ((النهاية)) لابن الأثير (5/119). الذي أَنزلَ اللهُ على موسى، وإنْ أدركني يَومُكَ أنصُرْكَ نصرًا مؤزَّرًا )) [1527] رواه البخاري (3392) واللفظ له، ومسلم (160). .
يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.
أي: والحالُ أنَّهم يقولون: يا ربَّنا، آمنَّا بالحقِّ؛ فلأجْلِ هذا الإيمانِ اجْعَلْنا مع محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأُمَّتِه، وأَثبِتْنا معهم في عِدادهم؛ فهم الذين يَشهَدون للهِ تعالى بالتوحيدِ، ولرُسلِه بالرِّسالة، وصحَّةِ ما جاؤُوا به، وأنَّهم بلَّغوا أُممَهم، ويَشهَدون على الأُممِ السَّابقة بالتصديقِ أو التَّكذيب [1528] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/603-604)، ((تفسير ابن كثير)) (3/168)، ((تفسير السعدي)) (ص: 242)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/11)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة المائدة)) (2/266-267). ، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143].
وقال تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 52-53].
وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ(84).
وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ.
أي: قال هؤلاءِ النَّصارى الذين أسْلَموا: وما الذي يَمنعُنا من الإيمانِ بالله تعالى، وما أتانا مِن الحقِّ، الذي لا يَقبَلُ الشكَّ والرَّيبَ [1529] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/604-605)، ((تفسير السعدي)) (ص: 242)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/267). قال ابنُ عاشور: (قوله: وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ، هو مِن قولهم؛ فيحتمل أنَّهم يقولونه في أنفسهم عندَما يُخامرهم التردُّدُ في أمْر النُّزوع عن دِينهم القديم إلى الدُّخول في الإسلام، وذلك التردُّد يَعرِض للمعتقِد عند الهمِّ بالرجوع في اعتقاده... ويحتمل أنَّهم يقولونه لِمَن يُعارضهم مِن أهل مِلَّتهم أو مِن إخوانهم، ويُشكِّكهم فيما عزَموا عليه، ويحتمل أنَّهم يقولونه لِمَن يُعيِّرهم من اليهود أو غيرهم بأنَّهم لم يَتصلَّبوا في دِينهم) ((تفسير ابن عاشور)) (7/11-12). ؟!
كما قال عزَّ وجلَّ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: 199].
وقال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص: 52- 53].
وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ.
أي: ونحنُ نَطمعُ بإيمانِنا أن يُدخِلَنا ربُّنا مع المؤمنِين بالله، المُطيعين له، جَنَّتَه يومَ القيامة [1530] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/605)، ((تفسير السعدي)) (ص: 242)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/268). .
فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85).
فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
أي: فجَزاهم اللهُ تعالى بما تَفوَّهوا به من الإيمانِ، ونَطقوا به من الحقِّ في قولِهم: رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ... مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ جنَّاتٍ تَجري الأنهارُ من تحتِ أشجارِها وقُصورِها، وهم ماكثونَ فيها على الدَّوام [1531] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/605)، ((تفسير ابن كثير)) (3/169)، ((تفسير السعدي)) (ص: 242)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/269-271). .
ولَمَّا كانتِ اللَّذةُ لا تَكمُل إلَّا بالدَّوامِ، قال تعالى [1532] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/271). :
خَالِدِينَ فِيهَا.
أي: ماكثينَ فيها على الدَّوام، لا يخْرُجون منها، ولا يُحوَّلونَ عنها [1533] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/605)، ((تفسير ابن عثيمين-سورة المائدة)) (2/269-271). .
وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ.
أي: هذا الذي جَزيتُ به أولئك القومَ من الخُلودِ في الجنَّاتِ، جزاءُ كلِّ مُحسِنٍ في عِبادة الله تعالى، أو مُحسنٍ إلى عِبادِه [1534] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/605 - 606)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة المائدة)) (2/271 - 272). .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى في آخِرِ الآيةِ السَّابقة أنَّ ما أثابَ به أولئك النَّصارى، الذين آمنوا بالرَّسولِ الأعظمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، هو جزاءُ جميعِ المحسِنين عندَه، الذين آمنوا كإيمانِهم، وخشَعوا للحقِّ كخُشُوعهم- عقَّب عليه بذِكْر جزاءِ الـمُسيئينَ إلى أَنفُسهم بالكُفْر والتكذيبِ؛ على سُنَّةِ القرآن في الجَمْع بين الوعدِ والوعيدِ [1535] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/15)، ((تفسير السعدي)) (ص: 242)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/272). ، فقال تعالى:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86).
أي: وأمَّا الكُفَّارُ والمكذِّبون بآياتنا فإنَّهم سُكَّانُ النَّارِ الشَّديدةِ التأجُّجِ والحرارةِ، الملازِمون لها [1536] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/606)، ((تفسير ابن كثير)) (3/169)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/272-274). .

الفوائد التربوية:


1- أنَّ قُربَ مودَّة النصارى للمُؤمنين له أسبابٌ؛ منها: أنَّ منهم قِسِّيسين ورهبانًا، فيُستفادُ من هذا: أنَّ العِلم نافعٌ حتَّى لغَيْرِ المسلمين، وكذلك العبادةُ تُرقِّق القلبَ، وتُزيلُ ما فيه من الجَفاء والغِلْظة، فالرَّاهِبُ إنَّما سلَك هذا الطريقَ، يُريد رضا الله، أمَّا الأوَّلُ فيُؤخَذ مِنْ قَوْلِه: بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ، وأمَّا الثاني فيُؤخَذُ مِنْ قَوْلِه: وَرُهْبَانًا [1537] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 241)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/276). .
2- أنَّ مِن أسباب قَبول الحقِّ والمودَّة للمؤمنين التواضُعَ؛ لِقَوْلِه: وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ؛ حيث إنَّ الاستكبارَ سببٌ لردِّ الحقِّ، والتواضُع سببٌ لقَبُولِه، فالمتواضِعَ أقربُ إلى الخيرِ من المستكبِر، وأقربُ إلى سماعِ الحقِّ منه [1538] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 242)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/278). .
3- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ فضيلةُ هؤلاء القومِ الذين يُؤمنون بالرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلام، وأنَّهم إذا سمِعوا ما أُنزِلَ إلى الرَّسولِ ترَى أعينَهم تَفيضُ من الدَّمع، ولا شكَّ أنَّ فَيْضَها من الدَّمعِ دليلٌ على الإيمانِ والتَّصديق والتأثُّر؛ لأنَّ الإنسانَ كلَّما آمَن ازداد خُشوعًا، فالإيمانُ كلَّما قوِيَ صارَ المؤمنُ كأنَّما يُشاهِدُ الشيءَ بعينه، فيَزدادُ إيمانًا وخشوعًا وبكاءً [1539] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/280). .
4- أنَّ تأثُّرَ هؤلاء إنَّما كان بسببِ مَعرفتِهم الحقَّ؛ ولهذا قال: مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، والإنسانُ كلَّما عَلِمَ بالحقِّ ازداد إيمانُه به، وازداد تأثُّرُه به [1540] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/282). .
5- قَوْلُه تعالى: يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا... فيه الثَّناءُ على هؤلاء الذين آمنوا بما أُنزِلَ على الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، بأنَّهم يُعْلنونَ الإيمانَ، ولا يُخفونَه؛ فالمؤمِنُ حقًّا يُعلِنُ إيمانَه، لا سيَّما إذا كانوا قِسِّيسين ورُهبانًا؛ لأنَّهم قدوةٌ للنَّاسِ [1541] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/11)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/282). .
6- يَنبغي للإنسانِ أن يَدفعَ اللَّومَ عن نفْسِه، ولا يُبْقِي عِرْضَه لعِبادِ الله يَعملونَ ما يَشاؤون فيه؛ لِقَوْلِه: وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولهذا أصْلٌ من السُّنَّة؛ فإنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّمَ لَمَّا قام يَقلِبُ إحْدى زوجاتِه، وهي صَفيَّةُ رضي الله عنها، بعدَ أنْ بَقِيَتْ عنده قام يَقْلِبُها [1542] يَقْلِبها: يَردُّها ويَرْجِعُها ويَصْرِفُها إلى بيتِها. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (4/96)، ((مختار الصحاح)) للرزاي (ص: 258). ، فمرَّ به رجلانِ من الأنصارِ، فلمَّا رأيَا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معه أهلُه خَجِلَا وسارَا بسرعةٍ، فقال لهما: ((على رِسْلِكما! إنَّها صفيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ، فقالا: سبحانَ الله، سبحانَ الله!- يعني: لا يُمكن أنْ يقَعَ في قُلوبِنا شيءٌ- فقال لهما: إنَّ الشيطانَ يَجري مِن ابنِ آدَمَ مجرَى الدَّمِ، وإنِّي خَشيتُ أنْ يَقذِفَ في قُلوبِكما شرًّا- أو قال:- شيئًا )) [1543] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/290). والحديث أخرجه البخاريُّ (2035)، ومسلمٌ (2175) من حديث صَفيَّة زَوجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورضِي الله عنها. .
7- أنَّ الإنسانَ لا يَنبغي أن يُعجَبَ بعملِه؛ فيشهدَ لنَفْسه أنَّه من أهل الجَّنَّة؛ لقولهم: وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا، ولم يَجزِموا بذلك؛ ولهذا مهما يعمَل الإنسانُ مِن عملٍ صالح مبنيٍّ على الإيمان فلا يُزكِّ نفْسَه؛ لا يَدري فلعلَّ هناك سرًّا في القلبِ لا يَشعُر به - أعاذنا الله مِن النِّفاق- قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((وإنَّ الرَّجُلَ ليَعْملُ بعملِ أهلِ الجَنَّة فيما يَبدو للنَّاسِ، وهو مِن أهلِ النَّارِ )) [1544] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/291). والحديث أخرجه البخاري (2898)، ومسلم (112) من حديث سَهلِ بن سَعد رضي الله عنه. .
8- أنَّه يَنبغي اختيارُ الرَّفيقِ الصَّالح؛ لِقَوْلِه: وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ، وهذا أمرٌ دلَّت عليه السُّنَّةُ دلالةً صريحةً؛ فإنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((مَثَلُ الجَليسِ الصَّالحِ كحَامِلِ المِسكِ؛ إمَّا أنْ يَبيعكَ أو يُحذِيَك، أو تَجِدَ منه رائحةً طيِّبة )) [1545] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/292). والحديث أخرجه البخاريُّ (5534)، ومسلمٌ (2628) من حديث أبي موسى رضي الله عنه. .
9- الحثُّ على الإحسانِ؛ لِقَوْلِه: وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ؛ الإحسانُ في عِبادَة اللهِ والإحسانُ إلى عِبادِ الله؛ قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((وَلا تَحْقِرَنَّ من المعروفِ شيئًا، ولو أنْ تَلقَى أخاكَ بوجهٍ طَلْقٍ )) [1546] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/294). والحديث أخرجه مسلمٌ (2626) من حديث أبي ذَرٍّ رضي الله عنه . .
10- في قوله تعالى: وَذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ بشارةٌ مِن الله لِمَن قام بالإيمانِ قولًا وعملًا، والإحسانُ أعْلى درجاتِ الإيمانِ والإسلامِ، واللهُ جلَّ جلالُه قد شَهِد لهذا الفَريقِ من النَّاسِ أنَّه مِن المحسنين، وهي التي فسَّرها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقَوْلِه: ((أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّك تَراه، فإنْ لم تَكُنْ تراه فإنَّه يَراك )) [1547] أخرجه البخاري (50)،  ومسلم (10) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلمٌ (8) من حديث عمر رضي الله عنه. ، ولا إخلاصَ ولا عِلمَ أرفعُ مِن هذه الرُّتبة [1548] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/348) .
11- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ أنَّه ينبغي للواعظِ ألَّا تكونَ موعظتُه للنَّاسِ بالترغيب دائمًا أو بالترهيبِ دائمًا؛ لأنَّه إنْ أدام الترغيبَ أوْقَعَهم في الأمْن مِن مَكْرِ الله، وإنْ أدام الترهيبَ أوْقَعَهم في القُنوطِ مِن رحمةِ الله؛ فالواعِظُ في الحقيقةِ كالطَّبيب، إنْ أعْطَى جرعةً زائدةً هلَك المريضُ، وإنْ نقَصَ لم يَبرأِ المريضُ، فلا بدَّ للواعظِ أنْ يُراعِيَ الأحوالَ، لا يَقتصِر على الترغيبِ دائمًا، ولا على الترهيبِ دائمًا، فمِن النَّاسِ مَنِ الأَوْلى في حقِّه التَّرغيبُ، ومِن النَّاس مَنِ الأَوْلى في حَقِّه التَّرهيبُ [1549] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/295). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ذكَر المشركينَ مع اليهودِ لمناسبةِ اجتماعِ الفريقَينِ على عداوةِ المسلمينَ؛ فقد ألَّف بينَ اليهودِ والمشركينَ بُغْضُ الإسلامِ؛ فاليهودُ للحسَدِ على مجيءِ النُّبوة مِن غيرِهم، والمشرِكون لحَسَدِهم النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم على نُبُوَّتِه، وحَسَدِهم المسلمين على أنْ سبَقُوهم بالاهتداءِ إلى الدِّين الحقِّ، ونَبْذِ الباطِل، وكذا الكِبْرُ والأنَفَةُ لدى الفريقينِ [1550] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/391)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/6). .
2- أنَّ عداوةَ هؤلاءِ اليهودِ والمشركين ظاهرةٌ؛ لقوله سبحانه: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً، لكنَّ الظُّهورَ والخَفاءَ أمرانِ نِسبيَّان، بمعنى أنَّ بعضَ الناسِ يَظهَرُ له ما يَخفَى على آخَر، وبعضُ الناس يَخفى عليه ما يَظهَرُ للآخَر، لكن مَن سَبَر الأمورَ ونظَر باعتبارٍ تَبيَّن له ذلك [1551] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/274). .
3- أنَّ الكفَّار يتفاوتونَ في العداوةِ للمُسلمينَ؛ لِقَوْلِه: أَشَدَّ و(أشد) اسمُ تفضيلٍ، يدلُّ على أنَّ هؤلاءِ الأعداءَ يختلفون، وهو كذلك، هذا هو الواقِعُ [1552] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/274). . واللهُ تعالى ذَكَرَ طَرَفينِ في مُعاملةِ المسلمين، وبَينَ الطَّرَفينِ فِرَقٌ مُتفاوتَةٌ في بُغضِ المسلمين؛ مِثل: المجوس، وعبَدَة الأوثان، والمُعَطِّلة [1553] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/6). .
4- أنَّ كلَّ حُكْم له سببٌ، وهذا مُطَّرِد؛ فكلُّ حُكمٍ شرعيٍّ أو قدَريٍّ له سببٌ، لكن مِن الأسباب ما يُعلَم، ومِن الأسبابِ ما لا يُعلَم؛ لأنَّ الله تعالى لم يُطلِعْنا على كلِّ شيءٍ؛ قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ... إلى آخِرِه [1554] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/275). .
5- في قولِه تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا كيفَ مدَحَهم اللهُ تعالى بذلِك مع قولِه: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا [الحديد: 27]؟
قيل: إن ذلكَ ممدوحٌ في مُقابلةِ طريقةِ اليهودِ في القَسَاوةِ والغِلظة، ولا يلزم مِن هذا القَدْر ِكونُه ممدوحًا على الإطلاقِ [1555] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/414). .
6- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ حُسْنُ تعليمِ اللهِ عزَّ وجلَّ في كِتابِه العزيزِ؛ لأنَّه إذا ذكَر الحُكْمَ ذكَرَ العِلَّةَ أحيانًا؛ فهنا ذكَر حُكمًا قَدَريًّا، وهو قُربُ النَّصارى من مودَّة المسلمين، وذكَر له عِلَّةً ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ.... كذلك ذكَر الله تعالى أحكامًا شرعيَّة كثيرةً مقرونةً بالحِكمَةِ منها؛ ومِن ذلك قولُه تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [1556] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/275). [البقرة: 222].
7- التنويهُ بالرَّسولِ محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لِقَوْلِه: الرَّسُولِ؛ لأنَّ (أل) هنا للعهدِ الذِّهني، يعني كونَه رسولًا معلومًا لا يَخفى على أحدٍ [1557] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة))  (2/281). .
8- اعترافُ الأُمم بأنَّ هذه الأمَّةَ هي الشَّاهدةُ على الأُمَمِ؛ لِقَوْلِه: مَعَ الشَّاهِدِينَ، وهم أمَّةُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [1558] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/270)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/282). [البقرة: 143].
9- مِنْ في قوله تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَحتملُ أن يكونَ صلةً، أي: (تجري تحتَها الْأَنْهَارُ)، ويحتمَلُ أن يكونَ المرادُ أنَّ ماءَها مِنها لا يجري إليها مِن موضعٍ آخرَ، فيقالُ: هذا النهرُ منبعُه مِن أين؟ يقال: مِن عِين كذا، مِن تحتِ جبلِ كذا [1559] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/44). .
10- قول الله تعالى: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ يَقتضِي تخصيصَ الكفَّار بالدَّوام فيه؛ لأنَّ هذه الصِّيغةَ تُفيدُ الحصر، أي: أولئك أصحابُ الجحيمِ لا غيرُهم، والمُصاحِبُ للشيءِ هو الملازمُ له الذي لا ينفكُّ عنه [1560] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/416)، ((تفسير ابن عادل)) (7/488). .

بلاغة الآيات:


1- قَوْلُه: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا جملةٌ مُستأنَفةٌ مَسوقةٌ لتقريرِ ما قَبْلَها مِن قبائحِ اليهودِ، وعَراقتِهم في الكُفْر، وسائرِ أحوالِهم الشَّنيعة، التي مِن جُملتها موالاتُهم للمشركينَ، وأُكِّدتْ الجملةُ بالتوكيدِ القَسَمي؛ اعتناءً ببيانِ تحقُّق مضمونِها؛ فاللامُ في قوله: لَتَجِدَنَّ لامُ القَسم ويُقصَد منها التأكيدُ، وزادتْه نونُ التوكيدِ تأكيدًا [1561] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/71)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/5). .
- وفي جَعْلِ اليهودِ قُرَناءَ للمُشركينِ بيانٌ لشدَّةِ عداوةِ اليهودِ للمُؤمنين، وتقديمُهم في الذِّكرِ على المشركين: إشعارٌ وتَنبيهٌ على تقدُّمِ اليهودِ في العداوةِ على الَّذين أشْركوا، كما أنَّ في تقديمِهم عليهم في قولِه تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [البقرة: 96] إيذانًا بتقدُّمِهم عليهم في الحِرصِ [1562] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/668)، ((تفسير أبي السعود)) (3/71). .
- وقد أُعيدَ الموصولُ مع صِلتِه لِلَّذِينَ آمَنُوا في قوله: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ رَوْمًا لزيادةِ التَّوضيحِ والبيانِ [1563] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/71). .
2- قولُه: تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ فيه: مبالغةٌ في التَّمييزِ، وهي مِن أبلغِ التراكيب؛ لأنَّ الترقيةَ فيه تَترقَّى ثلاثَ مراتبَ، فالأُولى: فاضَ دَمْعُ عينِه، والثانية في تحويلِ الفاعِل تمييزًا: فاضتْ عينُه دَمْعًا، والثالثة: في إبرازِ التَّمييزِ في صورةِ التعليلِ كما في الآية تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ؛ فأفادَ إلى جانبِ التمييزِ التعليلَ [1564] يُنظر: ((تفسير الزمخشري - حاشية ابن المنير)) (1/669)،  ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (3/6). .
3- قَوْلُه: وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ فيه: استفهامُ إنكارٍ واستبعادٍ لانتفاءِ الإيمانِ مع قيامِ موجبِه والدَّاعي له، وهو الطَّمعُ في إنعامِ اللَّهِ عليهم بصُحبةِ الصَّالحينَ [1565] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/670)، ((تفسير البيضاوي)) (2/139)، ((تفسير أبي السعود)) (3/72). .
4- قَوْلُه: وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فيه: إيجازٌ بالحَذْفِ؛ حيثُ إنَّ تقديرَ الآية: ونَطْمع أنْ يُدخِلَنا ربُّنا مع القومِ الصَّالحينَ جنَّتَه ودارَ رِضوانه، إلَّا أنَّه حَسُن الحذفِ؛ لكونه معلومًا [1566] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/415). .
5- قَوْلُه: وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ التعبيرُ باسمِ الإشارةِ ذَلِكَ، وما فيه من مَعنَى البُعد؛ للدَّلالةِ على علوِّ مرتبة هذا الجزاءِ [1567] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/294). .
6- قَوْلُه: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ التعبيرُ باسم الإشارةِ أُولَئِكَ وما فيه من معنى البُعد؛ للإشارةِ إلى بُعدِهم في السُّفولِ [1568] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/273). .