موسوعة التفسير

سورةُ لُقمانَ
الآيات (6-9)

ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ

غَريبُ الكَلِماتِ:


لَهْوَ الْحَدِيثِ: أي: باطِلَه وما يَشغَلُ عن الخَيرِ، أو الغِناءَ والمعازِفَ، وأصلُ (لهو): يدُلُّ على شُغلٍ عن شَيءٍ بِشَيءٍ [29] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/535)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 403)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/213)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 294)، ((تفسير القرطبي)) (14/52)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 336). .
وَقْرًا: أي: ثِقلًا، وصَمَمًا، وأصلُ (وقر): يدُلُّ على ثِقلِ الشَّيءِ [30] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/132)، ((المفردات)) للراغب (ص: 70، 88)، ((تفسير القرطبي)) (14/57)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 336). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ الله تعالى مبيِّنًا حالَ الَّذين أعرَضوا عن القرآنِ، مُشتغِلينَ بغيرِه: ومِنَ النَّاسِ مَن يَشتري الحديثَ الباطِلَ المُلْهيَ؛ لِيَصُدَّ عن اتِّباعِ سَبيلِ اللهِ بغيرِ عِلمٍ، ويَستهزئَ بسَبيلِ اللهِ ويَسخَرَ منها؛ أولئك لهم عذابٌ مُهينٌ مُذِلٌّ، وإذا تُتلَى عليه آياتُ القُرآنِ أعرَضَ عنها متكَبِّرًا عن قَبولِها، كأنَّه لم يَسمَعْها، كأنَّ في أُذُنَيه صَمَمًا يَحولُ دونَ سَماعِه لها؛ فبَشِّرْه بعذابٍ مُؤلمٍ مُوجِعٍ.
ثمَّ يذكُرُ الله تعالى الجزاءَ الحسَنَ الَّذي أعدَّه للمؤمنينَ، فيقولُ: إنَّ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ لهم في الآخرةِ جَنَّاتُ النَّعيمِ، ماكِثينَ فيها أبدًا، وعَدَهم الله هذا وعدًا حقًّا، وهو العزيزُ الحَكيمُ.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى أنَّ القُرآنَ كِتابٌ حَكيمٌ، يَشتَمِلُ على آياتٍ حَكيمةٍ؛ بيَّنَ مِن حالِ الكُفَّارِ أنَّهم يَترُكونَ ذلك، ويَشتَغِلونَ بِغَيرِه [31] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/115). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى المُهتَدينَ بالقُرآنِ المُقبِلينَ عليه؛ ذكَرَ مَن أعرَضَ عنه، ولم يرفَعْ به رأسًا، وأنَّه عوقِبَ على ذلك، بأن تعوَّضَ عنه كُلَّ باطلٍ مِن القَولِ، فتَرَك أعلى الأقوالِ، وأحسَنَ الحديثِ، واستبدَلَ به أسفَلَ قَولٍ وأقبَحَه [32] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 646). !
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6).
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
في قَولِه تعالى: لِيُضِلَّ قراءتانِ:
1- قِراءةُ لِيَضِلَّ بفَتحِ الياءِ، على معنى: أنَّه يَضِلُّ هو نَفْسُه [33] قرأ بها ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/299). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/383)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 563)، ((تفسير القرطبي)) (14/56). قال ابنُ كثيرٍ: (على قراءةِ فَتحِ الياءِ تكونُ اللَّامُ لامَ العاقبةِ، أو تعليلًا للأمرِ القَدَريِّ، أي: قُيِّضوا لذلك؛ لِيَكونوا كذلك). ((تفسير ابن كثير)) (6/331). .
2- قراءةُ لِيُضِلَّ بضَمِّ الياءِ، على معنى: أنَّه يُضِلُّ غَيرَه، وإذا أضلَّ غيرَه فقد أضلَّ نفْسَه أيضًا [34] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/299). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/383)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 563)، ((تفسير القرطبي)) (14/56). قال ابن عثيمين: (وفائدةُ القراءتينِ هنا: اشتِمالُ هذه الكَلِمةِ على المعنيَينِ، وهما: الضَّلالُ بنفْسِه، وإضلالُ غَيرِه). ((تفسير ابن عثيمين - سورة لقمان)) (ص: 25). .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ .
أي: ومِنَ النَّاسِ مَن يَشتري [35] قال الرسعني: (قولُه تعالى: يَشْتَرِي إمَّا أن يكونَ على حقيقتِه... أو على مجازِه، وهو إيثارُ اللَّهوِ، واختيارُه). ((تفسير الرسعني)) (6/46). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/346)، ((تفسير ابن جزي)) (2/137). وممَّن اختار الأوَّلَ: ابنُ جرير، والسمرقنديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/534)، ((تفسير السمرقندي)) (3/21). وممَّن اختار الثَّانيَ، أي: يختارُ ويرغَبُ رَغبةَ مَن يَبذُلُ الثَّمَنَ في الشَّيءِ: السعديُّ، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 647)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة لقمان)) (ص: 24). ويُنظر أيضًا: ((تفسير البغوي)) (3/586). قال الواحدي: (قال أهلُ المعاني: ويَدخُلُ في هذا كُلُّ مَن اختار اللَّهوَ والغناءَ والمزاميرَ والمعازفَ على القرآنِ. وإنْ كان اللَّفظُ قد ورد بالشِّراءِ). ((البسيط)) (18/95). الحديثَ الباطِلَ المُلْهيَ للقُلوِب [36] قيل: المرادُ به: الغِناءُ. وممَّن ذهب إليه: القرطبي، وابنُ جُزَي، وابن كثير، ونسَبه الواحديُّ إلى أكثَرِ المفسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (51، 53)، ((تفسير ابن جزي)) (2/137)، ((تفسير ابن كثير)) (6/330)، ((الوسيط)) للواحدي (3/441). وقيل: المرادُ به العمومُ؛ فيَعُمُّ كُلَّ حديثٍ باطلٍ ومُلْهٍ عن سبيلِ الله، فيَدخُلُ فيه الغِناءُ، وأخبارُ الأعاجمِ ومُلوكِها، ونحو ذلك. وممَّن قال بالعموم: ابنُ جرير، وابن القيم، والبِقاعي، والشوكاني، والألوسي، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/539)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/240)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/146، 147)، ((تفسير الشوكاني)) (4/270)، ((تفسير الألوسي)) (11/67)، ((تفسير السعدي)) (ص: 647)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة لقمان)) (ص: 28). قال الشوكاني: (ولهوُ الحديثِ: كلُّ ما يُلْهي عن الخيرِ؛ مِن الغناءِ، والملاهي، والأحاديثِ المكذوبةِ، وكلُّ ما هو منكَرٌ). ((تفسير الشوكاني)) (4/270). وقال ابنُ القيِّم: (لا تَعارُضَ بينَ تفسيرِ «لهوِ الحديثِ» بالغِناءِ، وتفسيرِه بأخبارِ الأعاجِمِ ومُلوكِها وملوكِ الرُّومِ، ونحو ذلك ... فكِلاهما لهوُ الحديثِ؛ ولهذا قال ابنُ عبَّاسٍ: «لهوُ الحديثِ: الباطِلُ والغِناءُ»، فمِنَ الصَّحابةِ مَن ذكَرَ هذا، ومنهم مَن ذكَرَ الآخَرَ، ومنهم مَن جمَعَهما). ((إغاثة اللهفان)) (1/240). ؛ لِيَصُدَّ عن اتِّباعِ الهُدى والحَقِّ بلا عِلمٍ [37] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/534، 539، 540)، ((تفسير ابن كثير)) (6/330، 331)، ((تفسير السعدي)) (ص: 647). قال الرسعني: (قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ في محلِّ الحالِ مِن الضَّميرِ في يَشْتَرِي، أو في لِيُضِلَّ، فهو تجهيلٌ للمُضِلِّ أو تجهيلٌ للمشتري، حيثُ لم يَهتَدِ إلى التِّجارةِ الرَّابحةِ). ((تفسير الرسعني)) (6/46). قيل: المرادُ بقَولِه: بِغَيْرِ عِلْمٍ أي: أنَّه جاهلٌ فيما يَفعلُ، لا يَفعلُه عن عِلمٍ، بل عن جهلٍ. وممَّن اختار هذا المعنى في الجملةِ: الواحديُّ، والبَغَوي، والعُلَيمي. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/442)، ((تفسير البغوي)) (3/586)، ((تفسير العليمي)) (5/301). وقيل: المرادُ بقولِه تعالى: بِغَيْرِ عِلْمٍ: الجَهلُ بعاقبةِ ذلك وإثمِه. وممَّن قال بهذا المعنى: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/540). وقيل: المرادُ أنَّ فِعلَه هذا ناشئٌ عن الجَهلِ باللهِ عزَّ وجَلَّ، وعن الجَهلِ بشَرعِه، وعن الجَهلِ بحَقيقةِ ما خُلِقَ له. وممَّن قال بهذا المعنى: ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 26). وقيل: بِغَيْرِ عِلْمٍ أي بحالِ ما يَشتريِه، أو بالتِّجارةِ وما يَنفعُ منها وما يَضُرُّ، حيثُ استبدَلَ الشَّرَّ البَحتَ بالخَيرِ المَحضِ. وممَّن اختار هذا المعنى في الجملةِ: أبو السعود، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/69)، ((تفسير الشوكاني)) (4/270). .
كما قال الله تعالى: وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء: 27].
وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا.
أي: ولِيَستهزِئَ بسَبيلِ اللهِ، ويَسخَرَ منها [38] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/540، 541)، ((تفسير ابن كثير)) (6/331)، ((تفسير السعدي)) (ص: 647). .
أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ.
أي: أولئك لهم عذابٌ يُخزيهم، ويُهينُهم، ويُذِلُّهم [39] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/541)، ((تفسير القرطبي)) (14/57)، ((تفسير ابن كثير)) (6/331). .
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا كان الإنسانُ قد يكونُ غافِلًا، فإذا نُبِّه انتَبَه؛ نبَّه سبحانَه وتعالى على أنَّ هذا الإنسانَ المُنهَمِكَ في أسبابِ الخُسرانِ لا يَزدادُ على مَرِّ الزَّمانِ إلَّا مُفاجأةً لكُلِّ ما يَرِدُ عليه مِنَ البَيانِ بالبَغيِ والطُّغيانِ [40] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/149). .
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا.
أي: وإذا تُتلَى عليه آياتُ القُرآنِ؛ لِيُؤمِنَ بها، ويَنقادَ إليها، أعرَضَ عنها وهو شَديدُ التَّكَبُّرِ عن قَبولِها، فلم تَدخُلْ قَلْبَه ولا انتفَعَ بها، بل أدبَرَ عنها، كأنَّه لا يَسمَعُها [41] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/541)، ((تفسير القرطبي)) (14/57)، ((تفسير ابن كثير)) (6/332)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/179)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة لقمان)) (ص: 40). !
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا.
أي: كأنَّ في أُذُنَيه صَمَمًا وثِقلًا يمنَعُه مِن سَماعِها [42] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/541)، ((تفسير السعدي)) (ص: 647)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/179)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة لقمان)) (ص: 40، 41). !
كما قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف: 57].
فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.
أي: فبَشِّرْه بعَذابٍ مُؤلِمٍ مُوجِعٍ [43] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/542)، ((تفسير ابن كثير)) (6/332)، ((تفسير السعدي)) (ص: 647). قال السَّعدي: (فَبَشِّرْهُ بِشارةً تُؤثِّرُ في قَلبِه الحُزنَ والغَمَّ، وفي بَشَرتِه السُّوءَ والظُّلْمةَ والغَبَرةَ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ مُؤلمٍ لِقَلبِه ولِبَدنِه، لا يُقادَرُ قَدْرُه، ولا يُدرَى بعظيمِ أمرِه، وهذه بِشارةُ أهلِ الشَّرِّ، فلا نِعْمَتِ البِشارةُ!). ((تفسير السعدي)) (ص: 647). .
كما قال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الجاثية: 7 - 10].
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى حالَ مَن إذا تُتلَى عليه الآياتُ ولَّى؛ بيَّنَ حالَ مَن يُقبِلُ على تلك الآياتِ ويَقبَلُها [44] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/116). .
وأيضًا لَمَّا ذكَر الله تعالى عذابَ مَن يُضِلُّ عن سبيلِه؛ أتْبَع ببِشارةِ المحسنينَ [45] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/145). .
وأيضًا لَمَّا كانت معرفةُ ما لأحدِ الحِزبَينِ باعثةً على السُّؤالِ عمَّا للحزبِ الآخَرِ، وكانت إجابةُ السُّؤالِ عن ذلك مِن أتمِّ الحكمةِ؛ استأنَف تعالى قولَه مؤكِّدًا لأجْلِ إنكارِ الكفرةِ [46] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/151). :
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8).
أي: إنَّ الذين آمَنوا بكُلِّ ما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ بإخلاصٍ لله تعالى، ومُتابَعةٍ لِشَرعِه: لهم في الآخرةِ جَنَّاتٌ يتنعَّمونَ فيها بأنواعِ النَّعيمِ [47] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/542)، ((تفسير ابن كثير)) (6/332)، ((تفسير السعدي)) (ص: 647). .
خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9).
خَالِدِينَ فِيهَا.
أي: ماكِثينَ فيها أبدًا [48] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/542)، ((تفسير ابن كثير)) (6/332)، ((تفسير السعدي)) (ص: 647). .
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا.
أي: وَعَدهم اللهُ هذا وعْدًا حَقًّا، لا يُمكِنُ أن يَتخَلَّفَ وُقوعُه، أو يَتغيَّرَ ويَتبدَّلَ [49] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/542)، ((تفسير القرطبي)) (14/57)، ((تفسير ابن كثير)) (6/332)، ((تفسير السعدي)) (ص: 647). قال الخازنُ: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا يعني: وعَدَكم الله ذلك وعْدًا حقًّا). ((تفسير الخازن)) (2/428). .
كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: 9].
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
أي: واللهُ هو الَّذي له كَمالُ العِزَّةِ؛ فقَهَر وغلَبَ كُلَّ شَيءٍ، ودانَ له كُلُّ شَيءٍ، ومِن عِزَّتِه أنَّه لا يمنَعُه شَيءٌ مِن تنفيذِ وَعدِه ووعيدِه، وله كَمالُ الحِكمةِ والإحكامِ في أقوالِه وأفعالِه، ومِن عِزَّتِه وحِكمتِه أنَّه وَفَّق مَن وَفَّق مِن عبادِه، وخَذَل مَن خَذَل منهم [50] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/542)، ((تفسير ابن كثير)) (6/332)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 540)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/152)، ((تفسير السعدي)) (ص: 647). .

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- في قَولِه تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ... ذمٌّ لِمَن يَركَنُ إلى لَهْوِ الحديثِ، وهو ما لا خيرَ فيه [51] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 33). مِن كُلِّ كلامٍ مُحرَّمٍ، وكُلِّ لَغْوٍ وباطلٍ وهَذَيانٍ مِن الأقوالِ المرَغِّبةِ في الكُفرِ والفُسوقِ والعِصيانِ، ومِن أقوالِ الرَّادِّينَ على الحَقِّ، المجادِلينَ بالباطِلِ؛ لِيُدْحِضوا به الحَقَّ، ومِن غِيبةٍ ونَميمةٍ، وكَذِبٍ وشَتمٍ وسَبٍّ، ومِن غِناءٍ ومَزاميرِ شَيطانٍ، ومِن الماجَرَياتِ [52] الماجريات: جمعُ (ما جرَى)، مولَّدٌ، يُرادُ به الأمورُ التي يُسألُ عنها بـ (ما جرَى؟). ((معجم متن اللغة)) لأحمد رضا (1/519). المُلْهيةِ الَّتي لا نَفْعَ فيها في دينٍ ولا دُنيا [53] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 646). .
2- في قَولِه تعالى: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ذمٌّ لكُلِّ ما يَصُدُّ عن سَبيلِ الله تعالى، ثمَّ إنْ كان يُضِلُّ عن واجبٍ صار حَرامًا، وإنْ كان يُضِلُّ عن مُستحَبٍّ لم يكُنْ حَرامًا، لكِنَّه يُذَمُّ بلا شَكٍّ [54] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 38). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ دليلٌ على تحريمِ الغِناءِ وما أخَذَ أخْذَه ممَّا يُضِلُّ عن سَبيلِ اللهِ [55] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/625). .
2- قَولُ الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فيه سؤالٌ: ما مَعنى إضافةِ اللَّهوِ إلى الحَديثِ؟
الجوابُ مِن وَجهَينِ:
=الوجهُ الأوَّلُ:!= أنَّ معناها التَّبيينُ، وهي الإضافةُ بمعنى (مِن)، وأن يُضافَ الشَّيءُ إلى ما هو منه، كقَولِه: (صُفَّةُ خَزٍّ، وبابُ ساجٍ)، والمعنى: مَن يشتري اللَّهوَ مِن الحديثِ؛ لأنَّ اللَّهوَ يكونُ مِن الحديثِ ومِن غَيرِه، فبُيِّنَ بالحديثِ، والمرادُ بالحديثِ: الحَديثُ المُنكَرُ.
=الوجهُ الثاني:!= أنَّه يجوزُ أنْ تكونَ الإضافةُ بمعنى (مِن) التَّبعيضيَّةِ، كأنَّه قيل: ومِنَ النَّاسِ مَن يَشتري بعضَ الحديثِ الَّذي هو اللَّهوُ منه [56] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/491). .
3- في قَولِه تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا ثُبوتُ المدحِ والثَّناءِ لِمَن كان على العَكسِ مِن ذلك؛ لأنَّ الذَّمَّ على صِفةٍ يَقتضي مَدْحَ مَنِ اتَّصَفَ بضِدِّها، وهذه قاعدةٌ مُفيدةٌ، فيؤخَذُ منه: مَدْحُ مَن إذا تُلِيَتْ عليه آياتُ الرَّحمنِ أقْبَل إليها واستمَعَ إليها [57] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 43). .
4- قولُه: وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فيه رمْزٌ إلى أنَّ مَن سمِعَها لا يُتصوَّرُ منه التَّوليةُ والاستِكبارُ؛ لِمَا فيها مِنَ الأمورِ المُوجِبةِ للإقبالِ عليها، والخضوعِ لها [58] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/69). .
5- حُجَّةُ اللهِ برُسُلِه قامتْ بالتَّمَكُّنِ مِن العِلمِ، فليس مِن شَرْطِ حُجَّةِ اللهِ تعالى عِلْمُ المَدْعوِّينَ بها؛ ولهذا لم يكُنْ إعراضُ الكُفَّارِ عن استِماعِ القرآنِ وتدَبُّرِه مانِعًا مِن قيامِ حُجَّةِ اللهِ تعالى عليهم، وكذلك إعراضُهم عن استِماعِ المنقولِ عن الأنبياءِ، وقراءةِ الآثارِ المأثورةِ عنهم: لا يمنعُ الحُجَّةَ؛ إِذِ المُكْنة حاصِلةٌ؛ فلذلك قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا [فصلت: 26، 27]، وقال تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [59] يُنظر: ((الرَّد على المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 99). [الفرقان: 30، 31].
6- قال تعالى هنا: كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا على سَبيلِ التَّشبيهِ، وصَرَّح في غيرِ هذا الموضعِ أنَّه جعَلَ في أذُنَيه الوَقرَ بالفِعلِ، في قَولِه: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف: 57]، والظَّاهِرُ أنَّ الوَقْرَ المذكورَ: على سَبيلِ التَّشبيهِ بالوَقرِ الحِسِّيِّ؛ لأنَّ الوَقْرَ المعنويَّ يُشبِهُ الوَقرَ الحِسِّيَّ، والوَقْرُ المجعولُ على آذانِهم بالفِعلِ: هو الوَقرُ المعنويُّ المانِعُ مِن سَماعِ الحَقِّ فقط دونَ سَماعِ غَيرِه، والعِلمُ عندَ اللهِ تعالى [60] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/179). .
7- قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا تَضمَّنتْ هذه الآيةُ ذمَّ المُشتري لِلَهْوِ الحَديثِ مِن وُجوهٍ: التَّوليةِ عن الحِكمةِ، ثمَّ الاستِكبارِ، ثمَّ عدَمِ الالتِفاتِ إلى سماعِها كأنَّه غافلٌ عنها، ثمَّ الإيغالِ في الإعراضِ بكَونِ أُذنَيْه كأنَّ فيهما صَممًا يَصُدُّه عن السَّماعِ [61] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/411). .
8- في قولِه تعالى: فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أنَّ البِشارةَ تُطْلَقُ على ما يَسوءُ [62] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 44). ، وهي تُطلَقُ غالِبًا على الإخبارِ بما يَسُرُّ [63] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/190). .
9- في قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ أنَّ الإيمانَ لا يكفي، بل لا بُدَّ مِن عَمَلٍ صالحٍ؛ فمُجَرَّدُ العقيدةِ لا يكفي إذا لم يَكُنْ عَمَلٌ صالحٌ، بل رُبَّما نقولُ: إنَّه إذا لم يكُنْ عَمَلٌ صالحٌ فهو دَليلٌ على أنَّه لا عقيدةَ؛ لأنَّ النَّبيَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يقولُ: ((أَلَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلُّه، وإذا فَسَدتْ فَسَدَ الجسدُ كلُّه )) [64] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 50). والحديث أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) مطوَّلًا من حديثِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما. .
10- قَولُ الله تعالى: فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ تنكيرُ العذابِ، وتَعريفُ الجنَّةِ بالإضافةِ إلى المعرَّفِ: إشارةٌ إلى أنَّ الرَّحيمَ يُبَيِّنُ النِّعمةَ ويُعَرِّفُها؛ إيصالًا للرَّاحةِ إلى القَلبِ، ولا يُبيِّنُ النِّقمةَ، وإنَّما ينبِّهُ عليها تنبيهًا [65] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/116). .
11- في قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ دَلالةٌ على أنه لا مرضَ في الجنَّةِ، ووجهُه قولُه تعالى: جَنَّاتُ النَّعِيمِ؛ لأنَّ المرضَ يُنافي النَّعيمَ؛ وعلى أنَّه ليس فيها شَيخوخةٌ؛ لأنَّ الشَّيْخوخةَ تُنافي ذلك أيضًا؛ وعلى أنَّه ليس فيها هَمٌّ أو كَدَرٌ أو تَنغِيصٌ أبدًا، كلُّ هذا يُنافي النَّعيمَ [66] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 52). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
- قولُه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ ... عَطْفٌ على جُملةِ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ، وهذا مِن مُقابَلةِ الثَّناءِ على آياتِ الكِتابِ الحَكيمِ بضِدِّ ذلك في ذَمِّ ما يأْتي به بعضُ النَّاسُ، وهذا تخلُّصٌ مِن المُقدِّمةِ إلى مَدخلٍ للمقصودِ [67] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/141). .
- وتَقديمُ الجارِّ والمجرورِ وَمِنَ النَّاسِ؛ للتَّشويقِ إلى تلقِّي خبَرِه العَجيبِ [68] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/142). .
- قَولُه: مَنْ يَشْتَرِي عبَّرَ عن الاختيارِ بالاشتِراءِ، وهو إشارةٌ إلى حِرصِهم على هذا الأمرِ؛ لأنَّ الاشتراءَ إنَّما يكونُ بالمُعاوَضةِ، فكأنَّهم لِقُوَّةِ اختيارِهم هذا الشَّيءَ بذَلوا فيه أموالَهم لِيَنالوه [69] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة لقمان)) (ص: 24). .
- قولُه: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ اسمُ الإشارةِ أُولَئِكَ وما فيهِ مِن مَعنى البُعْدِ، مع قُرْبِ العهْدِ بذِكْرِ المُشارِ إليهِ؛ للإيذانِ ببُعدِ مَنزلتِهم في الشَّرارةِ، أي: أولئك المَوصوفون بما ذُكِرَ مِنَ الاشتراءِ للإضلالِ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [70] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/69). . واختِيرَ اسمُ الإشارةِ؛ للتَّنبيهِ على أنَّ ما يَرِدُ بعدَ اسمِ الإشارةِ مِن الخبرِ إنَّما استحَقَّه لِأجْلِ ما سبَقَ اسمَ الإشارةِ مِن الوصْفِ [71] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/144). .
2- قوله تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
- قولُه: وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ... تمْثيلٌ للإعراضِ عن آياتِ اللهِ، كقولِه تعالى: ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى [النازعات: 22]، وشُبِّه في ذلك بالَّذي لا يَسمَعُ الآياتِ الَّتي تُتْلَى عليه، ووجْهُ الشَّبهِ هو عدَمُ التَّأثُّرِ ولو تأثُّرًا يَعقُبُه إعراضٌ، كتأثُّرِ الوَليدِ بنِ المُغيرةِ. و(كأنْ) مُخفَّفةٌ مِن (كأنَّ)، وكرَّرَ التَّشبيهَ؛ لتَقْويتِه مع اختِلافِ الكَيفيَّةِ في أنَّ عدَمَ السَّمْعِ مرَّةً مع تمكُّنِ آلةِ السَّمْعِ، ومرَّةً مع انعدامِ قوَّةِ آلَتِه؛ فشُبِّهَ ثانيًا بمَن في أُذنَيْه وقْرٌ، وهو أخصُّ مِن معنى كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا [72] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/144). .
- قولُه: فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ قيل: ذِكْرُ البِشارةِ؛ للتَّهكُّمِ [73] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/213)، ((تفسير أبي السعود)) (7/69)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/145). ، وذلك على القَولِ بأنَّ البِشارةَ هي الخبرُ السَّارُّ الَّذي ليس عندَ المُخبَرِ عِلمٌ به [74] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (1/203). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ ورَدَ قولُه: وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ... هنا بزيادةِ كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا، وفي (الجاثيةِ) بحَذْفِه: يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا [الجاثية: 8]، ووجْهُه: أنَّ اللهَ تعالى بالَغَ في ذَمِّه هنا؛ فناسَبَ زِيادةُ ذلك، بخِلافِ ما في (الجاثيةِ): لم يُبالِغْ فيها هذه المُبالَغةَ؛ لِمَا ذَكَر بعدَه وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا [الجاثية: 9]؛ لأنَّ العِلْمَ لا يَحصُلُ إلَّا بالسَّماعِ، أو ما يقومُ مَقامَه مِن خَطٍّ أو غيرِه [75] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 204)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/371، 372)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 446). .
وفيه وجْهٌ آخرُ: أنَّ آيةَ (الجاثيةِ) لَمَّا تقدَّمَ فيها: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا [الجاثية: 7، 8] فوصَفَه بسَماعِ آياتِ اللهِ؛ لم يكُنْ لِيُطابِقَه ذِكْرُ الوقْرِ في الأذُنِ؛ لأنَّه قد ذكَرَ سماعَه الآياتِ، والوقْرُ مانعٌ مِن السَّمعِ؛ فلم يُناسِبِ الإعلامَ بالسَّماعِ ذِكْرُ الوقْرِ المانعِ منه. ولَمَّا لم يقَعْ ذِكْرُ سماعِ الآياتِ في آيةِ (لُقمانَ)، وتقدَّمَ ذِكْرُ المُشارِ إليه فيها بقولِه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا [لقمان: 6]، وهذه زِيادةُ مُرتكَبٍ؛ فناسَبَها ذِكْرُ زِيادةِ الوقْرِ، مع أنَّه لم يَرِدْ فيها ذِكْرُ سماعِه الآياتِ كما ورَدَ في آيةِ (الجاثيةِ)، فازدادَ وُضوحُ التَّلاؤُمِ، وإنْ عُكِسَ الواردُ لا يُلائِمُ [76] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/402). .
3- قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ بَيانٌ لحالِ المُؤمنينَ بآياتِه تعالى، إثْرَ بَيانِ حالِ الكافرينَ بها [77] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/69). .
- قولُه: جَنَّاتُ النَّعِيمِ أي: النَّعيمِ الكثيرِ، وإضافةُ الجنَّاتِ إليه باعتِبارِ اشتمالِها عليه، نظيرُ قولِك: (كتب الفقهِ) [78] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (11/79). . وقيل: جَنَّاتُ النَّعِيمِ أي: نَعيمُ جَنَّاتٍ؛ فعُكِسَ للمُبالَغةِ [79] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/213)، ((تفسير أبي السعود)) (7/69، 70). .
4- قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
- قولُه: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا (وَعْدَ) و(حَقًّا) مَصْدَرانِ مُؤكِّدانِ: الأوَّلُ لنفْسِه، والثَّاني لغَيرهِ؛ لأنَّ قولَه تعالَى: لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ في معنى: وعَدَهم اللهُ جنَّاتِ النَّعيمِ؛ فأكَّدَ معنى الوعْدِ بالوعْدِ، وأمَّا حَقًّا فدالٌّ على معنَى الثَّباتِ، أكَّدَ به معنى الوعْدِ، ومُؤكَّدُهما جميعًا لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ [80] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/492)، ((تفسير البيضاوي)) (4/213)، ((تفسير أبي حيان)) (8/411)، ((تفسير أبي السعود)) (7/70). .
- قولُه: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فيه إجراءُ هذَينِ الاسمينِ الجَليلينِ على ضَميرِ الجلالةِ؛ لتَحقيقِ وعْدِه؛ لأنَّه -لعِزَّتِه- لا يُعجِزُه الوفاءُ بما وعَدَ، ولحِكمْتِه لا يُخطِئُ، ولا يَذهَلُ عمَّا وعَدَ؛ فمَوقِعُ جُملةِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مَوقِعُ التَّذييلِ بالأعمِّ [81] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/145). .