المَطلبُ السَّابعَ عَشَرَ: ما لا تَقديرَ فيه شَرعًا يُرجَعُ فيه إلى الوُجودِ
أوَّلًا: صيغةُ القاعِدةِاستُعْمِلَتِ القاعِدةُ بهذِهِ الصِّيغةِ المذكورَة: "ما لا تَقديرَ فيه شَرعًا يُرجَعُ فيه إلى الوُجودِ"
[1424] يُنظر: ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (3/193)، ((الروض الندي)) لأحمد البعلي (ص: 423)، ((كشف المخدرات)) لعبد الرحمن البعلي (2/670)، ((الفوائد المنتخبات)) لابن جامع (3/603). ، وصيغةِ: "كُلُّ ما ورَدَ به الشَّرعُ مُطلقًا وليسَ له حَدٌّ في اللُّغةِ ولا في الشَّرعِ، كان المَرجِعُ في حَدِّه إلى الوُجودِ"
[1425] يُنظر: ((البيان)) للعمراني (11/12). ، وصيغةِ: "ما ورَدَ في الشَّرعِ ولا ضابطَ له شَرعيٌّ ولا لُغَويٌّ يُتبَعُ فيه الوُجودُ"
[1426] يُنظر: ((أسنى المطالب)) (1/99)، ((الغرر البهية)) (1/213) كلاهما لزكريا الأنصاري، ((الإقناع)) للخطيب الشربيني (1/99)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (1/324). ، وصيغةِ: "ما لم يَرِدْ في الشَّرعِ تَحديدُه يُرجَعُ فيه إلى الوُجودِ"
[1427] يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/428)، ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (1/436)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/516). ، وصيغةِ: "ما لا نَصَّ فيه يُرجَعُ فيه إلى الوُجودِ"
[1428] يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (11/233)، ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (5/556)، ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (8/540)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (13/14)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (5/561). .
ثانيًا: المَعنى الإجماليُّ للقاعِدةِمَعنى الوُجودِ هنا: ما جَرى به العُرفُ والعادةُ، فبَعضُ الألفاظِ والكَلماتِ ليسَ لها حَدٌّ مُقدَّرٌ في الشَّرعِ، ويَختَلفُ النَّاسُ في قدرِها وصِفتِها باختِلافِ عاداتِهم في الزَّمانِ والمَكانِ، فيُرجَعُ في دَلالتِها إلى الواقِعِ؛ ولذلك تبقى دَلالتُها بحَسَبِ العُرفِ والعادةِ
[1429] يُنظر: ((نهاية المحتاج)) للرملي (1/324)، ((القواعد الفقهية)) لمحمد الزحيلي (1/314). .
وهذه القاعِدةُ مُتَفرِّعةٌ مِنَ القاعِدةِ الأُمِّ: (العادةُ مُحَكَّمةٌ)، ووَجهُ تَفرُّعِها عنها أنَّ الأُمورَ التي لم يَرِدْ تَقديرُها في الشَّرعِ ولا في اللُّغةِ يَجِبُ اتِّباعُ العُرفِ الذي وُجِدَ فيها؛ لأنَّ العادةَ مُحَكَّمةٌ.
ثالثًا: أدِلَّةُ القاعِدةِيُستَدَلُّ لهذه القاعِدةِ بالسُّنَّةِ والقَواعِدِ:
1- مِنَ السُّنَّةِ:عن حَمنةَ بنتِ جَحشٍ، قالت:
((كُنتُ أُستحاضُ حَيضةً كَثيرةً شَديدةً، فأتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أستَفتيه وأُخبرُه، فوجَدتُه في بَيتِ أُختي زَينَبَ بنتِ جَحشٍ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أُستَحاضُ حَيضةً كَثيرةً شَديدةً، فما تَأمُرُني فيها؛ فقد مَنَعَتني الصِّيامَ والصَّلاةَ؟ قال: أنعَتُ لك الكُرسُفَ [1430] أي القطن. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (2/ 501). ، فإنَّه يُذهِبُ الدَّمَ. قالت: هو أكثَرُ مِن ذلك، قال: فتَلَجَّمي [1431] أي: شُدِّي لِجامًا، أي: خِرقةً على هَيئةِ اللِّجامِ لتَشُدَّ بها الفَرجَ. يُنظر: ((المفاتيح)) للمظهري (1/ 467)، ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (2/ 205). . قالت: هو أكثَرُ مِن ذلك، قال: فاتَّخِذي ثَوبًا. قالت: هو أكثَرُ مِن ذلك، إنَّما أثُجُّ ثَجًّا [1432] أي: يَنصَبُّ الدَّمُ مِنِّي صَبًّا فيَجري جَرَيانًا شَديدًا. يُنظر: ((المفاتيح)) للمظهري (1/ 467)، ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (2/ 502). ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: سَآمُرُكِ بأمرَينِ: أيَّهما صَنَعتِ أجَزأَ عنكِ، فإن قَوِيتِ عليهما فأنتِ أعلَمُ. فقال: إنَّما هيَ رَكضةٌ مِنَ الشَّيطانِ، فتَحَيَّضي سِتَّةَ أيَّامٍ أو سَبعةَ أيَّامٍ في عِلمِ اللهِ، ثُمَّ اغتَسِلي، فإذا رَأيتِ أنَّك قد طَهُرتِ واستَنقَأتِ فصَلِّي أربَعًا وعِشرينَ ليلةً، أو ثَلاثًا وعِشرينَ ليلةً وأيَّامَها، وصومي وصَلِّي، فإنَّ ذلك يجزِئُكِ، وكذلك فافعَلي، كَما تَحيضُ النِّساءُ وكَما يَطهُرنَ، لميقاتِ حَيضِهنَّ وطُهرِهنَّ ... )) [1433] أخرجه أبو داود (287)، والترمذي (128) واللفظ له، وأحمد (27474). صحَّحه الإمام أحمد كما في ((المقرر على أبواب المحرر)) (1/140)، وعبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الوسطى)) (1/216)، والنووي في ((المجموع)) (2/377)، وقال البخاري كما في ((سنن الترمذي)) (128)، والترمذي: حَسَنٌ صحيحٌ. .
وَجهُ الدَّلالةِ:أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَدَّ أمرَها إلى العُرفِ الظَّاهرِ والأمرِ الغالِبِ مِن أحوالِ النِّساءِ، كَما حَمَل أمرَها في تَحَيُّضِها كُلَّ شَهرٍ مَرَّةً واحِدةً على الغالِبِ مِن عاداتِهنَّ، ويَدُلُّ على ذلك قَولُه:
((كَما تَحيضُ النِّساءُ ويَطهُرنَ لميقاتِ حَيضِهنَّ وطُهرِهنَّ)) على مَعنى اعتِبارِ حالِها بحالِ مَن هيَ مِثلُها وفي مِثلِ سِنِّها مِن نِساءِ أهلِ إقليمِها، فإن وجَدَت عادةَ مِثلِها مِنهنَّ أن تَقعُدَ سِتًّا قَعَدَت سِتًّا، وإنْ سَبعًا فسَبعًا
[1434] يُنظر: ((معالم السنن)) للخطابي (1/89)، ((الشافي)) لابن الأثير (1/331). .
2- مِنَ القَواعِدِ:يُستَدَلُّ لهذه القاعِدةِ بالقاعِدةِ الأُمِّ: (العادةُ مُحَكَّمةٌ)؛ حَيثُ إنَّها مُتَفرِّعةٌ عنها.
رابعًا: أمثِلةٌ للقاعِدةِتَندَرِجُ تَحتَ هذه القاعِدةِ بَعضُ الفُروعِ الفِقهيَّةِ؛ مِنها:
1- أقَلُّ سِنٍّ يُمكِنُ تَحيضُ فيه البنتُ تِسعُ سِنينَ قَمَريَّةٍ تَقريبًا؛ ودَليلُه الوُجودُ. قال الحصنيُّ مُعَلِّقًا على عِبارة: "وأقَلُّ زَمانٍ تَحيضُ فيه الجاريةُ تِسعُ سِنينَ، ولا حَدَّ لأكثَرِه": (دَليلُه الوُجودُ، قال الشَّافِعيُّ رَضِيَ اللهُ عنه: أعجَبُ ما سَمِعتُ مِنَ النِّساءِ تَحِضنَ نِساءُ تِهامةَ، تَحِضنَ لتِسعِ سِنينَ... لأنَّ كُلَّ ما لا ضابطَ له في الشَّرعِ ولا في اللُّغةِ يُرجَعُ فيه إلى الوُجودِ، وقد وجَدَه الشَّافِعيُّ رَضِيَ اللهُ عنهـ)
[1435] ((كفاية الأخيار)) (ص: 76). ويُنظر أيضًا: ((فتح الرحمن)) للرملي (ص: 231). .
2- إذا اتَّصَل دَمُ الحَيضِ بدَمِ الاستِحاضةِ، والاستِحاضةُ تُخالفُ الحَيضَ اسمًا وحُكمًا ومَحمَلًا، ولا يَمنَعُ الاستِحاضةَ ما يَمنَعُ الحَيض، وخُروجُه مِن عِرقٍ خارِجَ الرَّحِمِ، يُقالُ له: العاذِلُ، في أدنى أوَّلِ الرَّحِمِ. وخُروجُ الحَيضِ مِنَ الرَّحِمِ، ثُمَّ الاستِحاضةُ تَنفصِلُ مِنَ الحَيضِ؛ فإنَّه يَكونُ في حالِ نُقصانِ السِّنِّ أو لنُقصانِ القَدرِ، بأن يَكونَ دونَ يَومٍ وليلةٍ، وقد يَتَّصِلُ بالحَيضِ دَمُ الاستِحاضةِ بأن يُجاوِزَ الدَّمُ أكثَرَ مُدَّةِ الحَيضِ، فيُعرَفُ أنَّ بَعضَه حَيضٌ، وبَعضَه استِحاضةٌ. والشَّافِعيُّ رَجَعَ في أقَلِّ الحَيضِ وأكثَرِه وفي غَيرِ ذلك إلى الوُجودِ، ومَعنى الوُجودِ: ما جَرى به عُرفُ العادةِ، وهذا لأنَّ كُلَّ ما ورَدَ به الشَّرعُ مُطلقًا، ولا بُدَّ مِن تَقديرِه، ولا تَقديرَ له في الشَّرعِ ولا في اللُّغةِ، فالمَرجِعُ فيه إلى العُرفِ والعادةِ
[1436] يُنظر: ((بحر المذهب)) للروياني (1/313). .
3- تَقديرُ أكثَرِ مُدَّةِ الحَملِ التي يُلحَقُ فيها الوَلَدُ بالزَّوجِ:
قال العمرانيُّ: (فمَذهَبُنا: أنَّ أكثَرَ مُدَّةِ الحَملِ أربَعُ سِنينَ... دَليلُنا: أنَّ كُلَّ ما ورَدَ به الشَّرعُ مُطلقًا وليسَ له حَدٌّ في اللُّغةِ ولا في الشَّرعِ.. كان المَرجِعُ في حَدِّه إلى الوُجودِ، وقد ثَبَتَ الوُجودُ فيما قُلْناهـ)
[1437] ((البيان)) (11/ 12). .
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (وهذه مَسألةٌ لا أصلَ لها إلَّا الاجتِهادُ والرَّدُّ إلى ما عُرِف مِن أمرِ النِّساءِ)
[1438] ((الاستذكار)) (7/ 170). .
4- تَقديرُ أقَلِّ حَدٍّ للنِّفاسِ:
قال ابنُ قُدامةَ: (لم يَرِدْ في الشَّرعِ تَحديدُه، فيُرجَعُ فيه إلى الوُجودِ)
[1439] ((المغني)) (1/ 428). .
5- ميراثُ المَفقودِ الذي انقَطَعَ أثَرُه ولا يُعلَمُ خَبَرُه، لغَيبةٍ ظاهِرُها السَّلامةُ؛ فإنَّه يُحكَمُ بمَوتِه إذا مَضَت مُدَّةٌ يُظَنُّ أنَّه لا يَعيشُ فوقَها، ولم يَبقَ أحَدٌ مِن أقرانِه حَيًّا، ويُقَسَّمُ مالُه بَعدَ ذلك، والعِبرةُ في ذلك بالوُجودِ؛ لأنَّ ما لا تَقديرَ فيه شَرعًا يُرجَعُ فيه إلى الوُجودِ، واختُلِف في تَقديرِ هذه المُدَّةِ بناءً على الاختِلافِ في العادةِ المَوجودةِ في ذلك
[1440] يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (9/ 187)، ((معلمة زايد)) (8/308). .