موسوعة القواعد الفقهية

الفَرعُ السَّادِسُ: الاستِحقاقُ بقَدرِ المِلكِ


أوَّلًا: صيغةُ القاعِدةِ.
استُعمِلَتِ القاعِدةُ بهذه الصِّيغةِ المَذكورةِ: "الاستِحقاقُ بقَدرِ المِلكِ" [3410] يُنظر: ((الأشباه والنظائر)) للسبكي (2/284). ، وصيغةِ: "الحَقُّ يَثبُتُ بقَدرِ المِلكِ عِندَ المُضايَقةِ والمُزاحَمةِ" [3411] يُنظر: ((التجريد)) للقدوري (7/3459). ، وصيغةِ: "مَرافِقُ الأموالِ تَتَوزَّعُ على حَسَبِ مَقاديرِ أملاكِ الشُّرَكاءِ في القِلَّةِ والكَثرةِ" [3412] يُنظر: ((المعونة)) للقاضي عبد الوهاب (2/1269). ، وصيغةِ: "الحَقُّ الواجِبُ بالمِلكِ يَجِبُ أن يَتَقَسَّطَ حالَ الاشتِراكِ على قَدرِ المِلكِ" [3413] يُنظر: ((التجريد)) للقدوري (7/3458). ، وصيغةِ: "الغَراماتُ إذا كانت لحِفظِ الأملاكِ فالقِسمةُ على قَدرِ المِلكِ، وإن كانت لحِفظِ الأنفُسِ فهيَ على عَدَدِ الرُّؤوسِ" [3414] يُنظر: ((الأشباه والنظائر)) لابن نجيم (ص: 240). .
ثانيًا: المَعنى الإجماليُّ للقاعِدةِ.
تُفيدُ القاعِدةُ أنَّ الاستِحقاقَ يَتَوزَّعُ بقَدرِ المِلكِ لا بعَدَدِ المُلَّاكِ، فيَختَلِفُ باختِلافِ قدرِ المِلكِ قِلَّةً وكَثرةً؛ لأنَّ مَناطَ الاستِحقاقِ هو المِلكُ المُتَّصِلُ بجَميعِ الأجزاءِ، فاتِّصالُ كُلِّ جُزءٍ مِن أجزاءِ المِلكِ سَبَبٌ لأخذِ ما يَتَّصِلُ به؛ فمَنِ ازدادَت أجزاءُ مِلكِه ازدادَ ما يَتَّصِلُ به؛ ولِذلك كانت مَرافِقُ الأموالِ مُتَوزِّعةً على حَسَبِ مَقاديرِ أملاكِ الشُّرَكاءِ في القِلَّةِ والكَثرةِ، كالرِّبحِ في التِّجارةِ. وإذا كان الاستِحقاقُ بقَدرِ المِلكِ فكَذلك مُؤَنُ المالِ المُشتَرَكِ يَجِبُ تَقسيطُها على قدرِ المِلكِ دونَ المُلَّاكِ [3415] يُنظر: ((المعونة)) للقاضي عبد الوهاب (2/1269)، ((الحاوي الكبير)) للماوردي (16/249)، ((الأشباه والنظائر)) للسبكي (2/284). .
وهذه القاعِدةُ مُتَفَرِّعةٌ مِن قاعِدةِ (تَزاحُمُ الحُقوقِ لا يُقدَّمُ فيها أحَدٌ على أحَدٍ إلَّا بمُرَجِّحٍ)؛ لأنَّ التَّرجيحَ في الاستِحقاقِ إنَّما يَحصُلُ بقَدرِ المِلكِ؛ لأنَّ الحُقوقَ لَمَّا تَزاحَمَتِ احتاجَت إلى مُرَجِّحٍ، ولا يَكونُ ذلك بعَدَدِ المُلَّاكِ بَل على حَسَبِ مَقاديرِ الأملاكِ.
ثالِثًا: أدِلَّةُ القاعِدةِ.
يُستَدَلُّ لهذه القاعِدةِ بالقاعِدةِ الأُمِّ (تَزاحُمُ الحُقوقِ لا يُقدَّمُ فيها أحَدٌ على أحَدٍ إلَّا بمُرَجِّحٍ).
رابعًا: أمثلةٌ للقاعِدةِ.
مِنَ الأمثلةِ على هذه القاعِدةِ:
1- الشُّفعةُ [3416] هيَ: انتِزاعُ الإنسانِ حِصَّةَ شَريكِه مِن مُشتَريها بمِثلِ ثَمَنِها. يُنظر: ((الكافي)) لابن قدامة (2/232). تَثبُتُ بَينَ الشُّفَعاءِ على قَدرِ الأنصِباءِ؛ لأنَّ الشُّفعةَ مَعنًى مُستَفادٌ بالمِلكِ، فوجَبَ أن يَكونَ مُعتَبَرًا بعَدَدِ الأملاكِ لا بعَدَدِ المُلَّاكِ؛ لأنَّ مَناطَ الاستِحقاقِ هو المِلكُ المُتَّصِلُ بجَميعِ الأجزاءِ، فاتِّصالُ كُلِّ جُزءٍ مِن أجزاءِ مِلكِه سَبَبٌ لأخذِ ما يَتَّصِلُ به؛ فمَنِ ازدادَت أجزاءُ مِلكِه ازدادَ ما يَتَّصِلُ به، ولِأنَّ الشُّفعةَ مُستَحَقَّةٌ لإزالةِ الضَّرَرِ المُتَأبِّدِ، وهذا الضَّرَرُ يَدخُلُ عليه على حَسَبِ مِلكِ المُلَّاكِ، لا على عَدَدِ رُؤوسِهم [3417] يُنظر: ((المعونة)) للقاضي عبد الوهاب (2/1269)، ((البيان)) للعمراني (7/144)، ((الأشباه والنظائر)) للسبكي (2/283). .
2- يُشتَرَطُ في الشَّرِكةِ أن يَكونَ العَمَلُ والرِّبحُ على قَدرِ رُؤوسِ الأموالِ؛ لأنَّه قد ثَبَتَ أنَّ عَقدَ الشَّرِكةِ يوجِبُ في جِهةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشُّرَكاءِ قِسطًا مِنَ الرِّبحِ والخُسرانِ، فلَو شَرَطَ اختِصاصَ أحَدِهما بمَزيدِ رِبحٍ بَطَلَ الشَّرطُ، ويوزَّعُ على قَدرِ المِلكِ [3418] يُنظر: ((المعونة)) للقاضي عبد الوهاب (2/1146)، ((الوسيط)) للغزالي (3/266). .
3- مُؤَنُ المالِ المُشتَرَكِ يَجِبُ أن تَكونَ على قَدرِ المِلكِ دونَ المُلَّاكِ، كنَفَقاتِ البَهائِمِ المُشتَرَكةِ [3419] يُنظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (16/249)، ((المهذب)) للشيرازي (3/405). .

انظر أيضا: