الموسوعة العقدية

 الإِحْسَانُ

صفةٌ مِن صِفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ الذَّاتيَّةِ الفِعليَّةِ الثَّابتةِ بالكِتابِ العَزيزِ.
والإحسانُ يأتي بمَعنيينِ:
1- الإنعامُ على الغيرِ، وهو زائدٌ على العَدْلِ.
2- الإتقانُ والإحكامُ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
1- قولُه تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ [السجدة: 7] .
قال البَغَويُّ: (أي: أحسَنَ خَلْقَ كُلِّ شيءٍ، قال ابنُ عبَّاسٍ: أتقَنَه وأحكَمَه. قال قتادةُ: حَسَّنه. وقال مقاتِلٌ: عَلِمَ كيف يخلُقُ كُلَّ شيءٍ، من قَولِك: فُلانٌ يُحسِنُ كذا: إذا كان يَعلَمُه. وقيل: خَلَق كُلَّ حيوانٍ على صورتِه، ثمَّ يخلُقُ البَعضَ على صورةِ البَعضِ، فكُلُّ حيوانٍ كاملٍ في خَلْقِه حَسَنٌ، وكُلُّ عُضوٍ من أعضائِه مُقَدَّرٌ بما يَصلُحُ به معاشُه) [1483] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/ 595). .
وقال الشَّوكانيُّ: (معنى الآيةِ: أنَّه أتقَنَ وأحكَمَ خَلْقَ مخلوقاتِه، فبعضُ المخلوقاتِ وإن لم تكُنْ حَسَنةً في نَفْسِها، فهي مُتقَنةٌ مُحكَمةٌ، فتكونُ هذه الآيةِ معناها معنى: أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَه أي: لم يَخلُقِ الإنسانَ على خَلْقِ البهيمةِ، ولا خَلَق البهيمةَ على خَلْقِ الإنسانِ، وقيل: هو عمومٌ في اللَّفظِ خُصوصٌ في المعنى، أي: أحسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيءٍ حَسَنٍ) [1484] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/ 288). .
2- قَولُه: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [التغابن: 3].
قال السَّعْدي: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر: 64] كما قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: 4] فالإنسانُ أحسَنُ المخلوقاتِ صورةً، وأبهاها مَنظَرًا) [1485] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 866). .
3- قَولُه: قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: 11].
4- قَولُه: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: 77] .
وقد أثبَتَ بعضُ العُلَماء اسمَ المُحسِنِ للهِ عزَّ وجلَّ [1486] ورد اسم المحسن بأسانيد فيها مقال، منها حَديثُ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: حَفِظتُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اثنتينِ: أنَّه قال: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ مُحسِنٌ يُحِبُّ الإحسانَ؛ فإذا قتَلْتُم فأحسِنوا القِتْلةَ، وإذا ذَبحْتُم فأحسِنوا الذَّبْحَ، ولْيُحِدَّ أحَدُكم شَفْرَتَه، ثُمَّ ليُرِحْ ذَبيحتَه)) أخرجه عبد الرزاق (8603)، والطبراني (7/275) (7121) واللَّفظُ له. وأصله في صحيح مسلم (1955) دون ذكر لفظ: "محسِن". وحديثُ أنَسِ بنِ مِالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا حكَمْتُم فاعْدِلوا، وإذا قتَلْتُم فأحسِنوا، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ محسِنٌ يحِبُّ الإحسانَ)). أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5735)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (6/133)، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (2/76) .
وممَّن أَثبَتَه اسمًا للهِ عزَّ وجلَّ: القُرطبيُّ [1487] يُنظر: ((الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)) (ص: 76). ، وابنُ تيميَّةَ [1488] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (1/379). ، وابنُ القيِّمِ [1489] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) (ص: 129)، ((بدائع الفوائد)) (2/ 781). ، وابنُ بازٍ [1490] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (5/359). ، وأثبَته ابنُ عُثَيمين تارةً [1491] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) (1/153). ، وتردَّدَ فيه تارةً أخرى [1492] يُنظر: ((القواعد المثلى)) (ص: 16). .
الأَخْذُ بِاليَدِ
صفةٌ فِعليَّةٌ ثابتةٌ للهِ عزَّ وجلَّ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
قولُه تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف: 172] .
قال الواحديُّ: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف: 172] أخرجَ اللهُ تعالى ذُرِّيَّةَ آدَمَ بعضَهم من ظهورِ بعضٍ، على نحوِ ما يتوالَدُ الأبناءُ من الآباءِ، وجميعُ ذلك أخرَجَه من صُلْبِ آدَمَ مِثْلَ الذَّرِّ، وأخَذَ عليهم الميثاقَ أنَّه خالِقُهم وأنَّهم مصنوعون، فاعتَرَفوا بذلك، وقَبِلوا ذلك بعد أن رَكَّبَ فيهم عقولًا، وذلك قَولُه: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي: قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف: 172] فأقَرُّوا له بالرُّبوبيَّةِ) [1493] يُنظر: ((الوجيز)) (ص: 420). .
وقال الشَّوكانيُّ: (قيل: المرادُ ببني آدَمَ هنا: آدَمُ نَفْسُه، كما وَقَع في غيرِ هذا الموضِعِ. والمعنى: أنَّ اللهَ سُبحانَه لَمَّا خَلَق آدَمَ مَسَح ظَهْرَه فاستخرج منه ذريَّتَه وأخَذَ عليهم العَهْدَ، وهؤلاء هم عالَمُ الذَّرِّ، وهذا هو الحَقُّ الذي لا ينبغي العدولُ عنه ولا المصيرُ إلى غيرِه؛ لثُبوتِه مرفوعًا إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وموقوفًا على غيرِه من الصَّحابةِ، ولا مُلْجئَ للمصيرِ إلى المجازِ) [1494] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/ 299). .
وقال الشِّنقيطيُّ: (اختَلَف العُلَماءُ في معنى هذا الأخْذِ -أخذِ الذُّرِّيَّةِ- من ظهورِ بني آدَمَ على قَولَينِ؛ فذَهَبت جماعةٌ مِن المفَسِّرين إلى أنَّ معنى أخْذِهم من ظهورِ بني آدَمَ هو وجودُهم قرنًا بعد قَرنٍ، وجيلًا بعد جيلٍ، على طريقِ التناسُلِ... القَولُ الثَّاني: وعليه أكثَرُ المتقَدِّمين من السَّلَفِ، وهو الذي يدُلُّ له بعضُ الأحاديثِ الصَّحيحةِ، والقرآنُ قد يُرشِدُ إليه: أنَّه هو الأخذُ يومَ الميثاقِ المعروفِ؛ أنَّ اللهَ تبارك وتعالى أخَذَ مِن ظَهرِ آدَمَ ومِن ظهورِ ذُرِّياتِه كُلَّ نَسَمةٍ سَبَق في عِلْمِه أنَّها مخلوقةٌ إلى يومِ القيامةِ، فأخَذَهم بيَدِه جَلَّ وعلا، بعضُهم للجَنَّةِ وبعضُهم للنَّارِ، وجَعَل فيهم إدراكًا، وقال لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: 172] فقالوا: بلى. إلَّا أنَّ هذا العهدَ لا يُولَدُ أحدٌ إلَّا وهو ناسٍ له، واللهُ جَلَّ وعلا أرسَلَ الرُّسُلَ يُذكِّرونَ بهذا العهدِ، وما ثبت عن الرُّسُلِ هو وما حضره الإنسانُ في التَّحقيقِ واحِدٌ؛ لأنَّ ما قاله رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحن نجزِمُ بوقوعِه أشَدَّ ممَّا نجزِمُ بما شاهَدْناه ولاحَظْناه وتذَكَّرْناه. وهذا القَولُ قال به كثيرٌ مِن السَّلَفِ، ودلَّت عليه أحاديثُ كثيرةٌ؛ مِن أصَحِّها وأدَلِّها عليه ما ثبت... أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يَقولُ اللهُ لأَهْوَنِ أهلِ النَّارِ عذابًا يومَ القيامةِ: أرأيتَ لو كان عندك كُلُّ شَيءٍ، أكنتَ مُفتَدِيًا به؟ فيَقولُ: نعم. فيَقولُ الله: أردتُ منك أهونَ من ذلك، أخذتُ عليك في ظَهرِ آدَمَ ألَّا تُشرِكَ بي، فأبيتَ إلَّا أن تُشرِكَ بي )) [1495] أخرجه البخاري (6557)، ومسلم (2805) باختلاف يسير من حديث أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ولفظ البخاري: ((يقولُ اللهُ تعالى لأهونِ أهلِ النَّارِ عذابًا يومَ القيامةِ: لو أنَّ لك ما في الأرضِ من شيءٍ أكنتَ تفتدي به؟ فيقولُ: نعم. فيقولُ: أردتُ منك أهونَ من هذا وأنت في صُلبِ آدَمَ؛ ألَّا تُشرِكَ بي شيئًا، فأبيتَ إلَّا أن تُشرِكَ بي )). فهذا الحديثُ... قد ذكر فيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ عَدَمَ الإشراكِ أُخِذَ عليهم وهم في ظَهرِ آدَمَ، فدَلَّ ذلك على أنَّ قَولَه: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: 172] أنَّه استخراجُ اللهِ لهم، وإشهادُه عليهم، ثمَّ رَدَّهم في ظَهرِ أبيهم آدَمَ) [1496] يُنظر: ((العذب النمير)) (4/ 309 - 312). .
الدَّليلُ مِن السُّنَّةِ:
1- حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما مرفوعًا: ((يأخُذُ اللهُ عزَّ وجلَّ سمواتِه وأرَضِيَه بيدَيْهِ، فيَقولُ: أنا اللهُ -ويقبِضُ أصابِعَه ويبسُطُها- أنا المَلِكُ )) [1497] أخرجه مسلم (2788). .
قال ابنُ هُبَيرةَ: (هذا الحديثُ يوافِقُ قَولَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67] إلَّا أنَّه قد تقَدَّم في مُسنَدِ ابنِ مَسعودٍ القَولَ في هذا الكلامِ يتناوَلُ جميعَ أحاديثِ الصِّفاتِ، وبَيَّنَّا أنَّ الإجماعَ انعقد على جوازِ روايةِ هذه الأحاديثِ وإمرارِها كما جاءت، مع الإيمانِ بأنَّ اللهَ تعالى ليس كمِثْلِه شَيءٌ وهو السَّميعُ البصيرُ، وأنَّه أحَدٌ صَمَدٌ، لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكُنْ له كُفُوًا أحَدٌ، وينبغي لكُلِّ مؤمنٍ أن يكونَ مُثبِتًا لله سُبحانَه من الصِّفاتِ ما أثبَتَه له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونافيًا عنه من مُشابهةِ الأجسامِ ما نفاه القرآنُ والسُّنَّةُ. والقاعِدةُ في هذا الحديثِ أنَّ السَّمواتِ والأرضَ في يَدِ اللهِ سُبحانَه وفي قَبضتِه لا يفوتُه منها شَيءٌ، ولا يخفى عن عِلْمِه منها شيءٌ، ولا يَعزُبُ عن قُدرتِه منها قليلٌ ولا كثيرٌ) [1498] يُنظر: ((الإفصاح عن معاني الصحاح)) (4/ 71). .
 2- حديثُ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((وما تَصدَّقَ أحَدٌ بصدقةٍ مِن طيِّبٍ -ولا يقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ- إلَّا أخَذَها الرَّحمنُ بيمينِه ... )) [1499] أخرجه مسلم (1014). .
قال ابنُ فارسٍ: (الهمزةُ والخاءُ والذَّالُ: أصلٌ واحدٌ، تتفرَّعُ منه فروعٌ متقاربةٌ في المعنى، أمَّا «أخْذ» فالأصلُ حَوْزُ الشَّيءِ وجَبْيُه وجَمْعُه، تقولُ: أخَذْتُ الشَّيءَ آخُذُه أَخْذًا، قال الخليلُ: هو خِلافُ العطاءِ، وهو التَّناولُ) [1500] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) (1/68). .
فالأَخْذُ إمَّا أن يكونَ خِلافَ العطاءِ، وهو ما كان باليدِ كالعطاءِ، وإمَّا أخْذَ قهرٍ؛ كقولِه تعالى: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى [النازعات: 25]، وقولِه تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى [هود: 102] ، ومنه: أَخْذُ الأرواحِ، وأَخْذُ العهودِ والمواثيقِ، وانظُرْ: (مُفرَداتِ الرَّاغبِ) [1501] (ص: 67). ، وهذا المعنى ظاهرٌ، والمعنيُّ هنا المعنَى الأوَّلُ، وكلاهما صفةٌ للهِ تعالى.
قال ابنُ القيِّمِ: (ورَد لفظُ اليدِ في القُرآنِ والسُّنَّةِ وكلامِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ في أكثرَ مِن مِئةِ موضعٍ وُرودًا متنوِّعًا متصرَّفًا فيه، مقرونًا بما يدُلُّ على أنَّها يدٌ حقيقةً؛ مِن الإمساكِ، والطَّيِّ، والقَبْضِ، والبَسْطِ... وأَخْذِ الصَّدقةِ بيمينِه... وأنَّه يَطوي السَّمواتِ يومَ القيامةِ، ثمَّ يأخُذُهنَّ بيدِه اليُمْنى ...) [1502] يُنظر: ((مختصر الصواعق المرسلة)) لابن الموصلي (ص: 528). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (مِن صِفات اللهِ تعالى: المَجيءُ، والإتيانُ، والأَخْذُ، والإمساكُ، والبَطْشُ، إلى غيرِ ذلك مِن الصِّفاتِ... فنَصِفُ اللهَ تعالى بهذه الصِّفاتِ على الوَجهِ الواردِ) [1503] يُنظر: ((القواعد المثلى)) (ص: 21). .
وقال عبد العزيز السلمان في شرحِ حديثِ: ((... اللَّهمَّ أعُوذُ بكَ مِن شرِّ نَفْسي، ومِن شرِّ كُلِّ دابَّةٍ أنتَ آخِذٌ بناصيتِها، أنتَ الأوَّلُ فليس قبْلَك شيءٌ... )) [1504] أخرجه مسلم (2713) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ((.. أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء)) : (ممَّا يُستفادُ مِن الحديثِ: «صفةُ الأَخْذِ») [1505] يُنظر: ((الكواشف الجلية)) (ص: 338). .

انظر أيضا: