الموسوعة العقدية

المبحثُ الأوَّلُ: الأدِلَّةُ من القُرآنِ الكَريمِ على ذَمِّ التفَرُّقِ والتحذيرِ منه

من المُلاحَظِ أنَّ الآياتِ الَّتي جاءَت في ذَمِّ الفُرقةِ أكثَرُ عَدَدًا من الآياتِ الَّتي جاءَت في الحَثِّ على الجَماعةِ؛ فالجَماعةُ هيَ الأصلُ، ومُلازَمَتُها هو الواجِبُ، أمَّا مُفارَقةُ الجَماعةِ فأمرٌ طارِئٌ وحادِثٌ، وهو مَعَ ذلك أمرٌ خَطيرٌ وشَنيعٌ، فوَرَدَت آياتٌ كَثيرةٌ تُحذِّرُ منه، وتَتَوَعَّدُ فاعِلَه. ومن ذلك:
1- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: 105-107] .
قال ابنُ جَريرٍ: (يَعني بذلك جَلَّ ثَناؤُه: ولا تَكونوا يا مَعشرَ الَّذينَ آمنوا كالَّذينَ تَفَرَّقوا من أهلِ الكِتابِ، واختَلَفوا في دينِ اللهِ وأمرِه ونَهيِه، من بَعدِ ما جاءَهمُ البيِّناتُ، من حُجَجِ اللَّهِ، فيما اختَلَفوا فيه، وعَلِموا الحَقَّ فيه، فتَعمَّدوا خِلافَهُ، وخالَفوا أمرَ اللَّهِ، ونَقَضوا عَهدَهُ وميثاقَهُ، جَراءةً على اللهِ، وَأُولَئِكَ لَهم يَعني: ولِهؤلاء الَّذينَ تَفَرَّقوا واختَلَفوا من أهلِ الكِتابِ، من بَعدِ ما جاءَهم عَذَابٌ من عِندِ اللهِ عَظِيمٌ، يَقولُ جَلَّ ثَناؤُه: فلا تَفرَّقوا يا مَعْشَرَ المُؤمنينَ في دينِكُم تَفَرُّقَ هؤلاء في دينِهم، ولا تَفعَلوا فِعْلَهم، وتَستَنُّوا في دينِكُم بسُنَّتِهم؛ فيَكونَ لكم من عَذابِ اللهِ العَظيمِ مِثلُ الَّذي لَهم) [937] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/662). .
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (كُلُّ من أحدَثَ في الدِّينِ ما لا يَرضاهُ اللَّهُ ولم يَأذَنْ به اللَّهُ فهو من المَطرودينَ عنِ الحَوضِ المُبعَدين عنه -واللَّهُ أعلمُ- وأشدُّهم طَردًا من خالَفَ جَماعةَ المُسلِمينَ وفارقَ سَبيلَهم، مِثلُ الخَوارِجِ على اختِلافِ فِرَقِها والرَّوافِضِ على تَبايُنِ ضَلالِها والمُعتَزِلةِ على أصنافِ أهوائِها؛ فهؤلاء كُلُّهم يُبدِّلونَ، وكَذلك الظَّلَمةُ المُسْرِفونَ في الجَورِ والظُّلمِ وتَطميسِ الحَقِّ وقَتلِ أهلِه وإذلالِهم، والمُعلِنونَ بالكَبائِرِ المُستَخِفُّونَ بالمَعاصي، وجَميعُ أهلِ الزَّيغِ والأهواءِ والبِدَعِ؛ كُلُّ هؤلاء يُخافُ عليهم أن يَكونوا عُنُوا بهذا الخَبَرِ ولا يُخلَّدُ في النَّارِ إلَّا كافِرٌ جاحِدٌ ليسَ في قَلبِه مِثقالُ حَبَّةِ خَردَلٍ من إيمانٍ، وقد قال ابنُ القاسِمِ رَحِمَه اللَّهُ: قد يَكونُ من غيرِ أهلِ الأهواءِ من هو شَرٌّ من أهلِ الأهواءِ، وكان يُقالُ: تَمامُ الإخلاصِ تَجَنُّبُ المَعاصي) [938] يُنظر: ((التمهيد)) (20/262). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (يَنهى هذه الأمَّةَ أن تَكونَ كالأمُمِ الماضين في تَفَرُّقِهم واختِلافِهم وتَركِهمُ الأمرَ بالمَعروفِ والنَّهيَ عنِ المُنكَرِ مَعَ قيامِ الحُجَّةِ عليهم) [939] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/91). .
وقال الشَّاطبيُّ في قَولِ اللهِ تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ: (قال ابنُ وَهبٍ: سَمِعتُ مالِكًا رَضيَ اللهُ عنه يَقولُ: ما آيةٌ من كِتابِ الله أشَدُّ على أهلِ الاختِلافِ من أهلِ الأهواءِ من هذه الآيةِ: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ إلى قَولِه: بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. قال مالِكٌ: فأيُّ كلامٍ أبينُ من هذا؟ فرَأيتُه يَتَأوَّلُها لأهلِ الأهواءِ. ورَواهُ ابنُ القاسِمِ وزادَ: قال لي مالِكٌ: إنَّما هذه الآيةُ لأهلِ القِبلةِ) [940] يُنظر: ((الاعتصام)) (1/79). .
2- قال اللهُ سُبحانَه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] .
وعن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه قال: ((خَطَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَطًّا بيَدِهُ، ثُمَّ قال: هذا سَبيلُ اللهِ مُستَقيمًا، قال: ثُمَّ خَطَّ عن يَمينِه وشِمالِه، ثُمَّ قال: هذه السُّبُلُ ليسَ منها سَبيلٌ إلَّا عليه شيطانٌ يَدعو إليه، ثُمَّ قَرَأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام: 153] )) [941] أخرجه أحمد (4437) واللَّفظُ له، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11175)، وابن حبان (7). صحَّحه ابن حبان، وابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (4/281)، والألباني في ((شرح الطحاوية)) (525)، وحسنه الوادعي في ((الصَّحيح المسند)) (848)، وصحَّح إسنادَه الحاكم في ((المستدرك)) (3241)، والقرطبي في ((التفسير)) (9/116)، وأحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (6/199)، وحسنه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (4437). .
قال ابنُ جَريرٍ: (يَقولُ تعالى ذِكرُه: وهذا الَّذي وصَّاكَم به رَبُّكُم أيُّها النَّاسُ في هاتين الآيَتين من قَولِه: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَليْكُمْ [الأنعام: 151] ، وأمرَكُم بالوَفاءِ به؛ هو صِراطُه، يَعني: طَريقَه ودينَه الَّذي ارتَضاهُ لعِبادِه، ((مُستَقيمًا)) يَعني: قَويمًا لا اعوِجاجَ به عنِ الحَقِّ، ((فاتَّبِعوهُ)) يَقولُ: فاعمَلوا به، واجعَلوهُ لأنفُسِكُم منهاجًا تَسلكونَهُ، فاتَّبِعوهُ ((ولا تَتَّبِعوا السُّبُلَ)) يَقولُ: ولا تَسلُكوا طَريقًا سِواهُ، ولا تَركبوا منهاجًا غيرَهُ، ولا تَبغُوا دِينًا خِلافَهُ من اليَهوديَّةِ والنَّصرانيَّةِ والمَجُوسيَّةِ، وعِبادةِ الأوثانِ، وغيرِ ذلك من المِلَلِ؛ فإنَّها بِدَعٌ وضَلالاتٌ، ((فتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)) يَقولُ: فيَشَّتَّتَ بكَم -إنِ اتَّبَعتُمْ السُّبُلَ المُحْدَثةَ الَّتي ليسَت للهِ بسُبُلٍ ولا طُرُقٍ ولا أديانٍ- اتِّباعُكم عن سَبيلِه، يَعني: عن طَريقِه ودينِه الَّذي شَرعَهُ لكم وارتَضاهُ، وهو الإسلامُ الَّذي وصَّى به الأنبياءَ وأمرَ به الأمَمَ قَبلكم) [942] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/669). .
وقال القُرطُبيُّ: (الصِّراطُ: الطَّريقُ الَّذي هو دينُ الإسلامِ. ((مُستَقيمًا)) نُصِبَ على الحالِ، ومَعناهُ: مُستَويًا قَويمًا لا اعوِجاجَ فيه. فأمرَ باتِّباعِ طَريقِه الَّذي طَرَقَهُ على لسانِ نَبيِّه مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وشَرَعَه، ونِهايَتُه الجَنَّةُ. وتَشَعَّبتْ منه طُرُقٌ، فمَن سَلكَ الجادَّةَ نَجا، ومن خَرجَ إلى تِلكَ الطُّرُقِ أفَضَت به إلى النَّارِ) [943] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (7/137). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (قال عَلِي بنُ أبي طَلحةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ في قَولِه: فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، وفي قَولِه: أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13]، ونَحوِ هذا في القُرآنِ، قال: أمرَ اللَّهُ المُؤمنينَ بالجَماعةِ، ونَهاهم عن الاختِلافِ والفُرقةِ، وأخبَرَهم أنَّه إنَّما هلَكَ من كان قَبلَهم بالمِراءِ والخُصوماتِ في دينِ اللَّهِ، ونَحوِ هذا قاله مُجاهِدٌ وغيرُ واحِدٍ) [944] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/365). .
3- قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام: 159] .
وفيها قِراءَتانِ:
- فارَقوا: أي: تَركوا دينَهم.
- فرَّقوا من التَّفريقِ [945] يُنظر: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/396)، ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/266). .
قال ابنُ جَريرٍ: (الصَّوابُ من القَولِ في ذلك أن يُقالَ: إنَّهما قِراءَتانِ مَعروفَتانِ، قد قَرَأتْ بكُلِّ واحِدةٍ منهما أئِمةٌ من القُرَّاءِ، وهما مُتَّفِقَتا المَعنى غيرُ مُختَلِفَتيه، وذلك أنَّ كُلَّ ضالٍّ فلِدينِه مُفارِقٌ، وقد فرَّقَ الأحزابُ دينَ اللهِ الَّذي ارتَضاه لعِبادِه؛ فتَهوَّدَ بَعضٌ، وتَنصَّر آخَرونَ، وتَمجَّسَ بَعضٌ، وذلك هو التفريقُ بعَينِه ومَصيرُ أهلِه شِيَعًا مُتَفَرِّقينَ غيرُ مُجتَمِعين، فهم لدِينِ اللَّهِ الحَقِّ مُفارِقونَ ولَهُ مُفَرِّقونَ) [946] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/31). .
وقال أيضًا: (من فارَقَ دينَه الَّذي بُعِثَ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، من مُشرِكٍ ووَثَنيٍّ ويَهوديٍّ ونَصرانيٍّ ومُتَحَنِّفٍ مُبتَدِعٍ، قدِ ابتَدَعَ في الدِّينِ ما ضَلَّ به عنِ الصِّراطِ المُستَقيمِ والدِّين القيِّمِ، مِلَّةِ إبراهيمَ المُسلِمِ؛ فهو بَريءٌ من مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومُحَمَّدٌ منه بَريءٌ، وهو داخِلٌ في عُمومِ قَولِه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شيْءٍ... وأمَّا قولُه: إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ فإنَّه يقولُ: أنا الَّذي إليَّ أمرُ هؤلاء المُشرِكينَ الَّذينَ فارَقوا دينَهم وكانوا شيعًا، والمُبتَدِعةُ من أمَّتِكَ الَّذينَ ضَلُّوا عن سَبيلِكَ دونَكَ، ودونَ كُلِّ أحَدٍ إمَّا بالعُقوبةِ إن أقاموا على ضَلالَتِهم وفَراقِهم دينَهم، فأُهلِكُهم بها، وإمَّا بالعَفْوِ عنهم بالتَّوبةِ عليهم والتفَضُّلِ مني عليهم) [947] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/34-36). .
وقال البَغَويُّ: (قَولُه عزَّ وجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ قَرَأ حَمزةُ والكِسائيُّ: (فارَقوا) بالألفِ هُنا وفي سورةِ الرُّومِ، أي: خَرجوا من دينهم وتَركوه، وقَرَأ الآخَرونَ: «فرَّقوا» مُشَدَّدًا، أي: جَعلوا دينَ اللهِ وهو واحِدٌ، دينُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ الحَنيفيَّةُ، أديانًا مُختَلِفةً؛ فتَهوَّدَ قَومٌ، وتَنصَّرَ قَومٌ، يَدُلُّ عليه قَولُه عَزَّ وجَلَّ: وَكَانُوا شِيَعًا أي: صاروا فِرَقًا مُختَلِفةً، وهمُ اليَهودُ والنَّصارَى في قَولِ مُجاهِدٍ وقَتادةَ والسُّديِّ، وقيلَ: هم أصحابُ البِدَعِ والشُّبُهاتِ من هذه الأمَّةِ) [948] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/175). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (الظَّاهِرُ أنَّ الآيةَ عامَّةٌ في كُلِّ من فارَقَ دينَ اللهِ وكان مُخالِفًا لَهُ، فإنَّ اللهَ بَعثَ رَسولَه بالهدَى ودينِ الحَقِّ ليُظهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّه، وشَرعُه واحِدٌ لا اختِلافَ فيه ولا افتِراقَ، فمَنِ اختَلَفَ فيه، وَكَانُوا شِيَعًا أي: فِرَقًا كأهلِ المِلَلِ والنِّحَلِ وهيَ الأهواءُ والضَّلالاتُ، فاللَّهُ قد بَرَّأ رَسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِمَّا هم فيه، وهذه الآيةُ كقَولِه تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13] الآيةَ، وفي الحَديثِ: ((نَحنُ -مَعاشِرَ الأنبياءِ- أولادُ عَلَّاتٍ؛ دِينُنا واحِدٌ )) [949] أخرجه البخاري (3443)، ومسلم (2365) ولفظ البخاري: عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((.. والأنبياءُ إخوةٌ لعَلَّاتٍ، أمَّهاتهم شتَّى ودينُهم واحد)). ، فهذا هو الصِّراطُ المُستَقيمُ، وهو ما جاءَت به الرُّسُلُ من عِبادةِ اللهِ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، والتمَسُّكِ بشَريعةِ الرَّسولِ المُتَأخِّرِ، وما خالَفَ ذلك فضلالاتٌ وجَهالاتٌ وآراءٌ وأهواءٌ، والرُّسُلُ بَراءٌ منها، كما قال اللَّهُ تعالى: لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) [950] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/377). .
وقال السَّعديُّ: (يَتَوَعَّدُ تعالى الَّذينَ فرَّقوا دينَهم، أي: شَتَّتوه وتَفَرَّقوا فيه، وكُلٌّ أخذَ لنَفسِه نَصيبًا من الأسماءِ الَّتي لا تُفيدُ الإنسانَ في دينه شيئًا، كاليهوديَّةِ والنَّصرانيَّةِ والمَجُوسيَّةِ، أو لا يَكمُلُ بها إيمانُه، بأن يَأخُذَ من الشَّريعةِ شيئًا ويَجعَلَه دينَهُ، ويَدَعَ مِثلَه أو ما هو أولَى منه، كما هو حالُ أهلِ الفُرقةِ من أهلِ البِدَعِ والضَّلالِ والمُفَرِّقينَ للأمَّةِ.
ودلَّتِ الآيةُ الكَريمةُ أنَّ الدِّين يَأمُرُ بالاجتِماعِ والائتِلافِ، ويَنهى عنِ التفَرُّقِ والاختِلافِ في أهلِ الدِّينِ، وفي سائِرِ مَسائِلِه الأصوليَّةِ والفُروعيَّةِ) [951] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 282). .
4- قال اللهُ تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: 118-119] .  
عن قَتادةَ قال: (أهلُ رَحمةِ اللهِ أهلُ جَماعةٍ وإن تَفَرَّقَت دُورُهم وأبدانُهم، وأهلُ مَعصيَتِه أهلُ فُرقةٍ وإنِ اجتَمَعَت دُورُهم وأبدانُهم) [952] رواه ابن جرير في تفسيره (12/635). .
وقال ابنُ جَريرٍ: (أولَى الأقوالِ في تَأويلِ ذلك بالصَّوابِ قَولُ من قال: مَعنى ذلك: ولا يَزالُ النَّاسُ مُختَلِفين في أديانِهم وأهوائِهم على أديانٍ ومِلَلٍ وأهواءٍ شَتَّى، إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فآمن باللهِ، وصَدَّقَ رُسُلَه، فإنَّهم لا يَختَلِفونَ في تَوحيدِ اللَّهِ، وتَصديقِ رُسُلِه، وما جاءَهم من عِندِ اللَّهِ) [953] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/637). .
وقال أيضًا في قَولِ اللهِ تعالى: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ: (أولَى القَولينِ في ذلك بالصَّوابِ قَولُ من قال: ولِلِاختِلافِ بالشَّقاءِ والسَّعادةِ خَلَقَهم؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ ذِكرُه ذَكَرَ صِنفَينِ مِن خَلقِه: أحَدُهما أهلُ اختِلافٍ وباطِلٍ، والآخَرُ أهلُ حَقٍّ، ثُمَّ عَقَّبَ ذلك بقَولِه: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، فعَمَّ بقَولِه: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ صِفةَ الصِّنفين، فأخبَرَ عن كُلِّ فريقٍ منهما أنَّه ميَسَّرٌ لِما خُلِقَ له) [954] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/640). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أي: ولا يَزالُ الخُلفُ بينَ النَّاسِ في أديانِهم واعتِقاداتِ مِلَلِهم ونِحَلِهم ومَذاهِبِهم وآرائِهم، قال عِكرِمةُ: مُختَلِفينَ في الهُدَى، قال الحَسَنُ البَصَريُّ: مُختَلِفينَ في الرِّزقِ يُسَخِّرُ بَعضُهم بَعضًا، والمَشهورُ الصَّحيحُ الأوَّلُ. وقَولُه: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أي: إلَّا المَرحومين من أتباعِ الرُّسُلِ الَّذينَ تَمَسَّكوا بما أُمِروا به من الدِّين الَّذي أخبَرَتْهم به رُسُلُ اللهِ إليهم، ولم يَزَلْ ذلك دَأبَهم حَتَّى كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأمِّيُّ خاتَمُ الرُّسُلِ والأنبياءِ، فاتَّبَعوهُ وصَدَّقوهُ ونَصَروهُ ووازَروهُ، ففازوا بسَعادةِ الدُّنيا والآخِرةِ؛ لأنَّهمُ الفِرْقةُ النَّاجيةُ...
وقَولُه: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ قال الحَسَنُ البَصَريُّ -في رِوايةٍ عنه-: ولِلِاختِلافِ خَلقَهم.
وقال عَلِيُّ بنُ أبي طَلحةَ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: خَلقَهم فريقينِ، كقَولِه: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود: 105] .
وقيلَ: للرَّحمةِ خَلقَهم. قال ابنُ وَهبٍ: أخبَرَني مُسلِمُ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ عن طاوُسٍ أنَّ رَجُلين اختَصَما إليه فأكثَرا، فقال طاوُسٌ: اختَلَفتُما فأكثَرْتما! فقال أحَدُ الرَّجُلينِ: لذلك خَلَقَنا. فقال طاوُسٌ: كذَبْتَ. فقال: أليسَ اللَّهُ يَقولُ: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلك خَلَقَهُمْ؟ قال: لم يَخلُقْهم ليَختَلِفوا، ولَكِن خَلقَهم للجَماعةِ والرَّحمةِ. كما قال الحَكمُ بن أبانٍ، عن عِكرَمةَ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قال: للرَّحمةِ خَلقَهم ولم يَخلُقْهم للعَذابِ. وكَذا قال مُجاهِدٌ والضَّحاكُ وقَتادةُ. ويَرجِعُ مَعنى هذا القَولِ إلى قَولِه تعالى: وَمَا خُلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
وقيلَ: بَلِ المُرادُ: ولِلرَّحمةِ والاختِلافِ خَلقَهم، كما قال الحَسَنُ البَصَريُّ في رِوايةٍ عنه في قَولِه: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلك خَلَقَهُمْ قال: النَّاسُ مُختَلِفونَ على أديانٍ شَتَّى، إلَّا مَنْ رَحِمِ ربُّكَ فمن رَحِمَ ربُّكَ غيرُ مُختَلِفٍ. قيلَ لَه: فلِذلك خَلقَهم؟ قال: خَلقَ هؤلاء لجَنَّتِه، وخَلقَ هؤلاء لنارِه، وخَلقَ هؤلاء لرَحمَتِه، وخَلقَ هؤلاء لعَذابِه.
وكَذا قال عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ، والأعمَشُ.
وقال ابنُ وَهبٍ: سَألْتُ مالِكًا عن قَولِه تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ قال: فريقٌ في الجَنَّةِ وفَريقٌ في السَّعيرِ.
وقدِ اختارَ هذا القَولَ ابنُ جَريرٍ، وأبو عُبيدةَ والفَرَّاءُ.
وعن مالِكٍ فيما رُوِّيناهُ عنه في التفسيرِ: وَلِذلك خَلَقَهُمْ قال: للرَّحمةِ، وقال قَومٌ: للِاختِلافِ) [955] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/361-363). .
وقال السَّعديُّ: (يُخبِرُ تعالى أنَّه لَو شاءَ لجَعلَ النَّاسَ أمَّةً واحِدةً على الدِّينِ الإسلاميِّ، فإنَّ مَشيئَتَهُ غيرُ قاصِرةٍ، ولا يَمتَنِعُ عليه شيءٌ، ولَكِنَّهُ اقتَضت حِكمَتُه أنْ لا يَزالوا مُختَلِفين، مُخالِفينَ للصِّراطِ المُستَقيمِ، مُتَّبِعينَ للسُّبُلِ الموصِلةِ إلى النَّارِ، كُلٌّ يَرَى الحَقَّ فيما قاله، والضَّلالَ في قَولِ غَيرِه. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فهداهم إلى العِلمِ بالحَقِّ والعَمَلِ به، والاتِّفاقِ عليه، فهؤلاء سَبَقَت لَهم سابِقةُ السَّعادةِ، وتَدارَكَتْهمُ العِنايةُ الرَّبانيَّةُ، والتوفيقُ الإلهيُّ، وأمَّا من عَداهم فهم مَخذولون موكولون إلى أنفُسِهم. وقَولُه: وَلِذلك خَلَقَهُمْ أي: اقتَضت حِكمتُه أنَّه خَلقَهم ليَكونَ منهمُ السُّعداءُ والأشقياءُ، والمُتَّفِقونَ والمُختَلِفونَ، والفَريقُ الَّذي هدَى اللَّهُ، والفَريقُ الَّذي حَقَّت عليهمُ الضَّلالةُ؛ ليَتَبيَّنَ للعِبادِ عَدْلُه وحِكْمتُه، وليَظهرَ ما كمَن في الطِّباعِ البَشَريَّةِ من الخيرِ والشَّرِّ، ولتَقومَ سوقُ الجِهادِ والعِباداتِ الَّتي لا تَتِمُّ ولا تَستَقيمُ إلَّا بالامتِحانِ والابتِلاءِ) [956] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 392). .
5- قال اللهُ سُبحانَه: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَليْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِليْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَديْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: 30-32] .
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا يَقولُ: ولا تَكونوا من المُشرِكينَ الَّذينَ بَدَّلوا دينَهم، وخالَفوهُ ففارَقوهُ، وَكَانُوا شِيَعًا يَقولُ: وكانوا أحزابًا فِرَقًا كاليَهودِ والنَّصارَى) [957] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/498). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (أهلُ الأديانِ قَبلَنا اختَلَفوا فيما بينَهم على آراءٍ ومِلَلٍ باطِلةٍ، وكُلُّ فرقةٍ منهم تَزعُمُ أنَّهم على شيءٍ، وهذه الأمَّةُ أيضًا اختَلَفوا فيما بينَهم على نِحَلٍ كُلُّها ضَلالةٌ إلَّا واحِدةً، وهم أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ، المُتَمَسِّكونَ بكِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وبِما كان عليه الصَّدرُ الأوَّلُ من الصَّحابةِ والتابِعين وأئِمةِ المُسلِمينَ في قديمِ الدَّهرِ وحَديثِه) [958] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/316). .
وقال السَّعديُّ: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ مَعَ أنَّ الدِّينَ واحِدٌ، وهو إخلاصُ العِبادةِ للهِ وحدَهُ، وهؤلاء المُشرِكونَ فرَّقوهُ، منهم مَن يَعبُدُ الأوثانَ والأصنامَ، ومنهم مَن يَعبُدُ الشَّمسَ والقَمَرَ، ومنهم مَن يَعبُدُ الأولياءَ والصَّالِحينَ، ومنهم يَهودُ، ومنهم نَصارَى؛ ولِهذا قال: وَكَانُوا شِيَعًا أي: كُلُّ فرقةٍ من فِرَقِ الشِّركِ تَألَّفَت وتَعَصَّبتْ على نَصرِ ما مَعَها من الباطِلِ، ومُنابَذةِ غيرِهم ومُحارَبَتِهم، كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ من العُلومِ المُخالِفةِ لعُلومِ الرُّسُلِ، فَرِحُونَ به، يَحكُمونَ لأنفُسِهم بأنَّه الحَقُّ، وأنَّ غيرَهم على باطِلٍ.
وفي هذا تَحذيرٌ للمُسلِمينَ من تَشَتُّتِهم وتَفَرُّقِهم فِرَقًا، كُلُّ فريقٍ يَتَعَصَّبُ لما مَعَهُ من حَقٍّ وباطِلٍ، فيَكونونَ مُشابِهين بذلك للمُشرِكينَ في التفَرُّقِ، بَلِ الدِّينُ واحِدٌ، والرَّسولُ واحِدٌ، والإلهُ واحِدٌ.
وأكثَرُ الأمورِ الدِّينيَّةِ وقَعَ فيها الإجماعُ بينَ العُلماءِ والأئِمَّةِ، والأُخوَّةُ الإيمانيَّةُ قد عَقدَها اللَّهُ ورَبطَها أتَمَّ رَبطٍ، فما بالُ ذلك كُلِّه يُلغَى ويُبنى التفَرُّقُ والشِّقاقُ بينَ المُسلِمينَ على مَسائِلَ خَفيَّةٍ، أو فُروعٍ خِلافيَّةٍ، يُضَلِّلُ بها بَعضُهم بَعضًا، ويَتَميَّزُ بها بَعضُهم على بَعضٍ؟! فهل هذا إلَّا من أكبَرِ نَزَغاتِ الشَّيطانِ، وأعظَمِ مَقاصِدِه الَّتي كادَ بها المُسلِمين؟ وهلِ السَّعيُ في جَمعِ كلِمَتِهم، وإزالةِ ما بينَهم من الشِّقاقِ المَبنيِّ على ذلك الأصلِ الباطِلِ إلَّا من أفضَلِ الجِهادِ في سَبيلِ اللَّهِ، وأفضَلِ الأعمالِ المُقَرِّبةِ إلى اللَّهِ؟) [959] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 641). .
6- قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحيْنَا إِليْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13].
قال ابنُ جَريرٍ: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أنِ اعمَلوا به على ما شَرعَ لكم وفَرضَ... وقَولُه: وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ يَقولُ: ولا تَختَلِفوا في الدِّينِ الَّذي أُمِرْتُم بالقيامِ به، كما اختَلَفَ الأحزابُ من قَبلِكُم) [960] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/481). .
وقال البَغَويُّ: (بَعثَ اللَّهُ الأنبياءَ كُلَّهم بإقامةِ الدِّين والأُلفةِ والجَماعةِ، وتَركِ الفُرقةِ والمُخالَفةِ) [961] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/141). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (وصَّى اللَّهُ سُبحانَهُ وتعالى جَميعَ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ بالائتِلافِ والجَماعةِ، ونَهاهم عن الافتِراقِ والاختِلافِ) [962] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/195). .
وقال الشَّوكانيُّ: (لَمَّا أمرَهم سُبحانَهُ بإقامةِ الدِّين، نَهاهم عن الاختِلافِ فيه، فقال وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي: لا تَختَلِفوا في التوحيدِ والإيمانِ باللهِ وطاعةِ رُسُلِه وقَبولِ شَرائِعِه؛ فإنَّ هذه الأمورَ قد تَطابَقَت عليها الشَّرائِعُ، وتَوافَقَت فيها الأديانُ، فلا يَنبَغي الخِلافُ في مِثلِها، وليسَ من هذا فُروعُ المَسائِلِ الَّتي تَختَلِفُ فيها الأدِلَّةُ، وتَتَعارَضُ فيها الأماراتُ، وتَتَبايَنُ فيها الأفهامُ؛ فإنَّها من مَطارَحِ الاجتِهادِ، ومَواطِنِ الخِلافِ) [963] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/607). .
وقال السَّعديُّ: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أي: أمرَكَم أن تُقيموا جَميعَ شَرائِعِ الدِّينِ أصولِه وفُروعِه، تَقيمونَهُ بأنفُسِكُم، وتَجتَهِدونَ في إقامَتِه على غيرِكُم، وتَعاوَنونَ على البِرِّ والتقوَى، ولا تَعاوَنونَ على الإثمِ والعُدوانِ. وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي: ليَحصُلْ منكُم الاتِّفاقُ على أصولِ الدِّين وفُروعِه، واحرِصوا على ألَّا تُفَرِّقَكُمَ المَسائِلُ، وتُحَزِّبَكُم أحزابًا وتكونونَ شِيَعًا، يُعادي بَعضُكُم بَعضًا، مَعَ اتِّفاقِكُم على أصلِ دينِكُم) [964] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 754). .

انظر أيضا: