الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الثَّامن والثَّلاثون: الآثارُ الإيمانيَّةُ لاسْمِ اللهِ: الحَليمِ

فحِلْمُ اللهِ سُبحانَه عن عبادِه، بتركِه المعاجلةَ لهم بالعقوبةِ: مِن صفاتِ كَمالِه سُبحانَه وتعالى، وليس لعَجْزِه عنهم، وإنما هو إمهالٌ لهم مع القدرةِ؛ فإنَّ اللهَ لا يُعجِزُه شَيءٌ.
وحِلْمُه أيضًا ليس عن عَدَمِ عِلْمِه بما يعمَلُ عبادُه من أعمالٍ، بل هو العَليمُ الحليمُ الذي يعلَمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدورُ.
قال اللهُ سُبحانَه وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا [الأحزاب: 51] .
وحِلْمُه عن خَلْقِه ليس لحاجتِه إليهم؛ إذ هو سُبحانَه يحلُمُ عنهم ويَصفَحُ ويَغفِرُ مع استغنائِه عنهم؛ قال سُبحانَه اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة: 235] ، وقال: وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: 263] .
قال الحليمي في معنى (الحليم): (الذي لا يَحبِسُ أنعامَه وأفضالَه عن عبادِه لأجْلِ ذُنوبِهم، ولكِنْ يَرزُقُ العاصِيَ كما يرزُقُ المطيعَ، ويُبقيه وهو منهَمِكٌ في معاصيه، كما يُبقي البَرَّ التَّقِيَّ، وقد يقيه الآفاتِ والبلايا وهو غافِلٌ لا يَذكُرُه، فضلًا عن أن يدعوَه، كما يقيها الناسِكَ الذي يسألُه، وربما شغَلَتْه العبادةُ عن المسألةِ!) [3606] يُنظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) (1/200)، ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (1/ 143). .
وقال اللهُ تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف: 58] .
قال ابنُ جريرٍ: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ عُصاةَ بني آدَمَ بمعاصيهم مَا تَرَكَ عَلَيْهَا يعني: على الأرضِ مِنْ دَابَّةٍ تَدِبُّ عليها وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ يقولُ: ولكِنْ بحِلْمِه يؤخِّرُ هؤلاء الظَّلَمةَ، فلا يُعاجِلُهم بالعُقوبةِ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى يقولُ: إلى وَقتِهم الذي وَقَّت لهم، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ يقولُ: فإذا جاء الوقتُ الذي وقَّت لهلاكِهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ عن الهلاكِ سَاعَةً فيُمهَلونَ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ قَبْلَه حتى يستوفُوا آجالَهم) [3607] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/ 259). .
ويجوزُ إطلاقُ صِفةِ الِحلمِ على الخَلقِ؛ فقد وصف اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنبياءَه بذلك، فقال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: 9] ، وقال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ [هود: 75] ، وقال: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات: 59] .
والحِلمُ من الخِصالِ العظيمةِ التي يريدُ اللهُ من عبادِه أن يتَّصِفوا بها، وهي خَصلةٌ يحِبُّها اللهُ تعالى فيهم، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأشجِّ عبدِ القيسِ: ((إنَّ فيكَ خَصلتينِ يحبُّهُما اللَّهُ: الحِلمُ، والأَناةُ )) [3608] أخرجه مسلم (17) مُطَوَّلًا من حَديثِ عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ عنهما. .
قال القرطبيُّ: (من الواجِبِ على من عَرَف أنَّ رَبَّه حَليمٌ على من عصاه، أن يحلُمَ هو على من خالف أمْرَه؛ فذاك به أَولى حتى يكونَ حَليمًا فينالَ مِن هذا الوَصفِ بمقدارِ ما يكسِرُ سَورةَ غَضَبِه، ويرفَعُ الانتقامَ عمَّن أساء إليه، بل يتعوَّدُ الصَّفحَ حتى يعودَ الحِلمُ له سَجِيَّةً.
وكما تحِبُّ أن يحلُمَ عنك مالِكُك، فاحلُمْ أنت عمَّن تملِكُ؛ لأنَّك مُتعَبَّدٌ بالِحلمِ مثابٌ عليه؛ قال اللهُ تعالى: وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: 40]، وقال: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى: 43]) [3609] يُنظر: ((الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)) (1/97). .

انظر أيضا: