موسوعة التفسير

سورةُ النُّورِ
الآيات (58-60)

ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ

غريب الكلمات:


لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ: أي: الأطفالُ غيرُ البالغينَ، والحُلُمُ: الاحتِلامُ، وعبَّر عن البلوغِ بالاحتلامِ؛ لأنَّه أقوَى دلائلِه، وأصلُ (حلم): رُؤيةُ الشَّيءِ في المنامِ، وقيل: سُمِّي زمانُ البُلوغِ الحُلُمَ؛ لكونِ صاحبِه جديرًا بالحِلْمِ، وأصلُ (حلم) على ذلك: تَركُ العَجَلةِ [1403] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/358)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/93)، ((المفردات)) للراغب (ص: 253)، ((تفسير البيضاوي)) (4/113)، ((تفسير ابن جزي)) (2/74). .
عَوْرَاتٍ: العورةُ: كلُّ ما يُسْتَحْيا منه إذا ظهَر. قيل: أصلُ العورةِ: الخَلَلُ، ومنه: الأعور: المختلُّ العَيْنِ، فسُمِّيت هذه عوراتٌ؛ لاختلالِ تَسَتُّرِ الناسِ، وقلَّةِ تحفُّظِهم فيها. والعورَةُ: سوأةُ الإنسانِ، وأصلُها مِن العارِ؛ وذلك لِما يَلحَقُ في ظهورِها من العارِ، أي: المذَمَّةِ. وقيل: أصلُ (عور) هنا: يدُلُّ على مرضٍ في إحدى عينَي الإنسانِ وكلِّ ذي عينينِ، ومعناه الخلُوُّ مِن النَّظرِ، ثُمَّ يُحمَلُ عليه ويُشتَقُّ منه، ومنه العورَةُ، كأنَّها شيءٌ يَنْبغي مُراقَبَتُه؛ لخُلُوِّه [1404] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 307)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 169)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/184)، ((البسيط)) للواحدي (16/219)، ((المفردات)) للراغب (ص: 595)، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (3/319)، ((تفسير الرسعني)) (5/283). .
جُنَاحٌ: أي: إثمٌ؛ وأصلُ (جنح): مالَ وتَعدَّى، وسُمِّي الإثمُ بذلك؛ لِمَيلِه عن طريقِ الحقِّ [1405] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 66)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/484)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 98). .
طَوَّافُونَ: أي: ساعونَ في خِدمتِكم، والطَّوْفُ: المشيُ حوْلَ الشَّيءِ، وأصلُ (طوف): يدُلُّ على دَورانِ الشَّيءِ على الشَّيءِ [1406] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 307)، ((تفسير ابن جرير)) (17/357)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/432)، ((المفردات)) للراغب (ص: 531). .
وَالْقَوَاعِدُ: أي: العجائزُ اللَّواتي قعَدْنَ عن الحَيضِ والوَلَدِ والأزواجِ؛ مِن الكِبَرِ، جمعُ قاعدٍ، وأمَّا القاعدَةُ فهي الجالسةُ [1407] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 307)، ((تفسير ابن جرير)) (2/548)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/108)، ((المفردات)) للراغب (ص: 679)، ((تفسير السمعاني)) (3/548)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 260)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 246). .
مُتَبَرِّجَاتٍ: أي: مُظهِراتٍ مُحاسِنَهنَّ، وأصلُ (برج): يدُلُّ على البُروزِ والظُّهورِ [1408] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/364)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 446)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/238)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 313)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 881). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى مبيِّنًا بعضَ الأحكامِ والآدابِ التي شرَعها لعبادِه: يا أيُّها الذين آمَنوا، مُروا العَبيدَ والإماءَ الذين تَملِكونَهم، والأطفالَ الأحرارَ الذين لم يَبلُغوا مَبلَغَ الرِّجالِ؛ أن يَستأذِنوا عندَ الدُّخولِ عليكم في أوقاتٍ ثلاثةٍ: قَبْلَ صلاةِ الفَجرِ، ووقتَ الظُّهرِ حينَ خَلْعِ الثِّيابِ للقَيلولةِ، ومِن بعدِ صَلاةِ العِشاءِ؛ فهذه الأوقاتُ تكونُ العوراتُ فيها باديةً، فعَلِّموهم ألَّا يَدخُلوا عليكم إلَّا بعْدَ الاستِئذانِ، أمَّا فيما سِوى هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ فلا حرَجَ إذا دخَلوا بغيرِ استِئذانٍ؛ فهم خدَمُكم وأطفالُكم، يَطوفونَ عليكم لِقَضاءِ حوائِجِكم، وأنتم تتردَّدونَ عليهم؛ لاستِخدامِهم وغيرِ ذلك. مِثلَ ذلك البيانِ والتَّوضيحِ في أحكامِ الاستِئذانِ يُبَيِّنُ اللهُ لكم آياتِه وأحكامَه وشرائِعَ دينِه، واللهُ عليمٌ بما يُصلِحُ عبادَه، حكيمٌ فيما يَشرَعُه لهم مِن الأحكامِ.
 وإذا بلَغ الأطفالُ منكم مَبلغَ الرِّجالِ، فعليهم أن يَستأذِنوا في كلِّ الأوقاتِ كما استأذَنَ الرِّجالُ البالِغونَ، وكما بيَّنَ اللهُ آدابَ الاستئذانِ يُبيِّنُ اللهُ تعالى لكم آياتِه، واللهُ عليمٌ بخَلقِه، حكيمٌ فى تشريعِه.
والنِّساءُ العجائِزُ اللَّاتي قعَدْنَ عن الحَيضِ والوَلَدِ وطلبِ الزَّواجِ؛ لكِبَرِ سِنِّهنَّ- فلا إثمَ عليهنَّ في أن يضَعْنَ بعضَ ثيابِهنَّ الظَّاهرةِ، كالِخمارِ، غيرَ مُظهِراتٍ للزِّينةِ. ولُبْسُهنَّ هذه الثيابَ مُبالَغةً في التسَتُّرِ والتعفُّفِ أحسَنُ لهُنَّ، وأزكى عندَ الله وأطهَرُ، واللهُ سَميعٌ لأقوالِكم، عليمٌ بأعمالِكم.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى أوَّلًا حُكمَ البالِغينَ الأحرارِ في الاستِئذانِ في قَولِه: لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ... [النور: 27] ، بَيَّن تعالى هنا حُكمَ الأحرارِ غيرِ البالِغينَ، وحُكمَ العَبيدِ، فقال [1409] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 190). :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
أي: يا أيُّها الذين آمنوا، مُرُوا مماليكَكم مِن الذُّكورِ والإناثِ، والكِبارِ والصِّغارِ؛ أن يَستأذِنوكم إذا أرادوا الدُّخولَ عليكم [1410] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/352)، ((الوسيط)) للواحدي (3/328)، ((تفسير ابن كثير)) (6/81)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/292، 293). قال ابن كثير: (هذه الآياتُ الكريمةُ اشتملت على استئذانِ الأقارب بعضِهم على بعضٍ، وما تقدَّم في أوَّلِ السورةِ فهو استئذانُ الأجانبِ بَعضِهم على بعضٍ). ((تفسير ابن كثير)) (6/81). وممَّن قال بأنَّ الآيةَ عامَّةٌ في الأرِقَّاءِ الكِبارِ والصِّغارِ: يحيى بنُ سلام، وابن جرير، واستظهره الرازي. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/460)، ((تفسير ابن جرير)) (17/358)، ((تفسير الرازي)) (24/415). وممَّن اختار أنَّ المرادَ: الصِّغارُ منهم: الماتريديُّ، والقاضي أبو يعلى -كما نسبه إليه ابن الجوزي-، وعبد القاهر الجُرْجاني. يُنظر: ((تفسير الماتريدي)) (7/590)، ((درج الدرر)) لعبد القاهر الجرجاني (2/374)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/305). قال ابن القيم: (قالت طائفة: كان الأمرُ بالاستئذانِ في ذلك الوقتِ للحاجةِ ثمَّ زالت، والحُكمُ إذا ثبت بعلَّةٍ زال بزوالِها... وقالت طائفة: الآيةُ محكَمةٌ عامَّةٌ لا مُعارِضَ لها ولا دافِعَ، والعمَلُ بها واجب، وإنْ تركَه أكثَرُ الناس. والصَّحيحُ: أنَّه إن كان هناك ما يقومُ مقامَ الاستئذانِ؛ مِن فَتحِ بابٍ فَتحُه دليلٌ على الدُّخولِ، أو رَفعِ سِترٍ، أو تردُّدِ الداخِلِ والخارِجِ ونحوِه- أغنى ذلك عن الاستئذانِ، وإن لم يكُنْ ما يقوم مقامَه فلا بدَّ منه، والحُكمُ معَلَّلٌ بعلَّةٍ قد أشارت إليها الآيةُ، فإذا وُجِدت وُجِد الحكمُ، وإذا انتفتِ انتفى. والله أعلم). ((زاد المعاد)) (2/396، 397). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (12/303). .
وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
أي: ومُرُوا -أيُّها المُؤمِنونَ- صِبيانَكم الأحرارَ غيرَ البالغينَ أن يستأذِنوا إذا أرادوا الدُّخولَ عليكم في ثلاثةِ أوقاتٍ مِن ساعاتِ اللَّيلِ والنَّهارِ [1411] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/352)، ((تفسير البيضاوي)) (4/113)، ((تفسير ابن كثير)) (6/81)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/292، 293). قال السمعاني: (ليس هؤلاء هُمُ الذين لم يَظهَروا على عوراتِ النِّساءِ؛ فإنَّ الذين لم يظهَروا على عوراتِ النِّساءِ لا حِشمةَ لأحدٍ منهم؛ لأنَّا بَيَّنَّا أنَّهم الذين لا يُمَيِّزون، ولكِنَّ هؤلاء هم الذين مَيَّزوا، وعَرَفوا أمرَ النِّساءِ، ولكن لم يَبلُغوا). ((تفسير السمعاني)) (3/546). .
مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.
أي: لِيَستأذِنوا إذا أرادوا الدُّخولَ عليكم في ثلاثةِ أوقاتٍ: قبْلَ صَلاةِ الفَجرِ، ووقتَ القَيلولةِ نِصفَ النَّهارِ، وبعْدَ صَلاةِ العِشاءِ [1412] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/328)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/369، 370)، ((تفسير ابن كثير)) (6/81، 82)، ((تفسير السعدي)) (ص: 573). .
ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ.
أي: هذه ثلاثةُ أوقاتٍ يَحصُلُ فيها ظُهورٌ للعَوْراتِ؛ فلا يدخُلْ عليكم مماليكُكم وأطفالُكم إلَّا بإذنِكم [1413] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/356)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 769)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/369، 370)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/292 - 294). قال ابنُ عاشور: (وتعيينُ الاستئذانِ في هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ؛ لأنَّها أوقاتُ خَلوةِ الرِّجالِ والنساءِ، وأوقاتُ التعَرِّي مِن الثيابِ، وهي أوقاتُ نَومٍ، وكانوا غالبًا ينامون مجرَّدينَ من الثيابِ؛ اجتِزاءً بالغِطاءِ، وقد سمَّاها الله تعالى عَوراتٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/293). .
لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ.
أي: ليس عليكم ولا على مماليكِكم وأطفالِكم إثمٌ في تَركِ الاستِئذانِ للدُّخولِ عليكم في غيرِ هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ [1414] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/356)، ((تفسير السمرقندي)) (2/523)، ((تفسير ابن كثير)) (6/82). .
طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.
أي: بعضُكم يَطوفُ على بعضٍ؛ فمَماليكُكم وأطفالُكم يدخُلونَ ويَخرُجونَ عليكم في منازِلِكم لقضاءِ أشغالِكم وحوائِجِكم، وأنتم تتردَّدونَ عليهم لاستخدامِهم وغيرِ ذلك [1415] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/356)، ((تفسير القرطبي)) (12/306)، ((تفسير ابن كثير)) (6/82)، ((تفسير السعدي)) (ص: 573). قال ابنُ جرير: (ويعني بالطوَّافينَ: أنَّهم يدخلون ويخرُجون على مواليهم وأقرِبائِهم في منازِلِهم غُدوةً وعَشِيَّةً بغيرِ إذنٍ). ((تفسير ابن جرير)) (17/357). وقال القرطبي: (فمعنى طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ أي: يَطوفون عليكم، وتَطوفون عليهم). ((تفسير القرطبي)) (12/306). وقال الشنقيطي: (يَطوفون للخِدمةِ، والسَّادةُ والآباء يطوفون عليهم للاستخدامِ). ((تفسير سورة النور)) (ص: 195). .
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ.
أي: كما بيَّن اللهُ لكم -أيُّها المؤمِنونَ- أحكامَ الاستئذانِ بيانًا تامًّا واضِحًا، كذلك يبَيِّنُ اللهُ لكم جميعَ آياتِ القُرآنِ وشرائِعِ الإسلامِ [1416] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/357)، ((تفسير القرطبي)) (12/306)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/295)، ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 195). .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
أي: واللهُ عليمٌ بما يُصلِحُ عبادَه، حكيمٌ فيما يُدبِّرُه لهم، وفيما يَشرَعُه لهم مِن الأحكامِ؛ فهو يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في موضِعِه اللائِقِ به، ومِن ذلك تلك الأحكامُ التي بيَّنَها [1417] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/357)، ((تفسير السمعاني)) (3/548)، ((تفسير السعدي)) (ص: 574)، ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 196). .
وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى حُكمَ الصِّبيانِ والأرقَّاءِ الذين هم أطوَعُ للأمرِ، وأقبَلُ لكُلِّ خَيرٍ؛ أتبَعَه حُكمَ البالغينَ مِن الأحرارِ، فقال [1418] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/312). :
وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
أي: وإذا صار أطفالُكم بالغينَ، فلْيستأذِنوا في الدُّخولِ عليكم في كُلِّ وَقتٍ بلا استِثناءٍ، كما استأذن الكِبارُ الأحرارُ [1419] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/358)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 770)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/306)، ((تفسير القرطبي)) (12/308)، ((تفسير ابن كثير)) (6/83)، ((تفسير الشوكاني)) (4/61)، ((تفسير السعدي)) (ص: 574). قال الرسعني: (كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الرجالَ الكبارَ الأحرارَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ في الوجودِ أو في بلوغِ الحُلمِ، أو الذين ذُكِروا مِن قَبلِهم في قولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا ...). ((تفسير الرسعني)) (5/284). .
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ.
أي: كما بيَّن اللهُ لكم -أيُّها المؤمِنونَ- حُكمَ الأطفالِ في الاستِئذانِ إذا بلَغوا الحُلُمَ، كذلك يوضِّحُ اللهُ ويفَصِّلُ لكم جميعَ آياتِ القُرآنِ وأحكامِ الإسلامِ [1420] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/359)، ((تفسير السمعاني)) (3/548)، ((تفسير السعدي)) (ص: 574). .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
أي: واللهُ عليمٌ بما يُصلِحُ عِبادَه، حكيمٌ في تدبيرِهم بما شرَعَه لهم مِن الأحكامِ [1421] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/359)، ((تفسير السمعاني)) (3/548)، ((تفسير البغوي)) (3/429). .
وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى بعضَ الآدابِ الاجتماعيَّةِ، ومِنها أمْرُ النِّساءِ بالتسَتُّرِ وعَدَمِ إبداءِ الزِّينةِ لغَيرِ مَحارِمِهنَّ، وكان ذلك شامِلًا للشَّابَّاِت وغَيرِهنَّ مِنَ العَجائِزِ- استَثنى هنا العَجائِزَ الكَبيراتِ في السِّنِّ، وبَيَّنَ ما يجوزُ لهُنَّ، وما هو الأفضَلُ في حَقِّهنَّ، فقال تعالى [1422] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 196). :
وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ.
أي: والنِّساءُ العجائزُ اللَّاتي لا يَحِضْنَ ولا يَلِدْنَ، ولا يَطمَعْنَ في الزَّواجِ لكبرِ سنَّهنَّ، لا إثمَ عليهنَّ أن يترُكْنَ لُبسَ الثِّيابِ الظَّاهرةِ، كالجِلبابِ [1423] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/359)، ((تفسير القرطبي)) (12/309)، ((تفسير البيضاوي)) (4/114)، ((تفسير ابن كثير)) (6/83، 84). قال الواحدي: (المفسِّرون كلُّهم قالوا في «القَواعِد»: هنَّ اللاتي قعَدْنَ عن الحَيضِ والولَدِ؛ مِنَ الكِبَرِ). ((البسيط)) (16/364). وقال السمرقندي: (القاعدُ: المرأةُ التي قعَدت عن الزَّوجِ وعن الحيضِ والولَدِ). ((تفسير السمرقندي)) (2/523). وقال البقاعي: (اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا أي: لعدَمِ رغبَتِهنَّ فيه، أو لوصولهنَّ إلى حدٍّ لا يُرغَبُ فيهنَّ معه). ((نظم الدرر)) (13/314). وقال ابن عاشور: (هذه الآيةُ مُخَصِّصةٌ لِقَولِه تعالى: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ إلى قوله: عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور: 31] ... وعلَّةُ هذه الرخصةِ هي أنَّ الغالِبَ أن تنتفيَ أو تقِلَّ رغبةُ الرجالِ في أمثالِ هذه القواعدِ؛ لكِبَرِ السِّنِّ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/296، 297). ويُنظر: ((إحكام النظر)) لابن القطان (ص: 302)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/373). وقال الشنقيطي: (حَمَل بعضُ العُلَماءِ معنى القاعِد منها على التي قعدَتْ عن الولَدِ، ولكنَّ هذا غيرُ سديدٍ؛ فإنَّا نرى كثيرًا مِن النِّساءِ يقعُدْنَ عن الولَدِ في سنٍّ مبكِّرةٍ مع أنهنَّ جميلاتٌ وفيهنَّ مُستمتَعٌ، ولا عِبرةَ بكونِ بَعضِ العجائِزِ قد يبدو منهنَّ مَيلٌ إلى الرجالِ وهي في غايةٍ مِن الكِبَرِ الذي لا يلتَفِتُ معه إليها أحَدٌ). ((تفسير سورة النور)) (ص: 197). قال الماوردي: (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ فيه قَولانِ؛ أحدُهما: جِلبابُها، وهو الرِّداءُ الذي فَوقَ خِمارِها، فتَضَعُه عنها إذا ستَرَها باقي ثيابِها. قاله ابنُ مَسعودٍ، وابنُ جُبَيرٍ. الثَّاني: خِمارُها ورِداؤُها. قاله جابِرُ بنُ زيدٍ). ((تفسير الماوردي)) (4/121). ممَّن اختارَ القَولَ الأوَّلَ، وهو أنَّ المرادَ: الثِّيابُ الظَّاهِرةُ فوقَ الثِّيابِ السَّاتِرةِ، كالجِلبابِ الذي فوقَ الخِمار: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وابنُ جريرٍ، والسمرقنديُّ، والثعلبيُّ، والواحديُّ -ونسبه لعامَّةِ المفسِّرينَ-، والبغويُّ، والزمخشري، وابن الجوزي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وجلال الدين المحلي، والبقاعي، والشوكاني، والقاسمي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/208)، ((تفسير ابن جرير)) (17/359)، ((تفسير السمرقندي)) (2/523)، ((تفسير الثعلبي)) (7/117)، ((البسيط)) للواحدي (16/365)، ((تفسير البغوي)) (3/429)، ((تفسير الزمخشري)) (3/255)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/306)، ((تفسير القرطبي)) (12/309)، ((تفسير البيضاوي)) (4/114)، ((تفسير النسفي)) (2/519)، ((تفسير الخازن)) (3/305)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 468)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/314)، ((تفسير الشوكاني)) (4/61)، ((تفسير القاسمي)) (7/407)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/248). وممَّن قال بنَحوِ هذا القَولِ مِن السَّلَفِ: ابنُ مسعودٍ، وابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عُمرَ في روايةٍ عنه، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومُجاهِدٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وأبو الشَّعْثاءِ، وإبراهيمُ النَّخَعيُّ، والحسنُ، وقَتادةُ، والزُّهْريُّ، والأَوْزاعيُّ، وسُلَيمانُ بنُ يَسارٍ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (8/2640)، ((تفسير ابن كثير)) (6/83). .
غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ.
أي: لا إثمَ على العجائزِ أن يَضَعْنَ ثيابَهنَّ حالَ كَونِهنَّ غيرَ مُظهِراتٍ للزِّينةِ التي يجِبُ على المرأةِ إخفاؤُها [1424] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/364)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 770)، ((تفسير القرطبي)) (12/309)، ((تفسير السعدي)) (ص: 574)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/298). قال القرطبي: (قولُه تعالى: غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ أي: غيرَ مُظهِراتٍ ولا متعَرِّضاتٍ بالزينةِ ليُنظَرَ إليهنَّ؛ فإنَّ ذلك من أقبَحِ الأشياءِ وأبعَدِه عن الحَقِّ). ((تفسير القرطبي)) (12/309). وقال البقاعي: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ أي متعمِّداتٍ -بوضعِ ما أبيحَ لهنَّ وضْعُه- إظهارَ وجوهِهنَّ معَ الزينةِ، أو غيرَ متظاهراتٍ بالزينةِ). ((نظم الدرر)) (13/314). .
وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ.
أي: وتَركُ وَضْعِهنَّ لثيابِهنَّ -وإن كان جائِزًا- خيرٌ وأفضَلُ لهنَّ مِن خَلعِها [1425] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/364)، ((تفسير القرطبي)) (12/310)، ((تفسير ابن كثير)) (6/84). وقال السعدي: (الاستعفافُ: طَلبُ العِفَّةِ، بفِعلِ الأسبابِ المُقتَضيةِ لذلك؛ مِن تزوُّجٍ، وتَرْكٍ لِما يُخشى منه الفتنةُ). ((تفسير السعدي)) (ص: 575). .
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
أي: واللهُ سَميعٌ لجَميعِ الأصواتِ، عليمٌ بجميعِ الأعمالِ والمقاصِدِ والنيَّاتِ؛ فلْيَحذَرْنَ مِن كُلِّ قولٍ وفِعلٍ وقَصدٍ فاسدٍ، ولْيَعلَمْنَ أنَّ اللهَ يجازي على ذلك [1426] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/365)، ((تفسير السعدي)) (ص: 575)، ((تفسير القاسمي)) (7/407). .

الفوائد التربوية:


1- في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ توجيهُ الخطابِ للمُؤمِنينَ -والحُكمُ لِغَيرِهم- فيه دَلالةٌ على أنَّهم مَسؤولون عنهم، ومَسؤولون عن تنفيذِ هذا الحُكمِ في أولادِهم الصِّغارِ ومماليكِهم، وأنَّ هذا الصَّغيرَ والمملوكَ إذا خالَفَ فإنَّ إثمَه على مَن لم يقُمْ بواجِبِ التَّربيةِ والتَّأديبِ [1427] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 389). . فالسيِّدُ ووليُّ الصَّغيرِ مُخاطَبانِ بتعليمِ عَبيدِهم ومَن تحتَ ولايتِهم مِن الأولادِ، العِلمَ والآدابَ الشَّرعيَّةَ؛ لأنَّ اللهَ وجَّه الخِطابَ إليهم بقَولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ، ولا يمكِنُ ذلك إلَّا بالتَّعليمِ والتأديبِ، ولِقَولِه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ [1428] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 574). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (18/292، 293)، ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 191). .
2- قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ دلَّت هذه الآيةُ على أنَّ مَن لم يبلُغْ، وقد عَقَل، يُؤمَرُ بفِعلِ الشَّرائِعِ، ويُنهى عن ارتكابِ القبائِحِ؛ فإنَّ اللهَ أمَرَهم بالاستِئذانِ في هذه الأوقاتِ [1429] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/417). .
3- قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ إلى قَولِه سُبحانَه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ فيه دليلٌ على أنَّ سَتْرَ العَورةِ عن الأطفالِ -الذين قد بلَغوا مَبلَغَ مَعرفتِها- فرضٌ في كلِّ وقتٍ؛ إذْ لا يأمُرُ اللهُ تعالى بالاستئذانِ مِن أجْلِ ذلك إلَّا وقد فَرضَ سَترَها في كلِّ وقتٍ عنهم وعن مِلْكِ اليمينِ [1430] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/488). ، فالله تعالى أمَر باستئذانِ الصِّغارِ والمماليكِ حينَ الاستيقاظِ مِن النَّومِ، وحينَ إرادةِ النَّومِ، وحينَ القائِلةِ؛ فإنَّ في هذه الأوقاتِ تبدو العوراتُ، كما قال تعالى: ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ. وفي ذلك ما يدُلُّ على أنَّ المملوكَ الممَيِّزَ، والمميِّزَ مِن الصِّبيانِ- ليس له أن ينظُرَ إلى عورةِ الرَّجُلِ [1431] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/369). . وإذا وَجبَ الاستئذانُ في هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ خوفًا مِن أن يُفاجِئَهم أحدٌ على عَورةٍ، فمَن تَعمَّدَ أنْ يرى العورةَ فهو أَولى إذَنْ؛ فيُستفادُ منه تحريمُ النَّظَرِ إلى العَورةِ، سواءٌ كان النَّاظرُ صغيرًا أو كبيرًا، وأمَّا تهاوُنُ بعضِ النَّاسِ في نَظَرِ الصَّغير الممَيِّزِ إلى العورةِ، فهذا خطأٌ، وبَعضُ النَّاسِ إذا كان الصغيرُ له سِتُّ سنواتٍ أو سبْعُ سنواتٍ لا يبالي أنْ يَنظُرَ إلى عورتِه! وذلك لا يجوزُ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يَرتَسِمَ في ذِهنِه هذا المنظرُ؛ ثمَّ ربَّما يَذكُرُه في يومٍ مِن الأيامِ [1432] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 390). .
4- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ فيه أنَّه ينبغي للواعِظِ والمعَلِّمِ ونَحوِهما ممَّن يتكَلَّمُ في مسائِلِ العِلمِ الشَّرعيِّ- أن يَقرِنَ بالحُكمِ بَيانَ مَأخَذِه ووَجهِه، ولا يُلقيَه مجرَّدًا عن الدَّليلِ والتَّعليلِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بيَّن الحُكمَ المذكورَ، عَلَّله بقَولِه: ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ [1433] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 574). .
5- في قَولِه تعالى:كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وصْفُ الأحكامِ بالآياتِ؛ ففيه إرشادٌ للخَلْقِ إلى تأمُّلِ هذه الأحكامِ؛ لِيستَدِلُّوا بها على مُشَرِّعِها [1434] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 388). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ففي ثلاثةِ هذه الأحوالِ يكونُ المماليكُ والأولادُ الصِّغارُ كغَيرِهم، لا يُمَكَّنونَ مِن الدُّخولِ إلَّا بإذنٍ، وأمَّا ما عدا هذه الأحوالَ الثَّلاثةَ، فقال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ [1435] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 573). ، فالآيةُ فيها جوازُ الدُّخولِ للمذكورينَ بدونِ استئذانٍ في غيرِ هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ [1436] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 392). .
2- في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ دَلالةٌ على المَنعِ مِن فِعْلِ ما يؤدِّي إلى الحَرامِ؛ فاللهُ تعالى أمَرَ مماليكَ المؤمنينَ ومَن لم يَبلُغْ منهم الحُلُمَ أنْ يستأذِنوا عليهم في هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ؛ لئلَّا يكونَ دُخولُهم هَجْمًا بغير استئذانٍ فيها ذريعةً إلى اطِّلَاعِهم على عَوْراتِهم وقتَ إلقاءِ ثيابِهم عندَ القائلةِ والنَّومِ واليَقَظةِ، ولم يأمُرْهم بالاستِئذانِ في غَيرِها -وإنْ أمكنَ في ترْكِه هذه المَفسَدةُ- لنُدورِها، وقِلَّةِ الإفضاءِ إليها؛ فجُعِلَتْ كالمقَدِّمةِ [1437] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/110). .
3- قَولُه تعالى: الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فيه ثبوتُ مِلكِ اليمينِ للآدميِّينَ، ولكنْ -كما هو مَعروفٌ- أنَّ الإسلامَ حمَى حقوقَ هؤلاء المَماليكِ، ورَغَّبَ في تحريرِهم وعِتقِهم، وجَعلَ للعتقِ أسبابًا متعَدِّدةً [1438] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 391). .
4- قَولُه تعالى: وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ فيه جوازُ وَضعِ الثَّوبِ عندَ النَّومِ، ويلتَحِفُ الإنسانُ بلِحافِه [1439] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 391). .
5- قَولُه تعالى: مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ لا يُفهَمُ منه أنَّ ما قبْلَه مِن اللَّيلِ كان مُباحَ الدُّخولِ بلا استِئذانٍ؛ لأنَّ هذا خَرَجَ مخْرَجَ الغالِبِ، وهو أنَّ النَّاسَ في العادةِ يبدأُ انتِشارُهم قَبلَ صلاةِ الفَجرِ بعدَ الأذانِ؛ ولا يَكثُرُ قبلَ ذلك مِن اللَّيلِ [1440] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 194). .
6- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ فيه جوازُ كَشفِ العَورةِ لحاجةٍ؛ كالحاجةِ عندَ النَّومِ، وعند البَولِ والغائِطِ، ونحوِ ذلك [1441] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 574). .
7- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ فيه الأمرُ بحِفظِ العَوراتِ، والاحتياطِ لذلك مِن كُلِّ وَجهٍ، وأنَّ المحَلَّ والمكانَ الذي هو مَظِنَّةٌ لرؤيةِ عَورةِ الإنسانِ فيه؛ أنَّه منهيٌّ عن الاغتِسالِ فيه والاستِنجاءِ ونحوِ ذلك [1442] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 574). .
8- قَولُ الله تعالى: وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ فيه أنَّ المُسلِمينَ كانوا مُعتادينَ للقَيلولةِ وسَطَ النَّهارِ، كما اعتادوا نومَ اللَّيلِ؛ لأنَّ اللهَ خاطبَهم ببيانِ حالِهم الموجودةِ [1443] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 574). .
9- قال الله تعالى: ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ الآيةُ دالَّةٌ على أنَّ الواجِبَ اعتِبارُ العِلَلِ في الأحكامِ إذا أمكَنَ؛ لأنَّه تعالى نبَّه على العِلَّةِ في هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ مِن وَجهينِ:
أحدُهما: بقَولِه تعالى: ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ.
والثَّاني: بالتَّنبيهِ على الفَرقِ بينَ هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ وبينَ ما عداها؛ بأنَّه ليس ذاك إلَّا لعلَّةِ التكَشُّفِ في هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ، وأنَّه لا يُؤمَنُ وُقوعُ التكشُّفِ فيها، وليس كذلك ما عدا هذه الأوقاتَ [1444] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/418). . فالآيةُ فيها دَليلٌ على تَعليلِ الأحكامِ [1445] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/114)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/141)، ((تفسير أبي السعود)) (6/194). ، بمعنى أنَّ أحكامَ اللهِ سبحانه وتعالى كلَّها مبنيَّةٌ على الحِكمِ [1446] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 389). .
10- في قَولِه تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ دَليلٌ على أنَّه لا حَرَجَ على المرأةِ أن يَنظُرَ إليها الذَّكَرُ البالغُ مِن مِلْكِ يمينِها -وذلك على أنَّ مِلكَ اليمينِ هنا شاملٌ للكبيرِ والصَّغيرِ-، ولا عليه إذا نَظرَ -لِغَيرِ ريبةٍ- إذْ كان في غيرِ هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ مُباحٌ له أنْ يدخُلَ بغير إذْنٍ، ومَن دخَلَ بغير إذنٍ أبصَرَ الحُرَمَ، وقد أزال اللهُ عن الجَميعِ الحَرَجَ، وهذا خاصٌّ في المماليكِ، وأمَّا الأحرارُ فيُفرَضُ عليهم غَضُّ البصَرِ عن النِّساءِ، إلَّا ما تُجُوِّزَ لهم عنه مِن نظرةِ الفَجأةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمرَ بِغَضِّ البصَرِ مُطلقًا بلا شَرطٍ في قَولِه تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ، وقَولِه: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [1447] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/489). .
11- قَولُ الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ فيه دَلالةٌ على أنَّ هذا الحُكمَ يختَصُّ بالصِّغارِ دونَ البالغينَ، وقد نَصَّ تعالى على ذلك مِن بعْدُ، فقال: وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، والمرادُ: مَن تجدَّدَ منه البُلوغُ يجِبُ أن يكونَ بمَنزلةِ مَن تقَدَّم بلوغُه في وجوبِ الاستئذانِ، فهذا معنى قَولِه: كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. وقد يجوزُ أن يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ مَن خدَمَ في حالِ الصِّغَرِ فإذا بلغ يجوزُ له ألَّا يستأذِنَ، ويفارِقُ حالُه حالَ مَن لم يَخدُمْ ولم يُملَكْ؛ فبيَّن تعالى أنَّه كما حظَرَ على البالِغين الدُّخولَ إلَّا بالاستئذانِ، فكذلك على هؤلاء إذا بَلَغوا، وإن تقَدَّمتْ لهم خِدمةٌ، أو ثبَتَ فيهم مِلكٌ لهنَّ [1448] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/419). .
12- في قولِه تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ إشكالٌ؛ وهو: أنَّ مفهومَ الآيةِ الكريمةِ أنَّ على الأطفالِ جُناحًا فيهنَّ، وقد عُلِمَ أنَّه قد رُفِعَ القلمُ عنهم!
والجوابُ: أنَّ الجُناحَ على الأولياءِ والمماليكِ لا الصِّغارِ؛ فعُموماتُ الأدلَّةِ على أنَّ الصَّغيرَ غَيرُ مُكَلَّفٍ، وأنَّه لا إثمَ عليه [1449] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 385). .
وقيل: ليس المرادُ بالجناحِ هنا الإثمَ، وإنما المرادُ: الحرَجُ والمشقَّةُ في الاستئذانِ؛ وهذا لا يَلزمُ منه الإثمُ [1450] يُنظر: ((المنتقى من فرائد الفوائد)) لابن عثيمين (ص: 144). .
13- في قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ دلالةٌ على أنَّ الطَّوَّافينَ يُرَخَّصُ فيهم ما لا يُرَخَّصُ في غيرِ الطَّوَّافينَ عليكم والطَّوَّافاتِ، والطَّوَّافُ مَن يدخلُ بغير إِذْنٍ -كما تدخُلُ الهِرَّةُ؛ وكما يدخُلُ الصبيُّ والمملوكُ-، وإذا كان هذا في الصبيِّ المُمَيِّزِ؛ فغيرُ المُميِّزِ أولى [1451] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/370). .
14- في قولِه تعالى: طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ طهارةُ بَدَنِ الطفلِ -وإنْ غَلَبَ على الظنِّ أنه نَجِسٌ-، نأخُذُه مِن قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم في الهِرَّةِ: ((إنَّها ليست بِنَجَسٍ)) [1452] أخرجه أبو داود (75)، وأحمد (22850) واللفظ لهما، والترمذي (92)، والنسائي (68)، وابن ماجه (367) باختلافٍ يسيرٍ. من حديث أبي قَتادةَ الأنصاريِّ رضي الله عنه. قال البخاريُّ -كما في ((السنن الكبرى)) للبيهقي (1/245): (جوَّد مالكٌ هذا الحديثَ، وروايتُه أصَحُّ مِن روايةِ غَيرِه). وقال الترمذي: (حسَنٌ صحيحٌ). وقال العُقَيليُّ في ((الضعفاء الكبير)) (2/142): (إسنادُه ثابتٌ صحيحٌ). وحسَّنَ إسنادَه الدارقطنيُّ في ((تعليقة على العلل)) (129)، وصحَّحه ابنُ عبدالبَرِّ في ((التمهيد)) (1/318)، والنوويُّ في ((المجموع)) (1/117)، وابنُ دقيقِ العيدِ في ((الاقتراح)) (126)، وابنُ الملقِّن في ((البدر المنير)) (1/551)، وابن حجر في ((المطالب العالية)) (1/59). ، وعلَّلَ ذلك بأنها مِن الطَّوَّافينَ؛ وهؤلاء مِن الطَّوَّافينَ، فرُبَّما يُؤخَذُ مِن هذا طهارةُ بَدَنِ الطفلِ؛ وأنه طاهرٌ ما لم يَتيقَّنِ النجاسةَ [1453] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 390). ، وأنَّ ريقَه طاهرٌ، ولو كان بعْدَ نجاسةٍ، كالقيءِ [1454] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 574). .
15- قَولُ الله تعالى: طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فيه جوازُ استخدامِ الإنسانِ مَن تحتَ يَدِه مِن الأطفالِ على وجهٍ مُعتادٍ لا يَشُقُّ على الطِّفلِ؛ لقَولِه تعالى: طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ [1455] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 574). .
16- في قَولِه تعالى: طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ رفْعُ الحَرَجِ والمشَقَّةِ عنِ النَّاسِ. وجهُ ذلك يُؤخَذُ مِن رفْعِ الحَرَجِ في عدَمِ الاستئذانِ في غيرِ هذه الأوقاتِ الثَّلاثِة؛ لأنَّهم طَوَّافونَ عليهم مترَدِّدونَ، والاستِئذانُ فيه مشَقَّةٌ [1456] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 390). ، والمشَقَّةَ تجلِبُ التَّيسيرَ [1457] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 393). .
17- في قَولِه تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ أنَّه لا يستطيعُ أحدٌ أن يأتيَ بمثلِ تَشريعِ اللهِ عزَّ وجلَّ ونظامِه. تُؤخَذُ مِن كَونِه جَعلَ ذلك مِن الآياتِ، وآياتُ اللهِ معناها أنَّها لا تصلُحُ لغَيرِه تعالى؛ إذْ لو صلحتْ لغيرِه لم تكنْ آيةً له؛ فهذا يدُلُّ على أنَّ شَرعَ اللهِ لا يُمكِنُ أن يأتيَ أحَدٌ بمِثلِه، وإلَّا ما صَحَّ أن يكونَ آيةً [1458] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 391). !
18- قَولُه تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ فيه مِنَّةُ اللهِ سُبحانَه وتعالى على العِبادِ ببَيانِ الآياتِ الكونيَّةِ والشَّرعيَّةِ؛ حتى لا يبقَى للنَّاسِ على اللهِ حُجَّةٌ بعدَ هذا البيانِ [1459] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 391). .
19- في قَولِه تعالى: وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَليلٌ على أنَّ الاحتلامَ في الذُّكْرَانِ هو حَدُّ البُلوغِ، ووقتُ وجوبِ الفَرائضِ عليهم [1460] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/493). ويُنظر أيضًا: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 195). .
20- وقَعَ قولُه: وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ في مَوقعِ التَّصريحِ بمفهومِ الصِّفةِ في قولِه: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ؛ ليُعلَمَ أنَّ الأطفالَ إذا بَلَغوا الحُلُمَ تغيَّرَ حُكْمُهم في الاستئذانِ إلى حُكمِ استئذانِ الرِّجالِ [1461] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/296). قال البغوي: (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ... ليس المرادُ منهم الأطفالَ الذين لم يَظهروا على عوراتِ النِّساءِ، بل الذين عرَفوا أمرَ النِّساءِ، ولكن لم يَبْلغوا). ((تفسير البغوي)) (3/428). .
21- في قَولِه تعالى: وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَليلٌ على أنَّ الاستئذانَ في جَميعِ الأوقاتِ واجِبٌ -في الأوقاتِ الثَّلاثةِ وغيرِها- على سائرِ النَّاسِ سِوى الأطفالِ ومِلْكِ اليَمينِ الذين أُبيحَ لهم إلَّا في الثَّلاثةِ الأوقاتِ [1462] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/494). ؛ فالأولادُ البالغونَ لا يدخُلونَ على والدِيهم إلَّا باستئذانٍ، كالأجانِبِ [1463] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 195). .
22- قَولُ الله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ فيه إباحةُ تَركِ التحَفُّظِ في التسَتُّرِ للنِّساءِ القواعِدِ، وفيه أنَّ استِعفافَهنَّ وتحفُّظَهنَّ بالسِّترِ كالشَّوابِّ، خَيرٌ وأفضَلُ [1464] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 195). .
23- قَولُ الله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ فيه سؤالٌ: كيف أباح تعالى للقَواعِدِ مِن النِّساءِ -وهنَّ العجائِزُ- التجَرُّدَ مِن الثيابِ بحَضرةِ الرِّجالِ؟
الجوابُ: المرادُ بالثِّيابِ: الزَّائِدةُ على ما يَستُرُهنَّ [1465] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 400). .
24- في قَولِه تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أنَّ الحُكمَ يدورُ مع عِلَّتِه وجودًا وعَدَمًا؛ لأنَّ اللهَ إنما أباح وضْعَ الثِّيابِ لهؤلاء القواعِدِ؛ لأنَّ الفِتنةَ بعيدةٌ فيهنَّ؛ فيؤخَذُ منه أنَّ المدارَ كلَّه على خَوفِ الفتنةِ في مِثلِ هذه الأمورِ؛ فالحُكمُ يدورُ مع عِلَّتِه وُجودًا وعَدَمًا [1466] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 401). ، فالعَجوزُ التي لا تطمَعُ في النِّكاحِ رُخِّصَ لها أن تضَعَ ثيابَها، فلا تُلقيَ عليها جِلبابَها ولا تحتَجِبَ، وإن كانت مُستثناةً مِن الحرائِرِ؛ لزَوالِ المفسدةِ الموجودةِ في غيرِها، كما استثنى التابعينَ غيرَ أُولي الإرْبةِ مِن الرِّجالِ في إظهارِ الزِّينةِ لهم؛ لِعَدمِ الشَّهوةِ التي تتولَّدُ منها الفِتنةُ [1467] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/373). . قال بعضُهم: (لمَّا كان القواعدُ لا مذهبَ للرجالِ فيهنَّ، أُرِحْنَ مِن عناءِ التستُّرِ، وخُفِّف عنهنَّ قلَّةُ التحفُّظِ؛ إذ علةُ وجوبِه منعدمةٌ) [1468] يُنظر: ((إحكام النظر)) لابن القطان (ص: 302). .
25- في قَولِه تعالى: اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا أنَّه يُقاسُ على القواعِدِ مَن لا تُشتَهى؛ لغايةٍ في قُبْحِها، كالعَجائزِ؛ لأنَّها لا ترجو النِّكاحَ، ولا يَطمعُ أحدٌ فيها؛ ولهذا ألحَقَ العُلَماءُ هذا الصِّنفَ مِن النِّساءِ بالقَواعدِ [1469] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 400). .
26- في قَولِه تعالى: غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ أنَّ التبَرُّجَ بالزِّينةِ حرامٌ على العَجائزِ، فهذا الشرطُ إذا تخلَّفَ صار عليهنَّ جُناحٌ في ذلك، وهذا يدُلُّ على التَّحريمِ، فإذا كان التبَرُّجُ حرامًا على العَجائزِ، فيتفَرَّعُ على هذه الفائدةِ تحريمُ التبَرُّجِ على الشَّابَّاتِ ومَن هي مَحَلُّ الفِتنةِ، وهذا قياسُ أولويَّةٍ؛ لأنَّه مَعلومٌ إذا حُرِّمَ على القواعِدِ اللَّاتي لا يَرجونَ نِكاحًا، فغَيرُهنَّ ممَّن يرجون النِّكاحَ وتتعَلَّقُ بهن الفِتنةُ أبلَغُ [1470] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 401). .
27- في قَولِه تعالى: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ أنَّ الأفضلَ البُعدُ عن الرِّيبةِ ومَحَلِّ الفِتنةِ، وإن بَعُدَت [1471] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 401). .
28- قولُه تعالى: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ لمَّا ذكَرَ الجائزَ عقَّبَه بالمُستحَبِّ؛ بَعثًا منه على اختيارِ أفضلِ الأعمالِ وأحسَنِها [1472] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/255)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/651). .
29- في قَولِه تعالى: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ دَليلٌ على أنَّ الأخذَ بالرُّخَصِ، وإنْ كان مُباحًا، فالأخذُ بالعزائمِ أفضَلُ [1473] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/494). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
قولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ استِئنافٌ انتقاليٌّ إلى غرَضٍ مِن أحكامِ المُخالَطةِ والمُعاشَرةِ، وهو عَودٌ إلى الغرَضِ الَّذي ابتُدِئَتْ به السُّورةُ وقُطِعَ عندَ قولِه: وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [1474] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/291، 292). [النور: 34] .
قولُه: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أي: ثلاثةَ أوقاتٍ في اليومِ واللَّيلةِ، والتَّعبيرُ عنها بالمرَّاتِ؛ للإيذانِ بأنَّ مَدارَ وُجوبِ الاستئذانِ مُقارَنةُ تلك الأوقاتِ لمُرورِ المُستأذِنينَ بالمُخاطَبينَ، لا أنفُسُها [1475] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/193). .
وحَرفُ (مِن) في قولِه: مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ مَزيدٌ للتَّأكيدِ [1476] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/293). .
قولُه: وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ الظَّهيرةُ: هي شِدَّةُ الحرِّ عندَ انتصافِ النَّهارِ، وهي بَيانٌ للحِينِ؛ والتَّصريحُ بمَدارِ الأمْرِ -أي: وضْعِ الثِّيابِ في هذا الحينِ- دُونَ الأوَّلِ والآخِرِ؛ لأنَّ التَّجرُّدَ عن الثِّيابِ فيه لأجْلِ القَيلولةِ؛ لقلَّةِ زَمانِها -كما يُنبِئُ عنها إيرادُ (الحينِ) مُضافًا إلى فِعْلٍ حادثٍ مُتقَضٍّ، ووُقوعُها في النَّهارِ الَّذي هو مَئِنَّةٌ لكَثرةِ الوُرودِ والصُّدورِ، ومَظِنَّةٌ لظُهورِ الأحوالِ وبُروزِ الأمورِ- ليسَ مِن التَّحقُّقِ والاطِّرادِ بمَنزلةِ ما في الوقتينِ المَذكورينِ؛ فإنَّ تَحقُّقَ التَّجرُّدِ واطِّرادَه فيهما أمْرٌ مَعروفٌ لا يُحتاجُ إلى التَّصريحِ به [1477] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/193). .
قَولُه: مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ أثبَتَ (مِن) في الموضِعَينِ الأوَّلِ والثَّالثِ؛ دَلالةً على قُربِ الزَّمَنِ مِن الوَقتِ المذكورِ لِضَبطِه، وأسقَطَها في الأوسَطِ دَلالةً على استغراقِه؛ لأنَّه غَيرُ مُنضَبِطٍ [1478] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/310). .
قولُه: ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ استِئنافٌ مَسوقٌ لبَيانِ عِلَّةِ وُجوبِ الاستئذانِ، والعَورةُ في الأصلِ هو الخلَلُ -غلَبَ في الخلَلِ الواقعِ فيما يَهُمُّ حِفْظُه، ويُعْتنى بسَتْرِه- أُطْلِقتْ على الأوقاتِ المُشتملةِ عليها؛ مُبالَغةً كأنَّها نفْسُ العورةِ [1479] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/194). . أو سمَّى كلَّ واحدةٍ مِن هذه الأحوالِ عورةً؛ لأنَّ النَّاسَ يَختَلُّ تَستُّرُهم وتَحفُّظُهم فيها [1480] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/253)، ((تفسير أبي حيان)) (8/69). .
قولُه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ مُستأنَفةٌ؛ مَسوقةٌ لتَقريرِ ما قبْلَها بالطَّردِ والعكْسِ [1481] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/194). . ونفْيُ الجُناحِ عن المُخاطَبينَ في قولِه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ بعْدَ أنْ كان الكلامُ على استئذانِ المماليكِ والَّذين لم يَبلُغوا الحُلُمَ: إشارةٌ إلى لَحْنِ خِطابٍ [1482] لحنُ الخطاب: هو أن يكونَ المسكوتُ عنه موافقًا للمنطوقِ فى الحُكمِ، ويُسمَّى أيضًا: فحوى الخطاب. وقيل: إنْ كان أَوْلى بالحُكمِ مِن المنطوقِ به فيُسَمَّى فَحْوى الخطابِ، وإن كان مساويًا فيُسَمَّى لحنَ الخطابِ. وقيل: هو مفهومُ المخالَفةِ. وقيل: هو دَلالةُ الاقتِضاءِ. يُنظر: ((نفائس الأصول)) للقرافي (2/641)، ((المختصر في أصول الفقه)) لابن اللحام (ص: 132)، ((إرشاد الفحول)) للشوكاني (2/37). حاصِلٍ مِن قولِه: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ؛ فإنَّ الأمْرَ باستِئذانِ هؤلاء عليهم يَقْتضي أمْرَ أهْلِ البيتِ بالاستئذانِ على الَّذين ملَكَتْ أيمانُهم إذا دعاهم داعٍ إلى الدُّخولِ عليهم في تلك الأوقاتِ، كما يُرشِدُ السَّامعَ إليه قولُه: ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ. وإنَّما لم يُصرَّحْ بأمْرِ المُخاطَبينَ بأنْ يَستأذِنوا على الَّذين ملَكَتْ أيمانُهم؛ لنُدورِ دُخولِ السَّادةِ على عَبيدِهم أو على غِلْمانِهم؛ إذِ الشَّأنُ أنَّهم إذا دعَتْهم حاجةٌ إليهم أنْ يُنادُوهم، فأمَّا إذا دعَتِ الحاجةُ إلى الدُّخولِ عليهم فالحُكْمُ فيهم سواءٌ [1483] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/294). .
قولُه: بَعْدَهُنَّ، أي: بعْدَ كلِّ واحدةٍ مِن تلك العوراتِ الثَّلاثِ، وهي الأوقاتُ المُتخلِّلةُ بيْن كلِّ اثنتينِ منْهنَّ، وإيرادُها بعُنوانِ البَعديَّةِ -مع أنَّ كلَّ وقتٍ مِن تلكَ الأوقاتِ قبْلَ عَورةٍ من العَوراتِ، كما أنَّها بعْدَ أُخرى منْهنَّ-؛ لتَوفيةِ حقِّ التَّكليفِ والتَّرخيصِ الَّذي هو عبارةٌ عن رَفْعِه؛ إذِ الرُّخصةُ إنَّما تُتَصَوَّرُ في فِعلٍ يقَعُ بعْدَ زمانِ وُقوعِ الفِعلِ المُكلَّفِ [1484] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/194). .
قولُه: طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ استِئنافٌ ببَيانِ العُذرِ المُرخِّصِ في تَرْكِ الاستئذانِ، وهو المُخالَطةُ، وكثرةُ المُداخَلةِ [1485] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/114)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/141)، ((تفسير أبي السعود)) (6/194)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/295). . وفي الكلامِ اكتِفاءٌ؛ تَقديرُه: وأنتم طوَّافون عليهم؛ دلَّ عليه قولُه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ، وقولُه عقِبَه: بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ [1486] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/295). .
وجُملةُ: بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ مُستأنَفةٌ، ويتعلَّقُ قولُه: عَلَى بَعْضٍ بخبَرٍ مَحذوفٍ، تقديرُه: طوَّافٌ على بعضٍ؛ وحُذِفَ الخبرُ وبقِيَ المُتعلِّقُ به -وهو كَونٌ خاصٌّ-؛ لدَلالةِ طَوَّافُونَ عليه، والتَّقديرُ: بعضُكم طوَّافٌ على بعضٍ [1487] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/295). .
قولُه: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ كَذَلِكَ إشارةٌ إلى مَصدرِ الفِعلِ الَّذي بعْدَه، وما فيه مِن معنى البُعدِ؛ لتَفخيمِ شأنِ المُشارِ إليه، والإيذانِ ببُعدِ مَنزلَتِه، وكونِه مِن الوُضوحِ بمَنزلةِ المُشارِ إليه حِسًّا [1488] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/194). .
وقولُه: لَكُمُ مُتعلِّقٌ بـ يُبَيِّنُ، وتَقديمُه على المَفعولِ الصَّريحِ الْآَيَاتِ؛ للاهتِمامِ بالمُقدَّمِ، والتَّشويقِ إلى المُؤخَّرِ [1489] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/194). .
قوله تعالى: وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
قولُه: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تأكيدٌ لنَظيرِه المُتقدِّمِ في الآيةِ السَّابقةِ، وهو تأكيدٌ بالتَّكريرِ؛ لمزيدِ الاهتمامِ والامتِنانِ، ومبُالَغةً في الأمرِ بالاستئذانِ [1490] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/114)، ((تفسير أبي السعود)) (6/195)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/296). .
وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ حيثُ ختَمَ هذه الآيةَ بقولِه: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ بالإضافةِ إليه، وختَمَ ما قبْلَها وما بعْدَها بقولِه: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ [النور: 58- 61] بالتَّعريفِ بـ (أل)؛ ووجْهُه: أنَّه لَمَّا تقارَبَ اللَّفظُ الواحدُ، عدَلَ عن تَكرارِه بلفْظٍ واحدٍ فيما تقارَبَ، على عادةِ العرَبِ في استثقالِها تَكرُّرَ اللَّفظِ الواحدِ بعَينِه في بيتٍ واحدٍ مِن الشِّعرِ أو ما تقارَبَ مِن الكلامِ، ما لم يَحمِلْ على ذلك حامِلٌ مِن المعنى؛ فجِيءَ بالآياتِ في الأُولى مُعرَّفًا بالألفِ واللَّامِ للعهْدِ فيما تقدَّمَ مِن المُعتبَراتِ الواضحةِ الدَّلالةِ، وفي الآيةِ الثَّانيةِ مُضافًا إلى الضَّميرِ المُتَّصلِ؛ لتَحصُلَ نِسبةُ الآياتِ لِمَن هي له تعالى، وكانت الثَّانيةُ هي المُضافَةَ؛ لأنَّها مع ما تُعطيهِ مِن النِّسبةِ مُبيِّنةٌ للأُولى بَيانًا تأْكيديًّا؛ إذ مِن المعلومِ أنَّها آياتُه سُبحانه، فجاء ذلك على ما يجِبُ. ومِن الواردِ على هذا الرَّعْيِ -واللهُ أعلَمُ- قولُه في سُورةِ (البقرةِ): يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة: 219] ، ثمَّ قال تعالى بعدَ آيٍ: وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [البقرة: 221] ، فهذا مِثْلُ الواردِ في سُورةِ (البقرةِ) [1491] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/373). . وقيل: إنَّما أُضِيفَتِ الآياتُ هنا لضَميرِ الجَلالةِ؛ تَفنُّنًا، ولتَقويةِ تأْكيدِ معنَى كَمالِ التَّبْيينِ الحاصلِ مِن قولِه: كَذَلِكَ. وتأْكيدِ معنَى الوصفينِ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، أي: هي آياتٌ مِن لَدُنْ مَن هذه صِفاتُه، ومَن تلك صِفاتُ بَيانِه [1492] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/296). . وقيل: إضافةُ الآياتِ إلى ضَميرِ الجَلالةِ؛ لتَشريفِها [1493] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/195). . وقيل: أضاف الآياتِ إليه سُبحانَه تعظيمًا لها؛ إشارةً إلى أنَّها مُقَدِّمةٌ للآياتِ الإلهيَّاتِ؛ لأنَّ مَن لم يتفَرَّغْ مِن مُكَدِّرات الأفكارِ، لم يَطِرْ ذلك المطارَ، وحثًّا على تدبُّرِ ما تقَدَّم منها؛ لاستحضارِ ما دعت إليه مِن الِحَكِم، وفَصَّلت به من المواعِظِ، وتنبيهًا على ما فيها من العُلومِ النافعةِ دينًا ودُنيا [1494] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/313). .
2- قوله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
السِّينُ والتَّاءُ في قولِه: يَسْتَعْفِفْنَ للمُبالَغةِ؛ فالاستعفافُ: التَّعفُّفُ، مثْلُ استجابَ [1495] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/298). .
وجُملةُ: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ مَسوقةٌ مَساقَ التَّذييلِ؛ للتَّحذيرِ مِن التَّوسُّعِ في الرُّخصةِ أو جَعْلِها ذَريعةً لِمَا لا يُحمَدُ شرْعًا؛ فوَصْفُ (السَّميعِ) تذكيرٌ بأنَّه يسمَعُ ما تُحدِّثُهنَّ به أنفُسُهنَّ مِن المقاصِدِ، ووَصْفُ (العليمِ) تذْكيرٌ بأنَّه يعلَمُ أحوالَ وضْعِهنَّ الثِّيابَ وتبرُّجِهنَّ ونَحْوِها؛ ففي ذِكْرِ هاتينِ الصِّفتينِ توعُّدٌ وتحذيرٌ، وفيه مِن التَّرهيبِ ما لا يَخْفى [1496] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/70)، ((تفسير أبي السعود)) (6/195)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/299). .