موسوعة التفسير

سورةُ النُّورِ
الآية (61)

ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ

غريب الكلمات:


أَشْتَاتًا: أي: مُتَفَرِّقينَ، وأصلُه يدُلُّ على تفَرُّقٍ [1497] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 308)، ((تفسير ابن جرير)) (17/377)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/177)، ((المفردات)) للراغب (ص: 445)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 463). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: ليس على أصحابِ الأعذارِ -كالأعمى، والأعرَجِ، والمَريضِ- حَرَجٌ في الأكلِ مِن البُيوتِ المذكورةِ؛ لِضَعفِهم وعَجزِهم، وليس عليكم كذلك حرَجٌ في أن تأكُلوا مِن بُيوتِكم وبُيوتِ أولادِكم وعَبيدِكم، أو مِن بُيوتِ آبائِكم أو أمَّهاتِكم، أو إخوانِكم أو أخَواتِكم، أو أعمامِكم أو عمَّاتِكم، أو أخوالِكم أو خالاتِكم، أو البُيوتِ التي وُكِّلتُم بحِفظِها وتَملِكونَ مَفاتيحَها في غيابِ أهلِها، أو مِن بُيوتِ الأصدقاءِ؛ ولا حرَجَ عليكم أن تأكُلوا مجتَمِعينَ أو متفَرِّقينَ، فإذا دخَلتُم بُيوتَكم أو بُيوتَ غَيرِكم، فلْيُسلِّمْ بعضُكم على بَعضٍ بتحيَّةِ الإسلامِ، تحيَّةً مُباركةً طَيِّبةً شَرَعها اللهُ لعبادِه المؤمِنين. مِثلَ هذا التَّبيينِ يبيِّنُ الله لكم آياتِه؛ لِتَعقِلوها، وتَعمَلوا بها.

تفسير الآية:


لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أتمَّ اللهُ سُبحانَه وتعالى ما ذكَرَ مِن حُرُماتِ البُيوتِ المُستلزِمةِ لصيانةِ الأبضاعِ على وجهٍ يلزَمُ منه إحرازُ الأموالِ؛ أتبَعَه ما يُباحُ مِن ذلك للأكلِ -الذي هو مِن أجَلِّ مقاصِدِ الأموالِ- اجتِماعًا وانفِرادًا، فقال في جوابِ مَن كأنَّه سأل: هل هذا التَّحجيرُ في البُيوتِ سارٍ في الأقارِبِ وغَيرِهم في جميعِ الأحوالِ [1498] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/315). :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ.
أي: ليس على الأعمى ولا على الأعرجِ ولا على المريضِ إثمٌ في الأكلِ مِن البُيوتِ المذكورةِ في هذه الآيةِ، التي أباح اللهُ لهم الأكلَ فيها [1499] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/371)، ((تفسير الماتريدي)) (7/596)، ((تفسير ابن عطية)) (4/195)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/423)، ((تفسير السعدي)) (ص: 575)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/299). وممَّن قال بهذا المعنى المذكور: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/371). قال ابنُ جُزي: (اختُلِف في المعنى الذي رَفَع اللهُ فيه الحَرَجَ عن الأعمى والأعرَجِ والمريضِ في هذه الآيةِ: فقيلَ: هو في الغَزْوِ، أي: لا حَرَجَ عليهم في تأخيرِهم عنه، وقَولُه: وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مقطوعٌ مِن الذي قَبْلَه على هذا القَولِ، كأنَّه قال: ليس على هؤلاءِ الثَّلاثةِ حَرَجٌ في تَرْكِ الغَزْوِ، ولا عليكم حَرَجٌ في الأكلِ. وقيل: الآيةُ كُلُّها في معنى الأكلِ، واختَلَف الذَّاهِبونَ إلى ذلك؛ فقيل: إنَّ أهلَ هذه الأعذارِ كانوا يتجَنَّبونَ الأكلَ مع النَّاسِ؛ لئَلَّا يتقَذَّرَهم النَّاسُ، فنزلت الآيةُ مُبيحةً لهم الأكلَ مع النَّاسِ. وقيل: إنَّ النَّاسَ كانوا إذا نَهَضوا إلى الغَزوِ خَلَّفوا أهلَ هذه الأعذارِ في بُيوتِهم، وكانوا يتجَنَّبون أكلَ مالِ الغائِبِ، فنزلت الآيةُ في ذلك. وقيل: إنَّ النَّاسَ كانوا يتجَنَّبون الأكلَ معهم تقَذُّرًا، فنزلت الآيةُ، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ رَفعَ الحَرَجِ عن أهلِ الأعذارِ لا عن غَيرِهم. وقيل: إنَّ رَفْعَ الحَرَجِ عن هؤلاء الثَّلاثةِ في كلِّ ما تمنَعُهم عنه أعذارُهم مِنَ الجِهادِ وغَيرِه). ((تفسير ابن جزي)) (2/75). ويُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 199). وقال البيضاوي: (وقيل: نَفيٌ للحَرَجِ عنهم في القُعودِ عن الجِهادِ، وهو لا يُلائِمُ ما قَبْلَه ولا ما بَعْدَه). ((تفسير البيضاوي)) (4/115). وممَّن اختار أنَّ الآيةَ في مُؤاكَلةِ أصحابِ الأعذارِ المذكورينَ لِغَيرِهم مِنَ الأصِحَّاءِ: جلال الدين المحلي، والبقاعي، والعليمي، وأبو السعود. يُنظر: ((تفسير الجلالين)) (ص: 469)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/315)، ((تفسير العليمي)) (4/560)، ((تفسير أبي السعود)) (6/195). وقيل: المرادُ أنَّ الحَرَجَ عنهم مرفوعٌ في كُلِّ ما يَضطَرُّهم إليه العُذرُ، وتَقتَضي نيَّتُهم الإتيانَ فيه بالأكمَلِ، ويَقتَضي العُذرُ أن يَقَع منهم الأنقَصُ؛ فالحَرَجُ مَرفوعٌ عنهم في هذا. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ عطية، وابن العربي، والسعدي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/195)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/423)، ((تفسير السعدي)) (ص: 575)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/299). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 408). قال ابنُ العربي: (إنَّ اللهَ رَفَع الحَرَجَ عن الأعمى فيما يتعَلَّقُ بالتَّكليفِ الذي يُشتَرَطُ فيه البَصَرُ، وعن الأعرَجِ فيما يُشتَرَطُ في التَّكليفِ به المَشيُ، وما يَتعذَّرُ مِن الأفعالِ مع وُجودِ الحَرَجِ، وعن المريضِ فيما يتعَلَّقُ بالتَّكليفِ الذي يؤثِّرُ المرَضُ في إسقاطِه؛ كالصَّومِ، وشُروطِ الصَّلاةِ، وأركانِها، والجِهادِ، ونَحوِ ذلك). ((أحكام القرآن)) (3/423). .
وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ.
أي: وليس عليكم -أيُّها المُسلِمونَ- إثمٌ في الأكلِ مِن بُيوتِكم وبُيوتِ أولادِكم وعَبيدِكم، أو في تناوُلِكم الطَّعامَ بمُفرَدِكم دونَ بقيَّةِ أهلِ بَيتِكم [1500] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/371، 373)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/424)، ((تفسير ابن كثير)) (6/85)، ((تفسير السعدي)) (ص: 575)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/301). قال الشوكاني: (الحاصِلُ أنَّ رَفعَ الحَرَجِ عن الأعمى والأعرَجِ والمَريضِ: إن كان باعتِبارِ مُؤاكَلةِ الأصِحَّاءِ، أو دُخولِ بُيوتِهم؛ فيَكونُ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مُتَّصِلًا بما قَبْلَه، وإن كان رَفعُ الحَرَجِ عن أولئك باعتِبارِ التَّكاليفِ التي يُشتَرَطُ فيها وُجودُ البصَرِ، وعَدَمُ العَرَجِ، وعَدَمُ المرَضِ؛ فقَولُه: وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ابتِداءُ كَلامٍ غَيرُ مُتَّصِلٍ بما قَبْلَه). ((تفسير الشوكاني)) (4/62). وقال ابن العربي: (وأمَّا مالُ العبدِ فيدخُلُ في قولِه: بُيُوتِكُمْ؛ لأنَّ العبدَ ومالَه مِلكٌ للسَّيِّدِ... كما بيَّنَّا أنَّ بيتَ الابنِ يدخُلُ فيه؛ فبيتُ العبدِ أَولى وأحرى بإجماعٍ). ((أحكام القرآن)) (3/424). وقال ابنُ كثير: (قولُه تعالى: وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ إنَّما ذكَرَ هذا وهو معلومٌ؛ ليعطِفَ عليه غيرَه في اللَّفظِ، وليستأديَه ما بعْدَه في الحُكمِ. وتضمَّنَ هذا بُيوتَ الأبناءِ؛ لأنَّه لم ينُصَّ عليهم). ((تفسير ابن كثير)) (6/85). وقال السعدي: (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أي: حَرَجٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي: بُيوتِ أولادِكم، ... وليس المرادُ مِن قَولِه: مِنْ بُيُوتِكُمْ بيتَ الإنسانِ نفْسِه؛ فإنَّ هذا مِن بابِ تَحصيلِ الحاصِلِ، الذي يُنَزَّهُ عنه كلامُ اللهِ تعالى، ولأنَّه نَفى الحَرَجَ عمَّا يُظَنُّ أو يُتوهَّمُ فيه الإثمُ مِن هؤلاءِ المذكورينَ، وأمَّا بَيتُ الإنسانِ نفْسِه فليس فيه أدنى توَهُّمٍ). ((تفسير السعدي)) (ص: 575). وقال ابنُ عاشور: (المرادُ بأكلِ الإنسانِ مِن بيتِه الأكلُ غيرُ المُعتادِ، أي: أن يأكُلَ أكلًا لا يُشارِكُه فيه بقيَّةُ أهلِه، كأنْ يأكُلَ الرجُلُ وزَوجُه غائبةٌ، أو أن تأكُلَ هي وزوجُها غائِبٌ؛ فهذه أثَرَةٌ مُرَخَّصٌ فيها). ((تفسير ابن عاشور)) (18/301). وقال ابنُ عثيمين: (لا مانِعَ مِن أن يُرادَ بها بَيتُه الحَقيقيُّ وبَيتُ وَلَدِه. فإن قال قائِلٌ: أيُّ فائدةٍ في نَفيِ الحَرَجِ عن أكْلِه مِن بَيتِه؟! قُلْنا: لأجْلِ ما ذُكِرَ في آخِرِ الآيةِ، وهو قَولُه تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا [النور: 61] ، يعني: ليس عليك جُناحٌ أن تأكُلَ مِن بَيتِك، سواءٌ أكَلْتَ أنت وأهلُكَ، أو أكلتُم مُتفَرِّقينَ، وإن كان الأفضَلُ الاجتِماعَ على الأكْلِ...، لكِنْ مع ذلك لا جُناحَ، يعني: ليس على الإنسانِ جُناحٌ أنَّه يأكُلُ فيتغَذَّى وَحْدَه وعيالُه وَحْدَهم، أو يتغَذَّى وَحْدَه وزوجتُه وَحْدَها، أو ما أشبَهَ ذلك، ولا بأسَ أيضًا أن يأكُلوا جميعًا، لا بأسَ بهذا وبهذا). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 409). .
عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ أطيبَ ما أكلَ الرجُلُ مِن كَسْبِه، وإنَّ ولَدَه مِن كَسْبِه [1501] وإنَّ وَلَدَه مِن كَسْبِه: الكَسْبُ: الطَّلَبُ والسَّعيُ في طَلَبِ الرِّزقِ والمَعيشةِ، وإنَّما جُعِلَ الوَلَدُ كَسْبًا؛ لأنَّ الوالِدَ طَلَبَه وسعَى في تحصيلِه. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (4/171). ) [1502] أخرجه من طرقٍ أبو داود (3528)، النسائي (4452)، وابن ماجه (2137)، وأحمد (25845) واللفظ له. أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (4260)، وصحَّحه ابن حزم في ((المحلى)) (8/102)، وابن الملقِّن في ((البدر المنير)) (8/308)، وقال ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (2/419): (له طُرُقٌ متعددةٌ، بعضُها على شرط الصحيحين). وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2137). .
وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما، ((أنَّ رجُلًا قال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي مالًا وولدًا، وإنَّ أبي يريدُ أن يجتاحَ [1503] أن يَجتاحَ مالي: أي: يَستأصِلَه ويأتيَ عليه أخْذًا وإنفاقًا؛ مِنَ الجائِحةِ: وهي الآفةُ التي تُهلِكُ الثِّمارَ والأموالَ وتَستأصِلُها. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (1/311). مالي، فقال: أنت ومالُك لأبيك )) [1504] أخرجه ابن ماجه (2291)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (6728) واللفظ لهما، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (6150). صحَّحه ابنُ حزم في ((المحلى)) (8/106)، وابن القطان في ((الوهم والإيهام)) (5/102)، وابنُ القيم في ((الصواعق المرسلة)) (2/584)، وصحَّح إسنادَه ابنُ الملقِّن في ((البدر المنير)) (7/665)، والبوصيريُّ في ((مصباح الزجاجة)) (2/25)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2291). .
أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ.
أي: وليس عليكم -أيُّها المُسلِمونَ- إثمٌ في أكلِكم مِن بُيوتِ آبائِكم أو بُيوتِ أمَّهاتِكم، أو بُيوتِ إخوانِكم أو بُيوتِ أخواتِكم، أو بُيوتِ أعمامِكم أو بُيوتِ عَمَّاتِكم، أو بُيوتِ أخوالِكم أو بُيوتِ خالاتِكم [1505] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/371، 373)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/422)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/301). قال ابنُ عاشور: (المقصودُ بالأكلِ هنا: الأكلُ بدونِ دَعوةٍ، وذلك إذا كان الطَّعامُ مُحضَّرًا دونَ المُختَزَن). ((تفسير ابن عاشور)) (18/301). وقال البِقاعي: (أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ مِن الأبَوَينِ، أو الأبِ أو الأمِّ، بالنَّسَبِ أو الرَّضاعِ؛ فإنَّهم من أَولى من رضِيَ بذلك بعد الوالِدَينِ؛ لأنَّهم أشقَّاؤكم، وهم أولياءُ بُيوتِهم). ((نظم الدرر)) (13/316). وقال ابنُ عثيمين: (قَولُه: أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ يَشملُ الأبَ الأدنى والأعلى؛ فإنَّ الجَدَّ أَبٌ... قَولُه: أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ يَشملُ الأُمَّ الدُّنيا التي وَلَدت الإنسانَ، والأُمَّ العُليا التي هي الجَدَّةُ... قَولُه: أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ الأشِقَّاءِ، أو لأبٍ، أو لأمٍّ. قَولُه: أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ لكِنْ بشَرطِ ألَّا تكونَ ذاتَ زَوجٍ؛ فإنْ كانت ذاتَ زَوجٍ والمالُ له لم يكُنْ بَيتًا لأُختي، بل لِزَوجِها، لكِنْ إذا كانت الأُختُ لها بَيتٌ فإنَّه لا بأسَ أن يأكُلَ الإنسانُ من هذا البَيتِ. قَولُه: أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ يُقالُ في عَمَّاتِكم مِثلُ ما قيل في أَخَواتِكم، يعني: ما لم تكُنِ العَمَّةُ ذاتَ زَوجٍ، فلا يأكُلُ الإنسانُ مِن بَيتِ زَوجِها؛ لأنَّه له، وليس لها. قَولُه: أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ بالنِّسبةِ للأعمامِ والأخوالِ والخالاتِ يَشمَلُ الأَدنى مِن هؤلاء والأعلى؛ فالأدنى أخو أبيك بالنِّسبةِ للعَمِّ، والأعلى أخو جَدِّك وإنْ علا، وبالنِّسبةِ للخالِ الأَدنى أخو أمِّك، والأعلى أخو جَدِّتِك وإنْ عَلا؛ فإنَّه خالٌ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 410، 411). .
أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ.
أي: وليس عليكم إثمٌ في أكلِكم مِن البُيوتِ التي مفاتيحُها بأيديكم، فوُكِّلتُم بحِفظِها، وأُذِنَ لكم بالتصَرُّفِ فيها [1506] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/371، 373)، ((تهذيب اللغة)) للأزهري (4/258)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/422)، ((تفسير السعدي)) (ص: 575)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/302). قال ابن جُزي: (أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ يعني: الوكَلاءَ والأُجراءَ والعبيدَ الذين يُمسِكونَ مفاتِحَ مخازنِ أموالِ ساداتِهم، فأباح لهم الأكلَ منها). ((تفسير ابن جزي)) (2/76). ويُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/115)، ((تفسير الشوكاني)) (4/62). وقال ابن عاشور: (يأكُلُ كُلٌّ منهم ممَّا تحتَ يَدِه بدونِ إذنٍ، ولا يَتجاوَز شِبَعَ بطنِه). ((تفسير ابن عاشور)) (18/302). .
أَوْ صَدِيقِكُمْ.
أي: وليس عليكم إثمٌ في أكلِكم مِن بُيوتِ أصدقائِكم [1507] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/371، 373)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/422، 425)، ((تفسير ابن كثير)) (6/86)، ((تفسير السعدي)) (ص: 575)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/302). قال ابنُ جرير: (إذا أذِنوا لكم في ذلك، عندَ مغيبِهم ومَشهَدِهم). ((تفسير ابن جرير)) (17/373). وقال ابنُ كثير: (فلا جُناحَ عليكم في الأكلِ منها، إذا عَلِمتُم أنَّ ذلك لا يشُقُّ عليهم، ولا يَكرَهونَ ذلك). ((تفسير ابن كثير)) (6/86). وقال السعدي: (وهذا الحَرَجُ المَنفيُّ عن الأكلِ مِن هذه البُيوتِ، كُلُّ ذلك إذا كان بدونِ إذنٍ، والحِكمةُ فيه معلومةٌ مِنَ السِّياقِ؛ فإنَّ هؤلاء المُسَمَّينَ قد جرت العادةُ والعُرفُ بالمُسامَحةِ في الأكلِ منها؛ لأجْلِ القَرابةِ القَريبةِ، أو التصَرُّفِ التَّامِّ، أو الصَّداقةِ، فلو قُدِّرَ في أحدٍ مِن هؤلاء عَدَمُ المسامَحةِ، والشُّحُّ في الأكلِ المذكورِ: لم يَجُزِ الأكلُ، ولم يرتَفِعِ الحَرَجُ؛ نظَرًا للحِكمةِ والمَعنى). ((تفسير السعدي)) (ص: 575). .
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا.
أي: ليس عليكم إثمٌ في الأكلِ في تلك البُيوتِ المذكورةِ سواءٌ كنتُم مُجتَمِعينَ على الطَّعامِ أم متفَرِّقينَ يأكُلُ كلٌّ منكم بمُفرَدِه [1508] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/377)، ((تفسير السمرقندي)) (2/525)، ((الوسيط)) للواحدي (3/330)، ((تفسير ابن عطية)) (4/196)، ((تفسير السعدي)) (ص: 575). قال ابن عطية: (وكان بَعضُ العَرَبِ إذا كان له ضَيفٌ، لا يأكُلُ إلَّا أن يأكُلَ مع ضيفِه، فنَزَلت هذه الآيةُ مُبَيِّنةً سُنَّةَ الأكلِ، ومُذهِبةً كُلَّ ما خالفَها مِن سُنَّةِ العَرَبِ، ومُبيحةً مِن أكلِ المنفَرِدِ ما كان عند العَرَبِ مُحَرَّمًا؛ نَحَتْ به نحوَ كَرَمِ الخُلُقِ، فأفرَطَت في إلزامِه، وإنَّ إحضارَ الأكيلِ لحَسَنٌ، ولكِنْ بألَّا يَحرُمَ الانفِرادُ). ((تفسير ابن عطية)) ((4/196)). .
فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ.
أي: فإذا دَخلتُم -أيُّها المُسلِمونَ- بُيوتَكم أو بُيوتَ غَيرِكم [1509] مِن المفسِّرين مَن أدخلَ في عمومِ ذلك المساجِدَ. ومنهم: ابنُ جرير، وابن العربي، والبقاعي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/383، 384)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/427)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/318). ، فلْيُسلِّمْ بعضُكم على بَعضٍ [1510] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/383، 384)، ((الوسيط)) للواحدي (3/330)، ((تفسير البيضاوي)) (4/115)، ((تفسير السعدي)) (ص: 575)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/303). قال ابن العربي: (أي: ليسَلِّمْ بعضُكم على بعضٍ، وأطلق القولَ؛ لأنَّه قد بيَّن الحُكمَ في بُيوتِ الغيرِ؛ ليَدخُلَ تحت هذا العمومِ كُلُّ بيتٍ كان للغيرِ أو لنفْسِه... فإذا دخَل بيتًا لغَيرِه استأذَن كما تقدَّم، وإن دخَل بيتًا لنفْسِه... إذا كان فيه أهلُه وعيالُه وخَدَمُه، فلْيَقُلْ: السلامُ عليكم؛ فإنَّهم أهلٌ للتحيَّةِ منه... والذي أختارُه إذا كان البيتُ فارغًا أنَّه لا يلزَمُ السَّلامُ). ((أحكام القرآن)) (3/427). قال السعدي: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا نكرةٌ في سِياقِ الشَّرطِ؛ يشملُ بيتَ الإنسانِ وبيتَ غَيرِه، سواءٌ كان في البيتِ ساكنٌ أم لا). ((تفسير السعدي)) (ص: 575). وقال ابنُ حجرٍ: (ويدخُلُ في عُمومِ إفشاءِ السَّلامِ: السَّلامُ على النفْسِ لِمنْ دخَل مكانًا ليس فيه أحَدٌ؛ لِقَولِه تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ الآيةَ. وأخرَج البخاريُّ في الأدَبِ المُفردِ، وابنُ أبي شيبةَ بسَنَدٍ حَسَنٍ، عن ابنِ عُمَرَ: «فيُستحَبُّ إذا لم يكُنْ أحَدٌ في البيتِ أن يقولَ: السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصَّالحينَ»، وأخرج الطبريُّ عن ابنِ عباسٍ، ومِن طريقِ كُلٍّ مِن عَلْقَمةَ وعَطاءٍ ومُجاهدٍ، نحوَه). ((فتح الباري)) (11/20). .
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ رجُلًا سأل رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ الإسلامِ خَيرٌ؟ قال: ((تُطعِمُ الطَّعامَ، وتَقرأُ السَّلامَ على مَن عَرَفتَ ومَن لم تَعرِفْ )) [1511] رواه البخاري (28)، ومسلم (39). .
تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً.
أي: لِيُحَيِّ بَعضُكم بَعضًا -أيُّها المُسلِمونَ- بالسَّلامِ تحيةً شرَعَها اللهُ لكم كثيرةَ الخيراتِ والبَرَكاتِ، عظيمةَ الثَّوابِ والحَسَناتِ، جميلةً في ألفاظِها، حَسَنةً في معانيها، تجلِبُ المحبَّةَ والموَدَّةَ، وتَطِيبُ بها نفْسُ سامِعيها [1512] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/384)، ((تفسير السمعاني)) (3/553)، ((تفسير البيضاوي)) (4/115)، ((تفسير السعدي)) (ص: 575)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/304). قال ابنُ عاشور: (هي مِن جوامِعِ الكَلِمِ؛ لأنَّ المقصودَ مِن التحيَّةِ تأنيسُ الدَّاخِلِ بتأمينِه إن كان لا يَعرِفُه، وباللُّطفِ له إن كان معروفًا. ولفظُ «السَّلام» يجمَعُ المعنيينِ؛ لأنَّه مشتَقٌّ مِن السَّلامةِ، فهو دُعاءٌ بالسَّلامةِ، وتأمينٌ بالسَّلامِ؛ لأنَّه إذا دعا له بالسَّلامةِ فهو مسالِمٌ له، فكان الخَبَرُ كنايةً عن التأمينِ، وإذا تحقَّق الأمْرانِ حصَل خيرٌ كثيرٌ؛ لأنَّ السَّلامةَ لا تُجامِعُ شيئًا مِن الشَّرِّ في ذاتِ السَّالمِ، والأمانَ لا يُجامِعُ شَيئًا مِن الشَّرِّ يأتي مِن قِبَلِ المعتدي، فكانت دُعاءً تُرجَى إجابتُه، وعهدًا بالأمنِ يَجِبُ الوفاءُ به). ((تفسير ابن عاشور)) (18/304). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((خلَقَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ آدمَ على صورتِه، طولُه ستُّونَ ذِراعًا، فلمَّا خلَقَه قال: اذهَبْ فسلِّمْ على أولئِك النَّفرِ -وَهم نفَرٌ منَ الملائِكةِ جلوسٌ- فاستَمِعْ ما يُجيبونَك؛ فإنَّها تحيَّتُك، وتحيَّةُ ذرِّيَّتِك. قال: فذَهبَ فقال: السَّلامُ عليكم. فقالوا: السَّلامُ عليكَ ورحمةُ اللَّهِ. قال: فزادوهُ: ورحمةُ اللَّهِ ...)) الحديثَ [1513] رواه مسلم (2841). .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا تَدخُلونَ الجنَّةَ حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤمِنوا حتَّى تَحابُّوا، أوَلا أدُلُّكُم علَى شَيءٍ إذا فعلتُموه تحابَبتُم؟ أفشُوا السَّلامَ بيْنَكُم )) [1514] رواه مسلم (54). .
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
مناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر تعالى ما في السُّورةِ الكريمةِ مِنَ الأحكامِ المُحكَمةِ، والشَّرائِعِ المُتقَنةِ المُبرَمةِ، نَبَّه تعالى على أنَّه يُبَيِّنُ لعبادِه الآياتِ بيانًا شافيًا؛ ليَتَدبَّروها ويتعَقَّلوها [1515] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/88). .
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
أي: كما بيَّن اللهُ لكم -أيُّها المُؤمِنونَ- الأحكامَ [1516] قال ابن جرير: (وقوله: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ يقولُ تعالى ذِكرُه: هكذا يفصِّلُ الله لكم معالِمَ دينِكم فيُبيِّنُها لكم، كما فصَّل لكم في هذه الآيةِ ما أحلَّ لكم فيها، وعرَّفكم سبيلَ الدخولِ على مَن تدخلونَ عليه). ((تفسير ابن جرير)) (17/384). وقال ابن عطية: (والكافُ مِن قولِه: كَذَلِكَ كافُ تشبيهٍ، وذلك إشارةٌ إلى هذه السُّننِ، أي: كهذا الذي وصَف يَطَّرِدُ تبيينُ الآياتِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/197). وقال الشوكاني: (والإشارَةُ بقولِه: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ إلى مصدرِ الفعلِ الَّذي بعْدَه، كما في سائِرِ المواضعِ في الكتابِ العزيزِ، أي: مِثْلُ ذلك التَّبيينِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لكم الآياتِ الدَّالَّةَ على ما شَرَعه لكم مِن الأحكامِ). ((تفسير الشوكاني)) (4/60). بهذا الوُضوحِ والتَّمامِ، كذلك يبَيِّنُ لكم جميعَ آياتِ القُرآنِ وشرائِعِ الإسلامِ، بيانًا تامًّا واضِحًا شافيًا؛ لِتَفهموها وتتدبَّروها، وتَعمَلوا بها [1517] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/384)، ((تفسير السمرقندي)) (2/526)، ((تفسير ابن كثير)) (6/88)، ((تفسير السعدي)) (ص: 576)، ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 203). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً تفريعٌ على الإذنِ لهم في الأكلِ مِن هذه البُيوتِ، بأن ذكَّرَهم بأدَبِ الدُّخولِ المتقَدِّمِ في قَولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور: 27] ؛ لئلَّا يجعَلوا القَرابةَ والصَّداقةَ والمُخالَطةَ مُبيحةً لإسقاطِ الآدابِ؛ فإنَّ واجِبَ المرءِ أن يلازِمَ الآدابَ مع القريبِ والبعيدِ، ولا يغُرَّنَّه قَولُ النَّاسِ: إذا استوى الحُبُّ سقَطَ الأدَبُ [1518] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/303). !
2- قال الله تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فإنَّ مَعرفةَ أحكامِ اللهِ تعالى الشَّرعيَّةِ على وَجهِها تَزيدُ في العَقلِ، وينمو به اللُّبُّ؛ لِكَونِ معانيها أجَلَّ المعاني، وآدابُها أجَلَّ الآدابِ، ولأنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، فكلَّما استعمَل عقلَه للعَقلِ عن رَبِّه، وللتفَكُّرِ في آياتِه التي دعاه إليها؛ زادَه مِن ذلك [1519] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 575). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ فيه دليلٌ على قاعدةٍ عامَّةٍ كُلِّيَّةٍ، وهي: أنَّ (العُرفَ والعادةَ مُخَصِّصٌ للألفاظِ، كتَخصيصِ اللَّفظِ للَّفظِ)؛ فإنَّ الأصلَ: أنَّ الإنسانَ مَمنوعٌ مِن تناوُلِ طَعامِ غَيرِه، مع أنَّ اللهَ أباح الأكلَ مِن بُيوتِ هؤلاء؛ لِلعُرفِ والعادةِ، فكُلُّ مسألةٍ تتوقَّفُ على الإذنِ مِن مالِكِ الشَّيءِ، إذا عُلِمَ إذنُه بالقَولِ أو العُرفِ، جاز الإقدامُ عليه [1520] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 575). .
2- في قَولِه تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ بيانُ رحمةِ اللهِ سبحانه وتعالى، وسهولةِ هذه الشريعةِ في نَفيِ الحَرَجِ عمَّن يَستحِقُّه؛ ويَلحَقُ بذلك سائِرُ العاهاتِ [1521] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 419). .
3- قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ الأحكامُ تدورُ مع عِلَلِها، فإذا وُجِدَتِ العِلَّةُ في الحُكمِ ثَبَتَ، وإذا انتفتِ انتفَى الحُكمُ؛ لأنَّ نفيَ الحَرَجِ عن هؤلاء إنَّما كان لهذه العِلَّةِ التي فيهم، فإذا بَرِئ المريضُ واستقامُ، ومشى الأعرجُ، ورَدَّ اللهُ البصرَ على الأعمى؛ انتفَى هذا الحُكمُ في حقِّهم، وثَبَتَ في حقِّهم ما يثبُتُ في حقِّ السَّالِمينَ [1522] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 419). .
4- في قَولِه تعالى: وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ... إلى قَولِه سُبحانَه: أَوْ صَدِيقِكُمْ جوازُ الأكلِ مِن بُيوتِ هؤلاء المذكورينَ -ما لم يُعلَمْ عدَمُ رضاهم- سواءٌ بإذنٍ أو بغيرِ إذنٍ [1523] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 419). قال الشنقيطي: (ظاهِرُ القرآنِ أنَّ ذلك جائِزٌ مِن غيرِ إذْنٍ، وبعضُهم يقَيِّدُه بالإذنِ، وهذه المسألةُ ذاتُ طرفَينِ وواسطةٍ: الطرَفُ الأول: أن يُعلَمَ أنَّهم راضون بالأكلِ، وهذا لا كلامَ في جوازه. الطَّرفُ الثاني: أن يُعلَمَ عَدَمُ الرِّضا، وهذا لا يجوزُ معه الأكلُ بدون إذنٍ، والآيةُ خرجت مخرجَ الغالبِ؛ فإنَّ الغالِبَ في الأقارِبِ والأصدقاءِ الرِّضا والسَّماحُ. والواسطة: أن يُجهَلَ حالُ القريبِ أو الصديقِ مِن جِهةِ الرضا وعَدَمِه، والأظهرُ الجوازُ؛ لإطلاقِ الآيةِ، ولأنَّ العادةَ جرت بالتسامُحِ في مثل ذلك). ((تفسير سورة النور)) (ص: 200). ؛ إذْ لو كان بإذْنٍ ما كان لاختِصاصِ هؤلاء معنًى؛ لأنَّ الإذنَ يُبيحُ مِن جميعِ الأمكِنةِ، لكن بِشَرطِ ألَّا يُفْسِدَ ولا يَحْمِلَ [1524] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/501). .
5- قَولُ الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ فيه دليلٌ على أنَّ المتصَرِّفَ في بيتِ الإنسانِ -كزَوجتِه، وأُختِه، ونَحوِهما- يجوزُ له الأكلُ عادةً، وإطعامُ السَّائِلِ المُعتاد [1525] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 575). .
6- قَولُ الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ لم يذكُرْ بُيوتَ الأولادِ؛ اكتِفاءً بذِكرِ بُيُوتِكُمْ؛ لأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ بَعضُه، وحُكمُه حُكمُ نفْسِه، وبَيتُه بَيتُه [1526] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/71). ، فبُيوتُ الأبناءِ داخلةٌ في بُيوتهم أنفسِهم؛ فاكتفَى بذِكْرِها دونَها، وإلَّا فبُيوتُهم أقربُ مِن بُيوتِ مَن ذُكِر في الآيةِ [1527] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/88). قال ابن العربي: (وأما بيتُ الابنِ... كبَيتِ المرءِ نفْسِه... فيما كان غيرُ مُحرزٍ؛ فلا يَتبسَّط الأبُ على الابنِ في هَتكِ حِرزٍ وأخْذِ مالٍ؛ وإنَّما يأكُلُه مُسترسلًا فيما لم يقَعْ فيه حيازةٌ، ولكنْ بالمعروفِ، دُونَ فسادٍ ولا استِغنامٍ، وأمَّا بيتُ الأبِ للابنِ فمِثلُه، ولكنَّ تبسُّطَ الابنِ أقَلُّ مِن تبسُّطِ الأبِ، كما كان تبسُّطُ الزَّوجِ أقَلَّ مِن تبسُّطِ الزَّوجةِ). ((أحكام القرآن)) (3/424). .
7- قوله تعالى: وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ فيه أنَّ مالَ ابنِ الإنسانِ مالٌ له. وجْهُ الدلالةِ مِن الآيةِ: أنَّه لم يَذْكُرِ الأولادَ؛ فدلَّ على أنَّ المرادَ بالبُيوتِ بُيوتُكم وبُيوتُ أولادِكم، ولقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إنَّ أطيبَ ما أكلَ الرجُلُ مِن كَسْبِه، وإنَّ ولَدَه مِن كَسْبِه )) [1528] أخرجه من طرقٍ أبو داود (3528)، النسائي (4452)، وابن ماجه (2137)، وأحمد (25845) واللفظ له. أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (4260)، وصحَّحه ابن حزم في ((المحلى)) (8/102)، وابن الملقِّن في ((البدر المنير)) (8/308)، وقال ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (2/419): (له طُرُقٌ متعددةٌ، بعضُها على شرط الصحيحين). وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2137). ، وقولِه [1529] أخرجه ابن ماجه (2291)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (6728) واللفظ لهما، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (6150). صحَّحه ابنُ حزم في ((المحلى)) (8/106)، وابن القطان في ((الوهم والإيهام)) (5/102)، وابنُ القيم في ((الصواعق المرسلة)) (2/584)، وصحَّح إسنادَه ابنُ الملقِّن في ((البدر المنير)) (7/665)، والبوصيريُّ في ((مصباح الزجاجة)) (2/25)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2291). : ((أنت ومالُك لأبيكَ )) [1530] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 420). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن كثير)) (6/85). .
8- قَولُ الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ احتَجَّ أبو حنيفةَ رحمه اللهُ بهذه الآيةِ على أنَّ مَن سرَقَ مِن ذي رَحِمٍ مَحرَمٍ، أنَّه لا يُقطَعُ؛ لإباحةِ الله تعالى بهذه الآيةِ الأكلَ مِن بُيوتِهم، ودُخولَها بغَيرِ إذنِهم؛ فلا يكونُ مالُه مُحرَزًا منهم [1531] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/423). ويُنظر أيضًا: ((شرح مختصر الطحاوي)) للجَصَّاص (6/266)، ((فتح القدير)) للكمال ابن الهُمام (5/381). .
9- قَولُ الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ قد يَستَدِلُّ به من يُوجِبُ نفَقةَ الأقاربِ بَعضِهم على بَعضٍ، كما هو مذهبُ الإمامِ أبي حنيفةَ والإمامِ أحمَدَ بنِ حَنبلٍ، في المشهورِ عنهما [1532] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/85). ويُنظر في مذهب الحنفية: ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (3/64)، وفي مذهب الحنابلة: ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (5/481). .
10- قَولُ الله تعالى: أَوْ صَدِيقِكُمْ عدَلَ الصَّديقَ هنا بالقَريبِ؛ تنبيهًا على شريفِ رُتبةِ الصَّداقةِ، ولَطيفِ سِرِّها، وخَفِيِّ أمرِها [1533] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/317). .
11- في قَولِه تعالى: أَوْ صَدِيقِكُمْ دليلٌ على أنَّ للصَّداقةِ حقًّا، وهو كذلك، والسببُ: الصِّلةُ التي بيْنَك وبيْنَه [1534] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 414). ، قال جَعفرُ بنُ محمَّدٍ: (مِن عِظَمِ حُرمةِ الصَّديقِ أن جعَلَه كالنفْسِ والأبِ ومَن معَه) [1535] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/317). .
12- قولُه تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فيه رخصةٌ مِنَ اللَّهِ تعالَى في أنْ يأكلَ الرجُلُ وحْدَه، ومعَ الجماعةِ، وإنْ كان الأكلُ معَ الجماعةِ أفضَلَ وأبرَكَ [1536] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/86). .
13- قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فيه إباحةُ اجتِماعِ الجَماعةِ على الأكلِ، وإن تفاوَتوا فيه [1537] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 195). .
14- قَولُ الله تعالى: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً وصَفَها بالبَرَكةِ والطِّيبِ؛ لأنَّها دَعوةُ مُؤمِنٍ لِمُؤمنٍ، يُرجَى بها مِن اللهِ زيادةُ الخَيرِ، وطِيبُ الرِّزقِ [1538] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/258). ، ولِما فيها مِن نيَّةِ المُسالَمةِ، وحُسنِ اللِّقاءِ والمُخالطةِ، وذلك يُوفِّرُ خَيرَ الأُخُوَّةِ الإسلاميَّةِ [1539] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/305). .
15- في قَولِه تعالى: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ جَعَلَهم سُبحانَه مِن «أنفُسِهم»؛ لأنَّ المؤمنَ للمُؤمِنِ كالبُنْيانِ، يَشُدُّ بعضُه بعضًا، فهو كقَولِه تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ [التوبة: 128] ، فالمعنى إذَنْ: سَلِّمُوا على مَن فيها؛ لأنَّكم وإيَّاهم نفْسٌ واحِدةٌ [1540] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (4/384). ، فالمسلمون كأنَّهم شخصٌ واحدٌ، مِن تَوادُدِهم، وتراحمِهم، وتعاطفِهم [1541] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 575). . وقيل: عبَّر بـ أَنْفُسِكُمْ؛ ترغيبًا في السلامِ، والإحسانِ في الإكرامِ، ولتصلحَ العبارةُ لِما إذا لم يكنْ فيها أحدٌ، فيقالُ حينَئذٍ: (السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحينَ) [1542] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/319). ، وذلك على أحدِ القولينِ. وقيل: قولُه: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، أي: على أهْلِ البُيوتِ، وفي التَّعبيرِ عنهم بالأنفُسِ تَنبيهٌ على السِّرِّ الَّذي اقْتَضى إباحةَ الأكْلِ مِن هذه البُيوتِ المعدودةِ، وأنَّ ذلك إنَّما كان لأنَّها بالنِّسبةِ إلى الدَّاخلِ كبَيْتِ نفْسِه؛ لاتِّحادِ القرابةِ، فلْيَطِبْ نفْسًا بالبساطِ فيها [1543] يُنظر: ((حاشية ابن المنير على تفسير الزمخشري)) (3/258). .

16- في قَولِه تعالى: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فَضيلةُ السَّلامِ؛ فقد وَصَفَه اللهُ تعالى بثلاثةِ أوصافٍ: أنَّها تحيةٌ مِن عنده، وأنَّها مُباركةٌ، وطيِّبةٌ، وذلك مِن الآياتِ التي بيَّنَها الله تعالى للعبادِ وأوضحَها لهم؛ لِما في ذلك مِن جَلبِ المودَّةِ والمحبَّةِ والخيرِ [1544] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 420). .

بلاغة الآية:


قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
قولُه: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ... فائدةُ الإخبارِ برَفعِ الجُناحِ عمَّن أكَلَ مِن بَيتِه: التَّوطِئةُ؛ لِيَبْنيَ عليه ما يَعطِفُه على جُملتِه مِن البُيوتِ الَّتي قُصِدَ إباحةُ الأكلِ منها؛ فإنَّه إذا عُلِمَ أنَّ الإنسانَ لا جُناحَ عليه أنْ يأكُلَ مِن بَيتِه، فكذلك لا جُناحَ عليه أنْ يأكُلَ مِن هذه البُيوتِ؛ لِيُشيرَ إلى أنَّ أموالَ هذه القرابةِ كَمالِ الإنسانِ؛ فيكونُ سُبحانه قد أدمَجَ في ذلك الحضَّ على صِلَةِ الأرحامِ، ومُعامَلَتِهم مُعامَلةَ الإنسانِ نفْسَه [1545] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/655). .
وفي قولِه: وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أُعِيدَ حرفُ (لا) مع المعطوفِ على المَنْفيِّ قبْلَه؛ تأكيدًا لمعنى النَّفيِ، وهو استعمالٌ كثيرٌ [1546] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/301). .
قولُه: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ فيه تَخصيصُ هؤلاء بالذِّكرِ؛ لاعتيادِهم التَّبسُّطَ فيما بيْنهم [1547] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/115)، ((تفسير أبي السعود)) (6/196). ، وقدَّمَ الأبَ؛ لأنَّه أجَلُّ، وهو حاكِمُ بَيتِه دائِمًا، والمالُ له [1548] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/316). .
قولُه: أَوْ صَدِيقِكُمْ فيه التَّعبيرُ عن الصَّديقِ بالإفرادِ، كما في قولِه: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100، 101]؛ حيث أفرَدَ الصَّديقَ دونَ الشَّافعينَ؛ قِيلَ: وسِرُّ ذلك: التَّنبيهُ على قِلَّةِ الأصدقاءِ. ويَحتمِلُ في الآيتينِ -واللهُ أعلَمُ- أنْ يكونَ المُرادُ به الجمْعَ؛ فالصَّديقُ يقَعُ على الواحدِ وعلى الجمْعِ؛ ككلمةِ (العدوِّ)، كما في قولِه تعالَى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء: 77]، فالمعنى: (أو بيوتِ أصدقائِكم)، فالمرادُ به هنا جمعٌ؛ ليُناسبَ ما ذُكِر قبلَه مِن الجموعِ في قولِه: آَبَائِكُمُ وأُمَّهَاتِكُمْ وغيرِ ذلك [1549] يُنظر: ((تفسير الزمخشري - حاشية ابن المنير)) (3/ 257)، ((تفسير القرطبي)) (12/315)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/153)، ((تفسير ابن جزي)) (2/76)، ((تفسير الألوسي)) (9/409). .
قولُه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا كَلامٌ مُستأنَفٌ، مَسوقٌ لِبَيانِ حُكْمٍ آخَرَ مِن جنسِ ما بُيِّنَ قبْلَه [1550] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/196). .
وأُعِيَدت جُملةُ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ تأكيدًا للأُولى في قولِه: وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ إذ الجُناحُ والحرَجُ كالمُترادفَينِ. وحَسُنَ هذا التَّأكيدُ بعْدَما بيَّنَ الحالَ وصاحِبَها، وهو واوُ الجَماعةِ في قولِه: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ، ولأجْلِ كونِها تأكيدًا فُصِلَت بلا عطْفٍ [1551] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/302). .
وقولُه: أَشْتَاتًا على القولِ بأنَّه في الأصْلِ مَصدرٌ؛ فيكونُ وصَفَ به مُبالَغةً [1552] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/196). .
قولُه: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ تَكريرُه ثلاثًا؛ لِمَزيدِ التَّأكيدِ، وتَفخيمِ الأحكامِ المُختتَمةِ به. وفي تَعليلِ هذا التَّبيينِ بهذه الغايةِ القُصوى -لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ- بعْدَ تَذييلِ الأوَّلَينِ بـ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور: 58 و59] بما يُوجِبُهما مِن الجَزالةِ: ما لا يَخْفى [1553] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/115)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/156)، ((تفسير أبي السعود)) (6/197)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/305). .
وقدِ اشتمَلَتْ هذه الآيةُ الكريمةُ أيضًا على أنواعٍ مِن فُنونِ البلاغةِ والبديعِ؛ منها: صِحَّةُ التَّقسيمِ؛ وذلك لاستيعابِ الكلامِ جميعَ أقسامِ الأقاربِ القريبةِ، بحيث لم يُغادِرْ منها شيئًا. ومنها: التَّهذيبُ؛ وذلك في انتقالِ الكلامِ على مُقْتضى البلاغةِ في هذا المكانِ؛ فإنَّ مُقْتضى البلاغةِ تَقديمُ الأقربِ فالأقرَبِ كما جاء فيها. ومنها: حُسْنُ النَّسقِ؛ وذلك في اختيارِه (أو) لِعطْفِ الجُمَلِ، وهي تدُلُّ على الإباحةِ. ومنها: المُناسَبةُ؛ وذلك بمُناسَبةِ الألفاظِ بعْضِها ببَعضٍ في الزِّنَةِ، وهي واضحةٌ في الألفاظِ (آبائِكم- إخوانِكم- أعمامِكم- أخوالِكم). ومنها: المثَلُ؛ وذلك في قولِه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا، حيث خرَجَ مَخرَجَ المثَلِ السَّائرِ الَّذي يصِحُّ أنْ يُتمثَّلُ به في كلِّ واقعةٍ تُشبِهُ واقعِتَه. ومنها: التَّذييلُ؛ فإنَّ الكلامَ الَّذي خرَجَ مَخرَجَ المثَلِ جاء تَذييلًا لمعنى الكلامِ المُتقدِّمِ؛ لِقَصْدِ تَوكيدِه وتَقريرِه [1554] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/654- 657). .
وقولُه: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قولُه: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أضافها اللهُ إليه؛ لأنَّه هو الذي شَرَعها وأمَرَ بها، يعني: هذه التحيَّةُ مِن عندِ الله، أو لأنَّه غايتُها، أي: الذي تَنتهي إليه هذه التحيَّةُ لِيُثيبَ عليها ويُجيبَها؛ لأنَّك تقول: السَّلامُ علينا، أو السَّلامُ عليكم؛ فهي تُطلَبُ منه، فهو غايتُها، أو هو مُشَرِّعُها [1555] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 417). .