موسوعة التفسير

سورةُ طه
الآيات (80-82)

ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ

غريب الكلمات:


الْمَنَّ: المنُّ: شيءٌ حُلوٌ كان يسقُطُ على شَجَرِهم، فيجتَنونَه فيأكلونَه، وقيل: المنُّ مصدرٌ يَعُمُّ جميعَ ما مَنَّ اللَّه به على عبادِه مِن غيرِ تَعَبٍ ولا زَرْعٍ، وأصلُ (منن): اصطِناعُ خَيْرٍ [707] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 49)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 408)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/267)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 778)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 17)، ((تفسير القرطبي)) (1/406)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 87). .
وَالسَّلْوَى: السَّلْوَى: طائِرٌ يُشبِهُ السُّمانَى، لا واحِدَ له مِن لفظِه، واشتقاقُ السَّلوى من السَّلوةِ؛ لأنَّه لطِيبِه يُسلِّي عن غَيرِه [708] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 50)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/267)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 17)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 75). .
فَيَحِلَّ: أي: يجِبَ، ويلزمَ، مِن: حَلَّ الدَّينُ يَحِلُّ -بكسرِ الحاءِ-؛ إذا وَجَب أداؤُه، وأصلُ (حلل): فتحُ الشَّيءِ [709] يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (4/547)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 389)، ((تفسير الشوكاني)) (3/448). .
 هَوَى: أي: هلَك، وصار إلى الهاويةِ، يُقالُ: هَوَتْ أُمُّه: أي: سقَط سُقوطًا لا نهوضَ بعدَه، وأصلُه أنْ يسقُطَ مِن جبلٍ أو نحوِه، فيَهوِيَ إلى الأرضِ  فيَهلِكَ، وأصلُ (هوي): يدُلُّ على خُلُوٍّ وسُقوطٍ [710] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 281)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/15)، ((تفسير السمعاني)) (3/346)، ((تفسير أبي حيان)) (7/365)، ((تفسير الشوكاني)) (3/448)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/76). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ اللهُ تعالى مذكِّرًا بنى إسرائيلَ بنِعَمِه عليهم: يا بني إسرائيلَ قد أنجَيناكم مِن عَدُوِّكم فِرعَونَ، وواعدْناكم جانِبَ جبَلِ الطُّورِ الأيمَنَ؛ لإنزالِ التَّوراةِ عليكم، ونزَّلْنا عليكم الرِّزقَ الطيِّبَ الذي تحصُلونَ عليه بلا كُلفةٍ. كُلُوا مِن رِزقِنا الطَّيِّبِ، ولا تعتَدُوا فيه بالجُحودِ وتَركِ الشُّكرِ؛ فيَحِقَّ عليكم غَضَبي، ومَن يَحِقَّ عليه غَضَبي فقد هلك وخَسِرَ. وإنِّي لَغفَّارٌ لِمَن تاب مِن ذَنبِه وكُفرِه، وآمَنَ بي وعَمِلَ الأعمالَ الصَّالحةَ، ثمَّ اهتدى إلى الحَقِّ واستقامَ عليه حتَّى مَماتِه.

تفسير الآيات:


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80).
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ.
أي: قال الله تعالى: يا بني إسرائيلَ [711] قيل: الخطابُ لبني إسرائيلَ بعدَ إنجائِهم مِن البحرِ، وإهلاكِ فرعونَ، على إضمارِ: (قلنا)، وقيل: الخطابُ لليهودِ المعاصرينَ لنبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّ النعمةَ على الآباءِ معدودةٌ مِن النعمِ على الأبناءِ. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/34)، ((تفسير القنوجي)) (8/259). قد أنجيناكم مِن عَدُوِّكم فِرعَونَ، فأغرقناه وجُنودَه [712] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/124)، ((تفسير ابن كثير)) (5/308)، ((تفسير السعدي)) (ص: 510). .
كما قال تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة: 49، 50].
وقال سُبحانَه: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ [الدخان: 30، 31].
وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ.
أي: وواعَدْناكم جانِبَ جَبَلِ الطُّورِ الأيمنَ [713] قال ابنُ جزي: (والطورُ هو الجبلُ، واختُلِف هل هذا الطورُ هو الذي رأى فيه موسى النارَ في أولِ نبوتِه، أو هو غيرُه). ((تفسير ابن جزي)) (2/11). وقال الرازي: (قال المفسِّرون: ليس للجبلِ يمينٌ ولا يسارٌ، بل المرادُ أنَّ طورَ سيناءَ عن يمينِ مَن انطلَق مِن مصرَ إلى الشامِ). ((تفسير الرازي)) (22/83). وقال ابن عطية: (وقوله الْأَيْمَنِ إمَّا أن يريدَ اليُمنَ، وإما أن يريدَ اليمينَ بالإضافةِ إلى ذي يمينِ إنسانٍ أو غيرِه). ((تفسير ابن عطية)) (4/56). وقال ابنُ عاشور: (وجانِبُ الطورِ: سَفحُه. ووصفُه بالأيمنِ باعتِبارِ جِهةِ الشَّخصِ المُستَقبِل مَشرِقَ الشَّمسِ، وإلَّا فليس للجَبَلِ يمينٌ وشِمالٌ مُعَيَّنانِ، وإنما تُعرَفُ بمعرفةِ أصلِ الجِهاتِ، وهو مَطلعُ الشَّمسِ، فهو الجانِبُ القِبليُّ باصطلاحِنا. وجَعَل محَلَّ المواعَدةِ الجانِبَ القِبليَّ وليس هو من الجانِبِ الغربيِّ الذي في سورة «القَصَص»: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ وقال فيها: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ [القصص: 44] فهو جانبٌ غربيٌّ، أي: من جهةِ مَغربِ الشَّمسِ مِن الجبَلِ، وهو الذي آنس موسى منه نارًا). ((تفسير ابن عاشور)) (16/274). لإنزالِ التَّوراةِ؛ لتهتَدوا بها [714] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 701)، ((تفسير الزمخشري)) (3/79)، ((تفسير ابن كثير)) (5/308)، ((تفسير السعدي)) (ص: 510)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/273-274)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/74). قيل: كانت المواعدةُ لموسى. وممَّن قال بذلك: الواحدي، والسعدي. يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 701)، ((تفسير السعدي)) (ص: 510). وقال القرطبي: (تقديرُ الآيةِ: وواعَدْناكم إتيانَ جانبِ الطورِ، ثم حذفَ المضافَ. قال النحاسُ: أي: أمرْنا موسى أن يأمرَكم بالخروجِ معه ليكلمَه بحضرتِكم فتسمعوا الكلامَ. وقيل: وعد موسى بعدَ إغراقِ فِرعَونَ أن يأتيَ جانبَ الطورِ الأيمنَ فيؤتيه التوراةَ، فالوعدُ كان لموسى، ولكن خُوطِبوا به؛ لأنَّ الوعدَ كان لأجلِهم). ((تفسير القرطبي)) (11/230). وممن قال بأنَّ المواعدةَ كانت لبني إسرائيلَ جميعًا: البقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) (12/319). وقيل: المواعدةُ كانت لموسى ومَن اختارهم لميقاتِ رَبِّه. وممَّن ذهب إلى ذلك: الزمخشري، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/79)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/274-275). .
كما قال تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف: 142].
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى.
أي: ونزَّلْنا عليكم [715] قيل: نزولُ المنِّ والسلوى المذكورُ هنا كان في التِّيهِ. وممَّن قال بذلك: الواحدي، والقرطبي، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/216)، ((تفسير القرطبي)) (11/230)، ((تفسير الشوكاني)) (3/447)، ((تفسير السعدي)) (ص: 510). قال الواحدي: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى يعني في التِّيهِ، وهذا مخاطبتُه لمن كان فِي عصرِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من اليهودِ). ((الوسيط)) (3/216). وقال أبو حيان: (الظاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِمن نجا معَ موسى بعدَ إغراقِ فِرعَونَ. وقيل: لمعاصري الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم اعتراضًا في أثناءِ قِصَّةِ موسى؛ توبيخًا لهم إذ لم يصبِرْ سَلَفُهم على أداءِ شُكرِ نِعَمِ الله، فهو على حذفِ مُضافٍ، أي: أنجينا آباءَكم مِن تعذيبِ آلِ فِرعَون). ((تفسير أبي حيان)) (7/363-364). وقيل: نزولُ المنِّ والسلوَى كان في المواعدةِ لإنزالِ التوراةِ. وممن قال بذلك: البقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) (12/319). -يا بني إسرائيلَ- رِزقًا طيِّبًا سَهلًا، تحصُلونَ عليه بلا كُلفةٍ، ولا مَشقَّةٍ [716] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/230)، ((تفسير ابن كثير)) (5/308)، ((تفسير السعدي)) (ص: 510). قال الشِّنقيطي: (أكثَرُ العُلَماءِ على أنَّ المَنَّ: التُّرَنْجَبينُ، وهو شيءٌ ينزِلُ من السَّماءِ كنُزولِ الندى ثم يتجَمَّدُ، وهو يشبهُ العَسَل الأبيض. والسَّلوى: طائر يُشبِهُ السُّمَانى. وقيل: هو السُّمانى. وهذا قولُ الجمهورِ في المنِّ والسَّلوى... والأظهَرُ عندي في المَنِّ: أنَّه اسمٌ جامِعٌ لِما يمُنُّ الله به على عبدِه مِن غَيرِ كَدٍّ ولا تعَبٍ، فيدخُلُ فيه التُّرَنْجَبينُ الذي منَّ الله به على بني إسرائيلَ في التِّيهِ، ويَشملُ غيرَ ذلك مما يماثِلُه، ويدُلُّ على هذا قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم الثابِتُ في الصَّحيحينِ: «الكَمْأةُ مِن المَنِّ» والأظهَرُ عندي في السلوى: أنَّه طائِرٌ سواءٌ قلنا: إنَّه السُّمانى، أو طائِرٌ يُشبِهُه؛ لإطباقِ جمهورِ العُلَماءِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ على ذلك). ((أضواء البيان)) (4/74، 75). ويُنظر ما تقدَّم مِن تفسيرِ المنِّ والسلوَى في سورةِ البقرةِ آية رقم (57). .
كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81).
كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ.
أي: وقُلْنا لبني إسرائيلَ: كُلُوا من الطَّعامِ الحَلالِ اللَّذيذِ الذي رزَقْناكم [717] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/125)، ((تفسير ابن عطية)) (4/56)، ((تفسير القرطبي)) (11/230)، ((تفسير أبي حيان)) (7/364)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/75). .
وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى.
القِراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسيرِ:
في قولِه تعالى: وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى قراءتانِ:
1-  فَيَحُلَّ يَحْلُلْ بضمِّ الحاءِ فيهما، مِن حَلَّ يَحُلُّ، أي: نَزَل [718] قرَأ بها الكسائيُّ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/321). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/156)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 460)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/86). .
2-  فَيَحِلَّ يَحْلِلْ بكسر الحاء فيهما، مِنْ حَلَّ عليه كذا يَحِلُّ، أي: وَجَب [719] قرَأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/321). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/156)، ((حجة القراءات)) لابن زنحلة (ص: 460)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/86). .
وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي.
أي: ولا تتجاوَزوا الحدَّ فيما رَزَقْناكم -ومِن ذلك أن تَكفُروا هذه النِّعمةَ، وتَترُكوا شُكري، وتسْتَعينوا برِزْقي على معصيتي، وتمْنَعوا الحقوقَ الواجبةَ عليكم- فيَجِبَ عليكم حينئذٍ غَضَبي، وتلزمَكم عُقوبتي [720] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/125)، ((تفسير الرازي)) (22/83)، ((تفسير القرطبي)) (11/230)، ((تفسير السعدي)) (ص: 510)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/275)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/75). قال الرازي: (في قَولِه تعالى: وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ وجوه: أحدُها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تطغَوا، أي: لا يظلِمْ بعضُكم بعضًا فيأخُذَه من صاحبه. وثانيها: قال مقاتل والضحاك: لا تظلموا فيه أنفُسَكم بأن تتجاوزوا حدَّ الإباحة. وثالثها: قال الكلبي: لا تكفُروا النِّعمةَ، أي: لا تستعينوا بنعمتي على مخالفتي، ولا تُعرِضوا عن الشُّكرِ، ولا تَعدِلوا عن الحلالِ إلى الحرامِ). ((تفسير الرازي)) (22/83). .
وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى.
أي: ومن يجِبْ عليه غضبي فقد هلك وشَقِيَ [721] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/126)، ((تفسير ابن كثير)) (5/308)، ((تفسير السعدي)) (ص: 510)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/76). .
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا حَذَّرَ الله تعالى من الطُّغيانِ فيما رَزَق، وحَذَّر مِن حُلولِ غَضَبِه؛ فتَحَ بابَ الرَّجاءِ للتَّائبينَ، وهي قولُه [722] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/365). :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82).
أي: وإنِّي لكثيرُ المغفرةِ لِمن رجَعَ عمَّا كان فيه من كُفرٍ أو شِركٍ، أو نفاقٍ أو مَعصيةٍ، وآمَنَ بكلِّ ما يجِبُ الإيمانُ به، وأخلَصَ لله في عبادتِه، وعَمِلَ الأعمالَ الصَّالِحةَ تَصديقًا لإيمانِه، ثمَّ [723] قال ابنُ كثير: («ثمَّ» هاهنا لترتيبِ الخبرِ على الخبرِ، كقَولِه تعالى: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد: 17]). ((تفسير ابن كثير)) (5/309). لَزِمَ ذلك فثَبَت على التَّوبة، وأقام على الإيمانِ، واستمرَّ على القيامِ بالأعمالِ الصَّالحةِ حتى مماتِه [724] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/126)، ((تفسير القرطبي)) (11/231)، ((تفسير ابن كثير)) (5/308، 309)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/320)، ((تفسير السعدي)) (ص: 511)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/276)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/76-77). .
كما قال تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38].
وقال سُبحانَه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53].
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: 30].
وعن سُفيانَ بنِ عَبدِ اللهِ الثَّقَفيِّ رَضِيَ الله عنه، قال: ((قلتُ: يا رسولَ اللهِ، قلْ لي في الإسلامِ قولًا لا أسألُ عنه أحدًا بَعدَك، قال: قل: آمَنتُ باللهِ، فاستَقِمْ )) [725] رواه مسلم (38). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى فيه أنَّ من تاب من الكُفرِ والبِدعةِ والفُسوقِ، وآمن باللهِ ومَلائكِتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ، وعَمِلَ صالِحًا من أعمالِ القَلبِ والبَدَنِ، وأقوالِ اللِّسانِ، وسلَك الصِّراطَ المستقيمَ، وتابَعَ الرَّسولَ الكريمَ، واقتدى بالدِّينِ القويمِ؛ فهذا يَغفِرُ اللهُ أوزارَه، ويعفو عما تقَدَّمَ مِن ذَنبِه وإصرارِه؛ لأنَّه أتَى بالسَّبَبِ الأكبَرِ للمَغفرةِ والرَّحمةِ، بل الأسبابُ كلُّها منحصرةٌ في هذه الأشياءِ؛ فإنَّ التوبةَ تجبُّ ما قبلَها، والإيمانَ والإسلامَ يهدمُ ما قبلَه، والعملَ الصالحَ -الذي هو الحسناتُ- يُذهِبُ السيئاتِ، وسلوكُ طرقِ الهدايةِ بجميعِ أنواعِها؛ مِن تعلُّمِ عِلمٍ، وتدبُّرِ آيةٍ أو حديثٍ، حتى يتبينَ له معنى مِن المعاني يهتدي به، ودعوةٍ إلى دينِ الحقِّ، وردِّ بدعةٍ أو كفرٍ أو ضلالةٍ، وجهادٍ، وهجرةٍ، وغيرِ ذلك مِن جزئياتِ الهدايةِ، كلُّها مكفراتٌ للذنوبِ، محصِّلاتٌ لغايةِ المطلوبِ [726] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 510). .
2- مِن أعجبِ ما ظاهرُه الرجاءُ، وهو شديدُ التخويفِ، قولُه تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى؛ فإنه علَّق المغفرةَ على أربعةِ شروطٍ، يصعبُ تصحيحُها [727] يُنظر: ((مختصر منهاج القاصدين)) لأبي العباس ابن قدامة (ص: 308). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى فيه سؤالٌ: أنَّ مَن تاب وآمنَ وعَمِلَ صالِحًا، فلا بُدَّ أن يكونَ مُهتَدِيًا، فما معنى قَولِه: ثُمَّ اهْتَدَى بعد ذِكرِ هذه الأشياءِ؟
الجوابُ مِن وجوهٍ؛ منها:
الوجهُ الأوَّل: أنَّ المرادَ منه الاستمرارُ على تلك الطَّريقةِ؛ إذ المهتدي في الحالِ لا يكفيه ذلك في الفَوزِ بالنَّجاةِ حتى يستَمِرَّ عليه في المُستقبَلِ، ويموتَ عليه. ويؤكِّدُه قولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت: 30].
الوجهُ الثاني: أنَّ المرادَ مِن قَولِه: ثُمَّ اهْتَدَى أي: عَلِمَ أنَّ ذلك بهدايةِ اللهِ وتوفيقِه، وبَقِيَ مُستعينًا باللهِ في إدامةِ ذلك مِن غَيرِ تَقصيرٍ [728] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/84). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى
- رُتِّبَ ذِكْرُ هذه النِّعمِ تَرتيبًا حَسنًا، حيث قُدِّمَت عليها النِّعمةُ العظيمةُ، وهي خَلاصُهم مِن استعبادِ الكَفرةِ؛ فبدَأَ بإزالةِ ما كانوا فيه مِن الضَّررِ مِن الإذلالِ والخراجِ والذَّبْحِ، وهي آكَدُ أنْ تكونَ مُقدَّمةً على المَنفعةِ الدُّنيويَّةِ؛ لأنَّ إزالةَ الضَّررِ أعظَمُ في النِّعمةِ من إيصالِ تلك المنفعةِ، ثمَّ أعقَبَ ذلك بذِكْرِ المنفعةِ الدِّينيَّةِ، وهي قولُه: وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ؛ إذ أنزَلَ على نَبِيِّهم مُوسى كِتابًا فيه بَيانُ دِينِهم وشرْحُ شَريعتِهم، ثمَّ ذكَرَ المنفعةَ الدُّنيويَّةَ، وهي قولُه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [729] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/363)، ((تفسير أبي السعود)) (6/33)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/273). .
- قولُه: وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ عَدَّى المُواعدةَ إليهم؛ لأنَّها لَابَسَتْهم واتَّصلَتْ بهم، حيث كانت لنَبِيِّهم ونُقبائِهم، وإليهم رجعَتْ منافِعُها الَّتي قام بها دِينُهم وشرْعُهم، وفيما أفاض عليهم من سائِرِ نِعَمِه وأرزاقِه، وإيفاءً لمقامِ الامتنانِ حَقَّه [730] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/79)، ((تفسير البيضاوي)) (4/34)، ((تفسير أبي حيان)) (7/364)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 366)، ((تفسير أبي السعود)) (6/33)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/274- 275). .
2- قوله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى
- قولُه: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ جُملةٌ مُستأنَفةٌ مَسوقةٌ لبَيانِ إباحةِ ما ذُكِرَ لهم، وإتْمامًا للنِّعمةِ عليهم [731] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/33). .
3- قوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى
- جُملةُ: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ إلى آخرِها، استطرادٌ بعْدَ التَّحذيرِ مِن الطُّغيانِ في النِّعمةِ، بالإرشادِ إلى ما يُتدارَكُ به الطُّغيانُ إنْ وقَعَ بالتَّوبةِ، والعمَلِ الصَّالحِ [732] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/276). .
- وقولُه: ثُمَّ اهْتَدَى (ثمَّ) للتَّراخي في الرُّتبةِ، واستُعملَتْ للدَّلالةِ على التَّبايُنِ بين الشَّيئينِ في المنزلةِ، كما كانت للتَّبايُنِ بين الوقْتينِ في الحُدوثِ؛ فمَنزِلَةُ الاستِقامةِ على الخيرِ مُبايِنَةٌ لمَنزِلَةِ الخيرِ نفْسِه؛ لأنَّها أعلَى منها وأفضَلُ؛ فلَمَّا كانتْ رُتبةُ الاستمرارِ على الاستقامةِ في غايةِ العُلوِّ، عبَّر عنها بأداةِ التراخِي فقال: ثُمَّ اهْتَدَى [733] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/80)، ((تفسير أبي حيان)) (7/365)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/320)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/276). .