موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيات (34-36)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ

غريب الكلمات:


 تُؤْفَكُونَ: أي: تُصرَفون عن الحقِّ، وتُصَدُّون عن الصوابِ، وتَعْدلونَ، يُقالُ: أفَكَ الرجلُ عن كذا: إذا عدَل عنه، والإفْكُ: كلُّ مصروفٍ عن وجهِه الذي يحقُّ أن يكونَ عليه، وأصلُ (أفك): قلبُ الشيءِ، وصرفُه عن جهتِه [491] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 145)، ((تفسير ابن جرير)) (9/424)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/118)، ((المفردات)) للراغب (ص: 79)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 85). .

المعنى الإجمالي:


يأمُرُ اللهُ نَبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقولَ للمُشرِكينَ: هل مِن آلهتِكم- الذين زعَمتُم أنَّهم شُرَكاءُ لله في العبادةِ- مَن يَبتَدِئُ خلقَ أيِّ شَيءٍ، ثمَّ إذا مات يُعيدُه مَرَّةً أُخرَى؟ ثم يأمرُه أن يجيبَهم قائلًا: اللهُ وَحدَه يبدأُ الخَلقَ ثُمَّ يعيدُه، فكيف تُصرَفونَ عن اتِّباعِ الحقِّ إلى الباطلِ؟!
ويأمُرُه تعالى أن يقولَ لهم: هل من آلهتِكم- الذين زعمتُم أنَّهم شُرَكاءُ للهِ في العبادةِ- مَن يهدي إلى الحَقِّ، وأن يجيبَهم بقولِه: اللهُ وَحدَه مَن يَهدِي إلى الحَقِّ، آللَّهُ الذي يهدي إلى الحَقِّ أحَقُّ أن يُطاعَ، أم شُرَكاؤُهم الذين لا يَهتَدونَ، ولا يَهدُونَ إلَّا أن يهدِيَهم غيرُهم؟! فما لكم- أيُّها المُشرِكونَ- كيف تحكمونَ؟
ويُبَيِّنُ الله تعالى أنَّه ما يتَّبِعُ أكثرُ هؤلاء المُشرِكينَ في إشراكِهم باللهِ تعالى إلَّا مُجَرَّدَ ظَنٍّ ضعيفٍ، مِن غَيرِ يَقينٍ، وهو لا يُغني من اليقينِ شَيئًا، إنَّ اللهَ عليمٌ بما يَفعلونَ.

تفسير الآيات:


قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا استفْهَم الكافرينَ عن أشياءَ مِن صِفاتِ اللهِ تعالى واعتَرَفوا بها، ثمَّ أنكَرَ عليهم صَرْفَهم عن الحَقِّ وعبادةِ اللهِ، استَفْهَم عن شيءٍ هو سبَبُ العبادةِ، وهو إبداءُ الخَلقِ، وهم يُسَلِّمونَ ذلك: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ثمَّ أعاد الخَلقَ وهم مُنكِرونَ ذلك، لكِنَّه عَطَفَه على ما يُسَلِّمونَه؛ لِيُعلَمَ أنَّهما سواءٌ بالنِّسبةِ إلى قُدرةِ الله تعالى، وأنَّ ذلك لِوضوحِه وقيامِ بُرهانِه، قُرِنَ بما يُسلِّمونَه؛ إذْ لا يدفَعُه إلَّا مكابِرٌ، إذ هو من الواضحاتِ التي لا يختَلِفُ في إمكانِها العُقَلاءُ [492] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/54). .
وأيضًا بعدَ أن أقام عليهم الدليلَ على انفرادِ الله تعالى بالرزقِ، وخلقِ الحواسِّ، وخلقِ الأجناسِ، وتدبيرِ جميعِ الأمورِ، وأنَّه المستحقُّ للإلهيةِ بسببِ ذلك الانفرادِ؛ بيَّن هنا أنَّ آلهتَهم مسلوبةٌ مِن صفاتِ الكمالِ، وأنَّ اللهَ متَّصفٌ بها، فقال تعالى [493]  يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/160). :
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.
أي: قُلْ- يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: هل من آلهَتِكم- التي زَعَمتُم أنَّها شُرَكاءُ لله في العبادةِ- مَن يبتدِئُ خَلقَ أيِّ شَيءٍ مِن العَدَمِ، ثمَّ إذا مات يُعيدُه إلى الحياةِ مَرَّةً أخرى [494] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/177، 178)، ((تفسير ابن عطية)) (3/118)، ((تفسير القرطبي)) (8/341)، ((تفسير ابن كثير)) (4/267)، ((تفسير السعدي)) (ص: 364). ؟!
قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.
أي: قُل- يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: اللهُ وَحدَه هو الذي يَبتَدِئُ خَلقَ كُلِّ شَيءٍ مِن العدَمِ، ثمَّ يُعيدُه بعد مَوتِه متى شاء مِن غَيرِ مُعاوِنٍ ولا شريكٍ [495] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/178)، ((تفسير القرطبي)) (8/341)، ((تفسير ابن كثير)) (4/267)، ((تفسير السعدي)) (ص: 364)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/161). .
كما قال تعالى: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [يونس: 4].
وقال سبحانه: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [العنكبوت: 20].
وقال عزَّ وجَلَّ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: 27].
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.
أي: فكيف تُصرَفونَ وتُقلَبونَ عن اتِّباعِ الحَقِّ إلى الباطِلِ [496] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/178)، ((تفسير ابن عطية)) (3/118)، ((تفسير القرطبي)) (8/341)، ((تفسير ابن كثير)) (4/267)، ((تفسير السعدي)) (ص: 364). ؟!   
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بَيَّنَ عَجزَ أصنامِ الكافرينَ عن الإبداءِ والإعادةِ- اللَّذينِ هما من أقوى أسبابِ القُدرةِ، وأعظَمِ دَلائِلِ الألوهيَّةِ- بَيَّنَ عَجزَهم عن هذا النَّوعِ مِن صفاتِ الإلهِ، وهو الهِدايةُ إلى الحَقِّ، وإلى مناهِجِ الصَّوابِ [497] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/55-56). .
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ.
أي: قُلْ- يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: هل مِنْ آلهتِكم مَنْ يُرشِدُ الضَّالَّ، ويُوفِّقُه إلى مَعرفةِ الحَقِّ واتِّباعِه [498] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/178، 179)، ((البسيط)) للواحدي (11/192)، ((تفسير ابن عطية)) (3/118، 119)، ((تفسير ابن كثير)) (4/267)، ((تفسير السعدي)) (ص: 364). ؟!
قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ.
مناسبتُها لما قبلَها:
لَمَّا كان الكافِرونَ مُعتَقدينَ أنَّ شُركاءَهم تهدي إلى الحَقِّ، ولا يُسَلِّمونَ حَصرَ الهدايةِ لله تعالى، أمَرَ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأن يبادِرَ بالجوابِ، فقال [499] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/55). :
قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ.
أي: قُلْ- يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: اللهُ وَحدَه هو الذي يُرشِدُ ويُوفِّقُ مَن يَشاءُ إلى مَعرفةِ الحَقِّ واتِّباعِه [500] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/179)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/19)، ((البسيط)) للواحدي (11/192، 193)، ((تفسير السعدي)) (ص: 364). .
كما قال تعالى: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: 213].
وعن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ((أنَّه كان إذا قام إلى الصَّلاةِ قال: وجَّهتُ وجهيَ للَّذي فطر السَّمواتِ والأرضَ حَنيفًا، وما أنا من المُشرِكينَ، إنَّ صلاتي ونسكي ومحيايَ ومماتي للَّه رَبِّ العالمينَ، لا شريكَ له، وبذلك أُمِرتُ وأنا من المُسلِمينَ، اللهمَّ أنت المَلِكُ لا إله إلا أنت، أنت ربِّي، وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي، واعتَرَفتُ بذنبي، فاغفِرْ لي ذنوبي جميعًا؛ إنَّه لا يغفِرُ الذُّنوبَ إلا أنت، واهدِني لأحسَنِ الأخلاقِ لا يهدي لأحسَنِها إلَّا أنت، واصرِفْ عني سَيِّئَها لا يَصرِفُ عني سَيِّئَها إلا أنت...)) [501] رواه مسلم (771). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهما، أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ قُلوبَ بني آدَمَ كُلَّها بين إصبَعَينِ مِن أصابعِ الرَّحمنِ كقلبٍ واحدٍ، يُصَرِّفُه حيث يشاءُ. ثم قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اللهمَّ مُصَرِّفَ القُلوبِ، صَرِّفْ قلوبَنا على طاعَتِك )) [502] رواه مسلم (2654). .
أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى.
أي: آللهُ الذي يهدي إلى الحَقِّ أحقُّ أن يُطاعَ ويُعبَدَ، أم شُركاؤُهم الذين لا يَهتَدونَ بأنفُسِهم، ولا يَهدُونَ مَن يَعبُدُهم، إلَّا أن يهدِيَهم غيرُهم [503] يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (1/464)، ((تفسير ابن جرير)) (12/179، 180)، ((البسيط)) للواحدي (11/193)، ((تفسير القرطبي)) (8/341)، ((جامع المسائل)) لابن تيمية (1/138، 139)، ((تفسير السعدي)) (ص: 364). ويَهِدِّي- بفتحِ الياءِ وكسرِ الهاءِ وتشديدِ الدالِ المكسورةِ، على قراءةِ حفصٍ، ويَعْقُوبَ الحضرميِّ- أصلُه (يهتدي)، فأُدْغِمت التاءُ في الدالِ، وكُسِرت الهاءُ؛ لالتقاء الساكنين. يُنظر: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/44)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 331). ؟!
فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ.
أي: فما بالُكم- أيُّها المُشرِكونَ- تَعبُدونَ المخلوقَ العاجِزَ، وتترُكونَ عبادةَ الخالقِ الذي يَهدِيكم؟! كيف تحكمونَ بالباطلِ فتُساوونَ بين الله وبين خَلْقِه في العبادةِ [504] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/181)، ((تفسير ابن كثير)) (4/268)، ((تفسير السعدي)) (ص: 364). ؟! 
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
بَعدَ أن أمَرَ اللهُ رَسولَه بأن يَحُجَّهم فيما جَعلوهم آلهةً، وهي لا تَصَرُّفَ ولا تدبيرَ ولا هدايةَ لها؛ أعقب ذلك بأنَّ عِبادتَهم إيَّاها اتِّباعٌ لظَنٍّ باطلٍ [505] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/164). .
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا.
أي: وما يتَّبِعُ أكثَرُ هؤلاء المُشرِكينَ في إشراكِهم باللهِ إلَّا مُجَرَّدَ ظَنٍّ ضعيفٍ واهٍ، من غيرِ يقينٍ ولا دليلٍ على صِحَّةِ إشراكِهم بالله عزَّ وجلَّ [506] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/181)، ((البسيط)) للواحدي (11/198)، ((تفسير القرطبي)) (8/343)، ((تفسير ابن كثير)) (4/268)، ((تفسير الشوكاني)) (2/506)، ((تفسير السعدي)) (ص: 364)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/166). .
إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا.
أي: إنَّ الظَّنَّ لا يُوصِلُ إلى الحَقِّ، ولا يُنتفَعُ به في شيءٍ يَحتاجُ إلى اليقينِ [507] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/181)، ((تفسير النسفي)) (3/393)، ((تفسير ابن جزي)) (1/357)، ((تفسير الشوكاني)) (2/506)، ((تفسير القاسمي)) (6/24)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/298)، ((تفسير السعدي)) (ص: 364)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/166). قال الخازن: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا يعني: أنَّ الشَّكَّ لا يُغني عن اليقينِ شَيئًا، ولا يقومُ مقامَه، وقيل في الآية: إنَّ قَولَهم: إنَّ الأصنامَ آلهةٌ، وإنَّها تشفَعُ لهم ظنٌّ منهم لم يَرِدْ به كتابٌ، ولا يَعني أنَّها لا تدفَعُ عنهم من عذابِ اللهِ شيئًا). ((تفسير الخازن)) (2/443). ويُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/198)، ((تفسير القرطبي)) (8/343). .
إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ.
أي: إنَّ اللهَ ذو علمٍ بما يفعَلُ المُشرِكونَ، وسيُجازيهم على ذلك [508] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/181)، ((تفسير القرطبي)) (8/343)، ((تفسير ابن كثير)) (4/268)، ((تفسير السعدي)) (ص: 364). .

الفوائد التربوية:


ينبغي أن يكونَ غَرَضُ المُسلِمِ مِن حياتِه تزكيةَ نَفسِه، وتَكميلَها باتِّباعِ الحَقِّ في كلِّ اعتقادٍ، والهدى- وهو الصَّلاحُ- في كُلِّ عَملٍ، وبناؤُهما على أساسِ العِلمِ دونَ الظَّنِّ وما دونَه من الخَرْصِ والوَهم؛ يُرشِدُ إلى ذلك قولُ الله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [509] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/293). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ الفائدةُ في ذِكرِ هذه الحُجَّةِ على سبيلِ السُّؤالِ والاستفهامِ؛ أنَّ الكلامَ إذا كان ظاهِرًا جَليًّا، ثمَّ ذُكِرَ على سبيلِ الاستفهامِ، وتَفويضِ الجوابِ إلى المَسؤول، كان ذلك أبلَغَ وأوقَعَ في القَلبِ [510] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/248). .
قال الله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ هم لا يَقدِرونَ على دعوى ذلك لِمَعبوداتِهم، وفي ذلك الحُجَّةُ القاطعةُ والدَّلالةُ الواضِحةُ على أنَّهم في دعواهم أنَّها أربابٌ، وشُرَكاءُ لله في العبادةِ- كاذِبونَ مُفتَرونَ، وهذا توقيفٌ على قصورِ الأصنامِ وعَجزِها، وتنبيهٌ على قدرةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ [511] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/178)، ((تفسير ابن عطية)) (3/118). .
قولُه تعالى: قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ الآية، احتجاجٌ على الكفَّارِ، فإنْ قِيل: كيفَ يحتجُّ عليهم بإعادةِ الخلقِ، وهم لا يعترفون بها؟ فالجوابُ: أنَّهم معترفونَ أنَّ شركاءَهم لا يقدرونَ على الابتداءِ ولا على الإعادةِ، وفي ذلك إبطالٌ لربوبيتِهم، وأيضًا فوُضِعتِ الإعادةُ موضعَ المتفقِ عليه؛ لظهورِ برهانِها [512] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (1/356). .
قَولُ الله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فيه سؤال: لِمَ أمَرَ رَسولَه بأن يَعتَرفَ بذلك، والإلزامُ إنَّما يحصُلُ لو اعتَرَف الخَصمُ به؟ والجوابُ: ذكر العُلَماءُ لذلك عِدَّةَ أوجُهٍ:
الوجه الأول: أنَّ الدَّليلَ لَمَّا كان ظاهرًا جَليًّا، فإذا أُوردَ على الخَصمِ في مَعرِضِ الاستفهامِ- ثمَّ إنَّه بنَفسِه يقولُ الأمرَ كذلك- كان هذا تنبيهًا على أنَّ هذا الكلامَ بلغ في الوضوحِ إلى حيثُ لا حاجةَ فيه إلى إقرارِ الخَصمِ به، وأنَّه سواءٌ أقَرَّ أو أنكرَ، فالأمرُ مُتقَرِّرٌ ظاهِرٌ [513] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/248-249). .
الوجه الثاني: أنَّه لَمَّا كان الكافِرونَ لِمُكابَرتِهم لا يُقِرُّونَ بذلك، أمَرَ تعالى نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُجيبَ، فقال: قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [514] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/54). .
الوجه الثالث: أنَّه لَمَّا كان هذا السُّؤالُ ممَّا لا يُجيبونَ عنه، كما أجابوا عن أسئلةِ الخِطابِ الأوَّلِ؛ لإنكارِهم البَعثَ والمَعادَ، لا لاعتقادِهم أنَّ شُرَكاءَهم تفعَلُ ذلك- لقَّنَ اللهُ رَسولَه الجوابَ: قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [515] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/295). .
قال الله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ بيَّنَ سبحانَه بما هو مُسْتَقِرٌّ في الفِطَرِ أنَّ الذي يهدي إلى الحَقِّ أحقُّ بالاتِّباعِ ممَّن لا يهتَدي إلَّا أنْ يهديَه غيرُه؛ فلَزِمَ أنْ يكونَ الهادِي بنَفسِه هو الكامِلَ، دون الذي لا يهتدي إلَّا بِغَيرِه، وإذا كان لا بُدَّ مِن وجودِ الهادي لِغَيرِ المُهتَدي بنَفسِه، فهو الأكملُ [516] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/82). .
في قَولِه تعالى: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى بيانُ أنَّ الذي يَهدي إلى الحَقِّ مُطلقًا هو اللهُ، والذي لا يَهدِي إلَّا أن يُهدَى صفةُ كلِّ مخلوقٍ؛ لا يُهدَى إلَّا أنْ يَهدِيَه اللهُ تعالى، وهذا هو المقصودُ بالآيةِ، وهي أنَّ عبادةَ اللهِ أَولى مِن عبادةِ خلْقِه [517] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (6/475). .
الظنُّ لا يُرادُ به في الكِتابِ والسُّنَّةِ الاعتقادُ الرَّاجِحُ، كما هو في اصطلاحِ طائفةٍ مِن أهلِ الكلامِ في العِلمِ، ويسمُّونَ الاعتقادَ المرجوحَ وهمًا، بل قد قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذَبُ الحديثِ)) [518] رواه البخاري (5144) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، وقد قال تعالى : إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، فالاعتقادُ المرجوحُ هو ظنٌّ، وهو وهْمٌ [519] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/176)، .

بلاغة الآيات:


قولُه تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
قولُه: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ... استِئنافٌ على طريقةِ التَّكريرِ لقولِه قبْلَه: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ لأنَّ هذا مقامُ تَقريرِ وتعديدِ الاستدلالِ، وهو مِن دَواعي التَّكريرِ [520] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/160). ، وإنَّما لم يُعطَفْ على ما قَبْلَه؛ إيذانًا باستقلالِه في إثباتِ المطلوبِ [521] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4 /143). .
والاستفهامُ في هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ... إنكارٌ، وتقريرٌ بإنكارِ ذلك، وللتَّبكيتِ والإلزامِ؛ إذ ليس المتكلِّمُ بطالبٍ للجوابِ، ولا يسَعُهم إلَّا الاعترافُ بذلك؛ فهو في مَعنى نفيِ أن يكونَ مِن آلِهَتِهم مَن يَبدَأُ الخلقَ ثُمَّ يُعيدُه [522] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4 /143)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/161). .
قولُه: قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فيه إعادةُ الجملةِ في الجوابِ بتَمامِها غيرَ مَحذوفةِ الخبَرِ، كما في الجوابِ السَّابقِ؛ لِمَزيدِ التَّأكيدِ والتَّحقيقِ، حيث أُبرِزَ الجوابُ في جُملةٍ مُبتدَأةٍ مُصرَّحٍ بخبَرِها؛ فعاد الخبرُ فيها مُطابِقًا لخبرِ اسمِ الاستفهامِ، وذلك تأكيدٌ وتثبيتٌ [523] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/54)، ((تفسير أبي السعود)) (4 /143). .
قوله: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ذِكْرُ إعادةِ الخَلْقِ في الموضعَينِ، مع أنَّهم لا يَعترِفون بها نوعٌ مِن الإدماجِ في الحِجاجِ [524] الإدماجُ: لُغةً: هو الإدخالُ واللَّفُّ؛ يُقال: أدْمجَ الشَّيءَ في ثوبٍ، إذا لَفَّه فيه، وأدْمَجْتُ متاعي، إذا أدخلتَه في ثوبٍ أو حقيبةٍ أو نحوها. واصطلاحًا: هو تَضمُّن كلامٍ سِيقَ لمعنًى- مَدحًا كان أو غيرَه- مَعنًى آخَرَ، كإدْخالِ فِكْرةٍ في فكرةٍ، أو غَرضٍ بلاغيٍّ في غَرضٍ آخَرَ، أو وَجْهٍ من وُجُوه البدِيع في وجهٍ منه آخَرَ، بأسلوبٍ مِن الكلامِ لا يَظهرُ منه إلَّا إحدَى الفِكرتين، أو أحدُ الغرَضينِ، أو أحدُ الوجْهَين؛ فإذا تأمَّل المتفكِّرُ ظهَر له المُدْمَجُ، وسَرَّه هذا الإِدماجُ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ فأُدْمِجَ غَرَضٌ في غَرضٍ؛ فإنَّ الغرضَ منها تفردُه تعالى بوصفِ الحمدِ، وأُدمِج فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 305)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حبنكة الميداني (2/427)، ((مفاتيح التفسير)) للخطيب (1/99). ، وهو فنٌّ بديعٌ [525] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/161). .
قوله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
قولُه: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ... تكريرٌ آخرُ بَعْدَ قولِه: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، ومجموعُ الجُملَتَين مفيدٌ قَصْرَ صفةِ الهدايةِ إلى الحقِّ على اللهِ تعالى، دونَ آلِهَتِهم، وهو قصرُ إفرادٍ [526] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/161-162). ، وهو احتِجاجٌ آخرُ على ما ذُكِر؛ جيءَ به إلزامًا لهم بعدَ إلزامٍ، وإفحامًا إثرَ إفحامٍ، وفَصْلُه عمَّا قَبْلَه وعدَمُ عَطفِه عليه؛ للدَّلالةِ على استقلالِه [527] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4 /143). .
وقولُه: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ... تفريعُ استفهامٍ تقريريٍّ على ما أفادَتْه الجملَتان السَّابِقَتان مِن قَصْرِ الهدايةِ إلى الحقِّ على اللهِ تعالى دونَ آلِهَتِهم [528] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/162). ، وهذا الاستفهامُ للإلزامِ [529] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4 /144). .
قولُه: أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فيه مِن المبالغةِ ما لا يَخْفى، وإنَّما نفى عنه الاهتِداءَ مع أنَّ المفهومَ ممَّا سبَق نفيُ الهدايةِ؛ لأنَّ نفْيَها مُستتبِعٌ لنفيِه غالبًا؛ فإنَّ مَن اهتَدى إلى الحقِّ لا يَخْلو عن هدايةِ غيرِه في الجملةِ [530] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/143-144). .
قولُه: فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ الاستفهامُ في فَمَا لَكُمْ للإنكارِ التَّوبيخيِّ، وفيه تعجُّبٌ مِن حالِهم [531] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/56)، ((تفسير أبي السعود)) (4/144). .
وجملةُ كَيْفَ تَحْكُمُونَ استفهامٌ يتَنزَّلُ مَنزِلةَ البيانِ لِما في جملةِ: فَمَا لَكُمْ مِن الإجمالِ؛ ولذلك فُصِلَت عنها، أي: لم تُعطَفْ، فهو مِثلُه استفهامٌ تعجُّبيٌّ من حُكمِهم الضَّالِّ إذ حَكَموا بإلهيَّةِ مَن لا يَهتَدي، فهو تعجُّبٌ على تعجُّبٍ [532] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/164). .
ومِن محاسِنِ البلاغةِ في هذه الآيةِ: الجمْعُ بين تَعديةِ الفِعل (يهدي) بالحرفَين، وبين ترْكِ التَّعديةِ وهو حذفُ المتعلِّقِ الدَّالِّ على العمومِ؛ ففِعلُ الهُدَى يتَعدَّى بنَفسِه، وبـ (اللَّام)، وبـ(إلى)، وكلٌّ مِنها وقَع في مَوقِعِه الَّذي تَقتَضيه البلاغةُ؛ أمَّا الأوَّلُ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ؛ فقد عدَّاه بإلى في حيِّزِ الاستفهامِ الإنكاريِّ؛ للإيذانِ بأنَّه لا أحَدَ مِن هؤلاءِ الشُّركاءِ المتَّخَذين بالباطلِ يدُلُّ النَّاسَ على الطَّريقِ الَّذي يَنتَهي سالِكُه إلى الحقِّ مِن علمٍ وعملٍ وهو التَّشريعُ؛ فهو يَنفي المقدِّماتِ ونَتائِجَها، والأسبابَ ومُسبَّباتِها، ولو عدَّاه بنَفسِه لَمَا أفاد إلَّا إنكارَ هدايةِ الإيصالِ إلى الحقِّ بالفعلِ، دون هدايةِ التَّشريعِ الموصلةِ إليه، ولو عدَّاه باللَّام لكان بمعنى تَعديَتِه بنفسِه إن كانت اللَّامُ للتَّقويةِ أو لإنكارِ هدايةٍ يُقصَدُ بها الحقُّ إن كانت للتَّعليلِ، والأوَّلُ أعَمُّ وأبلَغُ كما هو ظاهرٌ.  وأمَّا الثَّاني قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ وهو تَعدِيَتُه باللَّامِ فهو يَستلزِمُ الأوَّلَ، وعلى جوازِ استِعْمالِ اللَّام بمَعنَيَيْها، يكونُ مَعناه: قُل اللهُ يَهْدي لِما هو الحقُّ؛ لأجْلِ أن يَكونَ المهتدون به على الحقِّ. وأمَّا الثَّالثُ- أي حَذْفُ المتعلِّقِ-: فهو في الشِّقِّ الثَّاني مِن قولِه: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى، ومعناه مع ما قَبْلَه نصًّا واقتِضَاءً: أفمَن يَهْدي إلى الحقِّ ويَهْدي له ويَهْديه- وهو اللهُ تعالى- أحَقُّ أن يُتَّبَعَ فيما يَشرَعُه، أم مَن لا يَهْدي غيرَه ولا هو يَهْتدي بنفسِه- ممَّن عُبِد مَن دونَه- إلَّا أن يَهدِيَه غيرُه، أي: اللهُ تعالى؛ إذ لا هادِيَ غيرُه؟ وهذا استِثْناءٌ مُفرَّغٌ مِن أعمِّ الأحوالِ؛ لأنَّ مَن نفَى عَنهم الهدايةَ ممَّن اتُّخِذوا شُركاءَ للهِ تعالى يَشمَلُ المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ وعُزيرًا والملائكةَ عليهم السَّلامُ، وهؤلاء كانوا يَهْدون إلى الحقِّ بهدايةِ اللهِ ووَحْيِه كما قال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [الأنبياء: 73]، وقيل: الاستثناءُ مُنقَطِعٌ، فمعنى إِلَّا أَنْ يُهْدَى: لكنَّه يَحتاجُ أن يُهْدى [533] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/296-297). .
قولُه تعالى: وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
قولُه: وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا فيه تخصيصُ هذا الاتِّباعِ بأكثَرِهم مع مُشاركةِ المعانِدين لهم في ذلك؛ للتَّلويحِ بما سيَكونُ مِن بَعضِهم مِن اتِّباعِ الحقِّ والتَّوبةِ [534] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4 /145). ، وقِيلَ: المرادُ بأكثَرِهم جَمِيعُهم [535]  يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/56). .
وتنكيرُ ظَنًّا للتَّحقيرِ، أي: ظنًّا واهيًا، ودلَّت صيغةُ القَصرِ (ما... إلَّا) على أنَّهم ليسوا في عَقائدِهم المنافيةِ للتَّوحيدِ على شيءٍ من الحقِّ؛ ردًّا على اعتِقادِهم أنَّهم على الحقِّ [536] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/166). .
وجملةُ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا تعليلٌ لما دلَّ عليه القَصْرُ مِن كونِهم ليسوا على شيءٍ من الحقِّ؛ فكيف يَزعُمون أنَّهم على الحقِّ [537] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/166). ؟!
وجُملةُ: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ استئنافٌ للتَّهديدِ بالوَعيدِ [538] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/166). .