المَبحَثُ السَّادِسَ عَشَرَ: الحَرامُ لا يَتَعَلَّقُ بذِمَّتَينِ
أوَّلًا: صيغةُ القاعِدةِ.استُعمِلَتِ القاعِدةُ بهذه الصِّيغةِ المَذكورةِ: الحَرامُ لا يَتَعَلَّقُ بذِمَّتَينِ
[3761] يُنظر: ((حاشية الصاوي على الشرح الصغير)) (3/586)، ((منح الجليل)) لعليش (2/416)، ((نظرية التقعيد الفقهي)) للروكي (ص: 104). ، وصيغةِ: الحَرامُ لا يَنتَقِلُ لذِمَّتَينِ
[3762] يُنظر: ((شرح الزرقاني على مختصر خليل)) (3/12). ، وصيغةِ: الحَرامُ لا يَتَعَدَّى ذِمَّتَينِ
[3763] يُنظر: ((غمز عيون البصائر)) للحموي (3/234)، ((شرح الزرقاني على مختصر خليل)) (6/253)، ((حاشية ابن عابدين)) (5/98). .
ثانيًا: المَعنى الإجماليُّ للقاعِدةِ.تُفيدُ القاعِدةُ أنَّ الحُرمةَ لا تَتَعَدَّى إلى ذِمَّتَينِ، فلا تَنتَقِلُ مِن ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ أُخرى، فإثمُ الحَرامِ وعِقابُه لا يَقَعُ إلَّا على مُرتَكِبِه ومُباشِرِه، وليس مَعنى القاعِدةِ أنَّ الحَرامَ إذا اشتَرَكَ في فِعلِه اثنانِ فلا يَقَعُ إلَّا على أحَدِهما، وإنَّما المُرادُ بها أنَّ الحَرامَ لا يَتَعَلَّقُ إلَّا بالذِّمَّةِ المَشغولةِ به، أمَّا البَريئةُ مِنه الفارِغةُ مِن تَبِعَتِه فلا تَعَلُّقَ له بها، فإذا اشتَرَكَ اثنانِ أو أكثَرُ في غَصبٍ أو سَرِقةٍ أو قَتلٍ أو غَيرِ ذلك مِن أنواعِ الحَرامِ كان الإثمُ والعِقابُ عليهم جَميعًا؛ لأنَّ ذِمَمَهم جَميعًا بمَنزِلةِ الذِّمَّةِ الواحِدةِ
[3764] يُنظر: ((غمز عيون البصائر)) للحموي (3/234)، ((حاشية ابن عابدين)) (5/98) و(6/385)، ((نظرية التقعيد الفقهي)) للروكي (ص: 104). .
وهذه القاعِدةُ لَها عَلاقةٌ بقاعِدةِ: (الذِّمَّةُ تَتَّسِعُ للحُقوقِ كُلِّها)، ووَجهُ ذلك أنَّ الحُرمةَ لَيسَت مِنَ الحُقوقِ التي تَثبُتُ في الذِّمَّةِ، والذِّمَّةُ إنَّما تَتَّسِعُ لتَحَمُّلِ ما يَثبُتُ فيها مِنَ الحُقوقِ والالتِزاماتِ، وليس لتَحَمُّلِ المُحَرَّماتِ.
ثالِثًا: أدِلَّةُ القاعِدةِ.يُستَدَلُّ لهذه القاعِدةِ بالقُرآنِ الكَريمِ، والسُّنَّةِ:
1- من القُرآنِ:- قال اللهُ تعالى:
وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عليْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: 164] .
- وقال اللهُ سبحانه:
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: 38] .
- وقال اللهُ عزَّ وجلَّ:
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7-8] .
وَجهُ الدَّلالةِ:تَدُلُّ هذه الآياتُ على أنَّ إثمَ الحَرامِ وعِقابَه لا يَقَعُ إلَّا على مُرتَكِبِه ومُباشِرِه، وأنَّ الحَرامَ لا يَتَعَلَّقُ إلَّا بالذِّمَّةِ المَشغولةِ به، أمَّا البَريئةُ مِنه الفارِغةُ مِن تَبِعَتِه فلا تَعَلُّقَ له بها
[3765] يُنظر: ((نظرية التقعيد الفقهي)) للروكي (ص: 104). .
2- مِنَ السُّنَّةِ:عن سُلَيمانَ بنِ عَمرِو بنِ الأحوصِ قال: حَدَّثَنا أبي أنَّه شَهدَ حَجَّةَ الوداعِ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه وذَكَّرَ ووعَظَ، ثُمَّ قال:
((... فإنَّ دِماءَكُم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حَرامٌ كَحُرمةِ يَومِكُم هذا في بَلَدِكُم هذا في شَهرِكُم هذا، ألا لا يَجني جانٍ إلَّا على نَفسِه، ولا يَجني والِدٌ على ولَدِه، ولا ولَدٌ على والِدِه )) [3766] أخرجه الترمذي (3987) واللفظ له، وابن ماجه (3055)، وأحمد (16064). قال الترمذي، وابن العربي في ((أحكام القرآن)) (2/450): حسنٌ صحيحٌ، وحَسَّنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3987)، وحسَّن إسنادَه ابنُ باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (663). .
وَجهُ الدَّلالةِ:أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يَرَونَ أخذَ الرَّجُلِ بجِنايةِ غَيرِه مِن ذَوي الرَّحِمِ وأولي القَرابةِ، فرُبَّما قَتَلَ الوالِدُ أوِ الولَدُ فقُتِلَ أحَدُهما مَكانَ الآخَرِ، وكَذلك القَريبُ والحَميمُ، فأعلَمَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الجانيَ إنَّما يَجني على نَفسِه لا على غَيرِه، فلا يُؤخَذُ مَولودٌ بجِنايةِ والِدِه، ولا والِدٌ بجِنايةِ مَولودِه، وإنَّما اقتَصَرَ على ذِكرِ الوالِدِ والولَدِ؛ لأنَّ نَسَبَهما أقرَبُ الأنسابِ، وسَبَبَهما آكَدُ الأسبابِ، وهما الأصلانِ اللَّذانِ يَتَفَرَّعُ عنهما الأنسابُ والقَراباتُ، فإذا جُعِلَ هذا الحُكمُ مَنفيًّا عنِ الأصلِ فبالأحرى أن يَكونَ مَنفيًّا عنِ الفَرعِ
[3767] يُنظر: ((الميسر في شرح مصابيح السنة)) للتوربشتي (1/49)، ((تحفة الأبرار)) للبيضاوي (1/87). .
رابعًا: أمثلةٌ للقاعِدةِ.تَندَرِجُ تَحتَ هذه القاعِدةِ بَعضُ الفُروعِ الفِقهيَّةِ، منها:
1- مَنِ اشتَرى شَيئًا مَغصوبًا أو مَسروقًا وهو لا يَعلَمُ بذلك، جازَ له الانتِفاعُ به، وكان الإثمُ والعُقوبةُ على الغاصِبِ والسَّارِقِ
[3768] يُنظر: ((نظرية التقعيد الفقهي)) للروكي (ص: 105). .
2- مَنِ استَأجَرَ أجيرًا فأعطاه أُجرَتَه مِن مالٍ حَرامٍ كان الإثمُ عليه لا على الأجيرِ، ولا شَيءَ على الأجيرِ إذا انتَفَعَ بأُجرَتِه؛ لأنَّ ذِمَّتَه بَريئةٌ مِن حُرمةِ المالِ، فارِغةٌ مِن أن تَتَحَمَّلَ تَبِعَتَه، وإنَّما يَتَحَمَّلُ ذلك المُستَأجِرُ؛ لأنَّه مالِكُه
[3769] يُنظر: ((نظرية التقعيد الفقهي)) للروكي (ص: 105). .
3- إذا تَزَوَّجَ امرَأةً يَعلَمُ أنَّها أُختُه مِنَ الرَّضاعِ، وهيَ لا تَعلَمُ ذلك، كان الإثمُ والعُقوبةُ عليه دونَها
[3770] يُنظر: ((نظرية التقعيد الفقهي)) للروكي (ص: 105). .
خامِسًا: مُكمِلاتٌ للقاعِدةِ.استِثناءاتٌ:يُستَثنى مِن هذه القاعِدةِ أنَّ الحُرمةَ تَتَعَدَّى عِندَ العِلمِ بها، فإذا عُلِمَ كَونُ ما في يَدِ الغَيرِ حَرامًا، فيَنبَغي ألَّا يُتَعامَلَ مَعَه، ومِن أمثِلةِ ذلك
[3771] يُنظر: ((غمز عيون البصائر)) للحموي (3/234)، ((حاشية ابن عابدين)) (5/98). :
إذا أخَذَ المورِّثُ رِشوةً أو ظُلمًا، فإن عَلِمَ الوارِثُ ذلك بعَينِه لا يَحِلُّ له أخذُه، وإن لَم يَعلَمْه بعَينِه له أخذُه حُكمًا، ويَتَصَدَّقُ به بنيَّةِ خُصَماءِ المورِّثِ ديانةً.