الموسوعة الفقهية

المبحث الثَّاني: شروطُ الطَّوافِ


المطلب الأوَّل: النِّيَّة
يُشْتَرَطُ نيَّةُ أصْلِ الطَّوافِ، وهذا مَذهَبُ الجُمْهورِ خالف في هذه المسألة الشَّافعيَّة إذا كان الطَّوافُ في نسُك الحج أو العُمْرة، فالأصحُّ عندهم صحَّة الطَّواف في النُّسُك بلا نيَّةٍ بشرط ألا يُصْرَف الطَّوافُ إلى غيره كطلب غريمٍ. ((المجموع)) للنووي (8/16)، ((مجلة البحوث الإسلامية)) (53/211). : الحَنَفيَّة ((حاشية ابن عابدين)) (2/523)، ويُنظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (2/495). ، والمالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/119). ، والحَنابِلة ((الفروع)) لابن مفلح (6/37)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/573).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن عُمَرَ بنِ الخطابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ )) رواه البخاري (1) واللفظ له، ومسلم (1907)
2- عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((الطَّوافُ حَولَ البيتِ مِثلُ الصَّلاةِ، إلَّا أنَّكم تتكلَّمونَ فيه، فمن تكلَّمَ فيه فلا يتكَلَّمنَّ إلَّا بخيرٍ)) أخرجه الترمذي (960) واللفظ له، والدارمي (1847)، وابن حبان (3836). صححه ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (1/57)، وحسنه ابن حجر في ((الإمتاع)) (1/274)، وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (960).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَمَّى الطَّوافَ صلاةً، والصَّلاةُ لا تَصِحُّ إلا بالنيَّة اتفاقًا حديث تسمية الطَّواف صلاة ولفظه: ((الطَّواف صلاة فأقلوا فيه الكلام)) رواه الطبراني (11/40) (10976)، والبيهقي (5/85) (9075)، من حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما. قال البيهقي: (صحيح)، وحسنه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (5347)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع)) (3956).
ثانيًا: الطَّوافُ عبادةٌ مقصودةٌ؛ ولهذا يُتَنَفَّل به، فلا بدَّ مِنِ اشتراطِ النيَّةِ فيه ((المبسوط)) للسرخسي (4/65).
مسألةٌ: هل يُشتَرَطُ تعيينُ نوعِ الطَّوافِ إذا كان في نُسُكٍ مِن حَجٍّ أو عُمْرة؟
لا يُشتَرَط تعيينُ نوعِ الطَّواف إذا كان في نُسُكٍ مِنْ حجٍّ أو عُمْرة, فلو طاف ناسيًا أو ساهيًا عن نوعِ الطَّواف أجزأه عن الطَّوافِ المشروعِ في وَقْتِه، ما دام أنَّه قد نوى النُّسُكَ الذي هو فيه: العُمْرةَ أو الحَجَّ، وهذا مَذهَبُ الجُمْهورِ مِنَ الحَنَفيَّة ((حاشية ابن عابدين)) (2/523)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/128)، ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (2/495). , والمالِكيَّة استثنى المالكية طواف القدوم، فيجب فيه عدم نيَّة النفلية، وذلك لأنه واجب عندهم. ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/124)، ((حاشية الدسوقي)) (2/36). ، والشَّافعيَّة في الأصَحِّ ((المجموع)) للنووي (8/16).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- أنَّه ثبت عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه أمر أصحابَه في حجَّةِ الوداعِ بعدما دخلوا معه وطافوا وسَعَوْا أن يَفْسَخُوا حَجَّهم ويَجْعَلوه عُمْرةً، وكان منهم القارِنُ والمُفْرِدُ، وإنَّما كان طوافُهم عند قُدومِهم طوافَ القُدومِ، وليس بفَرْضٍ، وقد أمَرَهم أن يَجْعَلوه طوافَ عُمْرةٍ، وهو فَرْضٌ ((مجلة البحوث الإسلامية)) (53/221).
2- أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يكُنْ يُعْلِنُ لأصحابِه، أو يأمُرُهم بإعلامِ الطَّائفينَ بأنَّ هذا طوافٌ للقُدوم، وذلك طوافٌ للإفاضةِ، بل كان يؤدِّي المناسِكَ، ويقول: ((لِتَأْخُذوا مناسِكَكم )) رواه مسلم (1297) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما. ، ولا شَكَّ أن كثيرًا ممن حَجَّ معه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يكن مستحْضِرًا أنَّ الطَّوافَ بعد الوقوفِ بعَرَفةَ، هو طوافُ الزِّيارة، وهو الطَّوافُ الرُّكْن، وإنَّما كانوا يُتابِعون النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مناسكِه ((مجلة البحوث الإسلامية)) (53/221).
ثانيًا: أنَّ نِيَّةَ النُّسُك تَشْمَلُ أعمالَ المناسِك كُلَّها بما فيها الطَّوافُ بأنواعِه، فلا يُحتاجُ إلى نيَّةٍ، كما أنَّ الصَّلاةَ تشمَلُ جميعَ أفعالِها، ولا يُحتاجُ إلى النيَّةِ في ركوعٍ ولا غيرِه ((مجلة البحوث الإسلامية)) (53/219).
ثالثًا: أنَّ أركانَ الحجِّ والعُمْرةِ لا تحتاجُ إلى تعيينِ النيَّةِ، كالوقوفِ بعَرَفةَ، والإحرامِ، والسَّعْيِ، والطَّوافُ رُكْنٌ في النُّسُكِ بالإجماع، فلا يَفْتَقِر إلى تعيينِ النيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/124)، ((مجلة البحوث الإسلامية)) (53/219).
رابعًا: أنَّ نِيَّةَ الطَّواف في وقته يقعُ بها عن المشروعِ في ذلك الوقتِ دون الحاجةِ إلى تعيينِ النيَّةِ، فإنَّ خُصوصَ ذلك الوقتِ إنَّما يستحِقُّ خصوصَ ذلك الطَّوافِ بسبب أنَّه في إحرامِ عبادةٍ اقتضت وقوعَه في ذلك الوقتِ، فلا يُشرَع غيرُه ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (2/495)، ((مجلة البحوث الإسلامية)) (53/217).
خامسًا: أنَّ القولَ باشتراطِ تعيينِ النيَّة فيه حرجٌ كبيرٌ؛ إذ إنَّ أكثرَ الحُجَّاجِ على جهلٍ كبيرٍ بمناسِكِ الحجِّ، ومعَرَفةِ الواجِبِ فيه ((مجلة البحوث الإسلامية)) (53/221).
المطلب الثَّاني: سَتْرُ العورةِ
سَتْرُ العورةِ شرطٌ لا يصِحُّ الطَّوافُ بدونه، وهذا مَذهَبُ الجُمْهورِ: المالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/95)، ((الشرح الكبير)) للدردير (2/31) ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/16)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/485). ، والحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (4/16)، ويُنظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/402). ، وحُكِيَ الإجماعُ على وجوبِه أجمَعَ أهلُ العِلْمِ على وجوبِ سَتْرِ العورةِ في الطَّواف، وإنما وقع الخلافُ بينهم في كونِه شَرْطًا، فالجمهورُ على اشتراطِه خلافًا للحنفيَّة. قال ابنُ تيميَّة: (فما ثبت بالنَّصِّ من إيجابِ الطَّهارةِ والستارة في الطَّواف متَّفقٌ عليه) ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (8/14).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتاب
قَولُه تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: 31]
وَجْهُ الدَّلالةِ
أنَّ سببَ نُزولِ الآيةِ أنَّهم كانوا يطوفونَ بالبيتِ عُراةً، وكانت المرأةُ تطوفُ بالبيتِ وهي عُريانةٌ، فنزلت هذه الآيةُ، وقد ثبت هذا التفسيرُ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، وعلى ذلك جماهيرُ عُلَماءِ التَّفسيرِ، وصورةُ سبَبِ النُّزولِ قطعيَّة الدخولِ عند أكثَرِ الأصوليِّينَ ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/401).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((بعثني أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ في الحجَّةِ التي أمَّره عليها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قبل حَجَّةِ الوداعِ في رَهْطٍ، يؤذِّنونَ في النَّاسِ يومَ النَّحْر: لا يحُجُّ بعد العامِ مُشْرِكٌ، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريانٌ )) رواه البخاري (4657)، ومسلم (1347)، واللفظ له.
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الحديثَ يدلُّ على أنَّ عِلَّةَ المنعِ مِنَ الطَّوافِ كونُه عُريانًا، وهو دليلٌ على اشتراطِ سَتْرِ العورةِ للطَّوافِ ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/401).
ثالثًا: من الآثار
2- عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((الطَّوافُ بالبيتِ صلاةٌ)) أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (3944)، والبيهقي (9753) موقوفًا على ابن عبَّاس رضي الله عنهما.  صحَّحه النووي في ((المجموع)) (8/14)، وقال ابنُ تيميَّة في ((مجموع الفتاوى)) (26/126): لم يثبتْ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولكن هو ثابت عن ابن عبَّاس، وقال ابنُ العراقي في ((طرح التثريب)) (5/120): الصحيح وقفه على ابن عبَّاس، وذكر ابن باز في ((فتاواه)) (17/213) أنه ورد مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح إسنادًا، وهو في حكم المرفوع، وصحَّحه الألباني في ((إرواء الغليل)) (1/156).
وَجْهُ الدَّلالة
أنَّ قَوْلَه: ((الطَّوافُ صلاةٌ)) يدلُّ على أنَّه يُشتَرَط في الطَّوافِ ما يُشتَرَط في الصَّلاة، إلا ما أخرجه دليلٌ خاصٌّ كالمشيِ فيه، والانحرافِ عن القبلةِ، والكلامِ، ونحوِ ذلك، ولَمَّا كان من شروطِ الصَّلاةِ المُجْمَعِ عليها عند أهل العِلمِ سَتْرُ العَورةِ، كان شرطًا أيضًا لصِحَّةِ الطَّواف ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/400).
المطلب الثَّالث: الطَّهارةُ مِنَ الحدثِ الأصغرِ والأكبرِ في الطَّوافِ
الفرع الأوَّل: طوافُ الحائِضِ لغيرِ عُذْرٍ
يَحْرُمُ طوافُ الحائِضِ لغيرِ عُذرٍ وعامَّةُ أهلِ العِلْمِ على عدم صحَّته، يُنْظَر: ((المحلى)) لابْن حَزْمٍ (5/189)، ((شرح النووي على مسلم)) (8/147)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/57)، ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/166)، ((مجمع الأنهر)) لشيخي زاده (1/80، 434).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لها حينَ حاضت وهي مُحْرِمةٌ: ((افعلي ما يفعَلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تطوفِي بالبيتِ حتى تطهُري))، وفي روايةٍ: ((حتى تغتَسلي )) رواه مسلم (1211).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نهى عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أن تطوفَ بالبيتِ وهي حائِضٌ، والنهيُ في العباداتِ يقتضي الفسادَ، وذلك يقتضي بُطلانَ الطَّوافِ لو فعَلَتْه ((مجلة البحوث الإسلامية)) (44/208).
2- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها: ((أنَّ صفيَّةَ حاضت، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وإنَّها لحابِسَتُنا، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، قد زارت يومَ النَّحْرِ، قال: فلْتَنْفِرْ معكم )) رواه البخاري (1733)، ومسلم (1211) واللفظ له.
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أن هذا الحديثَ يدلُّ على أنَّ الحائِضَ تنتظرُ حتى تطهُرَ ثم تطوف، وهذا يدلُّ على اشتراطِ الطَّهارةِ ((مجلة البحوث الإسلامية)) (44/208).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
أجمع العُلَماءُ على تحريمِ طوافِ الحائِضِ؛ نقله النوويُّ قال النووي: (الطَّواف لا يصح مِنَ الحائض، وهذا مجمَعٌ عليه، لكن اختلفوا في عِلَّتِه على حسب اختلافِهم في اشتراطِ الطَّهارة للطواف، فقال مالك والشافعي وأحمد: هي شَرْطٌ، وقال أبو حنيفة: ليست بشرطٍ، وبه قال داود، فمَن شَرَطَ الطَّهارةَ، قال: العلةُ في بطلانِ طوافِ الحائض عدم الطَّهارة، ومن لم يَشْتَرِطْها قال: العلةُ فيه كونُها ممنوعةً مِنَ اللُّبْثِ في المسجد) ((شرح النووي على مسلم)) (8/147). ، وأقرَّه الصَّنعانيُّ ((سبل السلام)) للصنعاني (1/105)،
الفرع الثَّاني: طوافُ الحائِضِ عند الضَّرورةِ
يجوزُ للحائِضِ الطَّواف، إذا كانت مضطرةً لذلك، كأن تكونَ مع رُفقةٍ لا ينتظِرونَها ولا يُمْكِنُها البقاءُ وكانت من بلادٍ بعيدةٍ لا يُمكِنُها الرجوعُ إلى الحَرَمِ للطَّواف. ، لكن تتوقَّى ما يُخْشَى منه تنجيسُ المسجِدِ بأن تستثْفِرَ [1576] أي: تتَّخِذ خِرْقَة عريضةً بَين فَخِذيها تشدُّها فِي حزامِها. ((المعجم الوسيط)) (1/97). ، وهذا اختيارُ ابنِ تيميَّة ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (26/243). ، وابنِ القَيِّمِ قال ابنُ القيم: (تطوف بالبيت- والحالةُ هذه- وتكون هذه ضرورةً مقتضيةً لدخولِ المسجِدِ مع الحيضِ والطَّوافِ معه، وليس في هذا ما يخالف قواعدَ الشريعةِ، بل يوافِقُها كما تقدمَّ؛ إذ غايته سقوطُ الواجِبِ أو الشَّرْطِ بالعجزِ عنه، ولا واجبَ في الشريعةِ مع عجزٍ، ولا حرامَ مع ضرورةٍ) ((إعلام الموقعين)) (3/19). وابنِ عُثيمين قال ابنُ عثيمين: (القولُ الراجحُ أنَّ المرأة إذا اضطُرَّتْ إلى طواف الإفاضةِ في حال حَيْضِها كان ذلك جائزًا، لكن تتوقَّى ما يخشى منه تنجيسُ المسجد بأن تستثفِرَ، أي: تجعل ما يحفَظُ فَرْجَها؛ لئلا يسيل الدَّمُ فيلوِّثَ المسجِدَ). ((الشرح الممتع)) (7/ 262)، و (1/ 332) وبه أفتت اللجنةُ الدائمةُ سُئِلَتِ اللجنةُ الدائمةُ للإفتاءِ: قَدِمَتِ امرأةٌ مُحْرمةٌ بعُمْرةٍ، وبعد وصولِها إلى مكَّةَ حاضت، ومَحْرَمُها مضطرٌّ إلى السفَرِ فورًا، وليس لها أحدٌ بمكَّة، فما الحُكْمُ؟ فأجابت: (إذا كان الأمرُ كما ذُكِرَ؛ مِن حيضِ المرأة قبل الطَّوافِ وهي مُحْرمة، ومَحْرَمُها مضطرٌّ للسفر فورًا، وليس لها مَحْرَمٌ ولا زوجٌ بمكَّة؛ سقَطَ عنها شَرْطُ الطَّهارة مِنَ الحيض لدخولِ المسجِدِ وللطَّوافِ للضرورة، فتستثفِرُ وتطوف وتسعى لعُمْرَتِها، إلَّا إنْ تيسر لها أن تسافِرَ وتعودَ مع زوجٍ أو محرمٍ، لقُرْبِ المسافةِ ويُسْرِ المَؤُونةِ، فتسافِرُ وتعودُ فَوْرَ انقطاعِ حَيْضِها لتطوفَ طوافَ عُمْرَتِها وهي متطَهِّرةٌ، فإنَّ اللهَ تعالى يقول: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] ، وقال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286] . وقال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] ، وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16]، وقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (إذا أمَرْتُكُم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطَعْتُم) الحديث، إلى غير ذلك من نصوصِ التَّيسيرِ ورَفْعِ الحرَجَ، وقد أفتى بما ذكَرْنا جماعةٌ مِن أهل العِلْمِ؛ منهم شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة، وتلميذُه العلَّامةُ ابنُ القَيِّمِ- رحمةُ الله عليهما) يُنْظَر: ((فتاوى إسلامية)) (2/238).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتاب
قَولُه تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16]
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((وإذا أمَرْتُكم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استَطَعْتُم )) رواه البخاري (7288) واللفظ له، ومسلم (1337).
ثالثًا: أنَّ الصَّلاةَ أعظَمُ مِنَ الطَّواف، ولو عجز المصلِّي عن شرائِطِها مِنَ الطَّهارة أو سَتْرِ العورةِ أو استقبالِ القبلةِ؛ فإنَّه يُصَلِّي على حسَبِ حالِه، فالطَّوافُ أَوْلى بذلك؛ فإنَّ أصولَ الشريعةِ مبنيَّةٌ على أنَّ ما عجز عنه العبدُ مِن شُروطِ العباداتِ يَسْقُطُ عنه، وكما لو عجز الطَّائِفُ أن يطوف بنَفْسِه راكبًا وراجِلًا، فإنَّه يُحْمَلُ ويُطافُ به ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (26/243، 245).
رابعًا: تستَثْفِرُ لئلَّا يسيلَ الدَّمُ، فيُلَوِّثَ المسجِدَ ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (7/ 262)، و (1/ 332)
الفرع الثالث: طَوافُ المُستحاضَةِ ونَحوِها  
تطوفُ المستحاضةُ ومَن به سَلَسُ البَولِ ونحوُهما بالبيتِ، ولا شيءَ عليهما.
الدَّليلُ مِنَ الإجماعِ:    
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابن تيميَّة [1584] قال ابنُ تيميَّة: (وكذلك ما يَعجِز عنه من واجباتِ الطواف، مثل مَن كان به نجاسةٌ لا يُمكنُه إزالتُها، كالمستحاضة، ومَن به سَلسُ البول، فإنَّه يطوفُ، ولا شيءَ عليه باتِّفاق الأئمَّة). ((مجموع الفتاوى)) (26/125). وقال: (المُستحاضة، ومَن به سَلسُ البول، ونحوُهما، يطوفُ ويُصلِّي باتِّفاق المسلمين). ((مجموع الفتاوى)) (26/234). وقال: (المستحاضة، ومَن به سلس البول، ونحوهما، فإنَّ عليه الحجَّ بالإجماع، ويسقطُ عنه ما يَعجِز عنه من الطهارة). ((مجموع الفتاوى)) (26/236- 237). ، وابن القيِّم [1585] قال ابنُ القيِّم: (المستحاضَة يجوز لها دخولُ المسجد للطَّواف إذا تلجَّمت اتِّفاقًا). ((أعلام الموقعين)) (3/21). ووقَع خلافٌ في المستحاضة وأُجيب عنه؛ قال ابنُ رجب: (نقل صالح بن أحمد، عن أبيه في المستحاضة: لا تطوفُ بالبيت، إلَّا أنْ تطول بها الاستحاضةُ، قال أبو حفص العُكبريُّ: لعلَّها غلطٌ من الراوي؛ فإن الصَّحيح عن أحمدَ أنَّ المستحاضة بمنزلة الطاهرة، تطوف بالبيت، قال في رِواية الميموني: المستحاضة أحكامُها أحكامُ الطاهرة في عِدَّتها، وصلاتها، وحجِّها، وجميعِ أمرِها، ونقل عنه ابنُ منصور: تطوف بالبيت، وأمَّا ما وقع في رِواية صالح: أنَّها لا تطوف إلَّا أن يطولَ بها، فلعلَّه اشتبه على الراوي الطوافُ بالوطءْ؛ فإنَّ ابن منصور نقَل عن أحمدَ ذلك في الوطء، وصالح وابن منصور متَّفقان في نقْل المسائل عن أحمدَ في الغالب، ولكن قد رُوي عن ابن عمر ما يُشعِر بمنع المستحاضة من الطَّواف، فرَوَى عبد الرزَّاق، عن معمر، عن واصل مولى ابن عُيينة، عن رجلٍ سأل ابنَ عُمرَ عن   امرأةٍ تطاوَلَ بها الدَّمُ، فأرادت تنفِرُ، وأرادت تشربُ دواءً ليقطع عنها الدَّم؟ قالَ: لا بأس به، ونعَت ابنُ عمر لها ماءَ الأراك... فظاهر هذا: أن المستحاضة معَ تطاول الدَّم بها لا تطوفُ حتى ينقطعَ عنها الدَّم، مع أنَّه يُمكن حملُه على تطاول دم الحيض ومجاوزتُه للعادة، أو على أنَّ الأَوْلَى للمستحاضة ألَّا تطوف حتى ينقطع دمُها، وجمهور العلماء على جواز ذلك). ((فتح الباري)) (1/456).
الفرع الثَّالث: اشتراطُ الطَّهارة مِنَ الحَدَثِ في الطَّوافِ
أجمَعَ أهلُ العلمِ على مشروعيَّةِ الطَّهارة في الطَّوافِ ((بداية المجتهد)) لابن رشد (1/342). ، ثم اختلفوا في اشتراطِها على أقوالٍ، أقواها قولانِ:
القول الأوّل: أنَّ الطَّهارةَ مِنَ الحَدَثِ شَرْطٌ في صِحَّةِ الطَّوافِ، وهذا مَذهَبُ الجُمْهورِ قال النووي: (حكاه الماوردي عن جمهور العُلَماء، وحكاه ابن المُنْذِر في طهارة الحدث عن عامة العُلَماء) ((المجموع)) (8/17). مِنَ المالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/94), ((الشرح الكبير)) للدردير (2/31)، ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/313). , والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/14), ((نهاية المحتاج)) للرملي (3/278). , والحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (1/164)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/403).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها ((أوَّلُ شيءٍ بدأ به حين قَدِمَ مكَّة أنه توضَّأَ ثم طاف بالبيتِ )) رواه البخاري (1641) واللفظ له، ومسلم (1235).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ فِعْلَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا كان لبيانِ نصٍّ مِن كتابِ الله، فهو على اللُّزومِ والتحتُّم، فدلَّ ذلك على اشتراطِ الطَّهارةِ للطَّوافِ؛ ولأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَيَّنَه بفِعْلِه، وقال: خُذوا عنِّي مناسِكَكم، ولم يَرِدْ دليلٌ يخالِفُ ذلك؛ فثبت أنَّ الطَّهارةَ للطَّوافِ شَرْطٌ ((مجلة البحوث الإسلامية)) (44/207).
2- قولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها حين حاضت، وهي مُحْرِمةٌ: ((افعلي ما يفعَلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تطوفي بالبيتِ، حتَّى تطْهُرِي)) وفي روايةٍ ((حتى تغتَسِلي )) رواه مسلم (1211).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الرسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رخَّصَ لعائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أن تفعلَ وهي حائضٌ كلَّ ما يفعَلُه الحاجُّ غيرَ الطَّوافِ، فإنَّه جَعَلَه مقيَّدًا باغتسالِها وطهارَتِها مِنَ الحيضِ، فدَلَّ على اشتراطِ الطَّهارةِ للطَّوافِ، وفي معنى الحائِضِ: الجُنُبُ والمُحْدِثُ ((مجلة البحوث الإسلامية)) (44/208) واللفظ له.
3- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها: ((أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أراد مِن صفيَّةَ بعضَ ما يريدُ الرَّجُلُ مِن أهلِه. فقالوا: إنها حائِضٌ يا رسولَ اللهِ. قال: وإنَّها لحابِسَتُنا، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، قد زارت يومَ النَّحْرِ، قال: فلْتَنْفِرْ معكم )) رواه البخاري (1733)، ومسلم (1211).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أن هذا الحديثَ يدلُّ على أنَّ الحائِضَ تنتظِرُ حتى تطْهُرَ ثم تطوف، وهذا يدلُّ على اشتراطِ الطَّهارةِ ((مجلة البحوث الإسلامية)) (44/208).
ثانيًا: مِنَ الآثارِ
عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((الطَّوافُ بالبيتِ صلاةٌ...)) أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (3944)، والبيهقي (9753) موقوفًا على ابن عبَّاس رضي الله عنهما.  صحَّحه النووي في ((المجموع)) (8/14)، وقال ابنُ تيميَّة في ((مجموع الفتاوى)) (26/126): لم يثبتْ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولكن هو ثابت عن ابن عبَّاس، وقال ابنُ العراقي في ((طرح التثريب)) (5/120): الصحيح وقفه على ابن عبَّاس، وذكر ابن باز في ((فتاواه)) (17/213) أنه ورد مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح إسنادًا، وهو في حكم المرفوع، وصحَّحه الألباني في ((إرواء الغليل)) (1/156).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّه شَبَّه الطَّوافَ بالصَّلاةِ, فدَلَّ ذلك على أنَّ للطَّوافِ جميعَ أحكامِ الصَّلاة إلَّا ما دلَّ الدَّليلُ على استثنائِه؛ كالمَشْيِ، والكلامِ، وغَيْرِه, ومن ذلك الطَّهارةُ؛ لِقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا تقبَلُ صلاة بغَير طُهورٍ )) رواه مسلم (224)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
القول الثاني: أنَّ الطَّهارةَ سُنَّةٌ في الطَّوافِ، وهذا قولٌ عند الحَنَفيَّة ((المبسوط)) للسرخسي (4/35). ، وروايةٌ عن أحمَدَ ((تهذيب السنن)) لابن القيم (1/97)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/398), ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (26/214)، ((الإنصاف)) للمرداوي (1/164). ، وهو قولُ ابْنِ حَزْمٍ قال ابنُ حزم: (الطَّواف بالبيتِ على غير طهارةٍ جائزٌ، وللنُّفَساء، ولا يَحْرُمُ إلَّا على الحائض فقط؛ لأنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَنَعَ أمَّ المؤمنين- إذ حاضت- مِنَ الطَّوافِ بالبيت) ((المحلى)) (5/189). ، وابنِ تيميَّة قال ابنُ تيميَّة: (ثم تدبَّرْتُ وتبيَّنَ لي أنَّ طهارة الحدث لا تُشتَرَط في الطَّوافِ، ولا تجب فيه بلا ريبٍ، ولكن تُستحَبُّ فيه الطَّهارةُ الصُّغرى؛ فإنَّ الأدِلَّة الشرعيةَ إنَّما تدلُّ على عدمِ وُجوبِها فيه، وليس في الشريعةِ ما يدلُّ على وجوبِ الطَّهارةِ الصغرى فيه) ((مجموع الفتاوى)) (26/199)، ويُنْظَر: ((تهذيب السنن)) لابن القيم (1/97). ، وابنِ القَيِّم ((تهذيب السنن)) لابن القيم (1/97). ، وابنِ عُثيمين قال ابنُ عثيمين: (الذي تطمئِنُّ إليه النَّفْسُ أنَّه لا يُشْتَرَطُ في الطَّوافِ الطَّهارة مِنَ الحدث الأصغر، لكنَّها بلا شكٍّ أفضلُ وأكملُ وأتبَعُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا ينبغي أن يُخِلَّ بها الإنسانُ لمخالفة جمهور العُلَماءِ في ذلك، لكن أحيانًا يُضْطَرُّ الإنسانُ، مثل لو أحدَثَ أثناءَ طَوافِه في زحامٍ شديدٍ، فالقولُ بأنَّه يَلْزَمُه أن يذهَبَ ويتوضَّأَ ثم يأتي في هذا الزِّحامِ الشَّديدِ لا سيما إذا لم يبقَ عليه إلَّا بعضُ شَوْطٍ؛ ففيه مشقَّةٌ شديدة، وما كان فيه مشقَّةٌ شديدةٌ ولم يظهر فيها النَّصُّ ظهورًا بيِّنًا؛ فإنَّه لا ينبغي أن نُلْزِمَ النَّاسَ به، بل نتَّبِعُ ما هو الأسهَلُ والأيسَرُ؛ لأنَّ إلزامَ النَّاسِ بما فيه مشقَّةٌ بغيرِ دليلٍ واضحٍ منافٍ لقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ **البقرة: 185**) ((الشرح الممتع)) (7/101)، (7/262).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنه لم يَنقُلْ أحدٌ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه أمَرَ الطَّائفينَ بالوضوء، ولا باجتنابِ النَّجاسة، لا في عُمَرِهِ ولا في حَجَّتِه مع كثرةِ مَن حَجَّ معه واعتمَرَ، ويمتَنِعُ أن يكون ذلك واجبًا ولا يُبَيِّنه للأمَّة، وتأخيرُ البيانِ عن وَقْتِه ممتنِعٌ ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (26/176)، ((تهذيب السنن)) لابن القيم (1/97).
ثانيًا: قياسًا على أركانِ الحَجِّ وواجباتِه؛ فإنَّه لا يُشتَرَط لهما الطَّهارة، فكذلك الطَّوافُ، لا يُشتَرَط له الطَّهارةُ ((مجلة البحوث الإسلامية)) (44/211).
المطلب الرابع: ابتداءُ الطَّوافِ مِنَ الحَجَرِ الأسودِ
ابتداءُ الطَّوافِ مِنَ الحَجَرِ الأسودِ شَرْطٌ لصحَّةِ الطَّواف، فلا يُعتَدُّ بالشَّوط الذي بدأه بعد الحَجَرِ الأسود، وهو مذهَبُ الشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/32)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/485- 486). , والحَنابِلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/485), ((الإنصاف)) للمرداوي (4/16). , وروايةٌ عند الحَنَفيَّة ((المبسوط)) للسرخسي (4/81)، ((البحر الرائق)) لابن نجيم (2/332)، ((الفتاوى الهندية)) (1/225)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/130). ، وقولٌ عند المالِكيَّة ((الذخيرة)) للقرافي (3/240)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/90).
الأدِلَّة مِنَ السُّنَّةِ:
1- عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((رأيتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين يَقْدَمُ مكَّةَ، إذا استلَمَ الرُّكْنَ الأسودَ أوَّلَ ما يطوف؛ يَخُبُّ ثلاثةَ أطوافٍ مِنَ السَّبْعِ )) رواه البخاري (1603) واللفظ له، ومسلم (1261).
2- عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((رَمَلَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ ثلاثًا ومشى أربعًا )) رواه مسلم (1262).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
3- أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واظب على ابتداءِ الطَّوافِ مِنَ الحجَرِ الأسودِ, ومواظَبَتُه دليلٌ على فرضيَّةِ الابتداءِ به؛ لأنَّها بيانٌ لإجمالِ القرآنِ في قَولِه تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وقد قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لِتَأْخُذوا مناسِكَكم )) رواه مسلم (1297) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما.
المطلب الخامس: أن يجعَلَ البيتَ عن يَسارِه
يُشتَرَط أن يجعَلَ البيتَ عن يسارِه، وهو مَذهَبُ الجُمْهورِ قال النووي: (الترتيب عندنا شرطٌ لصحَّةِ الطَّواف بأن يجعَلَ البيتَ عن يسارِه ويَطوفَ على يمينِه تلقاءَ وَجْهِه؛ فإنْ عَكَسَه لم يَصِحَّ، وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور وداود وجمهور العُلَماء) ((المجموع)) (8/60). مِنَ المالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/97)، ((الشرح الكبير)) للدردير (2/31). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/60)، ((مغني المحتاج)) للخطيب للشربيني (1/485). ، والحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (4/16)، ((الإقناع)) للحجاوي (1/383).
الدَّليل مِنَ السُّنَّةِ:
عن جابِرِ بنِ عبدِ الله رَضِيَ اللهُ عنهما: ((أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا قَدِمَ مكَّة أتى الحَجَرَ فاستلَمَه ثم مشى على يمينِه فرَمَلَ ثلاثًا ومشى أربعًا )) رواه مسلم (1218). ، وقد قال: ((لِتَأْخُذوا مناسِكَكم )) رواه مسلم (1297).
المطلب السادس: دخولُ الحِجْرِ ضمِنَ الطَّوافِ
الطَّوافُ مِنْ وراءِ الحِجْرِ الحِجْر: هو الموضِعُ المحاط بجدارٍ مُقَوَّس تحت ميزابِ الكعبة، في الجهة الشماليَّة مِنَ الكعبة، ويُسَمَّى الحَطيم أيضًا، والحِجْرُ هو جزءٌ مِنَ البيت، تَرَكَتْه قريشٌ لضِيقِ النَّفَقَةِ، وأحاطَتْه بالجدارِ، وقيل: الذي منها سِتَّةُ أذرُعٍ أو سبعةُ أذرُعٍ. فائدة: قال ابنُ عثيمين: (هذا الحِجْرُ يسمِّيه كثيرٌ مِنَ العوامِّ حِجْرَ إسماعيلَ، ولكنَّ هذه التَّسميةَ خطأٌ، ليس لها أصلٌ، فإنَّ إسماعيلَ لم يَعْلَمْ عن هذا الحِجْرِ). ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (12/491). فَرْضٌ، مَن تَرَكَه لم يُعْتَدَّ بطوافِه، حتى لو مشى على جدارِه لم يُجْزِئْه، وهذا مَذهَبُ الجُمْهورِ: المالِكيَّة ((الشرح الكبير)) للدردير (2/31), ((الذخيرة)) للقرافي (3/240). , والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/14), ((مغني المحتاج)) للشربيني الخطيب (1/486). , والحَنابِلة ((المغني)) لابن قُدامة (3/ 346)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/485).
الأدِلَّة مِنَ السُّنَّةِ:
1- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لها: ((ألَمْ تَرَيْ أنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الكعبةَ اقتَصَروا عن قواعِدِ إبراهيمَ؟ فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، ألا تَرُدُّها على قواعِدِ إبراهيمَ؟ قال: لولا حِدْثانُ قَوْمِك بالكُفْرِ لفَعَلْتُ، فقال عبدُ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنه: لئِنْ كانت عائشةُ رَضِيَ اللهُ عنها سَمِعَتْ هذا من رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أُرى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَرَكَ استلامَ الرُّكْنينِ اللَّذينِ يَلِيانِ الحِجْرَ إلَّا أنَّ البيتَ لم يُتَمَّمْ على قواعِدِ إبراهيمَ، وعنها قالت: سألتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الجَدْرِ؛ أمِنَ البيتِ هو؟ قال: نَعَمْ )) رواه البخاري (1583)، ومسلم (1333).
1- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لولا أنَّ قَوْمَك حديثو عهدٍ بجاهليةٍ- أو قال بكُفْرٍ- لأنفقْتُ كَنْزَ الكعبةِ في سبيلِ اللهِ؛ ولجعَلْتُ بابَها بالأرضِ؛ ولأدخَلْتُ فيها مِنَ الحِجْرِ )) رواه مسلم (1333).
وَجْهُ الدَّلالةِ مِنَ الحديثينِ:
أنَّ الحِجْر أكثَرُه مِنَ الكعبة؛ فيجب أن يكونَ الطَّوافُ مِن ورائه، فإنْ لم يَطُفْ من ورائِه لم يتحَقَّقِ الطَّوافُ حول الكعبة ((المغني)) لابن قُدامة (3/ 347)، ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (29/ 129).
2- مواظبةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الطَّوافِ مِن وراءِ الحِجْرِ، وفِعْلُه بيانٌ للقرآنِ الكريم، فيلتَحِق به؛ فيكون فَرضًا ((المغني)) لابن قُدامة (3/ 347)، ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (29/ 129).
المطلب السابع: أن يقَعَ الطَّوافُ في المكانِ الخاصِّ (داخِلَ المسجِدِ الحرام)
يُشْتَرَط أن يكونَ مكانَ الطَّوافِ حول الكعبةِ المُشَرَّفة داخِلَ المسجِدِ الحرام، قريبًا مِنَ البيتِ أو بعيدًا عنه، وهذا شَرْطٌ متَّفَقٌ عليه بين المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعةِ: الحَنَفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (2/353). , والمالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/ 105)، ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/315), ((الذخيرة)) للقرافي (3/241), ((القوانين الفقهية)) لابن جزي (ص: 89). , والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/14), ((نهاية المحتاج)) للرملي (3/283). , والحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (4/16)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/485). ، وحُكِيَ الإجماعُ على عَدَمِ صحَّةِ الطَّوافِ خارِجَ المسجِدِ الحرام قال النووي: (أجمعوا على أنه لو طاف خارج المسجد لم يصح) ((المجموع)) (8/39).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتاب
قَولُه تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: 29]
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ، أمر بالطَّوافِ بالبيت، فمن طاف خارجَ البيت لم يكُنْ طائفًا به ينظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (22/288).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
فِعْلُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم, فقد طاف عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ داخِلَ المسجِدِ الحرامِ، وقال: ((لِتَأْخُذوا مناسِكَكم )) رواه مسلم (1297) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما.
ثالثًا: أنَّه إذا طاف خارِجَ المسجِدِ لم يكن طائفًا بالبيتِ، وإنَّما طاف حول المسجِدِ ((مجلة البحوث الإسلامية)) (53/223).
المطلب الثامن: الطَّوافُ بالبيتِ سَبْعًا
يُشتَرَط أن يطوف بالبيتِ سبعًا، ولا يُجْزِئُ أقَلُّ منها، وهو مَذهَبُ الجُمْهورِ مِنَ المالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/90)، ((الشرح الكبير)) للدردير (2/30). ، والشَّافعيَّة ((روضة الطالبين)) للنووي (3/82)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/486). ، والحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (4/16)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/386). ، وهو قول الكمال ابن الهُمامِ مِنَ الحَنَفيَّة قال الكمال ابن الهمام: (الذي ندين به أنْ لا يُجْزي أقلُّ مِنَ السبع، ولا يُجبَرُ بعضُه بشيءٍ) ((فتح القدير)) (3/56)، ويُنْظَر: ((حاشية ابن عابدين)) (2/552). ، وبه قال بعضُ السَّلَف ((المجموع)) للنووي (8/22).
الأدِلَّة مِنَ السُّنَّةِ:
1- عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((قَدِمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فطاف بالبيت سبعًا )) رواه البخاري (1645) واللفظ له، ومسلم (1234). ، وقد قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لِتَأْخُذوا مناسِكَكم )) رواه مسلم (1297) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما.
2- عن جابرِ بنِ عبد الله رَضِيَ اللهُ عنهما أنه قال في حديثِه الطَّويلِ في صِفَةِ حجَّةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((حتى إذا أتينا البيتَ معه، استلم الرُّكْنَ فرَمَلَ ثلاثًا، ومشى أربعًا )) رواه مسلم (1218).
فرعٌ: الشَّكُّ في عَدَدِ الأشواطِ
لو شكَّ في أثناءِ الطَّوافِ في عددِ الأشواطِ التي طافها؛ فإنَّه يبني على اليقينِ، وهو الأقلُّ، وهذا مَذهَبُ الجُمْهورِ: المالِكيَّة ((حاشية الدسوقي)) (2/30)، ويُنظر: ((كفاية الطالب الرباني)) لأبي الحسن المالكي (1/666). لكن استثنى المالكيَّة المُستنكِحَ، ومرادهم به: هو من يأتيه الشَّكُّ في كلِّ يوم ولو مرةً، فإنَّه يطرَحُ الشَّكَّ، ويلهى عنه، ولهم قولٌ آخر: أنَّه يبني على أول خاطره. يُنْظَر: ((مواهب الجليل)) للحطاب (1/368)، ((الشرح الكبير)) للشيخ الدردير و((حاشية الدسوقي)) (2/33). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/21). والحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (4/ 15)، ويُنظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/398). ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك قال ابنُ المُنْذِر: (أجمعَ كلُّ من نحفَظُ عنه من أهل العلم على أنَّ من شكَّ في طوافه بنى على اليقينِ) ((الإشراف)) (3/280)، ويُنْظَر: ((الإجماع)) لابن المُنْذِر (ص: 55).
الدَّليل مِنَ السُّنَّةِ:
عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه، فلم يَدْرِ كم صلَّى: ثلاثًا أم أربعًا، فلْيَطْرَحِ الشَّكَّ ولْيَبْنِ على ما استيقَنَ، ثم يسجُدْ سجدتينِ قبل أن يُسَلِّمَ؛ فإن كان صلَّى خمسًا شفعْنَ له صلاتَه، وإن كان صلَّى إتمامًا لأربعٍ كانتا ترغيمًا للشيطانِ )) [1648] رواه مسلم (571).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّه أَمَر باطِّراحِ الشَّكِّ والبناءِ على اليقين، وهو الأقلُّ، وفي حُكْمِ الصَّلاةِ: الطَّوافُ ((مجلة البحوث الإسلامية)) (23/93).
المطلب التاسع: الموالاةُ بينَ الأشواطِ
تجِبُ الموالاةُ بين الأشواطِ، وهذا مذهب المالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/105)، ويُنظر: ((كفاية الطالب الرباني)) لأبي الحسن المالكي (1/666). ، والحَنابِلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/483)، ويُنظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/399). ، واختاره ابنُ عُثيمين قال ابنُ عثيمين بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: (لكنِ الذي ينبغي أن نعلَمَ أنَّ العبادةَ الواحدة تجب الموالاةُ بين أجزائها؛ لتكون عبادةً واحدةً إلَّا ما دل الدَّليلُ على جوازِ التَّفريق) ((الشرح الممتع)) (7/277).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والى بين أشواطِ طَوافِه، وقد قال: ((لِتَأْخُذوا مناسِكَكم )) رواه مسلم (1297) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما.
ثانيًا: أنَّ الطَّواف كالصَّلاةِ؛ فيُشتَرَط له الموالاةُ كسائِرِ الصَّلواتِ، أو أنَّه عبادةٌ متعلِّقةٌ بالبيت؛ فاشتُرِطَتْ لها الموالاةُ كالصَّلاةِ ((المغني)) لابن قُدامة (3/ 356، 357).
فرعٌ: حكمُ قَطْعِ الطَّوافِ إذا أقيمَتِ الصَّلاةُ
إذا أُقِيمَتْ صلاةُ الفريضةِ، فإنَّه يقطَعُ الطَّوافَ بنيَّةِ الرُّجوعِ إليه بعد الصَّلاة، فإذا قُضِيَتِ الصَّلاة يبدأ من حيث وَقَف، وهذا مَذهَبُ الجُمْهورِ: الحَنَفيَّة ((الدر المختار)) للحصكفي و((حاشية ابن عابدين)) (2/ 497)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/130). ، والمالِكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/105). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/47). ، وبه قال أكثَرُ أهلِ العِلمِ قال ابنُ المُنْذِر: (أجمعوا فيمن طاف بعضَ سبعةٍ ثم قُطِعَ عليه بالصَّلاةِ المكتوبة، أنه يبتني من حيث قُطِعَ عليه إذا فرغ من صلاتِه، وانفرد الحسنُ البصري فقال: يَستأنِفُ) ((الإجماع)) (1/55). وقال البغوي: (قال عطاء فيمن يطوف فتقام الصَّلاة، أو يدفع عن مكانه إذا سلم: يرجع إلى حيث قطع عليه فيبني. ويذكر نحوه عن ابن عمر وعبدالرحمن ابن أبي بكر) ((شرح السنة)) (7/127). وقال ابنُ قُدامة: (هو قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عمر، وسالم، وعطاء، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي) ((المغني)) (3/ 356). ، وهو قَولُ ابْنِ حَزْمٍ ((المحلى)) لابْن حَزْمٍ (7/202).
الأدِلَّة:
دليلُ قَطْعِ الصَّلاة:
عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا أقيمَتِ الصَّلاةُ فلا صلاةَ إلَّا المكتوبةُ )) رواه مسلم (710).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الطَّوافَ صلاةٌ، فيدخُلُ في عمومِ الخبرِ، بوجوبِ المبادرةِ إلى الصَّلاةِ، وقَطْعِ طوافِه ((المغني)) لابن قُدامة (3/ 356)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/483).
دليلُ البناءِ على ما سبق:
أنَّ ما سبق بُنِيَ على أساسٍ صحيحٍ، وبمقتضى إذنٍ شرعيٍّ؛ فلا يُمكِنُ أن يكون باطلًا إلَّا بدليلٍ شرعيٍّ ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (22/296-297).
المطلب العاشر: المَشيُ للقادِرِ عليه
إذا كان قادرًا على المشي، فيجب عليه أن يطوف ماشيًا، وهذا مَذهَبُ الجُمْهورِ: الحَنَفيَّة ((المبسوط)) للسرخسي (4/78)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/130).                              ، والمالِكيَّة ((حاشية الدسوقي)) (2/40). وأوجبه المالكية في الطَّوافِ الواجب فقط. يُنْظَر: ((حاشية الدسوقي)) (2/40). ، والحَنابِلة ((الإقناع)) للحجاوي (1/ 383)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (3/ 358)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/395).
الأدِلَّة مِنَ السُّنَّةِ:
1- عن أمِّ سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((شكوتُ إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنِّي أشتكي، قال: طوفي مِن وراءِ النَّاسِ وأنت راكبةٌ، فطفتُ ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي إلى جَنْبِ البيتِ، يقرأُ بالطُّورِ وكتابٍ مَسطورٍ )) رواه البخاري (464) واللفظ له، ومسلم (1276).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الترخيصَ لها بالطَّوافِ راكبةً بسبب العُذْرِ يدلُّ على أنَّ العزيمةَ بخلاف ذلك، وأنَّ الأصلَ أن يطوفَ ماشِيًا ((المنتقى شرح الموطأ)) للباجي (2/295)، ((المغني)) لابن قُدامة (3/358).
2- عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((طاف رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالبيت في حجَّةِ الوداعِ على راحِلَتِه، يستلِمُ الحَجَرَ بمِحْجَنِه؛ لِأنْ يراه النَّاسُ وَلْيُشْرِفَ وليسألوه؛ فإنَّ النَّاس غَشُوه )) رواه مسلم (1273).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما طاف راكبًا إلا لعُذرٍ، وهو أن يراه النَّاس ليتأسَّوْا به ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (24/101)، ويُنْظَر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (13/100).
الفرعٌ الأول: حكمُ الطوافِ راكبًا أو محمولًا للعاجزِ عن المَشي
 إذا كان عاجزًا عن المشيِ، وطاف راكبًا أو محمولًا، فلا فداءَ ولا إثمَ عليه.
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أمِّ سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((شكوتُ إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنِّي أشتكي، قال: طوفي مِن وراءِ النَّاسِ وأنت راكبةٌ، فطفتُ ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي إلى جَنْبِ البيتِ، يقرأُ بالطُّورِ وكتابٍ مَسطورٍ )) رواه البخاري (464) واللفظ له، ومسلم (1276).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّه رخَّصَ لها في الطَّوافِ راكبةً للعُذْرِ ((المنتقى شرح الموطأ)) للباجي (2/295)، ((المغني)) لابن قُدامة (3/358).
2- عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((طاف رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالبيت في حَجَّةِ الوداع على راحِلَتِه، يستلِمُ الحَجَر بمِحْجَنِه؛ لأن يراه النَّاسُ ولْيُشْرِفَ وليسألوه؛ فإنَّ النَّاس غَشُوه )) رواه مسلم (1273).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم طاف راكبًا للعذر، وهو أن يراه النَّاس ليتأسَّوْا به ((التمهيد)) لابن عبد البر (13/100)، ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (24/101).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابْنُ عَبْدِ البَرِّ قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: (هذا ما لا خلافَ فيه بين أهل العلم، كلُّهم يقول: إنَّ من كان له عذرٌ أو اشتكى مرضًا؛ أنه جائزٌ له الركوبُ في طوافه بالبيت، وفي سَعْيِه بين الصَّفا والمروة) ((التمهيد)) (13/99). ، والباجي قال الباجي: (أمَّا جوازُ الطوافِ للراكبِ والمحمولِ للعُذْرِ؛ فلا خلاف فيه نعلَمُه) ((شرح الموطأ)) (2/295). وابنُ قُدامة قال ابنُ قُدامة: (لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في صحَّة طواف الرَّاكب، إذا كان له عُذرٌ). ((المغني)) (3/ 358). وابنُ تيميَّة قال ابنُ تيميَّة: (يجوز الطَّواف راكبًا ومحمولًا للعذر، بالنص واتفاق العُلَماء) ((مجموع الفتاوى)) (26/188). وابنُ القَيِّم قال ابنُ القيم: (والطَّواف والسَّعي إذا عجَز عنه ماشيًا، فَعلَه راكبًا اتفاقًا). ((أعلام الموقعين)) (3/18).
الفرعٌ الثاني: طوافُ الصَّبيِّ
الصَّبيُّ الصَّغيرُ يُطافُ به.
الدليل من الإجماع: 
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابن المنذر [1679] قال ابنُ المُنذر: (وأجمَع مَن نحفظ عنه من أهل العِلم على أنَّ الصبيَّ الصغير يُطاف به، هذا قول النَّخَعي، وعطاء، ومالك، والشافعي). ((الإشراف)) (3/285). وقال أيضًا: (وأجمَعوا على أنَّ الصبيَّ يُطاف به). ((الإجماع)) (ص: 56).

انظر أيضا: