موسوعة التفسير

سورةُ الحَجِّ
الآيات (26-29)

ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ

غريب الكلمات:


بَوَّأْنَا: أي: هَيَّأْنا وبَيَّنَّا وعَرَّفْنا، وأصلُه مِن المَباءةِ: وهي مَنزِلُ القَومِ في كُلِّ مَوضِعٍ [424] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 292)، ((تفسير ابن جرير)) (16/511)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 122)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/312)، ((المفردات)) للراغب (ص: 158)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/295)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/240). .
رِجَالًا: جمعُ راجِلٍ، أي: مُشاةً، يُقالُ للماشي بالرِّجْل: رَجِلٌ وراجِلٌ، وهو مشتقٌّ من الرِّجْلِ [425] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/392)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/492)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 245)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 483). .
ضَامِرٍ: الضَّامِرُ: البَعيرُ المهزولُ الَّذي أتْعَبه السَّفرُ، أو هو كلُّ ما يُركبُ مِن فرَسٍ وناقةٍ وغيرِ ذلك، وقيل: الخَفيفُ اللَّحمِ مِن الأعمالِ لا مِنَ الهُزالِ، وأصلُ (ضمر): يدُلُّ على دِقَّةٍ في الشَّيءِ [426] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/518)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/371)، ((المفردات)) للراغب (ص: 512)، ((تفسير ابن جزي)) (2/38)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 302)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 579)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/299). .
فَجٍّ عَمِيقٍ: أي: مَسلَكٍ بَعيدٍ، والفَجُّ: الشَّقُّ بينَ جَبَلينِ، ويُستعمَلُ في الطَّريقِ الواسِعِ، وأصلُ (فجج): يدُلُّ على تفَتُّحٍ وانفِراجٍ، وأصلُ العُمْقِ: البعدُ سُفلًا [427] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 292)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 362)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/437)، ((المفردات)) للراغب (ص: 625، 587)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 245)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 302). .
بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ: أي: الإبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، والبهيمَةُ: مَا استَبْهم عن الجوابِ: أي: استَغْلَق، وما لا نطقَ له؛ وذلك لِما في صوتِه مِن الإبهامِ، وقيل: سُمِّيت بذلك لأنَّها أُبْهِمتْ عن أن تُميِّزَ، وأصلُ (بهم): أن يبقَى الشيءُ لا يُعرَفُ المأتَى إليه، وأصلُ (نعم): يدلُّ على تَرفُّهٍ، وطِيبِ عَيشٍ، وصلاحٍ [428] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 138)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 119)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/311) (5/446)، ((المفردات)) للراغب (ص: 149، 815)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 146). .
الْبَائِسَ: أي: الذي اشتَدَّتْ حاجتُه وساءَتْ حالُه وافتقَرَ، والبُؤسُ: شِدَّةُ الفَقرِ، يقالُ: بَئِسَ الرَّجُلُ بُؤْسًا: إذا اشتَدَّتْ حاجَتُه، فهو بائِسٌ، وأصلُ (بأس): يدُلُّ على الشِّدَّةِ وما ضارَعَها [429] يُنظر: ((معاني القرآن)) للنحاس (4/402)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/328)، ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 28)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/40)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/247). .
لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ: أي: لِيُزيلوا أدرانَهم وأوساخَهم، والتَّفَثُ في المَناسِكِ: ما كان مِن نَحوِ قَصِّ الأظفارِ والشَّارِبِ، وحَلْقِ الرَّأسِ والعانةِ، ورَمْيِ الجِمارِ، ونَحْرِ البُدنِ، وأشباهِ ذلك، وأصلُه: يدلُّ على الوَسَخِ [430] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 292)، ((تفسير ابن جرير)) (16/525)، ((الغريبين)) للهروي (1/256)، ((البسيط)) للواحدي (15/369)، ((المفردات)) للراغب (ص: 165)، ((باهر البرهان)) لأبي القاسم النيسابوري الغزنوي (2/952)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 245). .
بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ: أي: بَيتِ اللهِ الحَرامِ، وسُمِّي عَتيقًا؛ لأنَّه أقدَمُ بيتٍ للعبادةِ في الأرضِ، أو لأنَّ اللهَ تعالى أعتَقَه مِن الجَبابرةِ فلم يَظهَرْ عليه جبَّارٌ قَطُّـ، وقِيل غيرُ ذلك، وأصلُ (عتق): يدُلُّ على الحُرِّيَّةِ والقِدَمِ [431] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 292)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 126)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/219)، ((المفردات)) للراغب (ص: 151)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 245)، ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 199)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 302). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- إذ بَيَّنَّا لإبراهيمَ عليه السَّلامُ مكانَ البَيتِ، وهيَّأْناه له، وقُلْنا له: لا تُشرِكْ بالله شَيئًا في عبادَتِه، وطَهِّرْ -يا إبراهيمُ- بَيتيَ للطَّائِفينَ حَوْلَه، وللقائِمينَ في صلاتِهم، والرَّاكِعينَ السَّاجِدينَ، بتَنزيهِه مِنَ الشِّركِ والكُفرِ، والبِدَعِ والمعاصي، والقبائِحِ وجَميعِ النَّجاساتِ الحسِّيَّةِ والمَعنَويَّةِ.
وأعلِمْ -يا إبراهيمُ- النَّاسَ بوُجوبِ الحَجِّ عليهم، يأتوك مُلَبِّينَ نِداءَك على مُختَلِفِ أحوالِهم، مُشاةً ورُكبانًا على الرَّواحِلِ التي هُزِلَت أبدانُها مِن طُولِ السَّفَرِ ومَشقَّتِه، تأتي هذه الرَّواحِلُ مِن كُلِّ طَريقٍ بعيدٍ؛ لِيَحضُرَ الحُجَّاجُ منافِعَ لهم في أمورِ دينِهم ودُنياهم، ولِيَذكُروا اسمَ اللهِ في أيَّامِ عشرِ ذي الحجَّةِ على ما رزَقَهم مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ.
فكُلوا مِن هذه الذَّبائِحِ، وأطعِموا منها الفَقيرَ الذي اشتَدَّ فَقرُه، ثُمَّ لْيُكمِلِ الحُجَّاجُ ما بَقِيَ عليهم مِن النُّسُكِ، بإحلالِهم وخُروجِهم مِن إحرامِهم، وذلك بإزالةِ ما تراكَمَ مِن وسَخٍ في أبدانِهم، وقَصِّ أظفارِهم، وحَلْقِ شَعرِهم- ولْيُوفُوا بما أوجَبوه على أنفُسِهم في الحَجِّ، ولْيَطَّوَّفوا بالبَيتِ العَتيقِ القديمِ.

تفسير الآيات:


وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى حالَ الكُفَّارِ، وصَدَّهم عن المَسجِدِ الحرامِ، وتوعَّدَ فيه مَن أراد فيه بإلحادٍ؛ ذكَرَ حالَ أبيهم إبراهيمَ، وتَوبيخَهم على سُلوكِهم غيرَ طَريقِه مِن كُفرِهم باتِّخاذِ الأصنامِ، وامتِنانَه عليهم بإيفادِ العالَمِ إليهم [432] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/500). .
وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا.
أي: واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حينَ هَيَّأْنا لإبراهيمَ مَكانَ الكَعبةِ، وأنزَلْناه فيه، وعرَّفْناه بالموضِعِ الذي يَبني فيه الكَعبةَ، وقُلْنا له: لا تُشرِكْ بالله شَيئًا في عبادَتِه، وأخلِصْ أعمالَك كُلَّها للهِ وَحْدَه، وابنِ هذا البَيتَ على اسْم اللهِ وَحْدَه [433] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/511، 512)، ((تفسير البغوي)) (3/334)، ((تفسير ابن كثير)) (5/413)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/295، 296). قال ابن كثير: (هذا فيه تقريعٌ وتوبيخٌ لِمن عَبَد غيرَ اللهِ وأشرك به مِن قُرَيشٍ في البُقعةِ التي أُسِّسَت مِن أوَّلِ يومٍ على توحيدِ اللهِ وعبادتِه وَحْدَه لا شريكَ له). ((تفسير ابن كثير)) (5/413). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/511). وقال الشنقيطي: (وذهَبَت جماعةٌ مِن أهلِ العِلمِ إلى أنَّ أوَّلَ مَن بناهُ إبراهيمُ، ولم يُبْنَ قَبْلَه. وظاهِرُ قَولِه حين ترك إسماعيلَ وهاجَرَ في مكَّةَ: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: 37] يدُلُّ على أنَّه كان مَبنيًّا واندرَسَ، كما يدُلُّ عليه قَولُه هنا مَكَانَ الْبَيْتِ [الحج: 26]؛ لأنَّه يدُلُّ على أنَّ له مكانًا سابقًا كان معروفًا. والله أعلم). ((أضواء البيان)) (4/296). .
كما قال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ آل عمران: 96- 97.
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.
أي: وطَهِّرْ -يا إبراهيمُ- بَيتيَ للطَّائِفينَ حَوْلَه، وللقائِمينَ في صلاتِهم، والرَّاكِعينَ السَّاجِدينَ في صَلاتِهم عِندَه، بتَنزيهِه مِن كُلِّ ما لا يَليقُ به مِنَ الشِّركِ والكُفرِ، والبِدَعِ والمعاصي، والقبائِحِ وجَميعِ النَّجاساتِ الحسِّيَّةِ والمَعنَويَّةِ [434] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/512، 513)، ((تفسير القرطبي)) (12/37)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/36)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/241)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/296 - 298). قال السعدي: (فهؤلاء لهم الحقُّ، ولهم الإكرامُ، ومِن إكرامِهم تطهيرُ البيتِ لأجْلِهم، ويدخلُ في تطهيرِه: تطهيرُه مِن الأصواتِ اللاغيةِ والمرتفعةِ التي تشوِّشُ المتعبِّدِين بالصلاةِ والطوافِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 537). .
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27).
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا.
أي: وأَعْلِمْ -يا إبراهيمُ [435] قال الشنقيطي: (والخِطابُ في قَولِه: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ لإبراهيمَ، كما هو ظاهِرٌ مِنَ السِّياقِ، وهو قَولُ الجُمهورِ، خِلافًا لِمَن زعَمَ أنَّ الخِطابَ لنبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وعلى إبراهيمَ وسَلَّم). ((أضواء البيان)) (4/299). - النَّاسَ بوُجوبِ الحَجِّ عليهم، ونادِ فيهم أنْ حُجُّوا أيُّها النَّاسُ بيتَ اللهِ؛ يأتُوا إليك مُشاةً على أرجُلِهم، مُلَبِّينَ نداءَك، حاجِّينَ بَيتَ اللهِ الحرامِ [436] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/514)، ((تفسير البغوي)) (3/334)، ((تفسير ابن كثير)) (5/414)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/298 - 300). .
وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
أي: وراكِبينَ على الرَّواحِلِ التي هُزِلَت أبدانُها مِن طُولِ السَّفَرِ ومَشقَّتِه [437] قال ابنُ جزي: (الضامرُ يُرادُ به كلُّ ما يُركبُ؛ مِن فرَسٍ، وناقةٍ، وغيرِ ذلك، وإنَّما وصَفه بالضمورِ؛ لأنَّه لا يصلُ إلى البيتِ إلَّا بعدَ ضمورِه). ((تفسير ابن جزي)) (2/38). وممن قال بنحو ذلك: الرسعني، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (5/43)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/299). وممن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السلفِ: قتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (8/2488). وقال ابن عاشور: (والضَّامِرُ: قليلُ لَحمِ البَطنِ... والضُّمورُ مِن مَحاسِنِ الرَّواحِلِ والخَيلِ؛ لأنَّه يُعِينُها على السَّيْرِ والحركةِ. فالضَّامِرُ هنا بمنزلةِ الاسمِ، كأنَّه قال: وَعَلَى كُلِّ راحِلةٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (17/244). وقيل: المرادُ بها: الإبلُ المهازيلُ. وممن قال بذلك: ابنُ جرير، والماوردي، والقرطبي، والعليمي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/514)، ((تفسير الماوردي)) (4/18)، ((تفسير القرطبي)) (12/39)، ((تفسير العليمي)) (4/418). ويُنظر أيضًا: ((تفسير السعدي)) (ص: 537). وممن قال بهذا القول من السلفِ: ابنُ عباس. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/518). ، والتي تأتي مِن كُلِّ طَريقٍ ومَكانٍ واسِعٍ بَعيدٍ [438] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/514)، ((تفسير القرطبي)) (12/39، 40)، ((تفسير ابن كثير)) (5/414)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/37)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/299). .
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى بالحَجِّ في قَولِه: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ؛ ذكَرَ حِكمةَ ذلك الأمرِ، فقال [439] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/220). :
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ.
أي: لأجْلِ أن يَحضُرَ الحُجَّاجُ، فيُحَصِّلوا مَصالِحَ كَثيرةً لهم مِن أمورِ دينِهم ودُنياهم وآخِرَتِهم [440] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/522)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 732)، ((تفسير القرطبي)) (12/41)، ((تفسير ابن كثير)) (5/414)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/245، 246)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/110 - 114). قال الرسعني: (قال ابنُ عبَّاسٍ وأكثرُ المفسِّرينَ: يعني: التجارةَ والأسواقَ). ((تفسير الرسعني)) (5/44). .
كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ البقرة: 198- 199.
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن حَجَّ هذا البَيتَ، فلم يَرْفُثْ [441] الرَّفَثُ: الجِماعُ، أو الفُحشُ في القَولِ، أو خِطابُ الرَّجُلِ المرأةَ فيما يتعلَّقُ بالجِماعِ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (3/97). ، ولم يَفسُقْ [442] ولم يَفسُقْ: أي: لم يأتِ بسَيِّئةٍ ولا معصيةٍ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (3/97). ؛ رجَعَ كيَومَ ولَدَتْه أُمُّه [443] رجَعَ كيَومَ ولَدَتْه أمُّه: أي: بغَيرِ ذَنبٍ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (9/119). ) [444] رواه البخاري (1820) واللفظ له، ومسلم (1350). .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((العُمرةُ إلى العُمرةِ كفَّارةٌ لِما بيْنهما، والحجُّ المبرورُ [445] الحجُّ المبرورُ: هو الذي لا يُخالِطُه شيءٌ مِن المآثمِ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (1/117). ليس له جَزاءٌ إلَّا الجنَّةُ )) [446] رواه البخاري (1773)، ومسلم (1349). .
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
أي: ولِيذكُرَ الحُجَّاجُ اسمَ اللهِ في أيَّامِ عشرِ ذي الحجَّةِ [447] ممن اختار أن المراد بالأيام المعلومات هي العشر: ابن أبي زمنين، والثعلبي، والبيضاوي. يُنظر: ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/178)، ((تفسير الثعلبي)) (7/19)، ((تفسير البيضاوي)) (4/70). ونسبه الثعلبي والبغوي والرسعني والخازن إلى أكثر المفسرين. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (7/19)، ((تفسير البغوي)) (3/335)، ((تفسير الرسعني)) (5/45)، ((تفسير الخازن)) (3/255). وقال ابنُ رجب: (جمهورُ العُلَماءِ على أنَّ هذه الأيامَ المعلوماتِ هي عَشرُ ذي الحجَّةِ؛ منهم: ابنُ عُمر، وابنُ عبَّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرمةُ، وقَتادةُ، والنَّخَعيُّ، وهو قولُ أبي حنيفةَ والشَّافعيِّ، وأحمدَ في المشهورِ عنه). ((لطائف المعارف)) (ص: 269،270). وممَّن اختار أنَّ المرادَ بها أيَّامُ النَّحرِ، مع اختِلافِهم: هل هي يومُ النَّحرِ ويومانِ بَعدَه أو ثلاثةٌ: مُقاتِلُ بنُ سُلَيمانَ، والسَّمرقنديُّ، والزَّجَّاجُ، والواحدي، والشَّوكاني، والشِّنقيطي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/123)، ((تفسير السمرقندي)) (2/457)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/423)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 732)، ((تفسير الشوكاني)) (3/531)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/115). قال الخازن: (عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج: 28] يعني: الهدايا والضَّحايا مِنَ النَّعَمِ، وهي: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وفيه دليلٌ على أنَّ الأيامَ المعلوماتِ: يومُ النَّحرِ، وأيَّامُ التَّشريقِ؛ لأنَّ التَّسميةَ على بهيمةِ الأنعامِ عند نحْرِها ونحْرَ الهدايا يكونُ في هذه الأيَّامِ). ((تفسير الخازن)) (3/255). وقال القاسمي: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، أي: على ما ملَّكهم منها، وذلَّلها لهم؛ لِيَجعَلوها هَدْيًا وضَحايا... والأيَّامُ المعلوماتُ: أيَّامُ العَشرِ، أو يومُ النَّحرِ وثلاثةُ أيَّامٍ أو يومانِ بَعدَه، أو يومُ عَرفةَ والنَّحرِ ويومٌ بَعدَه: أقوالٌ للأئمَّةِ). ((تفسير القاسمي)) (7/241). على ما رزَقَهم مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ [448] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/522)، ((تفسير القرطبي)) (12/41، 44)، ((تفسير البيضاوي)) (4/70)، ((تفسير الخازن)) (3/255)، ((تفسير ابن جزي)) (2/38)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (24/225)، ((لطائف المعارف)) لابن رجب (ص: 270)، ((تفسير القاسمي)) (7/241)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/114). وممَّن ذهَب إلى أن المعنى: على نَحْرِ وذَبحِ ما رَزَقَهم مِن بهيمةِ الأنعامِ: السمعاني، وابنُ عطية، والقرطبيُّ، وابنُ جُزَيٍّ، والسعديُّ، والشنقيطيُّ. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/435)، ((تفسير ابن عطية)) (4/121)، ((تفسير القرطبي)) (12/41- 44)، ((تفسير ابن جزي)) (2/38)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/114). قال ابن رجب: (وأمَّا قوله تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فقيل: إنَّ المراد ذِكرُه عند ذَبحِها، وهو حاصِلٌ بذِكرِه في يومِ النَّحرِ؛ فإنَّه أفضلُ أيَّامِ النَّحرِ. والأصَحُّ: أنَّه إنَّما أُريدَ ذِكرُه شُكرًا على نِعمةِ تَسخيرِ بهيمةِ الأنعامِ لعِبادِه؛ فإنَّ لله تعالى على عِبادِه في بهيمةِ الأنعامِ نِعَمًا كثيرةً، قد عدَّد بَعضَها في مواضِعَ مِن القُرآنِ، والحاجُّ لهم خُصوصيَّةٌ في ذلك عن غيرِهم؛ فإنَّهم يَسيرونَ عليها إلى الحَرَمِ لِقَضاءِ نُسُكِهم). ((لطائف المعارف)) (ص: 269،270). .
فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ.
أي: فكُلوا مِنَ الأنعامِ التي ذكَرْتُم اسمَ اللهِ عليها، وأطعِموا منها مَن ساءت حالُه فاشتَدَّ به الفَقرُ، وضَرَّ به الجوعُ، فلا شيءَ له يُذهبُ جوعَه، ويرفعُ عنه ضرَّه [449] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/523، 524)، ((تفسير القرطبي)) (12/49)، ((تفسير ابن كثير)) (5/417)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537). قال ابنُ كثير: (قَولُه: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ استَدَلَّ بهذه الآيةِ مَن ذهَب إلى وُجوبِ الأكْلِ مِن الأضاحي، وهو قَولٌ غريبٌ. والذي عليه الأكثرونَ أنَّه مِن باب الرُّخصةِ أو الاستِحبابِ). ((تفسير ابن كثير)) (5/416). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/523)، ((تفسير القرطبي)) (12/49)، ((تفسير ابن جزي)) (2/38). قال البغوي: (فَكُلُوا مِنْهَا أمرُ إباحةٍ وليس بواجِبٍ، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا لا يأكُلونَ مِن لُحومِ هداياهم شيئًا، واتَّفَق العُلَماءُ على أنَّ الهَدْيَ إذا كان تطوُّعًا يجوزُ للمُهدِي أن يأكُلَ منه، وكذلك أُضحيَّةُ التطوُّعِ... واختَلَفوا في الهَدْيِ الواجِبِ بالشَّرعِ: هل يجوزُ للمُهدِي أن يأكُلَ منه شيئًا؛ مِثلُ: دَمِ التَّمتُّعِ والقِرانِ، والدَّمِ الواجِبِ بإفسادِ الحَجِّ وفواتِه، وجزاءِ الصَّيدِ). ((تفسير البغوي)) (3/335). .
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29).
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ.
أي: ثُمَّ لْيُكمِلِ الحُجَّاجُ ما بَقِيَ عليهم مِن مناسِكِ حَجِّهم؛ كرَمْيِ الجِمارِ، وحَلْقِ الرُّؤوسِ، ونَتفِ الآباطِ، وحلقِ العانةِ، والأخذِ مِن الشَّوارِبِ، وقَصِّ الأظفارِ، والطَّوافِ بالبَيتِ، وإزالةِ وَسخِ الأبدانِ [450] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/525)، ((المفردات)) للراغب (ص: 165)، ((تفسير البغوي)) (3/336)، ((تفسير القرطبي)) (12/49، 50)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537). قال النيسابوري: (أجمع أهلُ التفسيرِ على أنَّ المرادَ هاهنا: إزالةُ الأوساخِ والزوائِدِ؛ كقَصِّ الشارِبِ والأظفارِ، ونتْفِ الإبْطِ، وحَلقِ العانة، فتقديرُ الآية: ثمَّ لْيَقضُوا إزالةَ تَفَثِهم). ((تفسير النيسابوري)) (5/78). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للنحاس (4/402). قال ابن عاشور: (هذا من جُملةِ ما خاطب اللهُ به إبراهيمَ عليه السَّلامُ). ((تفسير ابن عاشور)) (17/248). .
وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ.
أي: ولْيُوفِ الحُجَّاجُ بما أوجَبوه على أنفُسِهم في الحَجِّ [451] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/528)، ((تفسير ابن كثير)) (5/417، 418)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/250). قال البغويُّ: (قَولُه تعالى: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ قال مجاهِدٌ: أراد نَذْرَ الحَجِّ والهَدْيِ، وما يَنذِرُ الإنسانُ مِن شَيءٍ يكونُ في الحجِّ، أي: لِيُتمُّوها بقَضائِها. وقيل: المرادُ منه الوَفاءُ بما نذَر، على ظاهِرِه. وقيل: أراد به الخُروجَ عمَّا وجَب عليه، نذَرَ أو لم يَنذِرْ. والعرَبُ تقولُ لكُلِّ مَن خرجَ عن الواجِبِ عليه: وَفَى بنَذرِه). ((تفسير البغوي)) (3/336). وممَّن اختار القولَ الأوَّل في الجُملة: ابنُ جَرير، والسمرقندي، والواحديُّ، والرازيُّ، والسعديُّ، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/528)، ((تفسير السمرقندي)) (2/457)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 733)، ((تفسير الرازي)) (23/222)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/250). وممَّن قال بنحو هذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عباسٍ، ومجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/528)، ((تفسير ابن كثير)) (5/417). والقول الثاني هو ظاهر اختيار الشنقيطي. يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/233). .
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ.
أي: ولْيَطُفِ الحُجَّاجُ طَوافَ الإفاضةِ [452] قال ابن جرير: (عُنِيَ بالطواف الذي أمَر جلَّ ثناؤه حاجَّ بيتِه العتيقِ به في هذه الآيةِ: طوافُ الإفاضةِ الذي يُطاف به بعد التعريفِ، إمَّا يومَ النحر، وإمَّا بعْدَه؛ لا خِلافَ بين أهل التأويل في ذلك). ((تفسير ابن جرير)) (16/531). وقال ابن جزي: (المراد هنا طوافُ الإفاضةِ، عند جميعِ المفَسِّرينَ). ((تفسير ابن جزي)) (2/39). وقال ابن عطية: (ويحتملُ بحسَبِ الترتيبِ أن تكونَ الإشارةُ إلى طوافِ الوداعِ؛ إذ المستحسنُ أن يكونَ ولا بدَّ، وقد أسنَد الطبريُّ عن عمروِ بنِ أبي سلمةَ، قال: سألتُ زهيرًا عن قولِه تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فقال: هو طوافُ الوداعِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/119). ويُنظر: ((موطأ مالك)) (3/539، 540)، ((تفسير ابن جرير)) (16/532). ببَيتِ الله العتيقِ [453] قال الشنقيطي: (في المرادِ بالعتيقِ هنا للعلماءِ ثلاثةُ أقوالٍ: الأوَّلُ: أنَّ المرادَ به القديمُ؛ لأنَّه أقدمُ مواضِعِ التَّعبُّدِ. الثَّاني: أنَّ اللهَ أعتقَه مِنَ الجبابرةِ. الثَّالثُ: أنَّ المرادَ بالعتقِ فيه الكرمُ... وإذا عَلِمتَ ذلك فاعْلَمْ: أنَّه قد دَلَّتْ آيةٌ مِنْ كتابِ اللَّهِ، على أنَّ العتيقَ في الآيةِ بمعنَى القديمِ الأَوَّلِ، وهي قولُه تعالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا الآيةَ [آل عمران: 96]، معَ أنَّ المعنييْنِ الآخَرينِ كلاهما حَقٌّ، ولكنَّ القرآنَ دَلَّ على ما ذكرنا، وخيرُ ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآنُ). ((أضواء البيان)) (5/253). وممن اختار أنَّ العتيقَ معناه القديمُ: ابنُ جرير، والواحدي، والقرطبي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/529)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 733)، ((تفسير القرطبي)) (12/50)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/253، 254). وقيل: العتيقُ: أي: المعتَقُ مِن تسلطِ الجبابرةِ. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/70). وممَّن جمَع بيْن المعنيينِ السابقينِ في الجملةِ: البِقَاعيُّ، والسعدي. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/41)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537) قال البقاعي: (وصفه بقَولِه: الْعَتِيقِ إشارةً إلى استحقاقِه للتَّعظيمِ بالقِدَمِ والعِتقِ مِن كُلِّ سوءٍ). ((نظم الدرر)) (13/41). وقال السعدي: (الْعَتِيقِ أي: القديمِ؛ أفضل المساجد على الإطلاق، المُعتَق مِن تسلُّط الجبابرةِ عليه). ((تفسير السعدي)) (ص: 537). وقال ابنُ عاشور: (والعتيقُ: المُحَرَّرُ، غيرُ المملوكِ لِلنَّاسِ). ((تفسير ابن عاشور)). (17/250). وقال النيسابوري: (سُمِّيَ بالبيتِ العَتيقِ؛ لأنَّه أوَّلُ بَيتٍ وُضِعَ للنَّاسِ. عن الحَسَنِ. وقال قتادة: لأنَّه أُعتِقَ مِن تسَلُّطِ الجبابرةِ عليه. وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيرِ، وروَوه عن رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وعن ابنِ عُيَينةَ: لأنَّه لم يُملَكْ قَطُّ. وعن مجاهِدٍ: لأنَّه أُعتِقَ مِن الغَرَقِ أيامَ الطُّوفانِ. وقيل: معناه البيتُ الكريمُ). ((تفسير النيسابوري)) (5/79). ؛ الكعبةِ [454] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/529)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 733)، ((تفسير القرطبي)) (12/50)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/253، 254). .

الفوائد التربوية:


ينبغي للإنسانِ أنْ يَستَحضِرَ أنَّه في مجيئِه إلى مكَّةَ وإحرامِه، أنَّه إنما يفعَلُ ذلك تلبيةً لدُعاءِ الله؛ قال الله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، فالأذانُ بأمْرِ الله يُعتبرُ أذانًا مِن اللهِ، فإذا كان اللهُ هو الذي أذَّنَ، فأنا أجيبُه وأقولُ: «لَبَّيك اللهُمَّ لَبَّيك» [455] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (24/512). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- عُلِّقت القلوبُ على محبَّةِ الكعبةِ: البيتِ الحرامِ، حتى استطاب المحبُّونَ في الوصولِ إليها هجرَ الأوطانِ والأحبابِ، ولَذَّ لهم فيها السَّفرُ الذي هو قطعةٌ مِن العذاب، فركِبوا الأخطارَ، وجابُوا المفاوِزَ والقِفارَ، واحتملوا في الوصولِ غايةَ المشاقِّ، ولو أمكنهم لسَعَوا إليها على الجفونِ والأحداقِ:
نعمْ أسعَى إليكَ على جُفوني          وإنْ بَعُدت لمسراكَ الطريقُ
وسِرُّ هذه المحبَّةِ هي إضافةُ الرَّبِّ سُبحانَه له إلى نَفْسِه بقَولِه: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [456] يُنظر: ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص: 269). ؛ فقد أضافه الرحمنُ إلى نفْسِه، ولتَعظُمَ محبَّتُه في القلوب، وليكونَ أعظمَ لتطهيرِه وتعظيمِه؛ لكونِه بيتَ الرَّبِّ، للطائفينَ به، والعاكفينَ عنده، المقيمينَ لعبادةٍ من العباداتِ؛ مِن ذكرٍ، وقراءةٍ، وتعلُّمِ عِلمٍ وتعليمِه، وغير ذلك من أنواعِ القُرَبِ [457] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 537). .
2- قال الله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ فقَرَن الطَّوافَ بالصَّلاةِ؛ لأنَّهما لا يُشرَعانِ إلَّا مُختَصَّينِ بالبَيتِ؛ فالطَّوافُ عندَه، والصَّلاةُ إليه في غالِبِ الأحوالِ، إلَّا ما استُثنيَ مِن الصَّلاةِ عندَ اشتِباهِ القِبلةِ، وفي الحَربِ، وفي النَّافلةِ في السَّفَرِ. والله أعلَمُ [458] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/413). .
3- قال الله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ يُؤخَذُ مِن هذه الآيةِ الكريمةِ: أنَّه لا يَجوزُ أن يُترَكَ عند بَيتِ اللهِ الحَرامِ قَذَرٌ مِنَ الأقذارِ، ولا نَجَسٌ مِنَ الأنجاسِ المعنويَّةِ ولا الحِسِّيَّةِ، فلا يُترَكُ فيه أحَدٌ يَرتَكِبُ ما لا يُرضي اللهَ، ولا أحَدٌ يُلَوِّثُه بقَذَرٍ مِن النَّجاساتِ [459] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/298). . فقوله: وَطَهِّرْ يَعُمُّ تطهيرَه مِن النَّجاسةِ الحِسِّيَّةِ، ومِن الكُفرِ والمعاصي والأصنامِ [460] يُنظر: ((شرح العمدة- كتاب الصلاة)) لابن تيمية (ص: 403). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ عطْفُ وَأَذِّنْ على وَطَهِّرْ بَيْتِيَ فيه إشارةٌ إلى أنَّ مِن إكرامِ الزَّائِرِ: تَنظيفَ المَنزِلِ، وأنَّ ذلك يكونُ قَبلَ نُزولِ الزَّائِرِ بالمكانِ [461] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/242). .
5- في قَولِه تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ دَلالةٌ على اشتِراطِ طَهارةِ ثَوبِ المصَلِّي لِصِحَّةِ صَلاتِه؛ فإنَّه إذا أَمَرَ اللهُ تعالى بتطهيرِ المَحَلِّ -وهو مُنفَصِلٌ عن المصَلِّي- فاللِّباسُ الذي هو مُتَّصِلٌ به يكونُ الأمرُ بتطهيرِه مِن بابِ أَولَى [462] يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (2/154). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ جملةُ يَأْتُوكَ جوابٌ للأمرِ، جعَلَ التأذينَ سَبَبًا للإتيانِ؛ تَحقيقًا لتَيسيرِ اللهِ الحَجَّ على النَّاسِ، فدَلَّ جوابُ الأمرِ على أنَّ اللهَ ضَمِنَ له استجابةَ نِدائِه [463] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/243). .
7- قَولُ اللهِ تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ فيه جوازُ المَشيِ والرُّكوبِ في الحَجِّ [464] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 181). .
8- قَولُ اللهِ تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ استَدلَّ بعضُهم على تفضيلِ حَجِّ الرَّاجِلِ على الرَّاكِبِ بتَقديمِ الله تعالى رِجَالًا على كُلِّ ضَامِرٍ، وأنَّ ذلك دلَّ على أنَّ حَجَّ الرَّاجِلِ أفضَلُ مِن حَجِّ الراكبِ [465] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/281). .
9- قال الله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ إنَّما قال: يَأْتُوكَ وإن كانوا يأتونَ الكَعبةَ؛ لأنَّ المناديَ إبراهيمُ، فمَن أتَى الكَعبةَ حاجًّا، فكأنَّما أتى إبراهيمَ؛ لأنَّه أجاب نِداءَه، وفيه تَشريفُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ [466] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (12/38). . وقيل: تعليقُ فعل يَأْتُوكَ بضميرِ خطابِ إبراهيمَ، فيه دلالةٌ على أنَّه كان -في حياتِه- يحضرُ موسمَ الحجِّ كلَّ عامٍ، يبلِّغ للناسِ التوحيدَ، وقواعدَ الحنيفيةِ [467] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/243). .
10- قَولُه تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ قد يُؤخَذُ منه بدَلالةِ الإيماءِ [468] دلالة الإيماء: هو اقترانُ الوصفِ بحكمٍ لو لم يَكُن الوصفُ -أو نظيرُه- للتَّعليلِ لكان ذلك الاقترانُ بَعيدًا مِن فصاحةِ كلامِ الشَّارعِ، وكان إتيانُه بالألفاظِ في غيرِ مواضِعِها، معَ كونِ كلامِ الشَّارعِ مُنَزَّهًا عن الحشوِ الَّذي لا فائدةَ فيه. يُنظر: ((شرح الكوكب المنير)) لابن النجار (4/125)، ((مذكرة في أصول الفقه)) للشنقيطي (ص: 283). : الوعدُ بفتوحاتٍ شاملةٍ لمناطقَ شاسعةٍ؛ لأنَّ الإتيانَ مِنْ كلِّ فَجٍّ عميقٍ، يَدُلُّ على الإتيانِ إلى الحجِّ مِنْ بعيدٍ، والإتيانُ إلى الحجِّ يَدُلُّ على الإسلامِ، وبالتَّالي يَدُلُّ على مجيءِ المسلمينَ مِنْ بعيدٍ، وهو مَحَلُّ الاستدلالِ. والله تعالَى أعلمُ [469] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (9/140). .
11- قولُه: مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ الفجُّ: الشَّقُّ بين جَبلينِ تَسيرُ فيه الرِّكَابُ؛ فغَلَبَ الفَجُّ على الطَّريقِ لأنَّ أكثَرَ الطُّرقِ المُؤدِّيةِ إلى مكَّةَ تُسلَكُ بين الجبالِ [470] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/245). .
12- قال الله تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وقال: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ البقرة: 203، فائِدةُ قَولِه: مَعْلُومَاتٍ وَمَعْدُودَاتٍ التَّحريضُ على هذه الأيامِ، وعلى اغتِنامِ فَضْلِها، أي: لَيسَت كغَيرِها، فكأنَّه قال: هي مَخصوصاتٌ؛ فلْتُغتَنَمْ [471] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/119). . وقيل: إنَّ سَببَ تَسميتِها مَعلوماتٍ: الحِرصُ على عِلمِها بحِسابِها؛ لأنَّ وقتَ الحَجِّ في آخِرِها، وكثرةُ ذِكرِ اللهِ تعالى فيها بالتلبيةِ والتكبيرِ [472] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/472، 473). ؛ ففي التعبيرِ بالعِلمِ إشارةٌ إلى وجوبِ استفراغِ الجُهدِ، بعدَ القطعِ بأنَّ الشهرَ ذو الحُجَّةِ اسمًا ومُسمًّى في تحريرِ أوَّلِه، وهذا على أنَّ المرادَ بـ (المعلومات) العشرُ مِن ذي الحجَّةِ. وأمَّا أيَّامُ التَّشريقِ، فإنَّها لَمَّا كانتْ مبنِيَّةً على العِلمِ بأمْرِ الشهرِ الذي أُمِرَ به هنا، فأنتجَ العِلمَ بيومِ العيدِ، لم يُحتَجْ في أمرِها إلى غيرِ العَدِّ؛ فلذا عبَّرَ عنها به دون العِلمِ [473] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/39). .
13- قَولُ اللهِ تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ فيه إشارةٌ إلى أنَّ المرادَ به الإكثارُ؛ إذ مُطلَقُ الذِّكرِ مَندوبٌ إليه في كُلِّ وَقتٍ [474] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/39). .
14- في قوله تعالى: عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ دَلالةٌ على أنَّه يُشتَرَطُ في الأُضحِيَّةِ أنْ تكونَ مِن بهيمةِ الأنعامِ -وهي: الإبلُ والبَقَرُ والغَنَمُ- فلو ضَحَّى الإنسانُ بحيوانٍ آخَرَ أغلى منها، لم يُجْزِه، وكذلك الهديُ الذي نصَّ الشرعُ على كونِه مِن بهيمةِ الأنعامِ، كما في قولِه تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ البقرة: 196، وقولِه: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [475] يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (7/424). البقرة: 196.
15- في قَولِه تعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ دَلالةٌ على إباحة الأكلِ مِن الهَدْي كلِّه -تطوعِه وفرضِه-؛ إذْ مَخْرَجُ الإباحةِ في الأكلِ عامٌّ، فمَن خصَّ منه شيئًا فعليه أنْ يأتيَ بالبرهانِ [476] يُنظر: ((النُّكتُ الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/317). ولا خلافَ في جوازِ الأكلِ مِن هديِ التطوُّعِ إذا بلَغ محلَّه في الحرمِ، يُنظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (2/113)، ((فتح الباري)) لابن حجر (3/556)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/197). وأمَّا الأكلُ مِن هدي القِرانِ والتمتعِ فالجمهورُ على استحبابِه. يُنظر: ((الهداية شرح البداية)) للميرغيناني (1/186)، ((الشرح الكبير)) للدردير (2/89)، ((الإنصاف)) للمرداوي (4/75). .
16- في قَولِه تعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ دَلالةٌ على أنَّ المرادَ بالأيَّامِ المعلوماتِ: ما قَبْلَ يومِ النَّحْرِ -وهو عشرُ ذي الحِجَّةِ-؛ وذلك لأنَّه سُبحانه جَعَلَ هذا كلَّه بعد ذِكْرِه في الأيَّامِ المعلوماتِ، وقَضاءُ التَّفَثِ -وهو شَعَثُ الحَجِّ وغُبارُه ونَصَبُه- والطوافُ بالبيتِ؛ إنَّما يكونُ في يومِ النَّحْرِ وما بعدَه، ولا يكونُ قبْلَه، وقد جَعَلَ اللهُ سُبحانَه هذا مرَتَّبًا على ذِكْرِه في الأيَّامِ المعلوماتِ بلَفظةِ «ثُمَّ» [477] يُنظر: ((لطائف المعارف)) لابن رجب (ص: 270). .
17- قَولُ اللهِ تعالى: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ فيه دَليلٌ على أنَّ النَّذرَ كان مشروعًا في شريعةِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ [478] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/250). .
18- في قَولِه تعالى: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ دَلالةٌ على أنَّ الوفاءَ بالنَّذرِ عِبادةٌ؛ لأنَّ قولَه: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ أمرٌ، والأمرُ بوفائِه يدُلُّ على أنَّه عِبادةٌ؛ لأنَّ العِبادةَ ما أُمِرَ به شَرعًا [479] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/246). .
19- قَولُه تعالى: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ يدُلُّ على وُجوبِ الإيفاءِ بالنَّذرِ؛ فصيغةُ الأمرِ تَقتَضي الوُجوبَ -على الأصَحِّ- إلَّا لدَليلٍ صارفٍ عنه [480] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/233). . ففيه دليلٌ على وُجوبِ إخراجِ النَّذْرِ إن كان دمًا أو هَدْيًا أو غيرَه، ويدُلُّ ذلك على أنَّ النَّذرَ لا يجوزُ أن يُأكَلَ منه وفاءً بالنَّذرِ، وكذلك جزاءُ الصَّيدِ، وفِديةُ الأذى؛ لأنَّ المطلوبَ أن يأتيَ به كامِلًا مِن غيرِ نَقصِ لحمٍ ولا غيرِه [481] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (12/45). .
20- قَولُ اللهِ تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ استُدِلَّ به على أنَّ الطَّوافَ لا يجوزُ داخِلَ البَيتِ، ولا في شَيءٍ مِن هَوائِه [482] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 182). ، وأنَّه يَجِبُ الطَّوافُ مِنْ وَراءِ الحِجْرِ؛ لأنَّه مِنْ أصلِ البيتِ الَّذي بناه إبراهيمُ، وإنْ كانت قُرَيْشٌ قد أخْرَجوه مِنَ البيتِ، حِينَ قَصُرَتْ بهم النَّفَقَةُ؛ ولهذا طافَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّم مِنْ وراءِ الحِجْرِ، وأخبرَ أنَّ الحِجْرَ مِنَ البيتِ، ولم يَسْتَلِمِ الرُّكنيْنِ الشَّامِيَّيْنِ؛ لأنَّهما لم يُتَمَّما على قواعِدِ إبراهِيمَ العتيقَةِ [483] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/418). ويُنظر أيضًا: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/254). .
21- قَولُ اللهِ تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ هذا أمرٌ بالطَّوافِ خُصوصًا، بعدَ الأمرِ بالمناسِكِ عُمومًا؛ لِفَضلِه وشَرَفِه، ولِكَونِه المقصودَ، وما قَبْلَه وسائِلُ إليه، ولعَلَّه -واللهُ أعلَمُ أيضًا- لفائدةٍ أُخرى، وهي: أنَّ الطَّوافَ مَشروعٌ كُلَّ وَقتٍ، وسواءٌ كان تابِعًا لنُسُكٍ أم مُستَقِلًّا بنَفْسِه [484] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 536). .
22- قَولُ اللهِ تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ دَلَّ على لُزومِ طَوافِ الإفاضَةِ، وأنَّه لا صِحَّةَ للحجِّ بِدونِه [485] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/254). .
23- قَولُ اللهِ تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ختَمَ خِطابَ إبراهيمَ بالأمرِ بالطَّوافِ بالبَيتِ؛ إيذانًا بأنَّهم كانوا يَجعَلونَ آخِرَ أعمالِ الحَجِّ الطَّوافَ بالبيتِ، وهو المُسمَّى في الإسلامِ طَوافَ الإفاضةِ [486] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/250). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
- عَطْفٌ على جُملةِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ عطْفَ قِصَّةٍ على قِصَّةٍ. ويُعْلَمُ منها تَعليلُ الجُملةِ المعطوفةِ عليها، بأنَّ المُلحِدَ في المسجِدِ الحرامِ قد خالَفَ بإلحادِه فيه ما أرادَهُ اللهُ مِن تَطهيرِه حينَ أمَرَ ببِنائِه، والتَّخلُّصُ من ذلك إلى إثباتِ ظُلْمِ المُشركينَ وكُفرانِهم نِعمةَ اللهِ في إقامةِ المسجِدِ الحرامِ وتَشريعِ الحجِّ [487] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/240). .
- قولُه: وَإِذْ بَوَّأْنَا (إذ) مَنصوبٌ بفِعْلٍ مُقدَّرٍ، أي: اذكُرْ ذلك الوقْتَ العظيمَ، وعُرِفَ معنى تَعظيمِه مِن إضافةِ اسمِ الزَّمانِ إلى الجُملةِ الفِعليَّةِ دونَ المصدرِ؛ فصار بما يدُلُّ عليه الفِعْلُ منَ التَّجدُّدِ كأنَّه زمَنٌ حاضرٌ [488] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/240). .
وتَوجيهُ الأمرِ بالذِّكرِ إلى الوقْتِ، مع أنَّ المقصودَ تَذكيرُ ما وقَعَ فيه من الحوادثِ؛ للمُبالَغةِ في إيجابِ ذِكْرِها؛ لِمَا أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوقْتِ إيجابٌ لذِكْرِ ما وقَعَ فيه بالطَّريقِ البُرهانيِّ، ولأنَّ الوقتَ مُشتمِلٌ عليها، فإذا استُحضِر كانت حاضرةً بتَفاصيلِها كأنَّها مُشاهَدةٌ عِيانًا [489] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/103). .
- واللَّامُ في لِإِبْرَاهِيمَ لامُ العِلَّةِ؛ لأنَّ (إبراهيمَ) مفعولٌ أوَّلُ لـ بَوَّأْنَا الَّذي هو مِن باب (أعطى)؛ فاللَّامُ مِثْلُها في قولِهم: (شكرْتُ لك)، أي: شكرْتُك لأجْلِك. وفي ذِكْرِ اللَّامِ في مثْلِه ضَربٌ من العِنايةِ والتَّكرمةِ [490] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/240، 241). .
- وقولُه: مَكَانَ الْبَيْتِ فيه إيجازٌ في الكلامِ، كأنَّه قيل: وإذ أعطيناهُ مكانًا لِيَتَّخِذَ فيه بَيتًا، فقال: مَكَانَ الْبَيْتِ؛ لأنَّ هذا حكايةٌ عن قِصَّةٍ مَعروفةٍ لهم، وسبَقَ ذِكْرُها فيما نزَلَ قبْلَ هذه الآيةِ مِن القُرآنِ. والبيتُ مَعروفٌ معهودٌ عند نُزولِ القُرآنِ؛ فلذلك عُرِّفَ بلامِ العهْدِ، ولولا هذه النُّكتةُ لكان ذِكْرُ (مكان) حشْوًا [491] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/240، 241). .
- قولُه: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ إضافةُ البيتِ إلى ضَميرِ الجَلالةِ تَشريفٌ للبَيتِ، وفي الكلامِ إيجازٌ بالحذْفِ دلَّ عليه بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ، والتَّقديرُ: وأمَرْناهُ ببِناءِ البيتِ في ذلك المكانِ، وبعْدَ أنْ بَناهُ قُلْنا: لا تُشْرِكْ بي شيئًا، وطَهِّرْ بَيتي [492] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/241). .
- قولُه: وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ فيه التَّعبيرُ عن الصَّلاةِ بأركانِها؛ ولعلَّ ذلك للدَّلالةِ على أنَّ كلَّ واحدٍ منها مُستقِلٌّ باقتضاءِ ذلك؛ فكيف وقد اجتمَعَتْ [493] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/69)، ((تفسير أبي السعود)) (6/103). ؟!
- ولمْ يَعطِفِ السُّجودَ؛ لأنَّه مِن جِنسِ الرُّكوعِ في الخُضوعِ، ويجوزُ أن يكونَ (القائِمينَ) بمعنى المُقيمين، و(الطَّائِفينَ) بمعنى الطَّارئينَ، فيكونَ المرادُ بالرُّكعِ السُّجودِ فقط المُصَلِّينَ [494] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (9/136). .
2- قَولُه تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
- قولُه: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا مُضاعفةُ الحُروفِ في قولِه: وَأَذِّنْ مُشعِرٌ بتَكريرِ الفِعْلِ، أي: أكثِرِ الإخبارَ بالشَّيءِ [495] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/242). .
- الألِفُ واللَّامُ في النَّاسِ للجِنْسِ؛ فيَعُمُّ كلَّ البشَرِ [496] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/242). .
- قولُه: رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ الواوُ واوُ التَّقسيمِ الَّتي بمعنى (أو)؛ إذ معنى العَطْفِ هنا على اعتبارِ التَّوزيعِ بين راجلٍ وراكبٍ، والمقصودُ منه استيعابُ أحوالِ الآتِينَ؛ تَحقيقًا للوعْدِ بتَيسيرِ الإتيانِ المُشارِ إليه بجَعْلِ إتيانِهم جوابًا للأمْرِ. وقُدِّمَ قولُه: رِجَالًا؛ لكونِ هذه الحالِ أغرَبَ، ثمَّ ذُكِرَ بعْدَه وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ؛ تَكملةً لتَعميمِ الأحوالِ؛ إذ إتيانُ النَّاسِ لا يَعْدو أحَدَ هذينِ الوصفينِ [497] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/243، 244). . وقيل: تقديمُ الرِّجالُ على الرُّكبانِ فيه فائدةٌ جليلةٌ؛ وهي: أنَّ اللهَ تعالى شَرَط في الحجِّ الاستطاعةَ -ولا بُدَّ مِن السَّفَرِ إليه لغالِبِ النَّاسِ- فذَكَر نوعَيِ الحُجَّاجِ؛ لِقَطْعِ تَوَهُّمِ مَن يظنُّ أنَّه لا يجِبُ إلَّا على راكِبٍ، وقَدَّمَ الرِّجالَ؛ اهتِمامًا بهذا المعنى وتأكيدًا. ومِن النَّاسِ مَن يقولُ: قدَّمَهم جَبْرًا لهم؛ لأنَّ نفوسَ الرُّكْبانِ تَزدَريهم وتوَبِّخُهم، وتقولُ: «إنَّ اللهَ تعالى لم يكتُبْه عليكم، ولم يُرِدْه منكم!»، وربَّما توَهَّموا أنَّه غيرُ نافعٍ لهم، فبدأ به؛ جَبْرًا لهم ورحمةً [498] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/69). .
- وكلمةُ (كلِّ) في قولِه: وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ مُستعمَلةٌ في الكثرةِ، أي: وعلى رواحِلَ كثيرةٍ [499] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/244). .
- قولُه: وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ الضَّامِرُ: البعيرُ المهزولُ الَّذي أتعبَه السَّفرُ -على قولٍ في التفسيرِ-؛ فوصَفَها اللهُ تعالى بالمآلِ الَّذي انتهَتْ عليه إلى مَكَّةَ، وذكَرَ سبَبَ الضُّمورِ، فقال: يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أي: أثَّرَ فيها طولُ السَّفرِ، ورَدَّ الضَّميرَ إلى الإبلِ؛ تَكرِمةً لها؛ لقَصْدِها الحجَّ مع أربابِها، كما قال: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا العاديات: 1 في خَيلِ الجِهادِ؛ تَكرِمةً لها حين سعَتْ في سَبيلِ اللهِ [500] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (12/39). .
- قَولُه: يَأْتِينَ يجوزُ أن يكونَ صِفةً لـ كُلِّ ضَامِرٍ؛ لأنَّ لفظَ (كل) صيَّرَه في معنى الجمعِ، وإذ هو جَمْعٌ لِما لا يَعقِلُ فحقُّه التأنيثُ، وإنما أُسندَ الإتيانُ إلى الرواحِلِ دون النَّاسِ فلم يقُل: (يأتون)؛ لأنَّ الرواحِلَ هي سببُ إتيان الناسِ مِن بُعدٍ لِمن لا يستطيعُ السَّفَرَ على رجلَيه. ويجوزُ أن تُجعَلَ جملةُ يَأْتِينَ حالًا ثانيةً من ضَميرِ الجَمعِ في يَأْتُوكَ؛ لأنَّ الحالَ الأُولَى تَضمَّنتْ معنى التَّنويعِ والتَّصنيفِ؛ فصارَ المعنى: يَأتوكَ جماعاتٍ، فلمَّا تُؤوِّلَ ذلك بمعنى الجماعاتِ جرَى عليهم الفِعلُ بضَميرِ التأنيثِ، وهذا الوجهُ يَتضمَّنُ زِيادةَ التَّعجيبِ مِن تيسيرِ الحَجِّ حتَّى على المُشاةِ [501] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/245). . وقيل: يَأْتِينَ فَجمَع؛ لأنَّه أُريدَ بكُلِّ ضامرٍ النوقُ، ومعنى الكلِّ الجَمعُ؛ فلذلك قِيل: يَأْتِينَ [502] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/514) .
3- قَولُه تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ
- قولُه: لِيَشْهَدُوا يَتعلَّقُ بقولِه: يَأْتُوكَ؛ فهو عِلَّةٌ لإتيانِهم الَّذي هو مُسبَّبٌ على التَّأذينِ بالحجِّ، فآلَ إلى كونِه عِلَّةً في التَّأذينِ بالحجِّ [503] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/245). .
- قولُه: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ أي: لِيَحضُروا، فيُحَصِّلوا منافِعَ لهم؛ فكَنَّى بشُهودِ المنافعِ عن نَيلِها. ولا يُعْرَفُ ما وعَدَهم اللهُ على ذلك بالتَّعيينِ [504] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/245، 246). .
- ونكَّرَ المنافِعَ؛ لأنَّه أراد منافِعَ مُختصَّةً بهذه العبادةِ دِينيَّةً ودُنيويَّةً لا تُوجَدُ في غيرِها من العباداتِ؛ فدَلَّ التَّنكيرُ فيها على تَفخيمِ المنافِعِ وتَكثيرِها، بحيثُ لا توجَدُ في غيرِها [505] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/152)، ((تفسير البيضاوي)) (4/70)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/471)، ((تفسير أبي حيان)) (7/502)، ((تفسير أبي السعود)) (6/104)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/246). .
- وفي قولِه: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ كنَّى عن النَّحرِ والذَّبحِ بذِكْرِ اسمِ اللهِ، وفيه تَنبيهٌ على أنَّ الغرَضَ الأصلِيَّ فيما يُتقرَّبُ به إلى اللهِ أنْ يُذكَرَ اسْمُه، وقد حسَّنَ الكلامَ تَحسينًا بَيِّنًا: أنْ جُمِعَ بين قولِه: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وقولِه: عَلَى مَا رَزَقَهُمْ؛ فجُمِعَ بين ذِكْرِ الرَّازقِ والمرزوقِ على طَريقةِ التَّعليلِ، وذلك أنْ رُتِّبَ ذِكْرُ اسمِ اللهِ على الوصْفِ المُناسِبِ، هو كونُه رِزقًا منه، ولو قيل: (لِيَنْحَروا في أيَّامٍ مَعلوماتٍ بَهيمةَ الأنعامِ)، لم يُرَ شَيءٌ من ذلك الحُسْنِ والرَّوعةِ. ومع هذه النُّكتةِ الجليلةِ رُوعِيَ فيه معنى الإجمالِ والتَّفصيلِ [506] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/153)، ((تفسير البيضاوي)) (4/70)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/472)، ((تفسير أبي حيان)) (7/502). .
- وفي جَعْلِ قولِه: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ غايةً للإتيانِ: إيذانٌ بأنَّه الغايةُ القُصوى دونَ غيرِه [507] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/104). .
- وأيضًا في قولِه: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ عُلِّقَ الفِعْلُ بالمرزوقِ وبُيِّنَ بالبهيمةِ؛ تَحريضًا على التَّقرُّبِ، وتَنبيهًا على الذِّكْرِ [508] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/70)، ((تفسير أبي السعود)) (6/104). . وأُدْمِجَ في هذا الحُكْمِ الامتنانُ بأنَّ اللهَ رزَقَهم تلك الأنعامَ، وهذا تَعريضٌ بطلَبِ الشُّكرِ على هذا الرِّزقِ بالإخلاصِ للهِ في العبادةِ، وإطعامِ المَحاويجِ من عِبادِ اللهِ مِن لُحومِها، وفي ذلك سَدٌّ لحاجةِ الفُقراءِ بتَزويدِهم ما يَكْفيهم لعامِهم؛ ولذلك فُرِّعَ عليه: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [509] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/246). .
- قولُه: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ الأمْرُ بالأكْلِ منها يحتملُ أنْ يكونَ أمْرَ وُجوبٍ في شَريعةِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ؛ فيكونَ الخِطابُ في قولِه: فَكُلُوا لإبراهيمَ ومَن معه. وقد عُدِلَ عن الغَيبةِ الواقعةِ في ضَمائرِ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، إلى الخِطابِ بذلك في قولِه: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ ... إلخ، على طَريقةِ الالتفاتِ، أو على تَقديرِ قولٍ مَحذوفٍ مأْمورٍ به إبراهيمُ عليه السَّلامُ، وفي حِكايةِ هذا تَعريضٌ بالرَّدِّ على أهْلِ الجاهليَّةِ؛ إذ كانوا يَمْنعون الأكلَ مِنَ الهَدايا، ثمَّ عاد الأُسلوبُ إلى الغَيبةِ في قولِه: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ. ويحتملُ أنْ تكونَ جُملةُ فَكُلُوا مِنْهَا ... إلخ، مُعترِضةً مُفرَّعةً على خِطابِ إبراهيمَ ومَن معه تَفريعَ الخبَرِ على الخبَرِ؛ تَحذيرًا مِن أنْ يُمنَعَ الأكْلُ مِن بَعْضِها [510] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/104)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/247). . وقيل: التفتَ إلى الإقبالِ عليهم، وفي ذلك حَثٌّ على التقَرُّبِ بالضَّحايا والهدايا [511] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/39). .
- وفي قولِه: الْبَائِسَ الْفَقِيرَ لم يُعْطَفْ أحَدُ الوَصفينِ على الآخَرِ؛ لأنَّه كالبَيانِ له، وإنَّما ذُكِرَ البائسُ مع أنَّ الفَقيرَ مُغْنٍ عنه؛ لتَرقيقِ أفئدةِ النَّاسِ على الفقيرِ بتَذكيرِهم أنَّه في بُؤْسٍ؛ لأنَّ وَصْفَ (فقير) -لشُيوعِ تَداوُلِه على الألسُنِ- صار كاللَّقبِ غيرَ مُشعِرٍ بمعنى الحاجةِ، وقد حصَلَ من ذِكْرِ الوصفينِ التَّأكيدُ. وقيل: البائسُ الَّذي ظهَرَ بُؤْسُه في ثِيابِه وفي وَجْهِه، والفقيرُ: الَّذي تكونُ ثِيابُه نَقيَّةً ووَجْهُه وَجْهَ غَنِيٍّ؛ فعلى هذا التَّفسيرِ يكونُ البائسُ هو المُسكينَ [512] وقد وقَع الخلافُ بينَ العلماءِ في الفقيرِ والمسكينِ أيُّهما أسوأُ حالًا. ينظر: ((معاني القرآن)) للنحاس (3/221، 222)، ((تفسير الماوردي)) (2/374، 375)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (2/523) ((العذب النمير)) للشتقيطي (5/588). ، ويكونُ ذِكْرُ الوَصفينِ لقَصدِ استيعابِ أحوالِ المُحتاجينَ [513] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/247، 248). .
- وكرَّرَ قولَه: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ في قولِه: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ الحج: 36؛ لأنَّ الأوَّلَ مُرتَّبٌ على ذَبْحِ بَهيمةِ الأنعامِ الشَّاملةِ للبُدْنِ والبقرِ والغَنمِ، والثَّانِيَ مُرتَّبٌ على ذَبْحِ البُدْنِ خاصَّةً، وإنْ وافقَهُ في حُكْمِ ذَبْحِ الآخرينَ [514] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 382، 383). .
4- قَولُه تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
- قولُه: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ (ثمَّ) هنا عطَفَتْ جُملةً على جُملةٍ؛ فهي للتَّراخي الرُّتبيِّ لا الزَّمنيِّ؛ فتُفِيدُ أنَّ المعطوفَ بها أهَمُّ في الغرَضِ المسوقِ إليه الكلامُ مِن المعطوفِ عليه، وذلك في الوَفاءِ بالنَّذرِ والطَّوافِ بالبيتِ العتيقِ ظاهرٌ؛ إذ هما نُسكانِ أهَمُّ مِن نَحْرِ الهَدايا [515] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/248). .
- وفي قولِه: بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ شَبَّهَ البيتَ بالعبْدِ العتيقِ في أنَّه لا مِلْكَ لأحدٍ عليه -على أحدِ الأقوالِ في التفسيرِ-، وفيه تَعريضٌ بالمُشركينَ؛ إذ كانوا يَمْنعونَ منه مَن يَشاؤونَ حتَّى جَعَلوا بابَه مُرتفِعًا بدونِ درَجٍ؛ لئلَّا يَدخُلَه إلَّا مَن شاؤوا [516] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/250). .