الموسوعة الفقهية

المبحث الرابع: الزوجة


لا يجوزُ دفْعُ الرَّجُلِ زكاتَه إلى زَوجَتِه.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الإجماعِ
نقَلَ الإجماعَ على ذلك: ابنُ المُنْذِر قال ابنُ المُنْذِرِ: (أجْمعوا على أنَّ الرجُلَ لا يُعطِي زوجَتَه من الزَّكاة؛ لأنَّ نفقَتَها عليه، وهي غنيةٌ بغناه). ((الإجماع)) (ص: 49) ، والكاسانيُّ قال الكاسانيُّ: (لا يجوزُ أن يَدفعَ الرجلُ الزَّكاةَ إلى زوجته بالإجماعِ). ((بدائع الصنائع)) (2/49). ، وابنُ قُدامةَ قال ابنُ قُدامة: (أمَّا الزوجةُ فلا يجوز دفعُ الزَّكاةِ إليها إجماعًا). ((المغني)) (2/484).
ثانيًا: أنَّ نفقَتَها واجبةٌ عليه، فتَستغني بها عن أخْذ الزَّكاةِ، فلم يجُزْ دفعُها إليها قال أبو عُبَيد: (أمَّا إعطاءُ المرأة زوْجَها من الزَّكاةِ، فقد كان بعضُ أهلِ العراق يرى ذلك غيرَ مُجزيها، يُشبِّهه بإعطائِه إيَّاها مِن زكاته. وهما عندنا مُفترقانِ مِن جِهة السُّنةِ والنَّظَر جميعًا... وأمَّا النَّظَر، فإنَّ الرَّجُل يُجبَرُ على نفقةِ امرأتِه، وإنْ كانت موسِرةً، وليست تُجبَرُ هي على نفقَتِه وإن كان مُعسِرًا، فأيُّ اختلافٍ أشدُّ تفاوتًا من هذينِ؟! وهذا هو الأصلُ عندنا المفرِّقُ بين كل مَن يُعطيه الرَّجُل من زكاته، ومَن لا يعطيه؛ أنَّ مَن وجبتْ على الرَّجُلِ نفقتُه وعَولُه، فلا حظَّ له في زكاتِه، ومَن خلَت له زكاتُه كان غيرَ مفروضٍ عليه مُؤنتُه. وهذا قول أهل الحجاز). ((الأموال)) (ص: 700). استثنى الإمامُ أحمد ما إذا لم يُنفِقْ عليها، وتعذَّرَ ذلك، فإنَّه يجوزُ لها أخْذُ الزَّكاةِ، كما لو تعطَّلتْ منفعةُ العقارِ. ((المغني)) لابن قدامة (2/496)، ((الشرح الكبير)) لابن قدامة (2/710).
مطلب: دفْع الزوجةِ زَكاتَها لزوجها
يجوزُ للمرأةِ أن تُعطِيَ زَوجَها مِن زكاتها إنْ كان من أهلِ الزَّكاةِ، وهذا مذهَبُ الشافعيَّةِ قال ابنُ حجر الهيتمي: (ويُسنُّ لها أن تُعطِيَ زَوجَها من زكاتِها، ولو بالفَقرِ، وإنْ أنفَقَها عليها). ((تحفة المحتاج)) (7/154)، ويُنظر: ((حاشية الجمل على شرح المنهج)) لسليمان بن عمر المعروف بالجمل (4/98). ، وبه قال أبو يوسُفَ ومحمَّدُ بنُ الحسَنِ مِنَ الحنفيَّة ((تبيين الحقائق)) للزيلعي مع ((حاشية الشلبي)) (1/301)، ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (2/270). ، وهو قولٌ للمالكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (3/239)، ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/221). ، وقولٌ للحَنابِلَة ((المغني)) لابن قدامة (2/484)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/290). ، واختاره أبو عُبَيدٍ القاسِمُ بنُ سلَّام قال أبو عُبَيدٍ: (... أنَّ الرجُلَ يُجبَرُ على نفقةِ زَوجَتِه وإنْ كانت موسرةً، وليستْ تُجبَرُ هي على نفقَتِه وإنْ كان معسِرًا؛ فأيُّ اختلافٍ أشدُّ تفاوتًا مِن هذين). ((الأموال)) (ص 700). ، وابنُ المُنْذِر قال ابنُ المُنْذِرِ: (ولا يُعطي المرءُ زوجتَه ولا مملوكَه، وتُعطي المرأةُ زوجَها الفقيرَ). ((الإقناع)) (1/189)، ((المغني)) لابن قدامة (2/484). ، وابنُ حزمٍ قال ابنُ حَزْم: (تُعطي المرأةُ زوجَها مِن زكاتها; إنْ كان من أهل السِّهامِ, صحَّ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه أفْتَى زينبَ امرأةَ ابنِ مَسعودٍ؛ إذ أمَر بالصدقةِ فسألتْه: أيَسعُها أن تضَعَ صَدَقَتَها في زوجِها, وفي بني أخٍ لها يتامى، فأخبرَها عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ لها أجرَينِ: أجْرَ الصَّدَقةِ، وأجْرَ القَرابةِ). ((المحلى)) (6/152). ، وابنُ قُدامة قال ابنُ قُدامة: (يَبقى جوازُ الدَّفعِ ثابتًا، والاستدلالُ بهذا أقوى من الاستدلالِ بالنُّصوص؛ لضعْفِ دَلالتِها؛ فإنَّ الحديثَ الأوَّلَ في صدقة التطَوُّع، لقولها: أردْتُ أن أتصدَّقَ بحُليٍّ لي. ولا تجِبُ الصَّدقةُ بالحليِّ، وقولُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((زوجُك وولدُك أحقُّ مَن تَصدَّقتْ به عليهم))، والولَدُ لا تُدفَعُ إليه الزَّكاةُ. والحديث الثاني، ليس فيه ذِكْر الزَّوج، وذكر الزَّكاةِ فيه غيرُ محفوظ، قال أحمد: مَن ذكَر الزَّكاةَ فهو عِندي غيرُ محفوظٍ، إنما ذاك صَدقةٌ مِن غيرِ الزَّكاة؛ كذا قال الأعمشُ) ((المغني)) (2/485). ، والشوكانيُّ قال الشَّوكانيُّ: (الظاهِرُ أنَّه يجوز للزَّوجةِ صرْفُ زكاتها إلى زوجها، وأمَّا أوَّلًا فلِعَدمِ المانع من ذلك، ومَن قال: إنَّه لا يجوزُ، فعليه الدَّليل. وأمَّا ثانيًا فلأنَّ تركَ استفصالِه صلَّى الله عليه وسلَّم لها يُنزَّلُ منزلةَ العمومِ، فلمَّا لمْ يستفصِلْها عن الصَّدقةِ؛ هل هي تطوُّعٌ أو واجب؟ فكأنه قال: يُجزِئُ عنك فرْضًا كان أو تطوُّعًا). ((نيل الأوطار)) (4/210) ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عُثيمِين: (ويجوزُ دفْعُ الزوجة زكاتَها لزَوجِها في قضاءِ دَينٍ عليه ونحوه؛ وذلك لأنَّ اللهَ سبحانه علَّق استحقاقَ الزَّكاةِ بأوصافٍ عامَّة تشمَلُ مَن ذكَرْنا وغيرَهم؛ فمن اتَّصفَ بها كان مستحقًّا، وعلى هذا فلا يخرُجُ أحدٌ منها إلا بنصٍّ أو إجماعٍ، فعن زينبَ الثقفيَّةِ امرأةِ عبدِ الله بن مسعودٍ «أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَر النساءَ بالصَّدقةِ، فسألتِ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّك أمرتَ بالصَّدَقةِ، وكان عندي حُلِيٌّ فأردتُّ أن أتصدَّقَ به، فزعم ابنُ مسعودٍ أنَّه وولَدَه أحقُّ مَنْ تصدَّقْتُ به عليهم، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((صَدَقَ ابنُ مسعودٍ؛ زوجُك وولدُكِ أحقُّ مَن تصدَّقتِ به عليهم))، وعن سلمانَ بن عامرٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((الصَّدقةُ على الفَقيرِ صَدقةٌ، وعلى ذَوي الرَّحِم صدقةٌ وصِلةٌ))، وذَوُو الرحِم هم القرابة؛ قرُبوا أم بَعُدوا). ((مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين)) (20/310). وقال أيضًا: (الصوابُ جوازُ دفْعِ الزَّكاة إلى الزَّوجِ إذا كان من أهلِ الزَّكاة، مثال ذلك: امرأةٌ موظَّفةٌ وعندها مال، وزوجُها فقيرٌ مُحتاجٌ، إمَّا أنَّه مَدينٌ، أو أنَّه يُنفِقُ على أولاده، أو ما أشبه ذلك، فللزوجةِ أن تؤدِّي زكاتَها إليه، وقولُنا أو أنه يُنفِقُ على أولاده، المرادُ بأولادِه مِن غيرِها؛ لأنَّ أولادَه منها إذا كان أبوهم فقيرًا، يلزَمُها أن تُنفِقَ عليهم؛ لأنَّهم أولادُها، لكن إذا كان له أولادٌ مِن غَيرِها وهو فقيرٌ، فللزوجة أن تُعطيَه زكاتَها. وقال أيضًا: (إنَّنا نقولُ في تقريرِ دفْعِ الزَّكاة إلى الزَّوجِ: الزوج فقيرٌ ففيه الوصفُ الذي يستحقُّ به من الزَّكاة؛ فأين الدَّليلُ على المنعِ؟ لأنَّه إذا وُجِدَ السَّبب ثبَت الحُكم، إلَّا بدليلٍ، وليس هناك دليلٌ لا مِنَ القرآنِ ولا من السُّنةِ على أنَّ المرأةَ لا تدفَع زكاتَها لزوجها، وهذه قاعدةٌ: (الأصل فيمَن ينطبِقُ عليه وصفُ الاستحقاقِ أنَّه مُستحِقٌّ، وتُجزِئُ الزَّكاةُ إليه إلَّا بدليلٍ)، ولا نعلم مانعًا من ذلك إلَّا مَن كان إذا أعطاها له أسْقَطَ عَن نفْسه بذلك واجبًا). ((الشرح الممتع)) (6/260، 262). ، وبه صدرت فتوى اللَّجنة الدَّائمة في فتاوى اللَّجنة الدَّائمة: (نفقةُ المرأةِ واجبةٌ على زَوجِها؛ فإذا كان فقيرًا فلإخوانِ زَوجَتِه أن يُعطوه من زكاة أموالِهم؛ لينفقَ منها على نفْسِه وزوجَتِه ومَن يَعولُ، ولإخوانِ هذه الزوجةِ أن يُعطوا أختَهم مِن زكاةِ أموالِهم؛ لتنفقَ منها على نفْسِها وزوجِها الفقيرِ وأولادِه، بل هذه الزوجةُ إذا كان لها مالٌ وجبَتْ فيه الزَّكاةُ، فلها أن تُعطِيَ زكاةَ مالِها لِزَوجِها؛ لينفِقَ منها على مَن يَعولُهم). ((فتاوى اللَّجنة الدَّائمة - المجموعة الأولى)) (10/56). وقالت أيضًا: (يجوزُ أن تَصرِفَ المرأةُ زكاةَ مالها لِزَوجِها إذا كان فقيرًا؛ دفعًا لفَقرِه؛ لعموم قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ... الآية) ((فتاوى اللَّجنة الدَّائمة - المجموعة الأولى)) (10 /62)
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 60]
وجه الدَّلالة:
أنَّ عُمومَ الأصنافِ الثَّمانية يدخُل فيها الزَّوجُ؛ فإذا كان فقيرًا دخَل في العُمومِ، فمتى ما ثبَت الوصفُ ثبَتَ الحُكم،،  وليس في المنعِ مِن دفْع الزَّكاة إليه نصٌّ ولا إجماعٌ ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطَّال (3/، 492).((المغني)) لابن قدامة (2/485).
ثانيًا: من السُّنَّة
عن زَينبَ امرأةِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ قالت: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ((تَصدَّقْنَ يا معشرَ النِّساءِ، ولو مِن حُليِّكُنَّ، قالتْ: فرجَعتُ إلى عبدِ اللهِ، فقلتُ: إنَّك رجلٌ ضعيفُ ذاتِ اليَد- كناية عن الفقر- وإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قدْ أمَرَنا بالصَّدقةِ فَأْتِه فاسألْه، فإنْ كان ذلك يُجزِئُ عنِّي، وإلَّا صرفتُها إلى غَيرِك، قالت: فقال عبدُ الله: ائتِيه أنتِ، قالت: فانطلقتُ فإذا امرأةٌ مِنَ الأنصارِ ببابِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم حاجَتي حاجتُها، وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قدْ أُلقِيَتْ عليه المهابةُ، فخرَج علينا بلالٌ فقلنا له: ائتِ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فأخْبِرْه أنَّ امرأتينِ بالبابِ يسألانِك: أتُجْزِئُ الصدقةُ عنهما على أزواجِهما وعلى أيتامٍ في حُجُورهما؟ ولا تُخْبِرْ مَن نحن، فدخَل بلالٌ فسألَه فقال: مَن هما؟ فقال: امرأةٌ مِن الأنصارِ وزينبُ، فقال: أيُّ الزَّيانبِ؟ فقال: امرأةُ عبدِ اللهِ، فقال: أجْرانِ: أجْرُ القَرابةِ، وأجْرُ الصَّدقة )) رواه البخاري (1466)، مسلم (1000). ، وفي لفظ البخاريِّ: ((يُجزِئ عنِّي أن أُنفِقَ على زوْجي وعلى أيتامٍ لي في حِجْري)) [1957] رواه البخاري (1466).
وجه الدَّلالة:
 أنَّ قَولَها: (أيُجزِئ عنِّي) يدلُّ على أنَّ المرادَ الزَّكاةُ الواجبةُ، وفي ترْكِه صلَّى الله عليه وسلَّم الاستفصالَ عن نوعِ الزَّكاةِ ما يُنَزَّلُ منزلةَ العُمومِ قال الشوكاني: (ترْكُ استفصالِه صلَّى الله عليه وسلَّم لها يُنَزَّلُ منزلةَ العموم، فلمَّا لم يستفصِلْها عن الصَّدقةِ؛ هل هي تطوُّعٌ أو واجب؟ فكأنَّه قال: يُجزِئُ عنك فرْضًا كان أو تطوُّعًا). ((نيل الأوطار)) (4/210)
ثالثًا: أنَّ كلَّ مَن لا يلزَمُ الإنسانَ نفقَتُه؛ فجائِزٌ أنْ يضَعَ فيه الزَّكاةُ، والمرأةُ لا يلزَمُها النفقةُ على زَوجِها، ولا على بنِيه شرح صحيح البخاري لابن بطَّال (3/492)، ((المغني)) لابن قدامة (2/485).

انظر أيضا: