الموسوعة العقدية

 الْعَجَبُ

صِفةٌ فعليَّةٌ ثابتةٌ للهِ عزَّ وجلَّ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
1- قولُه تعالى: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ [الصافات: 12]
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ؛ اختلفتِ القرَّاءُ في قِراءة ذلك، فقرأتْه عامَّةُ قرَّاءِ الكوفةِ: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ، بضمِّ التاءِ مِن عَجِبْتَ، بمعنى: بل عَظُمَ عندي وكَبُر اتِّخاذُهم لي شريكًا، وتكذيبُهم تَنْزيلي، وهم يسخرون، وقرأ ذلك عامَّةُ قرَّاءِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرَّاء الكوفةِ عَجِبْتَ، بفتح التاء، بمعنى: بل عجبتَ أنت -يا محمَّد- ويَسخَرون من هذا القُرآنِ.
والصوابُ من القول في ذلك: أن يُقالَ: إنَّهما قِراءتانِ مشهورتانِ في قرَّاءِ الأمصارِ، فبأيِّتهما قرأَ القارئُ فمُصِيبٌ.
فإنْ قال قائلٌ: وكيف يكون مُصيبًا القارئُ بهما مع اختلافِ معنَيَيهما؟! قيل: إنَّهما وإنْ اختلف معنياهما، فكلُّ واحدٍ من مَعنييهِ صحيحٌ؛ قد عجِبَ محمَّدٌ ممَّا أعطاه اللهُ من الفَضلِ، وسخِرَ منه أهلُ الشِّركِ باللهِ، وقد عَجِب ربُّنا من عَظيمِ ما قاله المشرِكون في اللهِ، وسَخِر المشركونَ ممَّا قالوه) [2444] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/65). .
 وقال ابنُ زَنْجلَةَ: (قرأَ حمزةُ والكسائيُّ: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ؛ بضمِّ التاءِ، وقرأ الباقون بفَتْحِ التاء…)، ثم قال: (قال أبو عُبيد: قَولُه: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ، بالنَّصبِ: بل عجِبتَ- يا محمَّدُ- مِن جَهْلِهم وتكذيبِهم، وهم يسخرون منك، ومَن قرأ: عَجِبْتُ فهو إخبارٌ عن الله عَزَّ وجلَّ) [2445] يُنظر: ((حجة القراءات)) (ص: 606). .
وقد صحَّتِ القراءةُ بالضمِّ عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، كما سيأتي.
2- قولُه تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد: 5] .
 نقَل ابنُ جريرٍ في تَفسيرِه لهذه الآيةِ بإسنادِه عن قَتادةَ: (قَولُه: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ: إن عجِبتَ يا محمَّدُ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ: عجِبَ الرحمنُ تبارك وتعالى مِن تكذيبِهم بالبعثِ بعدَ الموتِ) [2446] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/432). .
قال ابنُ زَنجَلَة بعد ذِكر قِراءة بَلْ عَجِبْتَ بالضمِّ: (قال أبو عُبَيد: والشَّاهدُ لها مع هذه الأخبارِ قولُه تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ، فأخبر جلَّ جلالُه أنَّه عجيبٌ) [2447] يُنظر: ((حجة القراءات)) (ص: 607). .
وقال الشِّنقيطيُّ: (هذه الآيةُ الكريمةُ على قراءةِ حَمزةَ والكِسائيِّ فيها إثباتُ العَجَبِ للهِ تعالى؛ فهي إذَنْ مِن آياتِ الصِّفاتِ على هذه القِراءةِ) [2448] يُنظر: ((أضواء البيان)) (6/ 308). .
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
1- حَدِيثُ أَبِي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((لقد عَجِبَ اللهُ عزَّ وجلَّ «أو: ضَحِكَ» مِن فُلانٍ وفُلانة)) [2449] أخرجه البخاري (4889) واللفظ له، ومسلم (2054) بلفظ: ((قد عَجِب اللهُ من صَنيعِكما بضَيفِكما الليلةَ)). .
2- حَدِيثُ أَبِي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((عَجِبَ اللهُ مِن قومٍ يدخلونَ الجَنَّةَ في السَّلاسلِ )) [2450] أخرجه البخاري (3010). .
3- عن أبي وائلٍ شقيقِ بنِ سَلمةَ قال: (قرأ عبدُ الله بنُ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ، قال شُريحٌ: إنَّ اللهَ لا يعجَبُ من شيءٍ، إنما يَعجَبُ مَن لا يعلمُ؛ قال الأعمشُ: فذكرتُ لإبراهيمَ، فقال: إنَّ شُرَيحًا كان يُعجِبُه رأيُه، إنَّ عبدَ اللهِ كان أعلمَ مِن شُرَيحٍ، وكان عبدُ الله يَقْرَؤُها: بَلْ عَجِبْتُ) [2451] أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم بعد حديث (4692) مختصراً دون كلام شريح، والحاكم (3608)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (991). صححه الحاكِمُ على شرْط البخاري ومسلم. .
قال ابنُ بطَّةَ: (بابُ الإيمانِ بالتعَجُّبِ، وقالت الجَهميَّةُ: إنَّ اللهَ لا يَعجَبُ، قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ، هكذا قرأها ابنُ مسعودٍ، وقيل لإبراهيمَ: إنَّ شُرَيحًا قرَأَها: عَجِبْتَ [الصافات: 12] ، فقال: كان شُرَيحٌ مُعجَبًا برأيِه، عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ أعلَمُ من شُرَيحٍ، والتعَجُّبُ على وجهينِ؛ أحَدُهما: المحبَّةُ بتعظيمِ قَدْرِ الطَّاعةِ، والسُّخطُ بتعظيمِ قَدْرِ الذَّنبِ، ومن ذلك قَولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((عَجِبَ رَبُّك من شابٍّ ليس له صَبْوةٌ )) [2452] أخرجه أحمد (17371)، وأبو يعلى (1749)، والطبراني (17/309) (853) باختلافٍ يسيرٍ من حديث عُقبةَ بنِ عامر رَضِيَ اللهُ عنه. ، أي: أنَّ اللهَ مُحِبٌّ له، راضٍ عنه، عظيمٌ قَدْرُه عنده، والثَّاني: التعَجُّبُ على معنى الاستِنكارِ للشَّيءِ، وتعالى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا؛ لأنَّ المتعَجِّبَ مِنَ الشَّيءِ على معنى الاستِنكارِ هو الجاهِلُ به الذي لم يكُنْ يَعرِفُه، فلمَّا عَرَفه ورآه استنكَرَه، وعَجِبَ منه، وجَلَّ اللهُ أن يُوصَفَ بذلك! وقد جاءت السُّنَّةُ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما دَلَّ على التعَجُّبِ الأوَّلِ) [2453] يُنظر: ((الإبانة الكبرى)) (7/ 131) .
وقال أبو يَعلَى الفرَّاءُ بعد أنْ ذكر أحاديثَ في إثباتِ صِفةِ العَجَب: (لا يمتنعُ إطلاقُ ذلك عليه وحَمْلُه على ظاهرِه؛ إذ ليس في ذلك ما يُحيِلُ صِفاتِه، ولا يُخرِجُها عمَّا تستحقُّه؛ لأنَّا لا نثبِتُ عَجَبًا هو تَعظيمٌ لأمْرٍ دَهَمَه استعظَمَهُ لم يكُن عالِمًا به؛ لأنَّه ممَّا لا يليقُ بصِفاته، بل نُثْبِتُ ذلك صفةً كما أثبَتْنا غيرَها من صِفاتِه) [2454] يُنظر: ((إبطال التأويلات)) (ص: 245). .
وقال البَغَويُّ: (العَجَبُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ليس كالتعَجُّبِ من الآدميِّينَ، كما قال: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة: 79] ، وقال عَزَّ وجَلَّ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: 67] ، والعَجَبُ من الآدميِّينَ: إنكارُه وتعظيمُه، والعَجَبُ مِن اللهِ تعالى قد يكونُ بمعنى الإنكارِ والذَّمِّ، وقد يكونُ بمعنى الاستِحسانِ والرِّضا) [2455] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/ 27). .
وقال أبو القاسِمِ الأصبهانيُّ: (قال قومٌ: لا يُوصَفُ اللهُ بأنَّه يَعْجَبُ؛ لأنَّ العَجَبَ ممَّن يَعلمُ ما لم يكُنْ يَعلَمُ، واحتجَّ مثبِتُ هذه الصِّفةِ بالحديثِ، وبقراءةِ أهلِ الكوفةِ: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ، على أنَّه إخبارٌ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ عن نفْسِه) [2456] يُنظر: ((الحجة في بيان المحجة)) (2/457). .
وقال ابنُ أبي عاصمٍ: (بابٌ: في تَعَجُّبِ ربِّنا من بعض ما يصنعُ عِبادُه ممَّا يُتَقَرَّبُ به إليه) [2457] يُنظر: ((السنة)) (1/249). ، ثمَّ سرَد جملةً من الأحاديثِ التي تُثبِتُ هذه الصِّفَةَ لله عزَّ وجلَّ [2458] ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/181) (6/123). .
وقال عبدُ الغنيِّ المقدِسيُّ: (فمِن صِفاتِ اللهِ تعالى التي وَصَف بها نَفْسَه، ونَطَق بها كِتابُه، وأخبَرَ بها نبيُّه ...) ثمَّ عَدَّد كثيرًا من الصِّفاتِ الثَّابتةِ إلى أن قال: (والعَجَبُ، والبُغضُ والسَّخَطُ، والكُرهُ والرِّضا، وسائِرُ ما صَحَّ عن اللهِ ورَسولِه، وإنْ نَبَتْ عنها أسماعُ بَعضِ الجاهِلينَ، واستوحَشَت منها نُفوسُ المعَطِّلينَ) [2459] يُنظر: ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص: 80، 121 - 123). .
وممَّن أثبتَ صِفةَ العَجَب لله عزَّ وجلَّ: ابنُ تَيميَّةَ في العقيدةِ الواسطيَّةِ، وشَرَح ذلك محمد خليل هرَّاس بقَولِه: (قَولُه: (عَجِبَ رَبُّنا ...) إلخ، هذا الحديثُ يُثْبِتُ لله عزَّ وجلَّ صفةَ العَجَب) [2460] يُنظر: ((شرح الواسطية)) (ص: 202). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (كلُّ صِفةٍ لها سببٌ فهي مِن الصِّفاتِ الفِعليَّة؛ فالضَّحِكُ صِفةٌ فِعليَّةٌ، والفرحُ صِفةٌ فِعليَّةٌ، والعجَبُ صِفةٌ فِعليَّةٌ، فكلُّ صِفة لها سببٌ فإنَّها صِفةٌ فِعليَّةٌ؛ لدُخولِها في الضَّابطِ المعروفِ عند العُلَماءِ: أنَّ كُلَّ صِفةٍ تتعلَّقُ بمشيئتِه فهي صِفةٌ فعليَّةٌ) [2461] يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) (8/409). .
وقال أيضًا: (دَلَّ على هذه الصِّفةِ القُرآنُ الكريمُ؛ قال اللهُ تعالى: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ [الصافات: 12] ، على قراءةِ ضَمِّ التَّاءِ) [2462] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) (2/ 28). .

انظر أيضا: