الموسوعة العقدية

 السَّلامُ

يُوصَفُ اللهُ عزَّ وجلَّ بأنَّه السَّلامُ، وهو اسمٌ له ثابتٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
قولُه تَعالَى: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ [الحشر: 23].
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
حديثُ ثوبانَ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((اللَّهُمَّ أنت السَّلامُ، ومنك السَّلامُ، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ... )) [2282] أخرجه مسلم (591). .
قال ابنُ قُتَيْبَةَ: (مِن صِفاتِه السَّلامُ؛ قال: السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ، ومنه سُمِّيَ الرَّجلُ: عبدَ السَّلامِ، كما يُقال: عبدُ اللهِ، ويَرى أهلُ النَّظرِ من أصحابِ اللُّغةِ أنَّ السَّلامَ بمعنى السَّلامةِ، كما يُقال: الرَّضاعُ والرَّضاعةُ، واللَّذاذُ واللَّذاذةُ؛ قال الشَّاعِرُ:
تُحَيِّي بالسَّلامةِ أُمُّ بَكْرٍ             وَهل لَكِ بعد قَومِكِ مِن سَلامِ
فَسَمَّى نَفسَه جلَّ ثناؤه سلامًا؛ لسلامتِه ممَّا يَلحَقُ الخَلْقَ من العَيبِ والنَّقصِ والفَناءِ والموتِ) [2283] يُنظر: ((تفسير غريب القرآن)) (ص: 6). .
وقال الخطَّابي: (السَّلامُ في صفةِ اللهِ سُبحانَه هو الذي سَلِمَ من كُلِّ عَيبٍ، وبَرِئَ من كُلِّ آفةٍ ونَقْصٍ يَلحقُ المخلوقينَ. وقيل: الذي سَلِمَ الخَلقُ مِن ظُلمِه) [2284] يُنظر: ((شأن الدعاء)) (ص: 41). .
وقال البَيهقيُّ: (السَّلامُ: هو الذي سَلِمَ من كُلِّ عيبٍ، وبَرِئَ من كُلِّ آفةٍ، وهذه صِفةٌ يستحقُّها بذاتِه) [2285] يُنظر: ((الاعتقاد)) (ص: 55). .
وقال ابنُ سِيْدَهْ: (السَّلامُ اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى. وقيل: السَّلامُ الذي سَلِمَ الخَلْقُ مِن ظُلْمِه) [2286] يُنظر: ((المخصص)) (5/ 229). .
وقال ابنُ الأثيرِ: (السَّلامُ: ذو السَّلامِ، أي: الذي سَلِمَ من كُلِّ عيبٍ، وبَرِئَ مِنْ كُلِّ آفةٍ) [2287] يُنظر: ((جامع الأصول)) (4/176). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (السَّلامُ أي: مِن جميعِ العيوبِ والنَّقائصِ؛ لكَمالِه في ذاتِه وصِفاتِه وأفعالِه) [2288] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 80). .
وقال المباركفوريُّ: ( ((اللَّهُمَّ أنت السَّلامُ)) هو مِن أسماءِ اللهِ تعالى، أي: أنت السَّليمُ مِن المعائِبِ والآفاتِ، ومِن كُلِّ نقصٍ، ((وَمِنْكَ السَّلامُ)) هذا بمعنى السَّلامةِ، أي: أنت الذي تُعْطي السَّلامةَ وتمنَعُها) [2289] يُنظر: ((تحفة الأحوذي)) (2/ 166). .
وقال السَّعْديُّ: (القُدُّوسُ السَّلامُ، أي: المعظَّمُ المنَزَّهُ عن صِفاتِ النَّقصِ كلِّها، وأنْ يُماثِلَه أحَدٌ من الخَلقِ؛ فهو المتنَزِّهُ عن جميعِ العُيوبِ، والمتنَزِّهُ عن أنْ يقاربَه أو يماثلَه أحدٌ في شيءٍ من الكَمالِ) [2290] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (5/300). .
ومِن معاني السَّلامِ أنَّه الذي يُشِيعُ السَّلامَ -الذي هو ضِدُّ الحَربِ- بيْن عبادِه، كما قال تعالى: كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [المائدة: 64] ، وأنَّه الذي يُسلِّمُ عِبادَه من الآفاتِ والنَّقائِصِ، مثلُ الدُّعاءِ الوارِدِ بَعْدَ الصَّلاةِ: ((اللَّهُمَّ أنت السَّلامُ، ومنك السَّلامُ)) [2291] أخرجه مسلم (591) من حديث ثوبان رضي الله عنه. .
قال الخطَّابيُّ: (فالسَّلامُ في صِفةِ اللهِ سُبحانَه هو الذي سَلِمَ مِن كُلِّ عَيبٍ، وبَرئَ مِن كُلِّ آفةٍ ونَقصٍ يَلحَقُ المخلوقينَ. وقيل: هو الذي سَلِمَ الخَلْقُ من ظُلْمِه، وذهب بعضُ أهلِ اللُّغةِ إلى أنَّ السَّلامَ الذي هو التحيَّةُ معناه: السَّلامةُ، يقالُ: سَلِمَ الرَّجُلُ سَلامًا وسلامةً... قال: ومِن هذا قَولُ اللهِ سُبحانَه: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ [يونس: 25] أي: إلى الجَنَّةِ؛ لأنَّ الصَّائِرَ إليها يَسلَمُ من المَوتِ والأوصابِ والأحزانِ... وإلى نحوٍ مِن هذا أشار سُفْيانُ بنُ عُيَينةَ في قَولِه عَزَّ وجَلَّ: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) [مريم: 15] ... كأنَّه أشار إلى أنَّ اللهَ جَلَّ وعَزَّ سَلَّم يحيى من شَرِّ هذه المواطِنِ الثَّلاثةِ، وأمَّنَه مِن خَوفِها؛ فعلى هذا إذا سَلَّمَ المسلِمُ على المسلِمِ، فقال: السَّلامُ عليكم. فكأنَّه يُعْلِمُه بالسَّلامةِ مِن ناحيتِه، ويُؤَمِّنُه مِن شَرِّه وغائِلَتِه، كأنَّه يَقولُ له: أنا سِلْمٌ لك غيرُ حَربٍ، ووَلِيٌّ غيرُ عَدُوٍّ، والعَرَبُ تقولُ في التحيَّةِ: سِلْمٌ، بمعنى: السَّلامِ... وذَهَب آخَرونَ إلى أنَّ السَّلامَ الذي هو التحيَّةُ إنَّما هو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ، فإذا قال المؤمِنُ لأخيه: السَّلامُ عليكم، فإنَّما يُعَوِّذُه باللهِ، ويُبَرِّكُ عليه باسمِه. ودَليلُ صِحَّةِ هذا التَّأويلِ: عن أبي هُرَيرةَ قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ السَّلامَ اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ؛ فأفْشُوه بينكم ))) [2292] أخرجه عبد الرزاق (20117)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (3008) واللفظُ لهما، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (8784) باختلافٍ يسيرٍ. صَحَّحه الألبانيُّ في ((صحيح الجامع)) (1638)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((شرح السنة)) (2/45). وقال ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (2/164): إنَّ فيه بشرَ بنَ رافعٍ، لا بأسَ به. [2293] يُنظر: ((شأن الدعاء)) (ص: 41-45). .
وقال ابنُ العربيِّ: (السَّلامُ: الذي لا يتطَرَّقُ إليه عَيبٌ، وسَلِمَ الخَلقُ من ظُلمِه وغَبْنِه) [2294] يُنظر: ((أحكام القرآن)) (2/ 344). .
وقال الرازي: (السَّلامُ فيه وَجهانِ... الثَّاني: أنَّه سلامٌ، بمعنى كَونِه مُوجِبًا للسَّلامةِ) [2295] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (29/513). .
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ: (قَولُه: اللهُمَّ أنت السَّلامُ ومنك السَّلامُ. السَّلامُ الأوَّلُ: اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى، كما قال تعالى: السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ [الحشر: 23]، والسَّلامُ الثَّاني: السَّلامةُ، كما قال تعالى: فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة: 91]، ومعنى ذلك: أنَّ السَّلامةَ مِن المعاطِبِ والمهالكِ إنَّما تحصُلُ لِمن سَلَّمَه اللهُ تعالى، كما قال: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: 107] ) [2296] يُنظر: ((المفهم)) (2/211). .
وقال القُرْطبيُّ: (السَّلامُ أي: ذو السَّلامةِ مِنَ النَّقائِصِ. وقال ابنُ العربيِّ: اتَّفَق العُلَماءُ رحمةُ اللهِ عليهم على أنَّ معنى قَولِنا في اللهِ: السَّلامُ: النِّسبةُ، تقديرُه: ذو السَّلامةِ. ثمَّ اختَلَفوا في ترجمةِ النِّسبةِ على ثلاثةِ أقوالٍ: الأوَّلُ: معناه: الذي سَلِمَ مِن كُلِّ عيبٍ، وبَرِئَ مِن كُلِّ نَقصٍ. الثَّاني: معناه: ذو السَّلامُ، أي المُسَلِّمُ على عبادِه في الجنَّةِ، كما قال: سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58] . الثَّالثُ: أنَّ معناه: الذي سَلِمَ الخَلْقُ مِن ظُلْمِه. قلتُ: وهذا قَولُ الخَطَّابيِّ، وعليه والذي قَبْلَه يكونُ صِفةَ فِعلٍ، وعلى أنَّه البَرِيءُ مِن العيوبِ والنَّقائِصِ يكونُ صِفةَ ذاتٍ. وقيلَ: السَّلامُ معناه: المُسَلِّمُ لعبادِه) [2297] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (18/46). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (إنَّما يَستَغفِرُ الإنسانُ إذا فَرَغ من صلاتِه؛ مِن أجْلِ ما يكونُ فيها من خَلَلٍ ونَقصٍ، ويَقولُ: اللَّهمَّ أنت السَّلامُ، يعني: اللهُمَّ إنِّي أتوسَّلُ إليك بهذا الاسمِ الكريمِ مِن أسمائِك أن تُسَلِّمَ لي صلاتي حتى تكونَ تَكفِرةً للسَّيِّئاتِ، ورِفعةً للدَّرَجاتِ) [2298] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) (5/491). .

انظر أيضا: