الموسوعة العقدية

 السُّخْرِيَّةُ

صِفةٌ فِعْليَّةٌ للهِ عزَّ وجلَّ، ثابِتةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
قولُه تعالى: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: 79] .
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا في آخِرِ أهْلِ النَّارِ خروجًا منها، وآخِرِ أهْلِ الْجَنَّةِ دُخولًا فيها، وفيه أنَّه قال يُخاطِبُ اللهَ عزَّ وجلَّ: ((أَتَسْخَرُ بي؟ أَوَتَضْحَكُ بي وأنتَ المَلِكُ...)) [2254] أخرجه البخاري (6571)، ومسلم (186). .
 قال الأزْهَرِيُّ: (يُقال: سَخِرَ مِنه وبه: إذا تَهَزَّأَ به) [2255] يُنظر: ((تهذيب اللغة)) (7/167). .
قالَ أبو القاسم الأصبهاني: (تولَّى الذَّبَّ عَنْهُمْ يعني: المؤمِنينَ حين قالوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة: 14] ، فقال: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 15] ، وقَالَ: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة: 79] ، وأجَابَ عَنْهُمْ فقال: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ [البقرة: 13] ، فأجَلَّ أقْدَارَهم أن يُوصَفُوا بِصَفَةِ عَيْبٍ، وتَوَلَّى المُجَازَاةَ لَهُمْ فقال: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 15] ، وقال: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة: 79] ؛ لِأَنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ إذا كانَتَا من الله، لم تكونَا سَفَهًا؛ لأَنَّ اللهَ حكيمٌ، والحَكِيمُ لَا يَفعَلُ السَّفَهَ، بل ما يكونُ منه يكونُ صوابًا وحِكْمَةً) [2256] يُنظر: ((الحجة في بيان المحجة)) (1/168). .
وقال ابنُ تيميَّةَ -عند الرَّدِّ على مَن زَعَمَ أنَّ هناك مَجَازًا في القُرآنِ-: (وكذلك ما ادَّعَوْا أنَّه مَجَازٌ في الْقُرْآنِ؛ كَلَفْظِ «المَكْر» و«الِاسْتِهْزَاءِ» و«السُّخْرِيَّة» المضافِ إلى اللهِ، وزعَموا أنَّه مُسمًّى باسْمِ ما يقابِلُه على طَرِيقِ المَجازِ، وليس كذلك، بل مُسَمَّيَاتُ هذه الأسْمَاءِ إذا فُعِلَتْ بِمَنْ لا يَستحِقُّ العُقوبةَ كانتْ ظلمًا له، وأمَّا إذا فُعِلَتْ بمَن فَعَلَها بالمَجْنِيِّ عليه عقوبةً له بِمِثل فِعْلِه، كانتْ عَدْلًا، كما قال تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف: 76] ، فكادَ له كما كادتْ إخْوَتُه لِمَا قالَه له أبوه: لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف: 5] ، وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: 15-16]، وقال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ [النمل: 50-51] ، وقال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة: 79] ) [2257] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/111). .
فَأَهْلُ السُّنَّة والجَماعَةِ يُثْبِتُون صِفَةَ السُّخْرِيَّةِ للهِ عزَّ وجلَّ كَما أثْبَتَها لنفسِهِ، كما يُثْبِتونَ صِفَةَ الكَيْدِ والمَكْرِ، ولا يَخُوضون في كيفيَّتِها، ولا يُشَبِّهونَها بسُخْرِيَّةِ المخْلُوقِ؛ فاللهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11].
وانظُرْ كلامَ ابنِ جَريرٍ في صِفةِ (الاستهزاءِ)؛ فإنَّه مُهِمٌّ [2258] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/ 312- 318). .

انظر أيضا: