الموسوعة العقدية

الفَصْلُ الثَّالِثُ: أقسامُ التَّوحيدِ

تمهيدٌ
قال اللهُ تعالى: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: 65] .
اشتمَلَت هذه الآيةُ الكريمةُ على أقسامِ التَّوحيدِ الثَّلاثةِ:
توحيدُ الرُّبُوبيَّةِ في قَولِه: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا.
وتوحيدُ الأُلُوهيَّةِ في قَولِه: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ.
وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ في قَولِه: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا.
وقد تنوَّعت عباراتُ أهلِ العِلمِ في التَّعبيرِ عن أقسامِ التَّوحيدِ، مع اتِّفاقِها في المضمونِ، وسَبَبُ ذلك أنَّ تقسيمَ التَّوحيدِ مأخوذٌ من استِقراءِ النُّصوصِ، ولم يُنصَّ عليه صراحةً مِن قِبَل الشَّارعِ.
فمِنَ العُلَماءِ مَن قَسَّم التَّوحيدَ إلى الأقسامِ التَّاليةِ:
1- توحيدُ الرُّبوبيَّةِ.
2- توحيدُ الأُلُوهيَّةِ.
3- توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ [321] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/209)، ((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (6/149)، ((لوائح الأنوار)) للسفاريني (1/128)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/17)، ((القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد)) لعبد الرزاق العباد (ص: 17)، ((شرح الرسالة التدمرية)) لعبد الرحمن الخميس (ص: 409). .
وزاد بعضُ العُلَماءِ قِسمًا رابِعًا سَمَّاه: توحيدَ الاتِّباعِ أو المُتابعةِ، أو توحيدَ الطَّريقِ [322] يُنظر: ((التبيان في أيمان القرآن)) لابن القيم (1/108)، ((مجموع فتاوى ابن باز)) (6/215)، ((القول المفيد في أدلة التوحيد)) للوصابي (ص: 35). ، والمراد به إفرادُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالمتابَعةِ، وهذا القِسمُ يتعلَّقُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو مُندَرِجٌ في توحيدِ الأُلُوهيَّةِ؛ لأنَّ العِبادةَ لا تُقبَلُ شَرعًا إلَّا بشَرطَينِ:
1- الإخلاصُ للهِ.
2- المتابعةُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [323] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (18/250)، ((الجديد في شرح كتاب التوحيد)) للقرعاوي (ص: 75)، ((شرح مسائل الجاهلية)) للفوزان (ص: 25). .
كما قال الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] ، وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من أحدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليس منه، فهو رَدٌّ )) [324] أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718). ، وفي روايةٍ لمُسلِمٍ: ((مَن عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أمرُنا، فهو رَدٌّ)) [325] أخرجه مسلم (1718). .
ومِنَ العُلَماءِ مَن قسَّم التَّوحيدَ إلى قِسمَينِ، هما:
1- توحيدُ الأُلُوهيَّةِ.
2- توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ.
وهذا هو الأغلَبُ في كلامِ أهلِ العِلمِ المتقدِّمينَ؛ لأنَّهم يجمَعونَ بين توحيدِ الرُّبوبيَّةِ وتوحيدِ الأسماءِ والصِّفاتِ؛ لأنَّهما يُشَكِّلانِ بمجموعِهما شيئًا واحدًا، وهو جانِبُ العِلمِ باللهِ ومَعرفتِه عزَّ وجلَّ، وتوحيدُ الأُلوهيَّةِ يشكِّلُ جانِبَ العَمَلِ لله.
ثمَّ تنوَّعت تَسمياتُهما لهذينِ القِسمَين؛ فمِنهم من يقولُ هما:
1- التَّوحيدُ العِلميُّ الخَبَريُّ.
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسُمِّي بالعِلْميِّ؛ لأنَّه يعتني بجانِبِ العِلمِ بالله، وسُمِّي بالخَبَريِّ؛ لأنَّه يتوقَّفُ على الخبَرِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
2- التَّوحيدُ الإراديُّ الطَّلَبيُّ.
وهو توحيدُ الأُلوهيَّةِ، وسمِّيَ بالإراديِّ؛ لأنَّ العَبدَ له في العباداتِ إرادةٌ؛ فهو إمَّا أن يقومَ بتلك العبادةِ أو لا، وسمِّيَ بالطَّلَبي؛ لأنَّ العَبدَ يَطلُبُ بتلك العباداتِ وَجْهَ اللهِ ورِضوانَه [326] يُنظر: ((الصفدية)) لابن تيمية (2/228)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/48)، ((معارج القبول)) لحافظ الحكمي (1/97). .
ومِنَ العُلَماءِ من يقولُ هما:
1- توحيدُ المَعرِفةِ والإثباتِ.
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسمِّي بتوحيدِ المَعرِفة؛ لأنَّ مَعرِفةَ اللهِ عزَّ وجلَّ إنَّما تكونُ بمَعرِفة أسمائِه، وصفاتِه، وأفعالِه، وسمِّيَ بتوحيدِ الإثباتِ؛ لإثباتِه ما أثبَتَه اللهُ لنفسِه من الأسماءِ والصِّفاتِ والأفعالِ.
2- توحيدُ الطَّلَبِ والقَصدِ.
وهو توحيدُ الأُلوهيَّةِ، وسمِّيَ بتوحيدِ الطَّلَبِ والقَصدِ؛ لأنَّ العَبدَ يتوجَّهُ بقَلْبِه ولِسانِه وجوارِحِه بالعبادةِ للهِ وَحْدَه، ويَقصِدُ بذلك وَجْهَه، وابتِغاءَ مَرْضاتِه [327] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/417)، ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص: 24)، ((معارج القبول)) لحافظ الحكمي (1/97). .
ومِنَ العُلَماءِ من يقولُ هما:
1- التَّوحيدُ القَوليُّ
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسمِّيَ بالقَوليِّ؛ لأنَّه في مقابِلِ توحيدِ الأُلوهيَّةِ الذي يشكِّلُ الجانبَ العَمَليَّ من التَّوحيدِ.
2- التَّوحيدُ العَمَليُّ.
وهو توحيدُ الأُلُوهيَّةِ، وسمِّيَ بالعَمَليِّ؛ لأنَّه يشمَلُ كُلًّا من عَمَلِ القَلبِ، وعَمَلِ اللِّسانِ، وعَمَلِ الجوارحِ؛ التي تُشكِّل بمجموعِها جانبَ العَمَلِ من التَّوحيدِ [328] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (1/367). .
ومن المعاصرين من يقولُ هما:
1- توحيدُ السِّيادةِ.
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسمِّي بذلك؛ لأنَّ تفرُّدَ اللهِ بأفعالِه وأسمائِه وصفاتِه يُوجِبُ له السِّيادةَ المطلَقةَ، والتصَرُّفَ التَّامَّ في هذا الكونِ، فمِن واجِبِ الموحِّدِ أن يُفرِدَ اللهَ بذلك.
2- توحيدُ العِبادةِ.
وهو توحيدُ الأُلوهيَّةِ المتعَلِّقُ بجانبِ عِبادةِ اللهِ تعالى [329] يُنظر ((معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات)) لمحمد التميمي (ص: 37)، ((شرح العقيدة الطحاوية)) لصالح آل الشيخ (1/44). .
والمُختارُ تَقسيمُ التَّوحيدِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، وهي:
1- توحيدُ الرُّبوبيَّةِ.
2- توحيدُ الأُلوهيَّةِ.
3- توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ.
وهذا التَّقسيمُ الثُّلاثيُّ وارِدٌ في مؤلَّفاتِ أهلِ العِلمِ مُنذُ بدايةِ التَّصنيفِ والتَّدوينِ لمَسائِلِ العَقيدةِ.
قال ابنُ بَطَّةَ: (أصلُ الإيمانِ باللهِ، الذي يجِبُ على الخَلْقِ اعتقادُه في إثباتِ الإيمانِ به؛ ثلاثةُ أشياءَ:
أحَدُها: أن يعتقِدَ العَبدُ ربانيَّتَه؛ ليكونَ بذلك مُبايِنًا لمذاهِبِ أهلِ التَّعطيلِ الذين لا يُثبِتونَ صانِعًا [330] وهذا هو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ. .
والثَّاني: أن يعتَقِدَ وحدانيَّتَه؛ ليكون مبايِنًا بذلك مذاهِبَ أهلِ الشِّركِ الذين أقرُّوا بالصَّانِعِ وأشركوا معه في العبادةِ غَيرَه [331] وهذا توحيدُ الأُلوهيَّةِ. .
والثَّالِثُ: أن يَعتَقِدَه موصوفًا بالصِّفاتِ التي لا يجوزُ إلَّا أن يكونَ موصوًفا بها من العِلمِ والقُدرةِ والحِكمةِ وسائِرِ ما وَصَف به نَفْسَه في كتابِه؛ إذ قد عَلِمْنا أنَّ كثيرًا ممَّن يُقِرُّ به ويوحِّدُه بالقَولِ المطلَقِ قد يُلحِدُ في صِفاتِه [332] وهذا توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ. [333] يُنظر: ((الإبانة)) (6/149). .
وقال الجُرجانيُّ: (التَّوحيدُ ثلاثةُ أشياءَ: مَعرِفةُ الله تعالى بالرُّبوبيَّةِ، والإقرارُ بالوحدانيَّةِ، ونفيُ الأندادِ عنه جملةً) [334] يُنظر: ((التعريفات)) (ص: 69). .
وقال الشِّنقيطيُّ: (دلَّ استقراءُ القُرآنِ العَظيمِ على أنَّ توحيدَ اللهِ يَنقَسِمُ إلى ثلاثِة أقسامٍ:
الأوَّلُ: توحيدُه في ربوبيَّته... الثَّاني: توحيدُه جلَّ وعلا في عبوديَّتِه... النَّوعُ الثَّالِثُ: توحيدُه جلَّ وعلا في أسمائِه وصِفاتِه) [335] يُنظر: ((أضواء البيان)) (3/17). .
وقال ابنُ باز: (هذا التَّقسيمُ مأخوذٌ مِن الاستقراءِ والتأمُّلِ؛ لأنَّ العُلَماءَ لَمَّا استَقرَؤوا ما جاءت به النُّصوصُ من كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ظَهَر لهم هذا، وزاد بعضُهم نوعًا رابعًا هو توحيدُ المتابعةِ، وهذا كُلُّه بالاستقراءِ.
فلا شكَّ أنَّ من تدبَّر القرآنَ الكريمَ وَجَد فيه آياتٍ تأمرُ بإخلاصِ العِبادةِ للهِ وَحْدَه، وهذا هو توحيدُ الأُلوهيَّةِ.
ووجَدَ آياتٍ تدُلُّ على أنَّ اللهَ هو الخلَّاقُ، وأنَّه الرزَّاقُ، وأنَّه مُدَبِّرُ الأمورِ، وهذا هو توحيدُ الرُّبوبيَّة ِالذي أقرَّ به المُشرِكونَ ولم يُدخِلْهم في الإسلامِ.
كما يجِدُ آياتٍ أخرى تدُلُّ على أنَّ له الأسماءَ الحُسنى والصِّفاتِ العُلا، وأنَّه لا شَبيهَ له، ولا كُفُؤَ له، وهذا هو توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ الذي أنكَرَه المبتَدِعةُ مِنَ الجَهميَّةِ والمُعتَزِلةِ والمشبِّهةِ، ومَن سلَكَ سَبيلَهم.
ويجِدُ آياتٍ تدُلُّ على وُجوبِ اتِّباعِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ورَفْضِ ما خالَفَ شَرْعَه، وهذا هو توحيدُ المتابَعةِ، فهذا التَّقسيمُ قد عُلِمَ بالاستقراءِ، وتتبُّعِ الآياتِ، ودراسةِ السُّنةِ، ومن ذلك:
قَولُ اللهِ سُبحانَه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 4]
وقَولُه عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] .
وقَولُه جَلَّ وتعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: 163] .
وقَولُه سُبحانَه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 56-57].
وقَولُه سُبحانَه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] .
وقال سُبحانَه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11].
وقال عزَّ وجلَّ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 1-4].
وقال جَلَّ شأنُه: قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: 31] .
وقال سُبحانَه: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور: 54] ، والآياتُ الدالَّة على ما ذُكِرَ مِنَ التَّقسيمِ كَثيرةٌ.
ومن الأحاديثِ: قَولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حديثِ مُعاذٍ رَضِي اللهُ عنه المتَّفَقِ على صِحَّتِه: ((حقُّ اللهِ على العِبادِ أن يَعبُدوه، ولا يُشرِكوا به شيئًا )) [336] أخرجه البخاري (2856)، ومسلم (30). .
وقَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((من مات وهو يدعو من دونِ اللهِ ندًّا، دخل النَّارَ )) [337] أخرجه البخاري (4497) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه. .
وقولُه لجِبريلَ عليه السَّلامُ لَمَّا سأله عن الإسلامِ، قال: ((أن تعبُدَ اللهَ ولا تُشرِكَ به شَيئًا، وتقيمَ الصَّلاةَ المكتوبةَ، وتؤدِّيَ الزَّكاةَ المفروضةَ ... )) الحديث [338] أخرجه البخاري (50)، ومسلم (9) من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه. .
وقَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((من أطاعني فقد أطاع اللهَ، ومن عصاني فقد عصى اللهَ )) [339] أخرجه البخاري (2957)، ومسلم (1835) من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه. .
وقَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((كلُّ أُمَّتي يَدخُلونَ الجنَّةَ إلَّا من أبى)) قيل: يا رَسولَ اللهِ ومن يأبى؟! قال: ((من أطاعني دَخَل الجنَّةَ، ومن عَصاني فقد أبى )) [340] أخرجه البخاري (7280) من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه. ، والأحاديثُ في هذا البابِ كثيرةٌ) [341] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (6/215). .
وقال بكر أبو زيد: (هذا التَّقسيمُ الاستِقرائيُّ لدى متقدِّمي عُلَماءِ السَّلَفِ أشار إليه ابنُ مَنْدَهْ، وابنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ وغَيرُهما، وقرَّره شيخا الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ وابنُ القَيِّمِ، وقرَّره الزَّبيديُّ في (تاج العروس)، وشَيخُنا الشنقيطيُّ في (أضواء البيان) وآخرينَ، رحم اللهُ الجميعَ، وهو استقراءٌ تامٌّ لنُصوصِ الشَّرعِ، وهو مطَّرِدٌ لدى أهلِ كُلِّ فَنٍّ، كما في استقراءِ النُّحاةِ كَلامَ العَرَبِ إلى: اسمٍ وفِعلٍ وحَرفٍ، والعَرَبُ لم تَفُهْ بهذا، ولم يَعتِبْ على النُّحاةِ في ذلك عاتبٌ) [342] يُنظر: ((التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير)) (ص: 30). .
والعَلاقةُ بين هذه الأقسامِ الثَّلاثةِ للتَّوحيدِ عَلاقةُ تلازُمٍ وتَضَمُّنٍ وشُمولٍ، فهي تُكوِّنُ بمَجموعِها أركانَ التَّوحيدِ الواجِبِ، ولا يَكمُلُ التَّوحيدُ إلَّا باجتِماعِ أقسامِه الثَّلاثةِ، ولا يمكِنُ الاستغناءُ ببَعْضِها عن بعضٍ، فالخَلَلُ والانحرافُ في أيِّ نوعٍ منها هو خللٌ في التَّوحيدِ كُلِّه.
فتوحيدُ الرُّبوبيَّةِ مُستَلزِمٌ لتَوحيدِ الأُلوهيَّةِ.
وتوحيدُ الأُلوهيَّةِ متضَمِّنٌ لتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ.
وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ شامِلٌ للنَّوعَينِ معًا.
فمن أقرَّ بتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ، وعَلِمَ أنَّ الله سُبحانَه هو الرَّبُّ وَحْدَه لا شَريكَ له في رُبوبيَّتِه، لَزِمَه من ذلك الإقرارُ بوجوبِ إفرادِ اللهِ بالعبادةِ وَحْدَه؛ لأنَّه لا يستحِقُّ العبادةَ إلَّا من كان ربًّا خالقًا مالِكًا مُدَبِّرًا، فما دام أنَّ ذلك كُلَّه لله وَحْدَه وَجَب أن يكونَ هو المعبودَ وَحْدَه.
ويَكثُرُ في القُرآنِ الكريمِ سَوقُ آياتِ الرُّبوبيَّةِ مَقرونةً بآياتِ الدَّعوةِ إلى توحيدِ الأُلوهيَّةِ، كقَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 21] .
وأمَّا توحيدُ الأُلوهيَّةِ فهو متضَمِّنٌ لتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ؛ لأنَّ مَن عَبَد اللهَ ولم يُشرِكْ به شَيئًا، يَستَلزِمُ إيمانُه بأنَّ اللهَ هو ربُّه ومالِكُه الذي لا ربَّ غَيرُه.
وأمَّا توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ فهو شامِلٌ للنَّوعَينِ معًا؛ لأنَّه يقومُ على إفرادِ اللهِ تعالى بكلِّ ما له من الأسماءِ الحُسنى، والصِّفاتِ العُلا التي لا تنبغي إلَّا له سُبحانَه وتعالى، والتي من جُملتِها: الرَّبُّ - الخالِقُ - الرَّازِقُ - المَلِكُ، وهذا هو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، ومن جملتِها: اللهُ - الغفورُ - الرَّحيمُ - التَّوَّابُ، وهذا هو توحيدُ الأُلوهيَّةِ [343] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) (4/1544)، ((زاد المعاد)) (4/187) كلاهما لابن القيم، ((الكواشف الجلية عن معاني الواسطية)) للسلمان (ص: 292)، ((معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات)) لمحمد التميمي (ص: 40). .

انظر أيضا: