الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الثَّاني: أدِلَّةُ إثباتِ الميزانِ من السُّنَّة النَّبَويَّةِ

1- عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كلِمَتانِ حَبَيبَتانِ إلى الرَّحمَنِ، خَفيفَتانِ على اللِّسانِ، ثَقيلَتانِ في الميزانِ: سُبحانَ اللهِ وبِحَمدِه، سُبحانَ اللهِ العَظيمِ )) [3829] أخرجه البخاري (7563) واللَّفظُ له، ومسلم (2694). .
بوَّبَ البُخاريُّ لهذا الحَديثِ بقَولِه: (بابُ قَولِ اللهِ عزَّ وجَلَّ: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَومِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: 47] وأنَّ أعمالَ بني آدَم وقَولَهم يُوزَنُ) [3830] ينظر: ((صحيح البخاري)) (9/198) .
قال ابنُ المُلقنِ: (جَمعَ البُخاريُّ في هذه التَّرجَمةِ بينَ فوائِدَ:
منها: وَصْفُ الأعمالِ بالوَزنِ.
ومنها: إدراجُ الكَلامِ في الأعمالِ؛ لأنَّه وصفَ الكَلِمَتينِ بالخِفَّةِ على اللِّسانِ والثِّقلِ في الميزانِ، فدَلَّ على أنَّ الكَلامَ عَمَلٌ يُوزَنُ) [3831] يُنظر: ((التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) (33/ 587). .
وقال الطِّيبيُّ: (الخِفَّةُ مُستَعارةٌ للسُّهولةِ، شَبَّه سُهولةَ جَريانِ الكَلِمَتينِ على اللِّسانِ بما يَخِفُّ على الحامِلِ من بَعضِ الأمتِعةِ، فلا يُتعِبُه كالشَّيءِ الثَّقيلِ، فذَكَرَ المُشبَّهَ به وأرادَ المُشبَّه، وأمَّا الثِّقلُ فعلى الحَقيقةِ عِندَ عُلَماءِ أهلِ السُّنَّةِ؛ إذِ الأعمالُ تَتَجَسَّمُ حينَئِذٍ... وفيه حَثٌّ على المواظَبةِ عليها، وتَحريضٌ على مُلازَمَتِها، وتَعريضُ بأنَّ سائِرَ التَّكاليفِ صَعبةٌ شاقَّةٌ على النَّفسِ ثَقيلةٌ، وهذه خَفيفةٌ سَهلةٌ عليها، مَعَ أنَّها تَثقُلُ في الميزانِ ثِقلَ غَيرِها من التَّكاليفِ، فلا يَترُكوها إذًا) [3832] يُنظر: ((شرح المشكاة)) (6/ 1820). .
2- عن أبي مالِكٍ الأشعَريِّ رَضِيَ الله عنه أنَّ رَسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((الطُّهورُ شَطرُ الإيمانِ، والحَمدُ للهِ تَملَأ الميزانَ )) [3833] أخرجه مسلم (223) مطولًا. .
قال ابنُ دَقيقِ العيدِ: (قَولُه: ((والحَمدُ للهِ تَملَأ الميزانَ)) فمَعناه: أنَّها لعِظَمِ أجرِها تَملَأ ميزانَ الحامِدِ لله تعالى، وقد تَظاهَرَت نُصوصُ القُرآنِ والسُّنَّةِ على وزنِ الأعمالِ وثِقَلِ المَوازينِ وخِفَّتِها) [3834] يُنظر: ((شرح الأربعين النووية)) (ص: 85). .
وقال ابنُ عُثَيمين: ( ((والحَمدُ لله تَملَأ الميزانَ)) يَعني قَولَ القائِلِ: الحَمدُ للهِ، يَمتَلِئُ الميزانُ بها، أي: الميزانُ الذي تُوزّنُ به الأعمالُ، كما قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: 47] ) [3835] يُنظر: ((شرح الأربعين النووية)) (ص: 221). .
3- عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَنِ احتَبَسَ فَرَسًا في سَبيلِ الله، إيمانًا باللهِ وتَصديقًا بوَعدِه، فإنَّ شِبَعَه ورِيَّه ورَوثَه وبَولَه في ميزانِه يَومَ القيامةِ )) [3836] أخرجه البخاري (2853). .
قال عليٌّ القارِي: ( ((مِنِ احتَبَسَ فرسًا في سَبيلِ الله)): أي: رَبطَه وحَبَسَه على نَفسِه مِمَّا عَسى أن يَحدُثَ من غَزْوٍ، أو غَيرِ ذلك، وقد يَجيءُ بمَعنى الوَقفِ... ((إيمانًا بالله)): مَفعولٌ له، أي: رَبطَه خالِصًا لله تعالى وامتِثالًا لأمرِه ((وتَصديقًا بوَعدِه)): عِبارةٌ عن الثَّوابِ على الِاحتِباسِ، وتَلخيصُه أنَّه امتِثالًا واحتِسابًا، وذلك أنَّ اللهَ تعالى وعَدَ الثَّوابَ على الِاحتِباسِ، فمَنِ احتَبَس، فكَأنَّه قال: صَدَّقْتُك فيما وعَدْتَني ((فإنَّ شِبَعَه)): بكَسرٍ ففَتحٍ ((ورِيَّه)): بكِسرٍ فتَشديدِ تَحتيَّةٍ، أي: ما يُشبِعُه ويَرْويه ((ورَوثَه وبَولَه في ميزانِه)): أي: في ميزانِ صاحِبِه ثَوابُ هذه الأشياءِ ((يَومَ القيامةِ)) [3837] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (6/ 2501). .
4- عن أبي الدَّرداءِ رَضِيَ الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ما شَيءٌ أثقَلُ في ميزانِ المُؤمِنِ يَومَ القيامةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وإنَّ اللهَ لَيُبغِضُ الفاحِشَ البَذيءَ )) [3838] أخرجه من طرق أبو داود (4799)، وأحمد (27555) مختصرًا، والترمذي (2002) واللَّفظُ له صحَّحه الترمذي، وابن حبان في ((صحيحه)) (481)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2002)، والوادعي في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (1041)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (27555). .
قال ابنُ عَلان: (هذا الحَديثُ ظاهرٌ في أنَّ نَفسَ العَمَلِ يُوزَنُ بأن يُجسَّدَ. وتَجسيدُ المَعاني جائِزٌ، كما جاءَ ((يُؤتى بالمَوتِ في صورةِ كبشٍ )) الحَديث [3839] لفظ الحديث: عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح..)). أخرجه مطولًا البخاري (4730) واللَّفظُ له، ومسلم (2849). . وقَدِ اختُلِفَ على ذلك في أقوالٍ... وفي التَّقييدِ بالمُؤمِنِ إيماءٌ إلى أنَّ الكافِرَ لا يُوزَنُ عَمَلُه؛ لأنَّه لا طاعةَ له لتُوزَنَ في مُقابَلةِ كُفرِه، وهو أحَدُ قَولينِ في ذلك) [3840] يُنظر: ((دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين)) (5/ 80). .
وقد تَلقَّى المُسلِمونَ الإيمانَ بالميزانِ، ولَم يُخالِف فيه أحَدٌ مِمَّن يُعتَدُّ بقَولِه في الإسلامِ.
1- قال أبو إسحاقَ الزَّجَّاجُ: (أجمَع أهلُ السُّنَّةِ على الإيمانِ بالميزانِ، وأنَّ أعمالَ العِبادِ تُوزَنُ يَومَ القيامةِ، وأنَّ الميزانَ له لسانٌ وكِفَّتانِ، ويَميلُ بالأعمالِ، وأنكَرَتِ المُعتَزِلةُ الميزانَ، وقالوا: هو عِبارةٌ عن العَدْلِ، فخالَفوا الكِتابَ والسُّنَّةَ) [3841] فتح الباري لابن حجر (13/538). .
2- قال ابنُ بَطَّةَ: (قَدِ اتَّفَقَ أهلُ العِلمِ بالأخبارِ، والعُلَماءُ والزُّهَّادُ والعُبَّادُ في جَميعِ الأمصارِ: أنَّ الإيمانَ بذلك يَعني الميزانَ واجِبٌ لازِمٌ) [3842] يُنظر: ((الإبانة الصغرى)) (ص: 223). .
3- قال ابنُ بطَّالٍ: (أجمَعَ أهلُ السُّنَّةِ على الإيمانِ بالميزانِ، وأنَّ أعمالَ العِبادِ تُوزَنُ يَومَ القيامةِ، وأنَّ الميزانَ له لسانٌ وكِفَّتانِ، وتُمَثَّلُ الأعمالُ بما يُوزَنُ) [3843] يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) (10/ 559). .
4- قال السَّفارينيُّ: (الحاصِلُ: أنَّ الإيمانَ بالميزانِ -كأخذِ الصُّحُفِ- ثابِتٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ) [3844] يُنظر: ((لوامع الأنوار البهية)) (2 / 184). .
ومن أقوالِ أهلِ العِلمِ في ثُبوتِ الميزانِ:
1- قال أبو حَنيفةَ: (نُقِرُّ بأنَّ عَذابَ القَبرِ كائِنٌ لا مَحالةَ... والميزانُ حَقٌّ؛ لقَولِه تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: 47] ) [3845] يُنظر: ((شرح وصية الإمام أبي حنيفة)) للبابرتي (ص: 144-145). .
2- قال سُفيانُ بنُ عُيَينةَ: (السُّنَّةُ عَشَرةٌ، فمَن كُن فيه فقَدِ استَكملَ السُّنَّةَ، ومن تَرك منها شَيئًا فقد تَرَك السُّنَّةَ: إثباتُ القَدَرِ، وتَقديمُ أبي بَكرٍ وعُمَر، والحَوضُ، والشَّفاعةُ، والميزانُ، والصِّراطُ، والإيمانُ قَولٌ وعَمَلٌ، والقُرآنُ كلامُ اللهِ، وعَذابُ القَبرِ، والبَعثُ يَومَ القيامةِ، ولا تَقطَعوا بالشَّهادةِ على مُسلِمٍ) [3846] يُنظر: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (1/175). .
3-قال عليُّ بنُ الْمَدينيِّ: (السُّنَّةُ اللازِمةُ التي من تَركَ منها خَصلةً لَم يَقُلْها أو يُؤمِنْ بها لَم يَكُنْ من أهلِها:... والإيمانُ بالميزانِ يَومَ القيامةِ، يُوزَنُ العَبدُ ولا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضةٍ، يُوزَنُ أعمالُ العِبادِ كما جاءَت به الآثارُ، الإيمانُ به والتَّصديقُ والإعراضُ عمَّن رَدَّ ذلك، وتَرْكُ مُجادَلَتِه) [3847] يُنظر: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (1/ 185). .
4- قال زُهَيرُ بنُ عَبَّادٍ: (كُلُّ من أدرَكتُ من المَشايخِ مالِكٌ وسُفيانُ وفُضَيلٌ وعيسى بنُ يُونُسَ، وابنُ المُبارَكِ ووَكيعُ بنُ الجَرَّاحِ كانوا يَقولونَ: الميزانُ حَقٌّ) [3848] يُنظر: ((أصول السنة)) لابن أبي زمنين (ص: 165). .
5- قال أحمَدُ بنُ حَنبلٍ: (أصولُ السُّنَّةِ عِندَنا:... والإيمانُ بالميزانِ كما جاءَ: ((يُوزَنُ العَبدُ يَومَ القيامةِ فلا يَزِنُ جَناحَ بعَوضةٍ )) [3849]  أخرجه البخاري (4729)، ومسلم (2785) مطولًا باختلافٍ يسيرٍ من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. وتُوزَنُ أعمالُ العِبادِ كما جاءَ في الأثَرِ. والإيمانُ به والتَّصديقُ به والإعراضُ عَمَّن رَدَّ ذلك، وتَرْكُ مُجادَلَتِه) [3850] يُنظر: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (1/ 176-178). .
6- قال الرَّازيَّانِ أبو حاتِمٍ وأبو زُرعةَ: (أدرَكْنا العُلَماءَ في جَميعِ الأمصارِ حِجازًا وعِراقًا وشامًا ويَمَنًا، فكانَ من مَذهَبِهم.. والميزانُ حَقٌّ، له كِفَّتانِ، تُوزَنُ فيه أعمالُ العِبادِ حَسَنُها وسَيِّئُها) [3851] يُنظر: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (1/ 199). .
7- قال حَربُ بن إسماعيلَ الكرمانيُّ: (الميزانُ حَقٌّ، تُوزَنُ به الحَسَناتُ والسَّيئاتُ، كما شاءَ اللهُ أن تُوزَنَ به) [3852] يُنظر: ((إجماع السلف في الاعتقاد)) (ص: 51). .
8- قال أبو الحَسَن الأشعَريُّ: (وأنَّ اللهَ تعالى يَنصِبُ المَوازينَ لوَزنِ أعمالِ العِبادِ، فمَن ثَقُلَت مَوازينُه أفلَحَ، ومن خَفَّتْ مَوازينُه خابَ وخَسِرَ) [3853] يُنظر: ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص: 161). .
9- قال البَربَهاريُّ: (والإيمانُ بالميزانِ يَومَ القيامةِ، يُوزنُ فيه الخَيرُ والشَّرُّ، له كِفَّتانِ ولِسانٌ) [3854] يُنظر: ((شرح السنة)) (ص: 42). .
10- قال ابنُ شاهين: (أشهَدُ أنَّ الميزانَ حَقٌّ، وهو قُدرةٌ مِن قُدَرِ اللهِ) [3855] يُنظر: ((شرح مذاهب أهل السنة)) (ص: 320). .
11-قال ابنُ أبي زَمنينَ: (أهلُ السُّنَّةِ يُؤمِنونَ بالميزانِ يَومَ القيامةِ، وقال عزَّ وجَلَّ: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة: 6 - 9]، وقال: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء: 47] ) [3856] يُنظر: ((أصول السنة)) (ص: 162). .
12- قال الصَّابونيُّ: (يُؤمِنُ أهلُ الدِّينِ والسُّنَّةِ بالبَعثِ بَعدَ المَوتِ يَومَ القيامةِ، وبِكُلِّ ما أخبَرَ اللهُ سُبحانَه من أهوالِ ذلك اليَومِ الحَقِّ، واختِلافِ أحوالِ العِبادِ فيه والخَلقِ فيما يَرَونَه ويَلقونَه هنالِك، في ذلك اليَومِ الهائِلِ؛ من أخذِ الكُتُبِ بالأيمانِ والشَّمائِلِ، والإجابةِ عن المَسائِلِ، إلى سائِرِ الزَّلازِلِ والبَلابِلِ، المَوعودةِ في ذلك اليَومِ العَظيمِ، والمَقامِ الهائِلِ من الصِّراطِ والميزانِ، ونَشْرِ الصُّحُفِ التي فيها مَثاقيلُ الذَّرِّ من الخَيرِ والشَّرِّ وغَيرِها) [3857] يُنظر: ((عقيدة السلف وأصحاب الحديث)) (ص: 257). .
13-قال ابنُ حَزمٍ: (وأنَّ المَوازينَ حَقٌّ تُوزَنُ فيها أعمالُ العِبادِ نُؤمِنُ بها ولا نَدري كيفَ هيَ.
قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: 47] ، وقال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: 8] .
وقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة: 6 - 11]) [3858] يُنظر: ((المحلى)) (1/ 16). .
14- قال الغَزاليُّ: (الأصلُ الرَّابِعُ: الميزانُ، وهو حَقٌّ) [3859] يُنظر: ((قواعد العقائد)) (ص: 222). .
15- قال الخازِنُ: (إن قُلتَ: أليسَ اللهُ عزَّ وجَلَّ يَعلَمُ مَقاديرَ أعمالِ العِبادِ؟ فما الحِكمةُ في وزنِها؟ قُلتُ: فيه حِكَمٌ، منها: إظهارُ العَدْلِ، وأنَّ الله عزَّ وجَلَّ لا يَظلِمُ عِبادَه. ومنها: امتِحانُ الخَلقِ بالإيمانِ بذلك في الدُّنيا، وإقامةُ الحُجَّةِ عليهم في العُقبى. ومنها: تَعريفُ العِبادِ ما لهم من خَيرٍ وشَرٍّ وحَسنةٍ وسيِّئةٍ. ومنها: إظهارُ عَلامةِ السَّعادةِ والشَّقاوةِ...) [3860] يُنظر: ((تفسير الخازن)) (2/ 182). .
16- قال ابنُ حَجَرٍ الهَيتميُّ في شَرحِ حَديث: ((والحَمدُ للهِ تَملَأُ الميزانَ )) [3861] أخرجه مسلم (223) مطولًا : (هو مِفعالٌ من الوَزنِ... وفيه -كالآياتِ والأحاديثِ الشَّهيرةِ-: إثباتُ الميزانِ ذي الكِفَّتينِ واللِّسانِ، ووَزنُ الأعمالِ بها... أو تُوزَنُ صَحائِفُها، فتَثقُلُ بالحَسَناتِ فَضلًا، وتَطيشُ بالسَّيئاتِ عَدْلًا منه سُبحانَه وتعالى... قيلَ: والوَزنُ أقسامٌ: وزنُ الإيمانِ بجَميعِ السَّيئاتِ، والكُفرُ بجَميعِ الحَسَناتِ؛ ليَخلَّدَ المُؤمِنُ في النَّعيمِ، والكافِرُ في الجَحيمِ. ووَزنُ الأعمالِ بالمَثاقيلِ؛ لظُهورِ مَقاديرِ الجَزاءِ، كما دَلَّ عليه آخِرُ سورة إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ [الزلزلة: 1]. ووَزنُ مَظالِمِ العِبادِ؛ لِما صَحَّ أنَّه يُؤخَذُ للمَظلومِ من حَسَناتِ الظَّالِمِ بقَدرِ حَقِّه، فإن لَم يَكُنْ له حَسَناتٌ طُرحَ عليه من سَيِّئاتِه) [3862] يُنظر: ((الفتح المبين بشرح الأربعين)) (ص: 398-399). .
17-قال السَّعديُّ: (اعلَمْ أنَّ أصلَ الجَزاءِ على الأعمالِ خَيرِها وشَرِّها ثابِتٌ بالعَقلِ وواقِعٌ بالسَّمعِ؛ فإنَّ اللهَ نَبَّه العُقولَ إلى ذلك في مَواضِعَ كثيرةٍ من الكِتابِ، وذَكَرَ بما هو مُستَقِرٌّ في العُقولِ الصَّحيحةِ من أنَّه لا يَليقُ بحِكمةِ الله وحَمدِه أن يَترُكَ النَّاسَ سُدًى، أو أن يَكونوا خُلِقوا عَبَثًا لا يُؤمَرونَ ولا يُنهَونَ ولا يُثابونَ ولا يُعاقَبونَ، وأنَّ العُقولَ الصَّحيحةَ تُنكِرُ ذلك أشَدَّ الإنكارِ، وهذا شَيءٌ مُشاهَدٌ مَحسوسٌ مُتَناقِلٌ بينَ النَّاسِ بالتَّواتُرِ الذي لا يَقبَلُ الشَّكَّ. ولا يَزالُ اللهُ يُري عِبادَه من آياتِه في الآفاقِ وفي أنفُسِهم ما يَتَبَيَّنُ به الحَقُّ لُأولي العُقولِ والألبابِ، وأمَّا تَفاصيلُ الجَزاءِ ومَقاديرُه فلا يُدرَكُ إلَّا بالسَّمعِ والنُّقولِ الصَّحيحةِ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي لا يَنطِقُ عن الهوى، إنْ هو إلَّا وحيٌ يُوحى. ومنَ الحِكمةِ في مُحاسَبةِ الخَلقِ على أعمالِهم ووَزنِها وظُهورِها مَكتوبةً في الصُّحُفِ مَعَ إحاطةِ عِلمِ الله بذلك ليُرَي عِبادَه كمالَ حَمدِه وكَمالَ عَدلِه وسَعةَ رَحمَتِه وعَظَمةَ مُلكِه؛ ولِهذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتِحةُ: 4] مَعَ أنَّ مُلكَه عامٌّ مُطلَقٌ لهذا اليَومِ ولِغَيرِه) [3863] يُنظر: ((التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة)) (ص: 91). .

انظر أيضا: