trial

الموسوعة العقدية

المبحث الثالث: الأماكن التي يسكنها الجن


والجن يسكنون هذه الأرض كما يسكن عليها الإنسان، والدليل على ذلك قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ[ البقرة: 36]. وذلك بعدما خالف آدم وزوجه عليهما السلام أمر ربهما بعدم الأكل من الشجرة التي نهاهم الله بالأكل منها.
قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: (والخطاب لآدم وحواء, والحية, والشيطان في قول ابن عباس. وقال الحسن: لآدم وحواء والوسوسة. وقال مجاهد والحسن أيضاً: بنو آدم, وبنو إبليس. والهبوط: النزول من فوق إلى أسفل) ((تفسير القرطبي)) (1/319).            .
وقال الإمام القرطبي في الآية: (وقد دل على هذا أن هبوط آدم وزوجته وعدوهما إبليس كان في وقت واحد، بجمع الله إياهم في الخبر عن إهباطهم بعد الذي كان من خطيئة آدم وزوجته، وتسبب إبليس ذلك لهما على ما وصفه ربنا جل ذكره عنهم) ((تفسير القرطبي)) (1/319).            .
ويقول القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن: 10]: (وعن ابن عباس قال: الأنام: الناس، وقال الحسن: الأنام: الجن والإنس، وعن الضحاك: الأنام: كل ما دب على وجه الأرض، وهذا عام) ((تفسير القرطبي)) (17/155).           . وقال ابن كثير: (قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الأنام: الخلق) ((تفسير ابن كثير)) (4/270).            ، وهذا يشمل الجن والإنس وغيرهما.
ومما يرجح أن الخطاب في الآية السابقة للجن والإنس قوله تعالى بعد ذكر كل نعمة من نعمه: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، والمقصود به الجن والإنس.
إلا أن وجود الجن أكثر ما يكون في الأماكن المهجورة كالمغارات, والكهوف, والحمامات, والمزابل, والمقابر, والجبال.
فعن بلال بن الحارث قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فخرج لحاجته, وكان إذا خرج لحاجته يبعد, فأتيته بأداوة من ماء, فانطلق فسمعت عنده خصومة رجال ولغطاً لم أسمع مثلها, فجاء فقال: بلال؟ فقلت: بلال, قال: أمعك ماء؟ قلت: نعم, قال: أصبت. فأخذه مني فتوضأ قلت: يا رسول الله, سمعت عندك خصومة رجال ولغطاً ما سمعت أحدَّ من ألسنتهم, قال اختصم عندي الجن المسلمون والجن المشركون, فسألوني أن أسكنهم, فأسكنت المسلمين الجلس, وأسكنت المشركين الغور))، قال الراوي عبد الله بن كثير:(قلت لكثير: ما الجلس؟ وما الغور؟ قال: الجلس: القرى والجبال، والغور: ما بين الجبال والبحار، وهي يقال لها: الجنوب، قال كثير: ما رأينا أحداً أصيب بالجلس إلا سلم, ولا أصيب أحد بالغور إلا لم يكد يسلم) رواه الطبراني (1/371) (1143). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (1/208): فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وقد أجمعوا على ضعفه وقد حسن الترمذي حديثه‏‏. .
 وهناك نفر من الجن يعيشون في البيوت مع الناس، وهم ما يسمون بجنان البيوت، وهي الحيات التي يشكل الجن بصورتها، وقد تقدم حديث الفتى الذي صرعه الجني في بيته، ولذلك نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن قتل حيات البيوت قبل إنذارها، لوجود الجن المؤمنين فيها.
ومن الأماكن التي يسكنها الجن مواضع النجاسات فعن زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)) رواه أبو داود (6)، وابن ماجه (244)، وأحمد (4/369) (19305)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (6/23) (9903)، وأبو يعلى (13/180) (7218)، وابن خزيمة (1/38) (69)، وابن حبان (4/252) (1406)، والطبراني (5/205) (5100)، والحاكم (1/298). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: من شرط الصحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن القطان في ((الوهم والإيهام)) (5/432): اختلف في إسناده، والذي أسنده ثقة. ، وذلك ليدفع شر الشياطين التي تكون في هذه الأماكن.
بالإضافة إلى هذا فقد ورد النهي عن الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في أعطان الإبل, والحمامات, وعلَّلَ النهي أنها مأوى الشياطين.
ويكثر وجودهم في الأسواق لفتنة الناس، وهم إبليس وذريته، ولذلك نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن المكث فيها، فقد قال موصياً سلمان رضي الله عنه: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق, ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته)) رواه مسلم (2451). . وذلك لأن الأسواق فيها من أنواع الباطل كالغش, والخداع, والأيمان الكاذبة، والعقود الفاسدة، والنظر المحرم إلى العورات، وغير ذلك مما هو من تحريض إبليس وأعوانه ...
وهذه الصفات التي مرت – كما نلاحظ – صفات تشبه صفات الإنس من حيث الإجمال، ولكنها تختلف عن صفات الإنس في الأبعاد والكيفية، وذلك أنهم عالم مخلوق من النار، وللنار صفات تتميز بها عن الطين الذي خلق منه الإنسان.
ونلاحظ مما تقدم أن هذا العالم يشارك الإنسان في كثير من الصفات كالأكل, والشرب, والتناسل، بالإضافة إلى أنهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، التي يستحقون الثواب بسبب قيامهم بها، والعقاب إذا قصروا فيها، تماماً كما هو الشأن في الإنسان.. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - بتصرف –ص: 54

انظر أيضا: