موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (63- 67)

ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ

غريب الكلمات:


تَضَرُّعًا: أي: تذلُّلًا، وأصل (ضرع): يدلُّ على لِينٍ في الشَّيء [1058] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/395)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 993). .
كَرْبٍ: أي: غَمٍّ شديدٍ، وأصل (كرب): يدلُّ على شِدَّةٍ وقوَّةٍ [1059] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/174)، ((المفردات)) للراغب (ص: 706)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 775). .
يَلْبِسَكُمْ: أي: يَخلِطَ أمرَكم، وأصل (لبس): يدلُّ على مخالَطَةٍ ومُداخَلَة [1060]  يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/230)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 96)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 993). .
شِيَعًا: أي: فِرَقًا مُختلفينَ، أو أحزابًا متفرِّقينَ، وأصل (شيع): يدلُّ على مُعاضدَةٍ ومُساعَفةٍ، وعلى بَثٍّ وَإِشادَةٍ [1061] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 154)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 292)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/235)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 279)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 191). .
وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ: أي: يُسَلِّطَ بعضَكم على بعضٍ بالقِتالِ والحرْبِ، فتتقاتلوا. وأصلُ (ذوق): اختبارُ الشَّيءِ من جهة تطعُّمٍ [1062] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 154)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/364)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 96)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 993). ، وأصلُ (بأس): الشِّدَّةُ وما ضاهاها [1063] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 70، 154))، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 81)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/328)، ((المفردات)) للراغب (ص: 153)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/26)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 102)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 249). .
يَفْقَهُونَ: أي: يَفْهَمون؛ يُقال: فَقِهْتُ الكلامَ: إذا فَهمْتَه حقَّ فَهْمِه، والفِقْه: هو التوصُّلُ إلى عِلْم غائبٍ بعِلْم شاهدٍ، وأصل (فقه): يدلُّ على إدراكِ الشَّيءِ، والعِلْم به [1064] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 505)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/442)، ((المفردات)) للراغب (ص: 642)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 140). .

المعنى الإجمالي:


يأمُرُ اللهُ نبيَّه محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَسألَ المشركين عمَّن يُنَجِّيهم من ظُلُماتِ البَرِّ والبَحر، وهم يَدْعُونَه مُظْهرينَ التذلُّلَ والخُضُوع، ويَدْعون سرًّا، يقولون: لَئِنْ أَنجَيْتَنا مِمَّا نحن فيه يا ربُّ لنكوننَّ لك من الشَّاكرينَ، المُعترفينَ بنِعَمِك، المُخْلصينَ لك في العبادَةِ.
ثمَّ بيَّن أنَّهم بعدَ النَّجاةِ يُشركونَ بربِّهم سِواه، فقال تعالى: قلُ لهم- يا محمَّدُ-: هو اللهُ الذي يُنَجِّيكم من هذه الضَّائقَةِ، ومن كُلِّ كَرْبٍ يمرُّ بكم، ثم أنتم تُشرِكونَ به غيرَه في حال الرَّخاءِ.
وأمَرَ اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يقول لهم أيضًا: إنَّ الله هو القادِرُ على أنْ يبعثَ عليهم عذابًا يأتيهم مِن فوقِ رُؤُوسِهم كالرَّجْم، أو مِن تحت أرجُلِهم كالخَسْف، أو يَخْلِطَهم فِرَقًا مختلفةً، وأحزابًا مُتفرِّقةً، ويُسَلِّطَ بعضَهم على بعضٍ، فيَقتُل بعضُهم بعضًا، ثم أمَرَ الله تعالى نبيَّه أن ينظرَ كيف ينَوِّعُ لهم الحُجَجَ، ويُظْهِرُ لهم الحقَّ؛ لعلَّهم يَفهمونَه، ويتركونَ ما هم فيه من الشِّرْكِ بالله تعالى.
ثم أخبَر اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ قومَه، وهم قريشٌ، كذَّبوا بالقرآنِ، وهو الحقُّ، وأمَرَه أنْ يقولَ لهم: إنَّه ليس عليهم بحَفيظٍ ولا رقيبٍ، إنَّما عليه البلاغُ.
ثمَّ هدَّدهم سبحانه وتوعَّدهم قائلًا: لكلِّ خَبَرٍ يُخبِرُ به الله تعالى وقْتٌ يقعُ فيه، لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، وسوف يعلَمُ المُشْركون ما يُوعَدونَ به من العذابِ، حين يَحُلُّ بهم في وقته الذي أرادَه الله تعالى.

تفسير الآيات:


قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا تقدَّمَ ذِكْرُ الدَّلائلِ على أُلوهيَّتِه تعالى من العِلم التامِّ، والقُدرةِ الكامِلَةِ؛ ذَكَرَ نوعًا من أثرهما، وهو الإنجاءُ من الشدائدِ [1065] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/541). ، فقال:
قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
أي: قلْ- يا مُحمَّدُ- للمشركينَ مُلْزِمًا لهم بما أثبتوه من توحيدِ الربوبيَّة، على ما أنكروا من توحيدِ الألوهيَّة: مَنِ الذي يُنجِّيكم في مَفاوزِ البَرِّيَّةِ البَعيدةِ الأطرافِ، إذا ضَلَلْتم فيها فتحيَّرتُم، وفي اللُّجَجِ البَحريَّة، إذا الرِّيحُ العاصِفةُ هاجتْكم، أو أخطأْتُم فيها طريقَكم، فتعَذَّر عليكم الخروجُ من تلك الشَّدائدِ [1066] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/294)، ((تفسير ابن كثير)) (3/268)، ((تفسير السعدي)) (ص: 260). ؟
تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
أي: تَدْعونَه مُظهرينَ التذلُّلَ والفَقْرَ والخُضوعَ، وتَدْعونه سِرًّا، قائلين وأنتُم في تلك الحال: لئنْ أخرجْتَنا يا ربُّ، مِن هذه الضائقةِ والشِّدةِ التي وقَعْنا فيها، لنكُونَنَّ ممن يعترف بنِعْمَتِك، ويوحِّدُك بالشُّكر، ويخلصُ لك العبادةَ [1067] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/294)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/282)، ((تفسير ابن كثير)) (3/268)، ((تفسير السعدي)) (ص: 260). .
كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: 22].
قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (64).
قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ.
أي: قلْ- يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المشركينَ: اللهُ هو القادِرُ على تَفريجِ الكَرْبِ إذا حَلَّ بكم، فيُنَجِّيكم من عَظيمِ ما حلَّ بكم في البَرِّ والبَحرِ؛ مِن هَمِّ الضَّلالِ، وخَوْفِ الهلاك، ومن كُلِّ كَرْبٍ آخَرَ، لا آلِهَتُكم التي تُشْرِكون بها في عِبادتِه، وتعبدونَها من دونه؛ فهي لا تَقدِرُ لكم على نَفْعٍ ولا ضُرٍّ [1068] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/295)، ((تفسير السعدي)) (ص: 260). .
ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ.
أي: ثم أنتُم بعدَ تفضُّلِه عليكم بكَشْفِ كَرْبِكم، تُشْرِكون به في حالِ الرَّخاءِ، فلا تَفُونَ لله تعالى بما قُلْتُم، وتنسَونَ نِعَمَه عليكم [1069] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/295-296)، ((تفسير ابن كثير)) (3/268)، (تفسير السعدي)) (ص: 260). .
كما قال تعالى: فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [يونس: 23].
وقال عزَّ وجلَّ: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: 67].
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) [1070] قال ابن جرير: (والصَّوابُ من القول عندي: أنْ يُقال: إنَّ الله تعالى توعَّد بهذه الآيةِ أهلَ الشِّرك به من عبَدَةِ الأوثان، وإيَّاهم خاطب بها؛ لأنَّها بين إخبارٍ عنهم، وخطابٍ لهم... وأمَّا الذين تأوَّلوا أنه عُنِي بجميع ما في هذه الآية هذه الأمَّة، فإني أراهم تأوَّلوا أنَّ في هذه الأمَّةِ مَن سيأتي مِن معاصي الله، وركوبِ ما يُسخط اللهَ، نحوَ الذي ركِب مَن قَبلهم مِن الأممِ السَّالفة مِن خِلافِه، والكفرِ به، فيَحُلُّ بهم مثلُ الذي حَلَّ بمَن قبلهم من المَثُلاتِ والنِّقمات) ((تفسير ابن جرير)) (9/308). وممَّن قال من السَّلف أنَّ المقصود بالخطاب هم أمَّة محمَّدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام: ابنُ عبَّاس، وأبيُّ بنُ كعب، وقتادةُ، وأبو العاليةِ، ومجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/301)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/40). .
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا كانوا بإشراكِهم كأنَّهم يَظنُّون أنَّ الشِّدةَ زالتْ عنهم زوالًا لا يعودُ، وكان اللَّائقُ بهم دوامَ التذلُّلِ؛ إمَّا وفاءً وإما خوفًا- أخبَرَهم ترهيبًا لهم من سَطْوَتِه، وتحذيرًا مِن بالِغِ قُدرَتِه، أنَّ شِدَّتَهم تلك التي أذلَّتْهم لم تَزَلْ في الحقيقةِ؛ فإنَّ قدرةَ المَلِك عليها حالةَ الرَّخاءِ كقُدرَتِه عليها في وقْتِها سواءً؛ فإنَّه خالِقُ الحالتَينِ وأسبابِهما وما فيهما، فقال [1071] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/143). :
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ.
أي: قل- يا محمَّدُ- لهؤلاء المُشركينَ: إنَّ الذي ينجِّيكم من ظُلُماتِ البَرِّ والبحر، ومِن كُلِّ كَرْبٍ، ثم تعودونَ للإشراكِ به؛ قادرٌ على إرسالِ العذابِ إليكم بالرَّجْم أو الطُّوفانِ، وغير ذلك مما ينزِلُ عليكم من فوقِ رُؤوسِكم، أو بالخَسْفِ وما أشبَهَه، مِمَّا يأتيكم من تحتِكم [1072] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/296، 298)، ((تفسير ابن كثير)) (3/269، 276). .
كما قال تعالى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا [الإسراء: 66- 69].
أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً.
أي: أو يَخلِطَكم فِرَقًا مختلفةً، وأحزابًا مفترِقَةً [1073] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/298، 299)، ((تفسير ابن كثير)) (3/277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 260). .
عن جابرِ بن عبدِ الله رضِيَ الله عنهما، قال: ((لَمَّا نزَلَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ. قال: أعوذُ بوجهِك، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ، قال: أعوذُ بوجْهِك، فلما نزَلتْ: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، قال: هاتانِ أهوَنُ، أو: أيسَرُ )) [1074] رواه البخاري (7313). .
وعن ثَوبانَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ زَوَى [1075] زَوَى: جمَعَ وطَوى. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (2/320). ليَ الأرضَ، فرأيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وإنَّ أمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي منها، وأُعْطِيتُ الكَنْزينِ: الأَحمرَ والأبيضَ، وإنِّي سألتُ ربِّي لِأمَّتي ألَّا يُهْلِكَها بسَنَةٍ [1076] بَسنةٍ: أي: قحْطٍ وجَدْبٍ؛ يُقَالُ: أَسْنَتَ فهوَ مُسْنِتٌ: إذا أجْدَب. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (2/407)، ((شرح النووي على مسلم)) (13/69). عامَّةٍ، وألَّا يُسَلِّطَ عليهم عدُوًّا مِن سِوى أنفُسِهم، فيستبيحَ بَيضَتَهم [1077] فيستبيحَ بَيضَتَهم: أي: يستأصل ويُهلك. بيضتَهم، أي: جماعتَهم وأصلَهم ومُجتمعَهم وموضعَ سُلطانهم، ومُستقرَّ دَعوتِهم، والبيضةُ أيضًا العزُّ والمُلك، وبيضةُ الدار: وسطُها ومعظمها. قيل أراد: إذا أُهلِك أصلُ البيضةِ كان هلاكُ كلِّ ما فيها من طعم أو فرخ، وإذا لم يُهلَك أصلُ البيضة ربَّما سَلِم بعضُ فراخها. وقيل: أراد بالبيضة الخوذة، فكأنَّه شبَّه مكانَ اجتماعهم والتئامهم ببَيضةِ الحديد. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (1/172)، ((شرح النووي على مسلم)) (18/13). ، وإنَّ ربِّي قال: يا محمَّدُ، إنِّي إذا قضيتُ قضاءً فإنَّه لا يُرَدُّ، وإنِّي أعطيتُك لأُمَّتِك ألَّا أُهْلِكَهم بسَنَةٍ عامَّةٍ، وألَّا أُسَلِّطَ عليهم عدُوًّا مِن سِوى أنفُسِهم، يَستبيحُ بيضَتَهم، ولو اجتمَعَ عليهم مَنْ بأقطارهِا- أو قال مَنْ بينَ أقطارِها- حتى يكونَ بعضُهم يُهْلِكُ بعضًا، ويَسْبي بعضُهم بعضًا )) [1078] رواه مسلم (2889). .
وعن جابِرِ بن عَتيكٍ؛ أنه قال: ((جاءَنا عبدُ اللهِ بنُ عمَرَ في بني معاوِيَةَ- قريةٍ من قُرى الأنصارِ- فقال لي: هل تَدري أين صلَّى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مَسْجِدِكم هذا؟ فقلْتُ: نعم. فأشرْتُ إلى ناحيةٍ منه، فقال: هل تَدْري ما الثَّلاثُ التي دَعا بهنَّ فيه؟ فقلتُ: نعمْ. فقال: وأخْبِرْني بهنَّ، فقلتُ: دعا ألَّا يُظْهِرَ عليهم عدوًّا مِن غَيرِهم، ولا يُهْلِكَهم بالسِّنينَ، فأُعْطِيَهُما، ودعا بألَّا يَجعَلَ بأسَهم بينهم، فمُنِعَها. قال: صَدَقْتَ، فلا يزالُ الهَرْجُ [1079] الهَرْج: أَي: القَتْلُ، والهرج أيضًا الفِتْنَةُ والاختلاط؛ يُقال: هرَج الناسُ يَهرِجون هَرْجًا، إذا اختَلطوا. يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (1/350)، ((النهاية)) لابن الأثير (5/257)، ((شرح النووي على مسلم)) (7/97). إلى يومِ القيامةِ )) [1080] أخرجه أحمد (23800)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (2140)، والداني في ((السنن الواردة في الفتن)) (5). جوَّد إسناده وقوَّاه ابن كثير في ((تفسير القرآن)) (3/266)، ووثق رجاله الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/224). .
وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ.
أي: ويُسلِّطَ بعضَكم على بعضٍ، فيَقتُلَ بعضُكم بعضًا في الفِتنةِ [1081] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/300)، ((تفسير ابن كثير)) (3/277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 260). .
انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ.
أي: انظرْ- يا محمَّدُ- إلى تنويعِ حُجَجِنا على هؤلاء المشركينَ، وإيضاحِنا للحَقِّ؛ ليفهموا ذلك ويتدبَّروه، ويزدَجِروا عمَّا هم عليه من الشِّرْك بالله تعالى [1082] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/310)، ((تفسير ابن كثير)) (3/277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 260). .
 وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا كان الإنسانُ ربَّما حصَلَ له اللَّومُ بسبب قومِه؛ كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذا المقامِ بِمَعْرِضِ أن يَخافَ عاقبةَ ذلك، ويقول: فماذا أصنَعُ بهم؟ فقال تعالى- مُعلِمًا أنَّه ليس عليه بأسٌ مِن تكذيبِهم [1083] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/145). :
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ.
أي: وكذَّبتْ قريشٌ- يا محمَّدُ- بالقرآنِ الذي جِئْتَهم به، وهو الحقُّ الذي لا مِرْيَةَ فيه، ولا شَكَّ يعتريه [1084] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/310)، ((تفسير ابن كثير)) (3/277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 260). واختار عوْدَ الضمير في بِهِ إلى القرآن: الواحديُّ في ((التفسير الوسيط)) (2/285)، وابنُ عطية في ((تفسيره)) (2/303)، والقرطبيُّ في ((تفسيره القرطبي)) (7/11)، وابنُ كثيرٍ في ((تفسيره)) (3/277)، والسعديُّ في ((تفسيره)) (ص: 260) ، وابنُ عاشورٍ في ((تفسيره)) (7/286). وذهَب ابنُ عاشور إلى أنَّ الضمير في بِهِ يحتملُ عودُه إلى الوعيدِ والعذابِ الذي تقدَّم ذِكرُه في الآية السابقة، وهذا اختيارُ ابن جرير في ((تفسيره)) (9/310-311)، ويرَى أنَّ معنى: وَهُوَ الْحَقُّ، أي: العذاب الذي لا شكَّ فيه أنَّه واقعٌ .
قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ.
أي: قل لهم- يا محمَّدُ-: لستُ عليكم بحَفيظٍ ولا رقيبٍ، ولستُ مُوَكَّلًا بكم، وإنَّما عليَّ البلاغُ، فأبلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ به إليكم [1085] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/311)، ((تفسير ابن كثير)) (3/277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 260). .
لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67).
لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ.
أي: لكلِّ خَبَرٍ وقتٌ يستقرُّ فيه، وزمانٌ لا يتقدَّمُ عنه ولا يتأخَّرُ، وغايةٌ يَتبيَّنُ عندها حَقُّه من باطِلِه، وصِدْقُه مِن كَذِبِه [1086] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/311)، ((تفسير ابن عطية)) (2/303)، ((تفسير السعدي)) (ص: 260). .
وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
أي: وسوف تعلمونَ- أيُّها المُشركونَ المُكذِّبونَ- ما تُوعَدُون به مِن العذابِ [1087] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/311)، ((تفسير ابن كثير)) (2/278)، ((تفسير السعدي)) (ص: 260). .

الفوائد التربوية:

.

الفوائد العلمية واللطائف:


1- في قوله: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الدَّلالةُ على كَمالِ القُدرة الإلهيَّةِ، وكمالِ الرَّحْمة والفضْل والإحسانِ [1089] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/199). .
2- قولُه تعالى: لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ يدلُّ على أنَّهم لم يَكونوا قَبْلَ الوُقوعِ في هذه الشَّدائِدِ شَاكرينَ لِأَنْعُمِه [1091] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/542). .
3- قوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ وَضَعَ تُشْرِكُونَ مَوْضِعَ (لا تَعبُدون)؛ تَنبيهًا على أنَّ مَن أشْرَكَ في عِبادَةِ الله تعالى؛ فكأنَّه لم يَعْبُدْه [1092] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/426). .
4- قوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ .... المقصودُ التَّهديدُ بتَذكيرِهم بأنَّ القادِرَ مِن شأنِه أن يُخافَ بَأْسُه [1093] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/283). .
5- قال تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ لَمَّا كان لفظُ العذاب في قوله: عَذَابًا نكرةً؛ جازَ حَمْلُه على كلِّ عذابٍ يأتي من فوقِ الرؤوسِ ومن تحت الأرجُلِ، ولولا أنَّ هذا الإبهامَ مرادٌ لأجْلِ هذا الشُّمولِ، لصَرَّحَ بالمرادِ، كمَّا صَرَّح به في مِثْلِ قوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك: 16- 17]، وحِكمةُ مِثل هذا الإبهامِ في القُرآنِ أنْ ينطَبِقَ معنى اللَّفْظِ على ما يدلُّ عليه ممَّا يحدُث في المستقبَل، أو ينكشِفُ للنَّاسِ فيه ما كان خفيًّا عنهم؛ إذ ورد في وَصْفِ القرآنِ أنَّه لا تَنتهي عجائِبُه، وأنَّ فيه نبأَ مَن قَبْلَ الذين نَزَلَ في زمانهم، ومَنْ كان معهم، ومَن يَجيءُ بَعْدَهم، وما في هذه الآيةِ يشمَلُ ما لم يكُنْ في زمَنِ تنزيلِ القرآنِ ولا فيما قبْلَه بحسَبِ ما يَعلم البَشَرُ؛ فقد أرسل اللهُ على الأمَمِ في الحروبِ المعاصِرَة عذابًا مِن فَوْقِها بما تقذِفُه الطَّيَّاراتُ من المقذوفاتِ النارِيَّة، والسُّمومِ البُخاريَّة والغازِيَّة التي لم تُعْرَف من قبلُ، وعذابًا من تحتَها بما يتفجَّرُ من الألغامِ النارِيَّة، وبما تُرسِلُه المراكبُ الغوَّاصةُ في البحر التي اختُرِعَت في هذا العصرِ، ولَبَسَها شِيَعًا متعادِيَةً، وأذاقَ بعضَها بأسَ بعضٍ، فحَلَّ بها مِنَ التقتيلِ والتَّخريبِ ما لم يُعهَدْ له نظيرٌ في الأرض [1094] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/409). .
6- قوله تعالى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا عَطَفَ عليه وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ؛ لأنَّ مِن عواقِبِ ذلك اللَّبْسِ التقاتُلَ [1095] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/284). .
7- في قوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ عظيمُ التَّوبيخِ لهم، ودقيقُ التقريعِ، وذلك لأنَّهم كان يَنبغي عليهم أن يُسَرُّوا بسِيادَةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لكونِه منهم؛ لأنَّ القبيلةَ إذا ساد أحدُهم عَزَّتْ به؛ فإنَّ عِزَّه عِزُّها، وشَرَفَه شَرَفُها، ولا سيَّما إذا كان مِن بَيْتِ الشَّرَفِ، ومَعْدِنِ السِّيادة، وإذا سَفُلَ أحدُها اهتمَّتْ به غايةَ الاهتمامِ، وسَتَرَتْ عيوبَها مهما أمكَنَها؛ فإنَّ عارَه لاحِقٌ لها [1096] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/427). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الاستفهامُ المُسْتَعْمَل في قوله: مَنْ يُنَجِّيكُمْ يراد به التقريرُ والإنكارُ والتَّوبيخُ، والتوقيفُ على سُوءِ مُعتقَدِهم عند عِبادةِ الأصنامِ، وترْك الذي يُنجِّي من الشَّدائدِ، ويُلجأُ إليه في كشْفِها؛ لكَوْنِ ذلك لا يُنازِعونَ فيه بحَسَب عَقائِد الشِّرْك [1097] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/541)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/280). .
- وإعادة الأَمْرِ بالقَوْلِ قُل؛ للاهتمامِ [1098] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/280). .
- وخَصَّ لَفْظَ الظُّلُمَات بالذِّكرِ؛ لِمَا تَقرَّرَ في النُّفوسِ مِن هَولِ الظُّلمةِ [1099] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/302). .
2- قَوْلُه: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ قَدَّمَ المُسْنَد إليه اللَّهُ على الخَبَرِ الفِعليِّ يُنَجِّيكُمْ؛ لإفادَةِ الاختصاصِ، أي: اللهُ ينَجِّيكم لا غَيْرُه؛ ولأجل ذلك صَرَّحَ بالفِعْل المستفْهَمِ عنه يُنَجِّيكُمْ [1100] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/282). .
- وفيه إطنابٌ؛ حيث زاد قولَه: وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ؛ لإفادةِ التَّعميمِ [1101] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/282). .
- قوله: ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ فيه تقديمُ المُسنَد إليه أَنْتُمْ على الخَبرِ الفِعليِّ تُشْرِكُونَ؛ لمجرَّدِ الاهتمامِ بخَبرِ إسنادِ الشِّرْك إليهم، أي: أنتم، الذين تتضَرَّعونَ إلى الله باعترافِكم، تُشْركونَ به من قَبْلُ ومِن بَعْدُ [1102] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/283). .
- وجاء بالفِعل تُشْرِكُونَ بصيغةِ المُضارِعِ؛ لإفادَةِ تجدُّد شِرْكِهم، وأنَّ ذلك التجدُّدَ والدَّوامَ عليه أعْجَبُ [1103] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/283). .
3- قوله: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
- قوله: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ استئنافٌ ابتدائيٌّ، عَقَّبَ به ذِكْرَ النِّعمَة التي في قوله: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ بذِكْرِ القُدرةِ على الانتقامِ؛ تخويفًا للمُشركينَ [1104] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/283). ، ولبيانِ أنَّه القادِرُ على إلقائِهم في المهالِكِ إِثْرَ بيانِ أنَّه هو المنَجِّي لهم منها، وفيه وعيدٌ ضمنيٌّ بالعذابِ؛ لإشراكِهم المذكورِ [1105] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/146). .
- وتعريفُ المسنَد والمُسنَد إليه في قوله: هُوَ الْقَادِرُ أفاد القَصْرَ؛ فأفاد اختصاصَه تعالى بالقُدرة على بَعْثِ العذابِ عليهم، وأنَّ غيرَه لا يَقْدِر على ذلك؛ فلا يَنبغي لهم أن يَخْشَوُا الأصنامَ، ولو أرادوا الخيرَ لأنفُسِهم، لخافوا اللهَ تعالى، وأفرَدُوه بالعِبادةِ لِمَرْضاتِه، فالقَصْرُ المستفادُ إضافيٌّ [1106] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/284). .
- وقيل: لم يَصُغْ قولَه: الْقَادِرُ صِيغةَ مبالغةٍ في قوله: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ؛ لأنَّهم لم يكونوا يُنْكِرونَ قُدرَتَه، إنما كانوا يَدَّعونَ المشارَكَةَ التي نفاها بالتَّخصيصِ، على أنَّ التعريفَ يُفيدُ به المبالغة [1107] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/143). .
- وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ عَلَيْكُمْ على المفعولِ الصَّريحِ عَذَابًا؛ للاعتناءِ به، والمسارَعَةِ إلى بيانِ كَوْنِ المبعوثِ مِمَّا يضرُّهم، ولتهويلِ أمْرِ المؤخَّر [1108] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/146). .
- قوله: وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ على قراءةِ (وَنُذِيقَ) بنونِ العَظَمَةِ، يكون فيه التفاتٌ؛ لتهويلِ الأمْرِ، والمبالغةِ في التحذيرِ، ونِسبةُ ذلك إلى اللهِ على سبيلِ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ القاهِرةِ [1109] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/544)، ((تفسير أبي السعود)) (3/146). .
- قوله: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ: في الأمْر بالنظر انْظُرْ تنزيلٌ للمعقولِ منزِلَةَ المحسوسِ؛ لِقَصْدِ التعجُّبِ منه [1110] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/285). .
- قوله: لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ استئنافٌ بيانيٌّ؛ جوابٌ لسؤالِ سائلٍ عن فائِدَةِ تصريفِ الآياتِ، وذلك رجاءَ حُصُولِ فَهْمِهم؛ لأنَّهم لعنادِهم كانوا في حاجَةٍ إلى إحاطةِ البيانِ بأفهامِهم؛ لعلَّها تتذكَّر وتَرْعَوي [1111] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/286). .
- وفيه تَكرارٌ لِمَا سبَقَ نظيرُه في هذه السُّورة مع الاختلافِ في ختامِ كلِّ آيةٍ، وهي قولُه: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ، وهنا قال: لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ، وإنَّما كرَّره طلبًا للرغبةِ في إيمانِ المذكورينَ؛ إِذِ التَّقديرُ: انظُرْ كيفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ (ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ)، أي: يُعْرِضون عنها، فلا تُعْرِضْ عنهم، بل كرِّرْها لهم؛ (لعلَّهم يَفْقَهون)، أي: يَفهمون؛ وإنَّما ختَم الأُولى بقوله: ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ، والثانيةَ بقوله: لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ؛ لأنَّ الإعراضَ عن الشَّيءِ أقبحُ من عدم فَهْمِه، فوُصِفوا بالأوَّلِ في الآيةِ الأولى؛ تَبَعًا لِما وُصِفوا به قبْلَها من قسوةِ قلوبِهم، ونسيانِهم ما ذُكِّروا به وغيرِهما، وذلك مفقودٌ في الثانيةِ [1112] يُنظر: ((أسرار التَّكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 109)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 167-168). .
4- قوله: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
- التَّعبيرُ عنهم بـقَوْمِكَ للتَّسجيلِ عليهم بسوءِ مُعامَلَتِهم لِمَن هو من أنْفُسِهم [1113] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/286). ، والمراد: بَعْضُهم؛ فإنَّ منهم أفاضِلَ المُسلمينَ والصِّديقَ وعليًّا رَضِيَ اللهُ عنهما [1114] يُنظر: ((البرهان)) للزركشي (2/273). .
- والتعديةُ بـ(على) في قوله: عَلَيْكُمْ؛ لتضمُّنه معنى الغَلَبَة والسُّلْطة، أي: لسْتُ بقَيِّمٍ عليكم، يمنعُكم من التكذيبِ [1115] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/287). .
5- قوله: لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ مستأنفةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ لأنَّ قولَه: وَهُوَ الْحَقُّ يُثيرُ سؤالَهم أن يقولوا: فمتى يَنْزِل العذابُ؟ فأُجيبوا بقولِه: لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ [1116] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/287). .