موسوعة القواعد الفقهية

الفَرعُ الثَّالِثُ: لا يَظهَرُ الضَّعيفُ في مُقابَلةِ القَويِّ


أوَّلًا: صيغةُ القاعِدةِ.
استُعمِلَتِ القاعِدةُ بهذه الصِّيغةِ المَذكورةِ: "لا يَظهَرُ الضَّعيفُ في مُقابَلةِ القَويِّ" [2762] يُنظر: ((المبسوط)) للسرخسي (2/32). ، وصيغةِ: "الضَّعيفُ لا يَظهَرُ في مُقابَلةِ القَويِّ" [2763] يُنظر: ((المبسوط)) للسرخسي (1/176). ، وصيغةِ: "يَجوزُ إدخالُ القَويِّ على الضَّعيفِ، ولا يَجوزُ إدخالُ الضَّعيفِ على القَويِّ" [2764] يُنظر: ((بحر المذهب)) للروياني (3/386). ، وصيغةِ: "يَدخُلُ القَويُّ على الضَّعيفِ ولا عَكسَ" [2765] يُنظر: ((الأشباه والنظائر)) للسيوطي (ص: 158). .
ثانيًا: المَعنى الإجماليُّ للقاعِدةِ.
المَسائِلُ الشَّرعيَّةُ مُتَفاوِتةُ المَراتِبِ؛ فمِنها القَويُّ، ومِنها الضَّعيفُ؛ إذ مِنها ما هو فَرضٌ، ومِنها ما هو مُختَلَفٌ في فرضيَّتِه، أو ما هو مُتَّفَقٌ على استِحبابِه، وهما ضعيفانِ بالنَّظَرِ إلى ما هو مُتَّفَقٌ على فرضيَّتِه، وتُفيدُ القاعِدةُ أنَّه إذا اجتَمَعَ قَويٌّ وضَعيفٌ مِنَ المَسائِلِ فإنَّ الضَّعيفَ لا يَظهَرُ، أي: لا يَجوزُ أن يَدخُلَ على القَويِّ، بخِلافِ القَويِّ؛ فإنَّه يَجوزُ إدخالُه على الضَّعيفِ؛ لكَونِه أقوى مِنه [2766] يُنظر: ((المبسوط)) للسرخسي (1/176) و (2/32)، ((التعليقة الكبيرة)) لأبي يعلى (2/216)، ((بحر المذهب)) للروياني (3/386). .
ثالِثًا: أدِلَّةُ القاعِدةِ.
دَلَّ على هذه القاعِدةِ ما سَبَقَ مِن أدِلَّةٍ في قاعِدةِ (الأقوى أحَقُّ بالحُكمِ).
رابِعًا: أمثِلةٌ للقاعِدةِ.
تَندَرِجُ تَحتَ هذه القاعِدةِ بَعضُ الفُروعِ الفِقهيَّةِ، مِنها:
1- مَن قَدِمَ يَومَ عَرَفةَ مُعتَمِرًا، فخاف أن يَفوتَه الحَجُّ إن طاف، أدخَلَ الحَجَّ على العُمرةِ، ويَكونُ قارِنًا، ولا يَجوزُ له أن يُدخِلَ العُمرةَ على الحَجِّ عِندَ الحَنابِلةِ؛ لأنَّ الحَجَّ آكَدُ مِنَ العُمرةِ؛ لأنَّه مُتَّفَقٌ على وُجوبِه، والعُمرةُ مُختَلَفٌ في وُجوبِها، ولأنَّ كُلَّ ما في العُمرةِ ففي الحَجِّ مِثلُه، ويَختَصُّ بأشياءَ زائِدةٍ، فلَم يَجُزْ إدخالُ الضَّعيفِ على القَويِّ [2767] يُنظر: ((التعليقة الكبيرة)) لأبي يعلى (2/216)، ((بحر المذهب)) للروياني (3/386). .
2- إذا صَلَّى الظُّهرَ في بَيتِه يَومَ الجُمُعةِ، ثُمَّ صَلَّى الجُمُعةَ مَعَ الإمامِ، فالجُمعةُ فَرضُه، ويَصيرُ الظُّهرُ تَطَوُّعًا له؛ لأنَّه بأداءِ الظُّهرِ ما سَقَطَ عنه الخِطابُ بالسَّعيِ إلى الجُمعةِ، فكان في أدائِها مُفتَرِضًا، ولا يَجتَمِعُ فرضانِ في وقتٍ واحِدٍ، فمِن ضَرورةِ كَونِ الجُمعةِ فَرضًا له أن يَنقَلِبَ ما قَبلَه تَطَوُّعًا، يوضِّحُ الفرقَ أنَّ الجُمعةَ أقوى مِنَ الظُّهرِ؛ لأنَّها تَستَدعي مِنَ الشَّرائِطِ ما لا يَستَدعيه الظُّهرُ، والضَّعيفُ لا يَظهَرُ في مُقابَلةِ القَويِّ، وإذا ظَهَرَ القَويُّ بأدائِه لإسقاطِ فَرضِ الوقتِ به سَقَطَ اعتِبارُ الضَّعيفِ، وكان تَطَوُّعًا [2768] يُنظر: ((المبسوط)) للسرخسي (1/176). .
3- لو قال: للهِ عَلَيَّ أن أصومَ في شَوَّالٍ، ثُمَّ ظاهَرَ مِنِ امرَأتِه فصامَ شَهرَينِ مُتَتابِعَينِ أحَدُهما شَوَّالٌ، أجزَأه مِنَ الظِّهارِ، كما نَواه، وعليه قَضاءُ المَنذورِ، بخِلافِ ما إذا صامَ عن ظِهارِه شَهرَينِ أحَدُهما رَمَضانُ وهو مُقيمٌ، فإنَّ صَومَه يَكونُ عن فَرضِ رَمَضانَ؛ لأنَّ صَومَ الظِّهارِ مِثلُ صَومِ المَنذورِ مِن حَيثُ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما وجَبَ بسَبَبٍ مِن جِهَتِه، فعن أيِّهما نَواه كان عن ذلك، وأمَّا صَومُ رَمَضانَ فأقوى مِن صَومِ الظِّهارِ؛ لأنَّه واجِبٌ بإيجابِ اللهِ تعالى ابتِداءً، وصَومُ الظِّهارِ إنَّما وجَبَ بسَبَبٍ مِن جِهةِ العَبدِ، والضَّعيفُ لا يَظهَرُ في مُقابَلةِ القَويِّ [2769] يُنظر: ((المبسوط)) للسرخسي (3/136). .
خامِسًا: مُكمِلاتٌ للقاعِدةِ.
فائِدةٌ:
هذه القاعِدةُ يُستَفادُ مِن آثارِها في عِلمَيِ الفِقهِ وأُصولِ الفِقهِ، فيَحتاجُ الفقيهُ والأُصوليُّ لمَعرِفةِ مَراتِبِ الأدِلَّةِ، كُلٌّ بما يُناسِبُ اختِصاصَه، فبِناءً على هذه القاعِدةِ تُرَتَّبُ الأدِلَّةُ، الأقوى أوَّلًا، ثُمَّ بَعدَ ذلك الضَّعيفُ.
- ففي الاجتِهادِ الفِقهيِّ والقَضائيِّ يُنظَرُ في مَراتِبِ الأدِلَّةِ؛ فيُقدَّمُ الرَّاجِحُ على المَرجوحِ عِندَ التَّعارُضِ [2770] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (9/ 173)، ((الاستغاثة في الرد على البكري)) (ص: 411)، كلاهما لابن تيمية. ، ومَن حَكَمَ بما يُخالِفُ مَراتِبَ الأدِلَّةِ نُقِضَ حُكمُه [2771] يُنظر: ((الغاية في اختصار النهاية)) للعز بن عبد السلام (7/ 421). .
- وفي عِلمِ أُصولِ الفِقهِ كذلك تَستَبينُ مَراتِبُ الأدِلَّةِ، وما يُقدَّمُ مِنها وما يُؤَخَّرُ [2772] يُنظر: ((غياث الأمم)) (ص: 404)، ((البرهان)) (2/1332) كلاهما لأبي المعالي الجويني. .

انظر أيضا: