موسوعة اللغة العربية

المَبْحَثُ الثَّالثُ: أغْراضُ الكِنايةِ


للكِنايةِ أسْبابٌ وأغْراضٌ تَأتي لتَحقيقِها، فاسْتِخدامُ الأسْلوبِ غيرِ المُباشرِ له اسْتِعمالاتٌ يَحْتاجُها ويَفتقِرُ إليها. ومِن تلك الأسْبابِ:
1- قصْدُ المدْحِ: وذلك مِثلُ قولِهم: طَويلُ النِّجادِ، كَثيرُ الرَّمادِ، جَبانُ الكلْبِ، مَهزولُ الفَصيلِ، مُكتنِزُ اللَّحمِ...
ويَحسُنُ اسْتِعمالُ الكِنايةِ هنا؛ لِما فيها مِن تَوْكيدٍ ومُبالَغةٍ عن طَريقِ اسْتِعمالِ الأسْلوبِ البَلاغيِّ اللَّطيفِ، وبما تُعْطيه مِن تَصويرٍ واقِعيٍّ للمَشهَدِ، فكأنَّك تَرى أمامَك هذا الرَّمادَ الكَثيفَ أمامَ بيتِ المَمدوحِ، معَ تَوارُدِ الدَّاخِلينَ عليه مِنَ الضِّيفانِ والأغْرابِ وأبْناءِ السَّبيلِ، فكان ذلك أقْرَبَ وأَوْلى مِن قولِك: "هو كَريمٌ".
2- قصْدُ الذَّمِّ: وذلك مِثلُ قولِهم: عَريضُ القَفا؛ للدَّلالةِ على الغَباءِ، وقولِهم: يُوقِدون النَّارَ في الوادي؛ كِنايةً عنِ البُخْلِ.
3- ترْكُ اللَّفظِ إلى ما هو أجمَلُ منه، كقَولِه تعالى: إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ [ص: 23] ، فكنَّى بالنَّعجةِ عنِ المَرأةِ، كعادَةِ العَربِ في ذلك؛ لأنَّ ترْكَ التَّصْريحِ بذكْرِ النِّساءِ أجمَلُ.
4- أنْ يكونَ التَّصْريحُ ممَّا يُستهجَنُ ذِكْرُه، ولِهذا كنَّى سُبحانه عنِ الجِماعِ بالمُلامَسةِ والمُباشَرَةِ والإفْضاءِ والدُّخولِ والغِشْيانِ، وكنَّى عنِ البَولِ ونحْوِه بالغائِطِ، فقال: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء: 43] ، وأصْلُ الغائِطِ: المَكانُ المُطمئِنُّ مِنَ الأرضِ، وكنَّى عن قَضاءِ الحاجَةِ بأكْلِ الطَّعامِ، فقال: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ [المائدة: 75] ، وأراد: كانا يَقضيانِ حاجتَهما.
5- قصدُ المُبالَغةِ: كقَولِه تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ [الفرقان: 27] ؛ فإنَّ العَضَّ على اليَدِ كِنايةٌ عنِ النَّدمِ والتَّحسُّرِ، لكنَّها تُفيدُ المُبالَغةَ في النَّدمِ، فليس كلُّ نَدَمٍ يعَضُّ معَه الإنْسانُ على يَدِه، ثمَّ أصْلُ النَّدَمِ أنْ يعَضَّ الإنْسانُ على أناملِه، فأراد القُرآنُ أنْ يُبيِّنَ مدى ندمِه على فَعْلتِه، فجعَله يعَضُّ لا على إصْبَعِه، ولا على يَدِه، بل على كِلتا يديه، كأنَّه جمَعَهما معًا وعضَّهما لشدَّةِ ندَمِه [363] ينظر: ((أنوار الربيع في أنواع البديع)) لابن معصوم المدني (5/311). .

انظر أيضا: