الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الخامِسَ عَشَرَ: الآثارُ الإيمانيَّةُ لاسْمِ اللهِ: المُعْطي

أن المؤمِن عندما يُدرِكُ أنَّ اللهَ تعالى متَّصِفٌ بالعطاءِ، فإنَّه يقطَعُ الأمَلَ مِن المخلوقينَ، ويُنزِلُ حوائِجَه بالمعطي المتفَرِّدِ بالعطاءِ، ويجعَلُ اللهَ هو الكُلَّ، وكُلَّ موجودٍ مع القدرةِ كالظِّلِّ لا حُكمَ له في الفِعلِ، فلا يَذُمُّ مانعًا بوجهٍ ولا يمدَحُ مُعطيًا إلَّا من حيث ينظُرُ إلى اللهِ، فيَمدَحُه لمَدْحِ اللهِ إيَّاه؛ إذ جرت بالخيرِ يداه على ما أجراهما اللهُ [3534] يُنظر: ((الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)) للقرطبي (1/357). .
ومن آثارِ هذا الاسمِ الكريمِ مَحَبَّةُ العَبدِ للهِ سُبحانَه، وحَمْدُه وشُكرُه والثناءُ عليه؛ لِما له من العَطايا المتنَوِّعةِ في الدِّينِ والدُّنيا، والتي لا تُعَدُّ ولا تُحصى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34] .
قال ابنُ القَيِّمِ: (لو لم يكُنْ مِن تحَبُّبِه إلى عبادِه وإحسانِه إليهم وبِرِّه بهم إلَّا أنَّه سُبحانَه خَلَق لهم ما في السَّمَواتِ والأرضِ وما في الدُّنيا والآخِرةِ، ثم أهَّلَهم وكَرَّمَهم، وأرسل إليهم رُسُلَه، وأنزل عليهم كُتُبَه، وشرع لهم شرائِعَه، وأذِنَ لهم في مناجاتِه كُلَّ وَقتٍ أرادوا، وكَتَب لهم بكُلِّ حَسَنةٍ يَعمَلونَها عَشرةَ أمثالِها إلى سبعِمائةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ، وكتب لهم بالسَّيِّئةِ واحدةً، فإن تابوا منها محاها وأثبت مكانَها حَسَنةً، وإذا بلغت ذنوبُ أحَدِهم عَنانَ السَّماءِ ثم استغفره غَفَر له، لو لَقِيَه بقُرابِ الأرضِ خَطايا ثمَّ لَقِيَه بالتوحيدِ لا يُشرِكُ به شيئًا، لأتاه بقرابِها مَغفِرةً، وشرع لهم التوبةَ الهادِمةَ للذُّنوبِ، فوَفَّقَهم لفِعْلِها ثم قَبِلَها منهم، وشَرَع لهم الحَجَّ الذى يَهدِمُ ما قَبْلَه فوفَّقَهم لفِعْلِه وكَفَّر عنهم سَيِّئاتِهم به، وكذلك ما شَرَعه لهم من الطَّاعاتِ والقُرُباتِ، وهو الذى أمَرَهم بها وخلَقَها لهم وأعطاهم إيَّاها، ورَتَّب عليها جزاءَها، فمنه السَّبَبُ ومنه الجزاءُ، ومنه التوفيقُ ومنه العطاءُ أوَّلًا وآخِرًا.
وهم محَلُّ إحسانِه فقط ليس منهم شيءٌ، إنما الفَضلُ كُلُّه والنِّعمةُ كُلُّها والإحسانُ كُلُّه منه أوَّلًا وآخِرًا: أعطى عَبْدَه مالَه وقال: تقرَّبٍ بهذا إليَّ أقبَلْه منك؛ فالعبدُ له والمالُ له والثوابُ منه، فهو المعطي أوَّلًا وآخِرًا، فكيف لا يحَبُّ مَن هذا شأنُه؟ وكيف لا يستحي العَبدُ أن يَصرِفَ شيئًا من محبَّتِه إلى غيرِه؟ ومَن أولى بالحَمدِ والثَّناءِ والمَحَبَّةِ منه؟ ومَن أولى بالكَرَمِ والجُودِ والإحسانِ منه؟ فسُبحانَه وبحَمْدِه لا إلهَ إلَّا هو العزيزُ الحَكيمُ!) [3535] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) (ص: 316). .
ومن آثارِ الإيمانِ بهذا الاسمِ الكريمِ أنَّه يحمِلُ العَبدَ على السَّخاءِ بما في اليَدِ، وإعطائِه لِمُستحِقِّه من الفقراءِ والمحتاجين -مع عَدَمِ المَنِّ بالعَطِيَّةِ-؛ لأنَّ المالَ مالُ اللهِ، وهو المعطي على الحقيقةِ، كما قال تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد: 7].
قال ابنُ كثيرٍ: (حَثٌّ على الإنفاقِ ممَّا جعَلَكم مُستخلَفينَ فيه، أي: مِمَّا هو معكم على سبيلِ العاريَّةِ؛ فإنَّه قد كان في أيدي من قَبْلَكم، ثم صار إليكم، فأرشَدَ تعالى إلى استعمالِ ما استخلَفَهم فيه من المالِ في طاعتِه، فإن يفعَلوا وإلَّا حاسبهم عليه وعاقَبَهم؛ لتركِهم الواجباتِ فيه) [3536] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 11). .

انظر أيضا: