الموسوعة العقدية

 الْكَيْدُ لأعْدَائِه

صِفةٌ فعليَّةٌ ثابتةٌ للَّهِ عزَّ وجلَّ بالكِتابِ، ولا يُوصَفُ به إلَّا مُقَيَّدًا في مُقابلةِ كَيْدِ المخلوقِ.
الدَّليلُ:
1- قولُه تَعالَى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف: 76] .
2- قَولُه: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: 16].
3- قَولُه: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: 183] .
قال أبو إسحاقَ الحربيُّ: (الكيدُ مِن اللهِ خِلافُه منَ النَّاسِ، كما أنَّ المَكْرَ منه خلافُه مِنَ النَّاس) [2813] يُنظر: ((غريب الحديث)) (1/94). .
وهذا إثباتٌ منه لصِفةِ الكيدِ والمكرِ على حَقيقتِهما.
وقال ابنُ تَيميَّةَ رادًّا على مَن زعَمَ أنَّ في القرآنِ مجازًا: (وكذلك ما ادَّعوا أنَّه مجازٌ في القُرآنِ؛ كلَفظِ: المَكْرِ والاستِهْزاءِ والسُّخريَّةِ المضافِ إلى اللهِ، وزعَموا أنَّه مُسمًّى باسمِ ما يُقابِلُه على طريقِ المجازِ، وليس كذلِك، بل مُسمَّياتُ هذِه الأسماءِ إذا فُعِلَتْ بمَن لا يَستحقُّ العقوبةَ كانتْ ظُلمًا له، وأمَّا إذا فُعِلَت بمَن فَعَلها بالمَجْنيِّ عليه عقوبةً له بمِثل فِعلِه، كانتْ عَدلًا، كما قال تَعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ، فكادَ له كما كادتْ إخوتُه لَمَّا قال له أبوه: لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا، وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: 15-16]) [2814] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/111). .
وقال أيضًا: (وهكذا وصَفَ نفْسَه بالمَكْر والكيدِ، كما وصَفَ عبدَه بذلك، فقال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا، وليس المَكْرُ كالمكرِ، ولا الكيدُ كالكيدِ) [2815] يُنظر: ((العقيدة التَّدمُريَّة)) (ص: 26). ويُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/415)، ((مختصر الصواعق المرسلة)) لابن الموصلي (2/32-34). .
وقال محمَّد خليل هرَّاس -عندَ قَولِه تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ...، وقَولِه: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا- قال رحمه الله: (تَضمَّنتْ هذه الآياتُ إثباتَ صِفتَيِ المَكْرِ والكيدِ، وهما مِن صِفاتِ الفِعلِ الاختياريَّةِ، ولكِنْ لا يَنبغي أن يُشْتَقَّ له مِن هاتينِ الصِّفتينِ اسمٌ، فيُقالَ: ماكرٌ، وكائدٌ، بل يُوقَفُ عندَ ما ورَدَ به النصُّ مِن أنَّه خيرُ الماكرينَ، وأنَّه يَكيدُ لأعدائِه الكافِرين) [2816] يُنظر: ((شرح الواسطية)) (ص: 123). .
وقال الشِّنقيطيُّ: (اتَّفَق السَّلَفُ أنَّه لا يُنسَبُ إلى اللهِ تعالى على سَبيلِ الإطلاقِ، ولا يجوزُ أن يُشتَقَّ له منه اسمٌ، وإنَّما يُطلَقُ في مقابِلِ فِعلِ العِبادِ؛ لأنَّه في غيرِ المقابَلةِ لا يليقُ باللهِ تعالى، وفي مَعرِضِ المقابَلةِ فهو في غايةِ العِلمِ والحِكمةِ والقُدرةِ، والكَيدُ أصلُه المعاجَلةُ للشَّيءِ بقُوَّةٍ) [2817] يُنظر: ((أضواء البيان)) (8/ 496). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (إذا كانت الصِّفةُ كَمالًا في حالٍ، ونقصًا في حالٍ؛ لم تكُنْ جائزةً في حَقِّ اللهِ، ولا ممتَنِعةً على سبيلِ الإطلاقِ، فلا تُثبَتُ له إثباتًا مُطلَقًا، ولا تُنفى عنه نفيًا مُطلقًا، بل لا بُدَّ مِن التَّفصيلِ، فتجوزُ في الحالِ التي تكونُ كمالًا، وتمتَنِعُ في الحالِ التي تكونُ نقصًا، وذلك كالمَكْرِ، والكَيدِ، والخِداعِ، ونَحْوِها، فهذه الصِّفاتُ تكونُ كَمالًا إذا كانت في مُقابلةِ من يعامِلونَ الفاعِلَ بمِثْلِها؛ لأنَّها حينَئذٍ تدُلُّ على أنَّ فاعِلَها قادِرٌ على مُقابلةِ عَدُوِّه بمِثلِ فِعْلِه أو أشَدَّ، وتكونُ نقصًا في غيرِ هذه الحالِ؛ ولهذا لم يَذكُرْها اللهُ تعالى من صِفاتِه على سبيلِ الإطلاقِ، وإنَّما ذكَرَها في مُقابَلةِ مَن يُعامِلونَه ورُسُلَه بمِثْلِها، كقَولِه تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران: 54] ، وقَولِه: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: 15، 16]، وقَولِه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: 182، 183]، وقَولِه: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: 142]، وقَولِه: قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 14، 15]؛ ولهذا لم يذكُرِ اللهُ أنَّه خان مَن خانوه، فقال تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 71]، فقال: فأمكَنَ منهم، ولم يقُلْ: فخانهم؛ لأنَّ الخيانةَ خِدعةٌ في مقامِ الائتِمانِ، وهى صِفةُ ذَمٍّ مُطلقًا) [2818] يُنظر: ((القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى)) (ص: 20). .
وانظُرْ: صِفةَ (الخِدَاعِ) و(المَكْرِ).

انظر أيضا: