الموسوعة العقدية

المَبْحَثُ الرَّابعُ: من وظائِفِ الرُّسُلِ: التبشيرُ والإنذارُ

دعوةُ الرُّسُلِ إلى اللهِ تقترنُ دائمًا بالتبشيرِ والإنذارِ.
قال اللهُ تعالى: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأنعام: 48، 49].
قال ابنُ جَريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: وما نُرسِلُ رُسُلَنا إلَّا ببِشارةِ أهلِ الطَّاعةِ لنا بالجنَّةِ والفَوزِ المُبِينِ يومَ القيامةِ؛ جزاءً مِنَّا لهم على طاعتِنا، وبإنذارِ من عصانا وخالف أمْرَنا عُقوبَتَنا إيَّاه على معصِيَتِنا يومَ القيامةِ؛ جزاءً مِنَّا على معصِيَتِنا؛ لنُعذِرَ إليه، فيَهلِكَ إن هلك عن بَيِّنةٍ) [661] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/ 254). .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ في شَأنِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب: 45، 46].
قال السَّعْديُّ: (كونُه مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وهذا يَستلزمُ ذِكرَ المُبَشَّرِ والمُنْذَرِ، وما يُبَشَّرُ به ويُنذَرُ، والأعمالِ المُوجِبةِ لذلك.
فالمُبَشَّرُ هم: المُؤمِنون المتَّقون الذين جمعوا بين الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، وتَرْكِ المعاصي، لهم البُشرى في الحياةِ الدُّنيا بكُلِّ ثوابٍ دُنيويٍّ ودِينيٍّ رُتِّبَ على الإيمانِ والتقوى، وفي الأخرى بالنَّعيمِ المقِيمِ.
وذلك كُلُّه يَستلزِمُ ذِكْرَ تفصيلِ المذكورِ من تفاصيلِ الأعمالِ، وخِصالِ التقوى، وأنواعِ الثَّوابِ.
والمُنْذَرُ هم: المجرِمون الظَّالِمون، أهلُ الظُّلمِ والجَهلِ، لهم النِّذارةُ في الدُّنيا من العُقوباتِ الدُّنيويَّةِ والدِّينيَّةِ المترتِّبةِ على الجَهلِ والظُّلمِ، وفي الأُخرى بالعِقابِ الوَبيلِ، والعَذابِ الطَّويلِ.
وهذه الجُملةُ تفصيلُها ما جاء به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، المشتَمِلُ على ذلك) [662] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 667). .
وقال ابنُ باز: (قال عَزَّ وجَلَّ: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، فبَيَّن سُبحانَه وتعالى أنَّ الرُّسُلَ بُعِثوا مُبَشِّرين ومُنْذِرين؛ مُبَشِّرين من أطاعهم بالنَّصرِ والتأييدِ والجنَّةِ والكرامةِ، ومُنْذِرين من عصاهم بالخَيبةِ والنَّدامةِ والنَّارِ) [663] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (3/104-106). .
وعن أبي موسى الأشعَريِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنما مَثَلي ومَثَلُ ما بعَثَني اللهُ به كمَثَلِ رَجُلٍ أتى قومًا، فقال: يا قَومِ، إني رأيتُ الجَيشَ بعَينيَّ، وإنِّي أنا النذيرُ العُريانُ، فالنَّجَاءَ! فأطاعه طائفةٌ مِن قَومِه، فأدلجوا، فانطَلَقوا على مَهْلِهم، فنَجَوا، وكذَّبَتْه طائِفةٌ منهم، فأصبَحوا مكانَهم، فصَبَّحهم الجيشُ، فأهلَكَهم واجتاحَهم؛ فذلك مَثَلُ من أطاعني، فاتَّبَع ما جئتُ به، ومَثَلُ من عصاني وكذَّب بما جِئتُ به من الحَقِّ )) [664] رواه البخاري (7283) واللفظ له، ومسلم (2283). .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ: (هذا ضَربُ مَثَلٍ لحالِه في الإنذارِ، ولأحوالِ السَّامِعينَ لإنذارِه؛ فإنَّه أنذرهم بما عَلِمَه من عقابِ اللهِ، وبما يتخوَّفُ عليهم من فَجْأتِه، فمن صَدَّقه نجا، ومن أعرض عنه هلك...
وقَولُه: ((وإنِّي أنا النَّذيرُ العُريانُ)) هذا مَثَلٌ، قيل: كان أصلُه: أنَّ رَجُلًا مُعَيَّنًا سلبه العَدُوُّ، فانفَلَت منهم، فأنذر قَومَه عُريانًا. وقيل: كان الرَّجُلُ مِنَ العَرَبِ إذا رأى ما يوجِبُ إنذارَ قَومِه تجَرَّد من ثيابِه، وأشار إليهم ليُعلِمَهم بما دهمَهم، وهذا أشبَهُ وأليَقُ بمقصودِ الحديثِ) [665] يُنظر: ((المفهم)) (6/ 85). .
وتبشيرُ الرُّسُلِ وإنذارُهم دُنيويٌّ وأُخرويٌّ.
فهم في الدُّنيا يُبَشِّرون الطَّائعين بالحياةِ الطَّيِّبةِ.
قال اللهُ تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: 97].
وقال اللهُ سُبحانَه: فَمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123] .
ويَعِدُونَهم بالعِزِّ والتمكينِ والأمنِ.
قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: 55] .
ويخوِّفون العُصاةَ بالشَّقاءِ الدُّنيويِّ.
قال اللهُ تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه: 124] .
ويُحَذِّرونهم العذابَ والهلاكَ الدُّنيويَّ.
قال اللهُ سُبحانَه: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فَصْلت: 13].
وفي الآخِرةِ يُبَشِّرون الطَّائعين بالجنَّةِ ونعيمِها.
قال اللهُ سُبحانَه: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء: 13] .
ويخَوِّفون المجرِمين والعُصاةَ عَذابَ اللهِ في الآخِرةِ.
قال اللهُ تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء: 14] .

انظر أيضا: