الموسوعة العقدية

المطلبُ الثالثُ: الأخبارُ الغَيبيَّةُ المُتعَلِّقةُ بالمُستقبَل

هذا النَّوعُ آياتُه كثيرةٌ، ومِن ذلك وَعدُ اللهِ سُبحانَه للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه رَضِيَ اللهُ عنهم بدُخولِ مَكَّةَ، قال اللهُ تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ [الفتح: 27]، ثم وقع هذا الحادِثُ كما أخبر اللهُ عَزَّ وجَلَّ.
ومن ذلك قَولُه تعالى مخاطبًا نبيَّه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: 67] ، فلم يستَطِعْ أحَدٌ أن يَصِلَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقَتلٍ مع كَثرةِ المتربِّصين له.
قال البَزْدَويُّ: (القُرْآنُ مُعجِزةٌ بنَظْمِه وبمعناه؛ فإنَّ فيه أخبارًا عن كوائِنَ لا يَعرِفُها إلَّا اللهُ تعالى، وهي كما أخبر... القُرْآنُ كان مُعْجِزًا، وهو مُعْجِزٌ الآن وفي المستقبَلِ؛ لأنَّ الخَلقَ كانوا عاجزين عن الإتيانِ بمِثْلِه أو مِثْلِ سُورةٍ منه) [279])) يُنظر: ((أصول الدين)) (ص: 227). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (بابُ ما أخبر به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الكائناتِ المُستقبَلةِ في حياتِه وبَعْدَه، فوقعت طِبْقَ ما أخبر به سواءً بسواءٍ.
وهذا بابٌ عظيمٌ لا يمكِنُ استِقصاءُ جميعِ ما فيه لكَثرتِها، ولكِنْ نحن نشيرُ إلى طَرَفٍ منه، وباللهِ المُستعانُ، وعليه التُّكلانُ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العزيزِ الحكيمِ، وذلك مُنتَزَعٌ من القُرْآنِ ومِن الأحاديثِ.
أمَّا القُرْآنُ فقال تعالى في سورةِ "المُزَّمِّلِ" وهي من أوائِلِ ما نَزَلْ بِمَكَّةَ: عَلِمَ أَنْ سَيَكونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلونَ في سَبيلِ اللَّهِ [المزمل: 20]، ومعلومٌ أنَّ الجِهادَ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا بِالمَدينةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ.
وقالَ تعالى في سورَةِ "اقْتَرَبَتْ"، وهيَ مَكِّيَّةٌ أَمَ يَقولونَ نَحْنُ جَميعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القَمَرِ: 45، 44]، ووقَعَ هَذا يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدْ تَلاها رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو خارِجٌ مِنَ العَريشِ، ورَماهم بِقَبضَةٍ مِنَ الحَصباءِ، فكانَ النَّصْرُ والظَّفَرُ، وهَذا مِصْداقُ ذاكَ.
وقالَ تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَبٍ وتَبَّ ما أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ. فأَخبَرَ أَنَّ عَمَّه عَبْدَ العُزَّى بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ المُلَقَّبَ بِأَبي لَهَبٍ سَيَدْخُلُ النَّارَ هو وامْرَأَتُه، فَقَدَّرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أَنَّهما ماتا على شِرْكِهما لَمْ يُسْلِما، حَتَّى ولا ظاهِرًا، وهَذا مِنْ دَلائِلَ النُّبوَّةِ الباهِرَةِ.
وقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيرًا [الإسراء: 88]، وقالَ تعالى في سورَةِ البَقَرَةِ: وإِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلَى عَبْدِنا فَأْتوا بِسورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وادْعوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلوا ولَنْ تَفْعَلوا [البَقَرَةِ: 23، 24]، فَأَخْبَرَ أَنَّ جَميعَ الخَليقَةِ لَوِ اجْتَمَعوا وتَعاضَدوا وتَناصَروا وتَعاونوا عَلَى أَنْ يَأْتوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ في فَصاحَتِه وبَلاغَتِه وحَلاوتِه، وإِحْكامِ أَحْكامِه، وبَيانِ حَلالِه وحَرامِه، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجوهِ إِعْجازِه، لَما اسْتَطاعوا ذَلِكَ، ولَما قَدَروا عليه، ولا على عَشْرِ سُوَرٍ منه، بَلْ ولا سورَةٍ، وأخْبَرَ أنَّهم لَنْ يَفْعَلوا ذلك أبَدًا، و "لَنْ" لِنَفْيِ التَّأْبيدِ في المُسْتَقْبَلِ، ومِثْلُ هَذا التَّحَدِّي، وهَذا القَطْعِ، وهَذا الإِخْبارِ الجازِمِ، لا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ واثِقٍ بِما يُخْبِرُ به، عالِمٍ بِما يَقولُه، قاطِعٍ بِأَنَّ أَحَدًا لا يُمْكِنُه أن يُعارِضَه، ولا يَأْتيَ بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ عَنْ رَبِّه عَزَّ وجَلَّ.
وقال تعالى: وعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنْكُمْ وعَمِلوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: 55]. وهَكَذا وقَعَ سَواءً بِسَواءٍ، مَكَّنَ اللَّهُ هَذا الدِّينَ وأَظْهَرَه وأَعْلاه ونَشَرَه في سائِرِ الآفاقِ، وأنفَذَه وأَمْضاه، وقَدْ فَسَّرَ كَثيرٌ مِنَ السَّلَفِ هَذِهِ الآيَةَ بِخِلافةِ الصِّدِّيقِ، ولا شَكَّ في دُخولِه فيها، ولكِنْ لا تَخْتَصُّ به، بل تَعُمُّه كما تَعُمُّ غيرَه، كما ثَبتَ في «الصَّحيحِ»: «إِذا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وإذا هَلَكَ كِسْرَى فَلا كِسْرَى بعْدَه، والَّذي نَفْسي بيَدِه لَتُنْفَقَنَّ كُنوزَهُما في سَبيلِ اللَّهِ» [280])) أخرجه البخاري (6629) واللفظ له، ومسلم (2918) من حَديثِ جابر بن سمرة رَضِيَ اللهُ عنه. . وقَدْ كانَ ذَلِكَ في زَمَنِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ أَبي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، رَضيَ اللَّهُ عَنهم وأَرْضاهم.
وقالَ تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ ليُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ [التوبة: 33] . وهَكَذا وقَعَ، وعَمَّ هَذا الدِّينُ، وغَلَبَ وعَلا على سائِرِ الأَدْيانِ، في مَشارِقِ الأَرْضِ ومَغارِبِها، وعَلَتْ كَلِمَتُهُ في زَمَنِ الصَّحابَةِ ومَنْ بَعَدَهم، وذَلَّتْ لَهم سائِرُ البِلادِ، ودانَ لَهم جَميعُ أَهْلِها على اخْتِلافِ أَصْنافِهم، وصارَ النَّاسُ إِمَّا مُؤْمِنًا داخِلًا في الدِّينِ، وإِمَّا مُهادِنًا باذِلًا الطَّاعةَ والمالَ، وإِمَّا مُحارِبًا خائِفًا وجِلًا مِنْ سَطْوةِ الإِسْلامِ وأَهْلِه، وقَدْ ثَبَتَ في الحَديثِ: «إِنَّ اللَّهَ زَوى ليَ الأَرْضَ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسيبلُغُ مُلْكُ أُمَّتي ما زُوِيَ لي مِنْها» [281])) أخرجه مسلم (2889) باختلافٍ يسيرٍ مُطَوَّلًا من حَديثِ ثوبانَ رَضِيَ اللهُ عنه. .
وقال تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفينَ مِنَ الأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: 16]، وسَواءٌ كانَ هَؤُلاءِ هم هَوازِنَ، أَوْ أَصْحابَ مُسَيلِمةَ، أَوِ الرُّومَ، فَقَدْ وقَعَ ذلك.
وقال تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وكَفَّ أَيْديَ النَّاسِ عَنْكُمْ ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنينَ ويَهْديَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقيمًا وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِروا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِهَا وكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرًا [الفَتْحِ: 20، 21]، وسَواءٌ كانَتْ هَذِهِ الأُخْرَى خَيْبَرَ أَوْ مَكَّةَ فَقَدْ فُتِحَتْ وأُخِذَتْ كَما وقَعَ بِهِ الوعْدُ سَواءً بِسَواءٍ.
وقال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ومُقَصِّرينَ لَا تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَريبًا [الفتح: 27]، فَكانَ هَذا الوعْدُ في سَنَةِ الحُدَيْبيَةِ عامَ سِتٍّ، ووقَعَ إِنْجازُهُ في سَنَةِ سَبْعٍ، عامَ عُمْرَةِ القَضاءِ...
وقالَ تعالى: سَيَحْلِفونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ [التوبة: 95] ، وهَكَذا وقَعَ ‌لَمَّا ‌رَجَعَ ‌صَلَّى ‌اللَّهُ ‌عَلَيْهِ ‌وسَلَّمَ ‌مِنْ ‌غَزْوةِ تَبوكَ كانَ قَدْ تَخَلَّفَ عنه طائِفةٌ مِنَ المُنافِقينَ، فَجَعَلوا يَحْلِفونَ بِاللَّهِ لَقَدْ كانوا مَعْذورينَ في تَخَلُّفِهم، وهم في ذلك كاذِبونَ، فأَمَرَ اللهُ رَسولَه أن يُجْريَ أَحْوالَهم على ظاهِرِها، ولا يَفْضَحَهم عِنْدَ النَّاسِ، وقد أطلَعَه اللهُ على أَعْيانِ جَماعَةٍ مِنْهم أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَكانَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ مِمَّنْ يَعْرِفُهم بِتَعْريفِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم إيَّاه.
وقالَ تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَليلًا [الإسراء: 76] ، وهَكَذا وقَعَ لَمَّا اشْتَوَروا عليه ليُثْبِتوه أو يَقْتُلوه أو يُخْرِجوه مِن بَيْنِ أَظْهُرِهم، ثُمَّ وقَعَ الرَّأْيُ على القَتْلِ، فَعندَ ذلك أمَرَ اللهُ رَسولَه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بالخُروجِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهم، فَخَرَجَ هو وصَديقُه أَبو بَكْرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فَكَمَنا في غارِ ثَوْرٍ ثَلاثًا، ثُمَّ ارْتَحَلا بَعْدَها،... وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِه: إِلَّا تَنْصُروهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 39] . وهو المُرادُ مِنْ قَوْلِه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: 30] ، ولِهَذا قالَ: وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا، وقَدْ وقَعَ كَما أخبرَ؛ فَإِنَّ المَلَأَ الذين اشْتَوَروا على ذلك لَم يَلْبَثوا بِمَكَّةَ بَعدَ هِجْرَتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا رَيثَما استَقَرَّ رِكابُه الشَّريفُ بِالمَدينةِ وتابَعَه المُهاجِرونَ والأنصارُ، ثُمَّ كانت وقْعَةُ بَدْرٍ فَقُتِلَتْ تِلْكَ النُّفوسُ، وكُسِرَتْ تلك الرُّؤوسُ...
وقالَ تعالى: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: 1 - 6] . وهَذا الوعْدُ وقَعَ كما أخبَرَ به، وذلك أنَّه لَمَّا غَلَبت فارِسُ الرُّومَ فَرِحَ المُشْرِكونَ، واغْتَمَّ بذلك المُؤْمِنونَ؛ لأَنَّ النَّصارى أقْرَبُ إلى الإِسلامِ مِنَ المَجوسِ، فأخبَرَ اللهُ رَسولَه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ الفُرْسَ بَعدَ هذه المُدَّةِ ببِضْعِ سِنينَ... فوقع الأمرُ كما أخبر به القُرْآنُ، غَلَبت الرُّومُ فارِسَ بعد غَلَبِهم غَلَبًا عَظيمًا جِدًّا...
وقال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: 53] ، وكذلك وقَعَ، أظْهر اللهُ مِنْ آياتِه ودَلائِلِه في أنْفُسِ البَشَرِ وفي الآفاقِ بما أوقعَه مِنَ النَّاسِ بأعْداءِ النُّبوَّةِ ومُخالِفي الشَّرْعِ مِمَّنْ كَذَّبَ به مِنْ أهلِ الكِتابَيْنِ والمَجوسِ والمُشْرِكينَ ما دَلَّ ذَوي البَصائِرِ والنُّهَى على أنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ ما جاء به منَ الوحْيِ عن اللهِ صِدْقٌ) [282])) يُنظر: ((البداية والنهاية)) (9/ 114-121). .

انظر أيضا: