الموسوعة العقدية

الفَصْلُ الثَّاني: حُكمُ الإيمانِ بالكُتُبِ

الإيمانُ بكُتُبِ اللهِ التي أنزلها على رُسُلِه عليهم السَّلامُ ركنٌ عظيمٌ من أركانِ الإيمانِ، فلا يتحقَّقُ الإيمانُ مِن دُونِه.
قال عِياضٌ: (إنْ جَحَد التوراةَ والإنجيلَ وكُتُبَ اللهِ المُنَزَّلةَ، أو كَفَر بها أو لعَنَها أو سَبَّها أو استخَفَّ بها؛ فهو كافِرٌ) [5] يُنظر: ((الشفا)) (2/304). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (لو آمن بجميعِ الكُتُبِ وكَفَر بكِتابٍ، كان كافِرًا حتى يؤمِنَ بذلك الكِتابِ) [6] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (1/371).  .
وقد دلَّ على ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ.
أوَّلًا: الأدِلَّةُ من الكِتابِ:
1- قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: 136] .
قال ابنُ جريرٍ: (لا يصِحُّ إيمانُ أحَدٍ مِنَ الخَلقِ إلَّا بالإيمانِ بما أمره اللهُ بالإيمانِ به، والكُفرُ بشَيءٍ منه كُفرٌ بجميعِه) [7] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/594-596). .
واعلَمْ أنَّ الكُفرَ بشَيءٍ من هذه المذكوراتِ كالكُفرِ بجَميعِها؛ لتلازُمِها وامتناعِ وُجودِ الإيمانِ ببَعْضِها دونَ بَعضٍ) [8] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 209). .
2- قَولُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: 285] .
قال ابنُ تيميَّةَ: (شهد تعالى للمُؤمِنين بأنَّهم آمنوا بما آمن به رسولُهم ثم شَهِد لهم جميعًا بأنَّهم آمَنوا باللهِ ومَلائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه؛ فتضمَّنت هذه الشَّهادةُ إيمانَهم بقواعِدِ الإيمانِ الخَمسةِ التي لا يكونُ أحدٌ مُؤمِنًا إلَّا بها، وهي: الإيمانُ باللهِ ومَلائِكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ. وقد ذكر تعالى هذه الأصولَ الخَمسةَ في أوَّلِ السُّورةِ ووَسَطِها وآخِرِها) [9] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (14/134). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: 136] .
قال السَّعديُّ: (فيه الإيمانُ بجميعِ الكُتُبِ المُنَزَّلةِ على جميعِ الأنبياءِ، والإيمانُ بالأنبياءِ عُمومًا وخصوصًا، ما نَصَّ عليه في الآيةِ؛ لشَرَفِهم ولإتيانِهم بالشَّرائعِ الكِبارِ؛ فالواجِبُ في الإيمانِ بالأنبياءِ والكُتُبِ أن يُؤمَنَ بهم على وَجهِ العُمومِ والشُّمولِ، ثمَّ ما عُرِف منهم بالتفصيلِ وجب الإيمانُ به مُفَصَّلًا) [10] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 68). .
4- قَولُ اللهِ سُبحانَه: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: 177] .
قال ابنُ باز في تفسيرِ الكِتابِ: (المرادُ به الكُتُبُ المُنَزَّلةُ من السَّماءِ، وأعظَمُها القُرْآنُ الكريمُ؛ فأهلُ الإيمانِ يُؤمِنون بجميعِ الكُتُبِ المُنَزَّلةِ على الأنبياءِ الماضينَ، وآخِرُها وأعظَمُها وأشرَفُها القُرْآنُ العظيمُ المنَزَّلُ على مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [11] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (4/46). .
ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ:
1- عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ جبريلَ عليه السَّلامُ سأل النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الإيمانِ، فقال: ((أن تؤمِنَ باللهِ، ومَلائِكَتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليَومِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه )) [12] رواه مسلم (8) مطولاً. .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ عن الإيمانِ بكُتُبِ اللهِ: (هو التصديقُ بأنَّها كلامُ اللهِ، ومِن عِندِه، وأنَّ ما تضمَّنَتْه حَقٌّ، وأنَّ الله تعالى تعَبَّد خَلْقَه بأحكامِها وفَهْمِ مَعانيها) [13] يُنظر: ((المفهم)) (1/ 145). .
2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه كان من دعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عند النَّومِ: ((اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأرْضِ وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شيءٍ، فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بكَ مِن شَرِّ كُلِّ شيءٍ أَنْتَ آخِذٌ بنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الأوَّلُ فليسَ قَبْلَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فليسَ بَعْدَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فليسَ فَوْقَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فليسَ دُونَكَ شيءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ )) [15] رواه مسلم (2713). .
قال الطِّيبيُّ: (عقَّب ذلك كُلَّه بقَولِه: ((مُنزِلَ التَّوراةِ))؛ ليؤذِنَ بأن لم يكُنْ إخراجُ الأشياءِ من كَتمِ العَدَمِ إلى فضاءِ الوُجودِ إلا ليُعلَمَ ويُعبدَ، ولا يحصُلُ ذلك إلَّا بكِتابٍ يُنزِلُه، ورسولٍ يَبعَثُه، كأنَّه قيل: يا مالِكُ، يا مُدَبِّرُ، يا خالِقُ، يا هادي) [16] يُنظر: ((شرح المشكاة)) (6/ 1887). .
والإيمانُ بالكُتُبِ المُنَزَّلةِ أمرُ متَّفَقٌ على وُجوبِه وكُفرِ تارِكِه.
قال ابنُ بطَّة: (كذلك وجوبُ الإيمانِ والتصديقِ بجميعِ ما جاءت به الرُّسُلُ من عندِ اللهِ، وبجميعِ ما قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فهو حقٌّ لازمٌ، فلو أنَّ رجلًا آمن بجميعِ ما جاءت به الرُّسُلُ إلَّا شيئًا واحدًا، كان برَدِّ ذلك الشَّيءِ كافرًا عند جميعِ العُلَماءِ) [17] يُنظر: ((الإبانة الصغرى)) (ص: 232). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (قد اتَّفَق المُسلِمون على ما هو معلومٌ بالاضطرارِ مِن دينِ الإسلامِ، وهو أنَّه يجبُ الإيمانُ بجَميعِ الأنبياءِ والمُرسَلين وبجميعِ ما أنزله اللهُ مِن الكُتُبِ) [18] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) (2/371). .
ومن الأدِلَّةُ العَقليَّةِ على وُجوبِ الإيمانِ بالكُتُبِ [19] يُنظر: ((منهاج المسلم)) لأبي بكر الجزائري (ص: 21). :
1- ضَعفُ الإنسانِ واحتياجُه إلى رَبِّه في إصلاحِ جِسْمِه ورُوحِه يقتضي إنزالَ كُتُبٍ تتضَمَّنُ التشريعاتِ والقوانينَ المحقِّقةَ للإنسانِ كَمالاتِه، وما تتطَلَّبُه حياتاه الأُولى والأُخرى.
2 - لَمَّا كان الرُّسُلُ هم الواسِطةَ بين اللهِ تعالى الخالقِ وبين عبادِه المخلوقين، وكان الرُّسُلُ كغيرِهم من البَشَرِ يَعيشون زمَنًا ثم يموتون، فلو لم تكُنْ رِسالاتُهم قد تضمَّنَتْها كُتُبٌ خاصَّةٌ لكانت تضيعُ بموتِهم، ويبقى النَّاسُ بعدهم بلا رسالةٍ، فيضيعُ الغَرَضُ الأصليُّ مِنَ الوَحيِ والرِّسالةِ؛ فكانت هذه حالًا تقتضي إنزالَ الكُتُبِ الإلهيَّةِ.
3 - إذا لم يكُنِ الرَّسولُ الدَّاعي إلى اللهِ تعالى يحمِلُ كِتابًا من عندِ رَبِّه فيه التشريعُ والهدايةُ والخيرُ، سَهُل على النَّاسِ تكذيبُه وإنكارُ رِسالتِه؛ فكانت هذه حالًا تقضي بإنزالِ الكُتُبِ الإلَهيَّةِ، لإقامةِ الحُجَّةِ على النَّاسِ.

انظر أيضا: